(( الجار القريب ولا الأخ البعيد ))
اليوم هو صباح عيد الميلاد السعيد وأنا جالس كغيري من أبناء الوطن في البيت أنتظر قدوم الأحبة والأخوة وتهنئة بعضنا للبعض الأخر بهذه المناسبة العظيمة ، ولكن جرس بابي لم يدق فقلت بنفسي ربما التيار الكهربائي مقطوع علماً بأن التيار لا وجود له من الاساس ، ففتحت باب الدار لقدوم الضيوف ومع ذلك مرت ساعات وساعات ولم يقول لي أحد ــ عيدوخ بريخا ــ ويعني عيدك مبارك .
حزنت كثيراً وتذكرت الماضي الجميل تذكرت كراج الأمانة وكمب الكيلاني والدورة وكمب سارة ونعيرية وكيارة ..... تذكرت مناطق بغداد كلها في الستينات والسبعينات وخاصة أيام العيد حيث كان الشباب والشيوخ وحتى النساء جماعات جماعات يدخلون البيوت ويهنئون أهلها بالعيد السعيد .
كان العيد محبة واليوم أصبح العيد حقد وكراهية ..... كان العيد فرحة واليوم العيد حزن وألالام ..... كان العيد سلام واليوم العيد في وطني العزيز حرب وقتل ومفخخات ..... كان العيد في العراق الشامخ ضحك وغناء واليوم أصبح بكاء ونحيب... تبخر أهلي وأحبائي وأصدقائي كما يتبخر الماء وتمزق هذا الجسم الرشيق فأصبح الرأس في سوريا والصدر في أردن وألاطراف توزعت في المهجر فمن سيقول لي ــ عيدوخ بريخا ــ ؟.
بكيت كثيراً لحالي وحالتي هي نموذج صغير لجميع أهل العراق الذين يعانون نفس المعاناة... بكيت صباح العيد، وهل في العالم رجال يبكون يوم العيد... نعم بكيت وسأبقى أبكي ما دامت بيوتنا في العيد مملوءة بالقهوة المرة بدلاً من الحلويات ... وسأستمر بالبكاء ما دامت ملابسنا في العيد مطرزة باللون الأسود... نعم بكيت بمرارة لأن أكثرية أطفالنا يتامى من جراء الحقد ألأسود الذي دخل بلدي... أطفالنا يرثى لهم لأنهم بانتظار الوالد الحنون ليحضنهم ويقبلهم ويقول لهم أيامكم سعيدة يا فلذات أكبادي وهذا حلم.
ترى هل هناك رجال لا يبكون في العيد في العراق ! سأبقى أبكي وأبكي لأن الفرحة قتلت، والمحبة ذبحت، والسلام انتحر، والطفولة ذبلت في بلدي... أليس من حقي ومن حق العراقي البكاء في العيد ؟!!!
يا أهلنا في المهجر نحن بأمس الحاجة إلى حنان الأم والأخت ومحبة الأب والأخ وصدق الأصدقاء فلا تبخلون علينا ببعض سنتات من أجل سماع أصواتكم وأنتم تقولون ( أيامكم سعيدة ) لسنا بحاجة إلى دولاراتكم صدقوني بل بكلمة تداوي جروحنا العميقة وخاصة في أيام العيد .
وبينما أنا في هذا الصراع المرير دخل داري فجأة جاري المسلم وضمني بقوة إلى صدره وقال بصوت مملوء بالمحبة والفرحة والسلام، والدموع تسيل على وجنتيه أيامكم سعيدة وكل عام وأنتم بألف خير يا جارنا العزيز.
بكيت ثانية وبمرارة ممزوجة بالحسرات وأنا في حضن جاري الحبيب ولكن بكائي هذه المرة رغم مرارته كان بكاء الفرحة والسعادة لأنني تأكدت بأن الدنيا في العراق لا تزال بخير وإن الطيبين لا يزالون منتشرين في تربة وادي الرافدين وصدق من قال (( الجار القريب ولا الأخ البعيد )).
ولكن رغم كل هذه الجروح سيعود العيد في العراق الجديد إنشاء الله كما كان سابقاً محبة... تآخي ... سلام على جميع أبناء الوطن وسنقول بعضنا للبعض الأخر ــ عيدوخ بريخا ... عيدك مبارك ــ وبكل اللغات المتآخية في هذه التربة الطاهرة تربة المحبة والسلام ... والعار كل العار لكل من يريد الدمار والخراب للعراق العظيم والسلام .
شموئيل نوئيل سركيس
aboremoon_2005@yahoo.com 25 / 12 / 2007