الرهبانية الانطونية المارونية ودّعت
رئيسها العام الأسبق الابّاتي يوحنا سليم
ودّعت الرهبانية الانطونية المارونية، برئاسة الاباتي بولس تنوري رئيسها العام ومجلس المدبرين والرهبان والاهل والاصدقاء وحشد كبير من الشخصيات السياسية والاجتماعية والدينية والاعلامية والثقافية...، الابّاتي يوحنا سليم الرئيس العام الأسبق للرهبانية المنتقل الى بيت الآب أمس الثلاثاء الأول من كانون الثاني 2008 بعد الاحتفال بالصلاة لراحة نفسه اليوم الأربعاء 2 كانون الأول 2008 الساعة الثالثة بعد الظهر في كنيسة دير مار الياس- أنطلياس، ودفن في مدافن دير مار روكز- الدكوانة.وممّا جاء في عظة الأباتي بولس تنوري:
"إن مهمتنا لا تقوم بمسايرة الزمن بل بتغييره حسب ارادة الله"، بهذه الكلمات توجّه قدس الاباتي حنا سليم الى اخوته الرهبان الانطونيين في مطلع عظته الاولى لهم بعد اعلان تعيينه رئيساً عاماً للرهبانية الانطونية في 31 تموز سنة 1993.هكذا فهم دعوته الرهبانية ودوره امام الله والناس بأن لا يساير الزمن وينقاد اليه. فلا أحد يدري الى أين يصل اذا مضى بعيداً في هذه المسايرة. بل على المسيحي ولا سيما على الراهب المكرّس بكليته للمسيح، ان يسيّر هو الزمن ويقوده الى ما يريده الله. وعندما نقول الزمن نعني به هذا العالم السائر من دون وعي نحو المجهول. العالم المنغلق على الله والمكتفي بذاته وبما ينتج كل يوم من جديد بقطع النظر عن نوعية هذا الجديد وتأثيره على مصير الانسان. فالراهب باسم الكنيسة ومعها، لا يمكن ان يقبل بمسايرة الزمن الذي يبعد الانسان عن هويته ويتلاعب بمصيره. اننا مع الكنيسة ساهرون على القيم الانسانية والروحية التي توجّه الانسان نحو تحقيق غايته السميى فيكون بحسب ارادة الله التي تجلّت لنا في حياة ربنا يسوع المسيح. مع الكنيسة اذاً كرهبان ومؤمنين نأبى ان نرضخ لطغيان العصرنة ولكل تأثيراتها على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ونعلن مع أخينا الراحل الاباتي حنا سليم اننا لا نقبل بأية مسايرة على هذا الصعيد ونرفض ان تقودنا الاحداث الخارجية وتبعدنا عن قناعاتنا بل نعمل بعناد على تغييرها واثقين، بان الله يعضد ضعفنا لكي نقود عالمنا ومجتمعنا الى ما يريده الله منا. هذا كان رهان الاباتي وهذا هو ايضاً رهاننا ورهان الكنيسة. وفي ساعة تشييعه الأخير أودّ أن أؤكّد له اننا على هذا الرهان ثابتون.
يصعب علينا اليوم ان نودعك من دون ملامة: لقد خرجت باكراً من حلبة الصراع مع الزمن، فاجأتنا وفاجأت الأهل والاصدقاء. جميعنا نبحث عنك اليوم، فتجيب كما أجاب يسوع مريم أمه "لماذا تبحثان عني، الا تعلمان انه ينبغي ان أكون في ما هو لأبي". نعم لقد تجاوزت الزمن وذهبت الى الآب. ولكن بصمات صراعك مع الزمن ما زالت حاضرة في كل مكان مررت فيه ومع كل تلميذ او صديق او رفيق تعرّف عليك. ما قمت به في الرهبانية من خدمات عديدة، الصغيرة والكبيرة منها، تشهد أنك ربحت الرهان وبلغت الهدف.
لم تكن خارج العالم بل في العالم ولكن ليس منه. عايشت عصرك وواكبت التطور واستفدت منه في شتى الميادين ولكنك حافظت على العراقة التي تأصّلت فيك منذ البيت الوالدي في جزين حيث ترعرعت في جوار كنيسة مار مارون وتربيت على الفضائل المسيحية التي ترسّخت فيك طوال مسيرتك الرهبانية. لم تكن متنكّراً للقيم الحديثة بل نهلت العلم والمعرفة من أهم المعاهد في لبنان وافضل الجامعات في روما وبلجيكا، وتابعت يوماً بعد يوم مستحدثات الفكر والعلم والثقافة. فكنت رجل المبادرات الجريئة على اكثر من صعيد. إنطلقت الجامعة الأنطونيّة في عهد رئاستك، وبدأت بمشاريع سكنية كبيرة. وأسّست جمعية "عدل ورحمة" مع مبادرات اخرى عديدة. وكان همّك في كل ذلك ان تقوم الرهبانية بتأدية قسطها من الخدمة تجاه المواطنين باسم المسيح وكنيسته.
سأقرأ ويقرأ غيري طويلاً في كتاب حياتك وستبقى شهادتك امامنا نوراً وهداية. ولكن ما لفتني فيك وحبّبك الى قلبي وقلوب الكثيرين هو ذلك السهل الممتنع في اسلوب تعاطيك مع الناس والاحداث. جريئاً كنت على وداعة ورصينا على بساطة وعنيداً على طيبة وقريبا على بعد. وربما سرّك الذي لم تقله لأحد بل جعلتنا نكتشفه مع الايام فهو حميميتك مع ربك. هذه الحميمية التي رافقتك منذ الصغر ونمت فيك يوماً بعد يوم، الى ان بلغت اوجها في الأيام الاخيرة، جعلتك تتحضّر من دون أي ارتباك للرحيل الأخير وتستقبل المرض والألم بطيبة خاطر. رأيت في علاج الاطباء ما قد يعيقك ويؤخّر مسيرتك باتجاه الآب فطلبت ان تعود الى الدير مستسلماً لمشيئة القدير. لم نستجب نحن طلبك ولكن الله استجاب ونقلك اليه لتكون معه في الملكوت.أيها الأحباء، لقد خسرنا الأباتي سليم على الأرض ولكننا مقتنعون انه سيتابع صلاته وتشفعه لنا من ملكوت الخلود...."
كما كان للأباتي سليم وقفات وطنية تجلّت خصوصًا في لقاءات مار روكز حيث رفع الصوت عاليًا لحماية المواطنين وتعزيز عيشهم المشترك في الجنوب عامة وفي جزين خاصة. وكانت له أيضًا رعاية خاصة للمؤسسات التابعة للرهبانية الانطونية كالحركة الثقافية في انطلياس ورابطة قدامى المعهد الأنطوني، كشافة الاستقلال ومشتركي حسنة قداسات السبت... يذكر بأن الأباتي سليم كان رئيسًا عامًّا للرهبنة الأنطونية من العام 1993 حتى العام 1999.
تقبل التعازي يومي الخميس والجمعة 3 و 4 كانون الثاني 2008 في مركز الرئاسة العامة، دير مار روكز – الدكوانة، من الساعة العاشرة صباحاً حتى السابعة مساءً.ويوم السبت 5 كانون الثاني 2008 يقام قداس وجناز في كنيسة مار مارون الرعائية – جزين عند الساعة العاشرة صباحاً ويليه تقبّل التعازي في دير مار انطونيوس – جزين