رسالة مفتوحة الى معارض من هذا الزمان الردئ
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com الاخ صالح المطلك
اسمح لي، اولا، ان اغبطك على ما انت فيه كمعارض سياسي، ولا اقول احسدك، ذلك لأن الحسد في السياسة جهلٌ في دواليبها واحكامها، وان الفرق بين الغِبطة والحسد كبير، يقول فيه الباحث في الكنايات العراقية عبود الشالجي في موسوعته "ان الحاسد يتمنى زوال نعمة المحسود وصيرورتها اليه، اما الغابط، فيتمنى ان ينال مثل نعمة المغبوط على ان لا تزول عن صاحبها".
اقول اغبطك باثر رجعي، فانت معارض لهذا العهد وانا معارض للعهد البائد، لكن شتان ما كنا عليه وما انتم فيه، فقد كانت كاتمات الصوت وفرق الاغتيال واجهزة الشرطة السرية والعلنية والسفارات وكوبونات النفط والاعلام واقنية الاذاعة والتلفزيون والصحافة المحلية، وعابرة الحدود، بل وحكومات عربية واجنبية، وجيوبٌ لها سطوة كبيرة في منظمات دولية بمن فيها منظمة الامم المتحدة كلها وُضعت في محاربتنا، واغتيالنا ومطاردتنا من بلد الى بلد ومن شارع الى شارع، وما كانت صحيفة او قناة اعلامية تغامر في إنصافنا.
اما الصحف واجهزة الاعلام العراقية فقد دفنت اسمتءنا وقضيتنا في بئر معتم، وكانت الاشارة الى واحد بالاسم تضاهي محاولة انقلابية خيانية لا رحمة لمن ارتكبها، بالقصد او الغفلة.
ويمكنك ان تتصور ما حدث لمغن، وليس سياسي، هو فؤاد سالم ، كل جريرته انه لم ينتسب للحزب الحاكم، حيث منعت اغانيه من كل اقنية الدولة واكشاك بيع الكاسيتات، وكان تداول اغنية مثل(عمي، عمي، يبو مركب) يتم بالسر، ومَن اُكتُشف متورطا بالاستماع لها يحتاج الى حظ كبير ليبقى على قيد الحياة.
الآن هل عرفتَ، ايها الاخ المطلك، لماذا اغبطك؟ فانت ترفل بامتيازات معارضٍ لعهد ما بعد صدام حسين، وقل عهد الاحتلال، حتى صرتَ اشهر معارض في العالم، لحد انك ظهرت في يوم واحد، وفي وقت واحد، اربع مرات من على شاشات اشهر فضائيات العرب والعالم، وظهرتْ صورتُك في اليوم التالي على اغلفة المجلات وعلى الصفحات الاولى من الصحف العراقية والعربية، وصحف الانتلانيت في كل مكان، والاكثر من هذا كنتَ تهاجم الاحتلال بفصيح الكلام، والحكومة العراقية بلاذع الذم، وكبار رجال العهد بالصوت والصورة، بل وتذهب الى ابعد من ذلك باعفاء عصابات القتل والقرصنة من مجازر كانوا يرتكبونها في رابعة النهار ضد العراقيين والعراق لتسجلها على عاتق غيرهم، في محاولة لتسويق خيارالعنف، ربما بطريقة غير مباشرة تمليها موجبات التحرك الذي تقوم، وشروط الدور الذي تلعب.
والاكثر من كل ذلك، ايها السيد المطلك، فان الذين تهاجمهم، ليل نهار، لا يكفّون عن طلب رضاك ليل نهار ايضا، فيرسل لك المحتلون مبعوثيهم، للحوار والمناقشة ولزوم تطييب الخاطر، ويناشدك رجال السياسة رجاء الحلول الوسط، ما يثير فينا رغبة تفكيك اللغز وفضول الكشف عن المستور في هذا الود الذي يبدو من طرف واحد، اما انت فتتمنع وتتصالب، وترفع سقوف المطاليب، واما هم فيكثّفون الاتصال ويضاعفون المحاولات، فيما يدير لعبة المطالب والشروط التي تطلقها اسطولٌ من مراسلي (الجزيرة) واخواتها، وكأنهم يقفون تحت إمرتك وبنانك، او انهم اقاموا محطة للبث المتنقل حيثما تحل.
اقول مرة اخرى: اني اغبطك، واغبطك مرتين..مرة حين اراك تغيْر من على شاشات تلفزيون الحكومة على الحكومة نفسها، ومرة اخرى حين اتذكر يوم كنّا، نحن معارضي الحكومة البائدة، نتصل من الخارج باهلنا في العراق فنسمع على الخط اصواتا مذعورة ومكبوتة برجاء قطع الاتصال لئلا يكون اصحاب تلك الحكومة قد التقطوا الخط فتحل بهم نكبة الدجيل..وما ادراك ما نكبة الدجيل.
2ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوعية تلزمني مباركة انخراطك في العملية السياسي باعتبارها الساحة التي تُختبر فيها رجاحة النظر الى موجبات بناء عراق المستقبل، مع ان المراقب المحايد يحير في ترسيم موقفك من الارهاب بما هو التحدي الرئيسي لهذه العملية، وهو المسبب اليومي في قتل المدنيين الابرياء بالجملة وترويع الملايين ونسف خطوط البترول وشبكات الكهرباء والماء واغتيال العاملين والموظفين وقطع الطرق واثارة الغرائز والحساسيات الطائفية والحيلولة دون تطبيع الاوضاع واستئناف الحياة المدنية، وربما يضع الكثيرون خطوط حمراء امام تعقيباتك على انباء المذابح المروعة للارهابيين، وبخاصة حين تتبرع باعفاء شبكة الزرقاوي الهمجية وزمر النظام السابق من المسؤولية، بذريعة انها ردود فعل، مرة، او انها من فعل جهات مشبوهة مرة اخرى، وتتمسك بذلك حتى حين تعترف هذه الجماعات الارهابية علنا بمسؤوليتها عما يحدث.
ولا اخفيك، ايها الاخ المطلك، انني احاول احيانا ان اتلمس لك العذر في الامتناع عن تسمية الاشياء باسمائها، انطلاقا من حساسية الوسط الذي تتحرك فيه وتعبر عنه، الامر الذي تبرره السياسة، مؤقتا، ويقبله اللعب في ساحة معقدة مثل الساحة العراقية، لكني في الكثير من الاحيان ارصد عبارات، في ما تصرح، تبيح عمليات القتل وتجد لها الذريعة، كما أجد صعوبة في تحديد سمات الوسط الذي تعلن انك تمثله، فهو-اذا ما عدنا الى تصريحاتك- ليس سنيا بالتحديد، وليس متحدرا من معطف صدام حسين بالضبط، ولا صلة له بالمحافظات الغربية حصرا، ولا بالمناطق الساخنة أوالمغيّبة أوالغائبة أو الزعلانة خاصة، وكأنك تحرص في اكثر من مرة على احتكار الوطنية العراقية، واحاطة الامر بمزيد من الغموض حين تفرش توصيف الفئة التي تمثلها على فضاء الفسيفساء العراقي المتشابك، وهذه الفئة-عندك- في كل الاحوال فقدَتْ الحكم في غفلةٍ، وهي مَن يستحق الحكم المفقود بالحرب او بالسلم..وقد تبدو تلك الفئة صاحبة المنّة في الدنيا، وصاحبة الجنة في الاخرة.
وحين يتساهل المحلل في شأن القطاع العراقي الذي تمثله، مستعينا بنظرية اينشتاين النسبية وتطبيقاتها في ميدان السياسة، فانه سيقع في حيرة اكبر حين يتمعن في البرنامج السياسي المعارض الذي تلتزمه، وحين يسعى ذلك المحلل الى اخضاع برنامجك السياسي لمعايير بناء الاحكام، فهو لا يجد سوى لاءات تتناسل بطريقة شيطانية تبدأ من لا للفيدرالية الكردية حتى لا لتفكيك منظومات فكر التكفير، ثم تتدحرج اللاءات الى موشور واسع من الممنوعات التي تجعلنا نترحم على عهد المخلوع علي كيمياوي، او–إذا شئنا الدقة- عهد الحجاج، ولم ذلك السياسي العراقي العضو في لجنة كتابة الوثيقة الدستورية متجنياً عليك حين اعلن مرة بان احدا لم يعرف مالذي كان يريده السيد صالح المطلك، وقال ان المطلك عبارة عن(لا) اضيفت الى قوام لجنة كتابة الدستور.
على انه لا ينبغي الاستغراق في الجدل بين ما هو صح وما هو خطأ في العملية السياسية العراقية المعقدة، إلا في حالة الاحتكام للواقع بوصفه مختبرا لتصويب الافكار والمواقف والسياسات، وفي حالات اخرى ينبري فيها واحد من السياسيين، من ساحة تعجّ بالساسة الى اختطاف الاضواء، وان يتحول الى داعية حق وحيد على قاعدة(من حقي ان اتكلم ومن واجبك ان تسمع) خلافا لذلك الاساس الذي اطلقه ابو حنيفة بالقول(رأيُنا هذا احسن ما قدَرنا عليه، فمن جاءنا بخيرٍ منه أخذنا به) اما اذا اردنا المزيد من الايضاحات فان القول بان السيد صالح المطلك لا يسره التغيير السياسي في العراق، ولا تزعجه، بالمقابل، الهجمات الارهابية المتوحشة على المدنيين يبقى صحيحا، وهو مدخل للمزيد من الاسئلة.
3ـــــــــــــــــــــــــــــ
مرة اخرى، اجد، في هذه المناسبة، ما يدفعني للاشارة الى معاناة معارضي النظام السابق، وبداهة، لا اريد ان احمّلك اية مسؤولية عن الجحيم الذي عاشه اولئك المعارضين طوال تلك السنوات الثلاثين العجاف يوم كانوا يقفون طوابيرعلى ابواب السفارات لدى دول الجوار املا في الحصول على تأشيرة دخول، او فرصة عمل، وجميعهم يحملون شهادات عالية وخبرة عمل مديدة، لكن ليس من الانصاف ان لا اشير الى انك لم تكن قد وقعت تحت اذى ذلك النظام، ولربما-إن لم يزعجك هذا الاستنتاج المنطقي- كنتَ في ميسور الحال، وفي مأمن من ساطور الطاغية، لسبب لم يعد خافيا، هو انك نأيت بنفسك عن السياسة والاهتمام بالشأن العام يوم كان مئات الالوف من العراقيين طعما للجرافات والمقابر الجماعية والسلاح الكيمياوي ومفارز الاعدام والفاقة والمطاردة وقطع الارزاق وقطع الاعناق، وانصرفتَ الى لوازم العمل في مجال الزراعة والمزارع.
وعندما اعرض ذلك فلأنه ذي اهمية حين يتعلق بمبدأ الحوار بين البشر..والحوار كما تعرف- باعتبارك مؤسِسا لمجلس الحوار الوطني العراقي- لا يَعْبر من فوق تجارب المتحاورين وسجلاتهم، ولا من فوق خلفيات مواقفهم.
وإذْ اشير الى ذلك، فسأضطر للاعتراف باني أداري ضغط سؤال محرج وفضولي منذ الرسالة الاولى، فادفعه بعيداعن جادة الكلام كلما الحَّ عليّ، فرط التزامي اصول الحوار، وادب المراسلة، مع ان السؤال، ايها السيد المطلك، يدخل في صلب الموضوع، وفي نسيج المعاتبة، وساستغل رحابة صدرك لاطلقه، هذه المرة، ولمرة واحدة، من حدود المحذور واسر الحرج، وهو: لماذا لم اعثر في جميع تصريحاتك ما يحمّل صدام مسؤولية..اي مسؤولية..عما حدث للعراق؟ وفي الاقل، عما سببته لنا سياساته من حروب كارثية اودت بحياة مليون من الضحايا في الاقل، ومليونين من المعوقين والمصابين، وملايين الايتام والارامل والاسرى؟ وهل يمكن لسياسي مثلك يشق اسمه الافاق ان لايقول شيئا عن رئيس هُزم في ثلاثة حروب؟ اعتقد، بهذا الصدد، انه يمكنك الافتراض ان صدام حسين كان رئيس فريق لكرة القدم وقاد فريقه الى الخسارة ثلاث مرات، ألا ينبغي انتقاده في الاقل؟ وهل يمكنك ان تساعدني على استيعاب سبب ابتعادك عن انتقاد صدام حسين، حقا، حتى بعد ان شُطب من معادلة المستقبل العراقي؟ الحق ان لديّ تعليل لهذا الموقف الغامض.. تعليل يتفرع من سوء الظن، للاسف، قد اتخلى عنه يوم اسمع مطالعتك عن خطايا نظام لا يتشرف احد بالدفاع عنه.
ومرة اخرى، الفتُ الى انك، كمعارض مترفٍ ومدلل، في عصر عراقي خرج من علبة ضيقة لا تزيد على مساحة ضمير واحد، تستطيع ان تقابل اي رئيس عربي، بل واجنبي، بمن فيهم الرئيس بوش، لأن الجميع يطلبون ودك لما تملك من سحر الحلول، ويحسبون حسابك لجهة احتواء المفاجآت ، ويرجون نصيحتك حيال افضل الطرق لمنع انحدار العراق الى الهاوية، ويتطلعون الى مبادرة منك توقف هجمات المسلحين الملثمين، وعند الجميع انك قادر على ان تلعب هذا الدور، في زمن اخذ عن جدارة صفة الزمن الردئ الذي تركَنا قيد رحمة مَن هب ودب.
.. وكلام مفيد
ــــــــــــــــــــ
"ينبغي ان يكون البحث عن الحقيقة مقدسا، كالعبادة".
خالد محمد خالد[/b][/size][/font]