المواقف النقدية
قراءة في نقد القصة القصيرة في العراق
الإهداء إلى من طاعنا من أجلي خيول الدهر إلى والديًّ العزيزين
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
يعنى النقد الأدبي عناية بالغة بدراسة النصوص ـ أدبية كانت أو نقدية ـ وسواء اعتمد النقد المقومات الذوقية أولم يعتمدها فإنه ـ بالنتيجة ـ يتأسس على معايير محددة تمكن الناقد من تحليل النص وتفسيره وتقويمه، بمعنى أنه يتجاوز الذوق إلى عملية ذهنية واعية، ويكشف النقد ـ من هذه الزاوية ـ عن القيمة الفنية والمعرفية للنصوص، ليلتقي بألوان المعرفة الأخرى ويستقل عنها في آن، وبهذا يسهم النقد الأدبي في تشكيل نوع من الوعي الفني والمعرفي للأديب والناقد بخاصة، والمجتمع بعامة.
وتأسيساً على هذا اتجه البحث إلى دراسة النشاط النقدي في العراق، وبخاصة ما أثارته القصة القصيرة من تصورات وتحليلات نقدية، ليسهم هذا التحديد في تخصيص دراسة تهدف إلى مزيد من الدقة في المعالجة والتحليل، وليعصم الباحث من الإسراف في التعميم إذا وزع جهده في دراسة النشاط النقدي بأسره، كما أنَّ هذا التحديد يسهم في الكشف عن التجليات النقدية المتنوعة حول هذا الشكل الأدبي دون غيره من الأشكال الأدبية الأخرى، ويتحدد البحث ـ من زاوية أخرى ـ بإطار زماني يمتد من مطلع القرن العشرين ـ البدايات الأولى للنقد ـ ويتوقف في عام 1967م، ليرصد مرحلة دقيقة من مراحل النقد في العراق، تميزت بخصائص وسمات معينة، وانطوت على مواقف نقدية متغايرة، تبلورت وتكاملت في هذه المرحلة، ويهدف البحث ـ من ثم ـ إلى الإحاطة بها، ومتابعة تطورها، وتأسيس أصولها.
ويصدر هذا البحث عن تصور أولى لطبيعة الأدب والنقد يرى فيه أنَّ الأديب والناقد يصدران عن تصورات سابقة تحكم رؤيتهما للعالم والإنسان، ومن الطبيعي أنْ تتغاير هذه التصورات فردية وعامة، ومن الطبيعي أيضاً أنْ تنعكس آثارها على النصوص الأدبية من حيث تحديد وظائفها، وماهياتها، وبنائها، وأداتها، فالناقد الذي يرى في الأدب صورة حرفية للواقع، بمعنى مراقبة الواقع وتسجيل أحداثه، يضاد الناقد الذي يرى فيه تعبيراً عن الانفعال أو تصويراً له، ففي حين يركز الأول جهده على العالم الخارجي، يركزه الثاني على العالم الداخلي، ويختلف عنهما ناقد آخر يوفق بين العالمين بطريقة ما، في أثناء تحليله، وهذا يعني أنَّ هناك بنية تختفي وراء هذه التصورات، وكان ينبغي أن يتجه الدرس النقدي ليكشف عنها، ويحدد عناصرها، ما دام النقد عملاً ذهنياً واعياً.
وفي ضوء ما سلف ومن خلال عملية استقرائية للنصوص النقدية اتضح أنَّ هناك مجموعة من الرؤى تعاقبت على الساحة النقدية في العراق، فهناك رؤية تغلب الموضوع على الذات، وتجعل العقل متحكماً في إبداع النص وفي كيفية نقده، أطلقت عليها «الرؤية التقليدية«، وتضادها رؤية تغلب الذات على الموضوع، وتجعل الذات مصدرها في الوعيين الفني والمعرفي على السواء، وتنعكس آثارها ـ بالضرورة ـ على إبداع النص ونقده، أطلقت عليها « الرؤية الرومانسية »، وهناك مجموعة من الرؤى حاولت الانفلات من الرومانسية من ناحية، وسعت إلى التوفيق بين الذات والموضوع، مع تغاير كيفي في طبيعة هذا التوفيق من ناحية أخرى، كما أنها تزامنت في مرحلة تاريخية معينة، وتنحصر هذه الرؤى : بالوجودية، والواقعية النقدية، والواقعية الاشتراكية.
وفي ضوء هذا توزع البحث على ثلاثة أبواب يختص الباب الأول بالموقف التقليدي، ويختص الباب الثاني بالموقف الرومانسي، ويختص الباب الثالث بالمواقف : الوجودية، والواقعية النقدية، الواقعية الاشتراكية، التي جمعت تحت عنوان « الانفلات من الرومانسية » وينطوي كل باب على ثلاثة فصول : يُعنى الفصل الأول : من كل باب بـرؤية النقاد، وتحديدهم لوظائف القصة القصيرة، ويُعنى الفصل الثاني : من كل باب بطبيعة القصة القصيرة، وخصص الفصل الثالث من كل باب : لبناء القصة القصيرة وأداتها، غير أنَّ الضرورة المنهجية اقتضت في ضوء الكيف النقدي أولاً، والكمي ثانياً، أن تعالج الوجودية والواقعية النقدية بصفحات محدودة في أوائل الباب الثالث، وتنطوي دراستهما على عرض رؤيتهما وتحديدهما لقضايا النقد الأساسية شأنهما شأن المواقف النقدية الأخرى، وافرد البحث للواقعية الاشتراكية في ضوء تجلياتها النقدية كيفاً وكماً ثلاثة فصول، شأنها شأن فصول الموقفين التقليدي والرومانسي.
وكان من الضروري أن يسبق كل باب من أبواب البحث مدخل صغير تناولت فيه التطورات السياسية والاجتماعية، وحاولت اختزاله إلى أقصى حد، ويتحدد في هذا المدخل المرحلة الزمنية التي نما فيها الموقف النقدي وتطور، فالموقف التقليدي يمتد من مطلع القرن العشرين حتى الحرب العالمية الثانية، في حين يمتد الموقف الرومانسي من الحرب العالمية الثانية حتى أوائل الخمسينات، وتتزامن في « الانفلات من الرومانسية » الوجودية، والواقعية النقدية، والواقعية الاشتراكية، في مرحلة زمنية تمتد من أوائل الخمسينات حتى عام 1967م، وعلى الرغم من تواكب المواقف النقدية وتعاقبها زمنياً فإنَّ هذا لا يعني حداً فاصلاً بينها، وإنما يمثل المرحلة التي ازدهر فيها هذا الموقف دون غيره، لأننا نجد نقاداً يسبقون مراحلهم أو يتخلفون عنها، وعلى سبيل المثال تأخر بعض النقاد التقليديين إلى الخمسينات والستينات.
أ. د. كريم عبيد هليل الوائلي
الباب الأول
الموقف التقليدي
مدخل :
لا تختلف المكونات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية في مطلع القرن العشرين عنه في القرن التاسع عشر إلا في الدرجة، ويمكن تعميم هذا بشيء من التجاوز حتى الحرب العالمية الثانية، وحقيقة ما حصل تغير نسبي بطيء في أحايين كثيرة تسهم فيه بعض الأحداث السياسية كإعلان الدستور العثماني « 1908 م » الذي لم يترك أثراً إلا في صفوف الفئة المثقفة، وكاحتلال الإنجليز العراق في أثناء الحرب العالمية الأولى الذي استشرت آثاره في أغلب طبقات الشعب.
ومهما يكن من إطلاق الأحكام في اعتبار إعلان الدستور العثماني «بداية عهد جديد في التفكير العربي عامة والعراقي خاصة » ، فإنَّ هذا يرجع ـ في الحقيقة ـ إلى تغيرات بطيئة سابقة لإعلان الدستور، ولذلك قابل المثقفون العراقيون إعلان الدستور «بحماس عظيم ورحبوا به في قصائدهم وأشعارهم وخطبهم » وتحفزوا على أثر ذلك لتأسيس مجموعة من الأحزاب السياسية أسهمت في بث بذور الوعي في صفوف المتعلمين على قلتهم.
وتمثل حركة الدستور بارقة أمل كانت آثارها واضحة على المثقفين في المجتمع، ويمثل الدستور في تصور أحد الباحثين « ظاهرة انفتاح المجتمع العراقي على العالم الخارجي لأول مرة » ، ولكنه على كل الأحوال لم يظهر تأثيره إلا في مراحل لاحقة، ونلمح في النقد الأدبي بعض الإشارات التي توهم في ظاهرها التأثر بالوافد، والتحدث عن روائيين ومبدعين غربيين، أو محاولة التحدث عن نتاجات أجنبية تلخيصاً أو نقداً، غير أنَّ احتلال الإنجليز العراق أحدث اضطراباً عنيفاً في صفوف الشعب العراقي، تحول إلى مواجهة قتالية بين أفراد الشعب والمستعمر، وكان الشعب يعي خطورة هذا الاحتلال، وأنه يمثل تسلطاً عليه، ولذا بدأت بوادر تمهيدية للقيام بشيء ما، ثم تفجرت بعد ذلك ثورة كبرى في صيف 1920 م.
ويرى عبد اللّه الفياض أنَّ ثورة العشرين تمثل « ظاهرة اجتماعية معقدة تمتد جذورها إلى ما وراء صيف سنة 1920م، وأن أدواراً تمهيدية سبقت الثورة المسلحة... فحركة الوعي الفكري التي بذرت بذورها في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وتأسيس الجمعيات والأحزاب... كلها عوامل ممهدة لثورة سنة 1920 » ، وأجبرت ثورة العشرين الاستعمار البريطاني على التخلي عن الحكم المباشر للعراق، وتنصيب ملك عربي مسلم ! هو فيصل بن الحسين، وبذلك تأسست أول حكومة عربية ! في العراق.
ولم تسهم الحكومة في إحداث تغيرات جذرية في الواقع، لأسباب معروفة، كما أنّ الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي تمتهن الفلاحة، ويحكمهم بشكل مباشر «المالكون» المرتبطون بنظام الدولة، ويرتبط نظام الدولة بهم أيضاً، ولذلك فهم يستعبدون الفلاحين مقابل نسبة ضئيلة جداً من المحصول التي تذهب هي الأخرى هدراً إزاء الديون المتـراكمة عليهم من «المالكين»، فضلاً عن تفشي البطالة المقنعة. ويبدو جور«المالكين» وظلمهم واضحاً لأنه لا قانون يحمي الفلاح، وبإمكان المالك أن يطرد الفلاح « متى أراد ويلاحقه بالديون التي أخذها ليأكل بها، وليعيش، وقد حكمت بعض القوانين عليه بالبقاء في خدمة الإقطاعي حتى يسدد ديونه، ولا يجوز لمالك آخر أن يستخدمه ما دام مديناً بمبلغ لمالك آخر » ، وندرك خطورة ذلك أيضاً إذا عرفنا أنَّ دخل الفلاح العراقي ـ كما ينقل ذلك يوسف عز الدين عن الباحثة الإنكليزية « دورين وارنر » ـ يتردد بين «خمسة باونات وخمسين باونا » .
ويعـاني المجتـمع العراقي من تفشي الجهل والأمية، إذ ليس للتعليم في الفترة العثمانية « شأن يذكر »، وإذا كان « تعليم البنين أيام العثمانيين مهملاً أشد الإهمال فما هو حال تعليم البنات في ذلك العهد » ، ويتفشى الجهل والأمية في صفوف الفلاحين بشكل كبير، بسبب مكافحة المالكين له، لأنهم «يرتعبون من تعليم الفلاح خوفاً من أنْ يشعر بالغبن الواقع عليه من قبلهم » ، وينحصر التعليم، على قلته، في بعض مراكز المدن، ولعلنا ندرك خطورة هذا إذا علمنا أنَّ تعداد السكان لسنة 1947 م يبين أنَّ نسبة الأمية في العراق كانت تتجاوز 90 % .
وفي ضوء هذا يعاني المثقفون من مشاكل عديدة، منها ما يتصل بطبيعة النظام السياسي، ومنها ما يتصل بالواقع الاجتماعي المتخلف الذي يعيشون فيه، ويسعون إلى إصلاحه، ولكنهم لم يستطيعوا الكشف عن الجذور الحقيقية لهذا التخلف ومحاولة علاجه، ولذلك اتجهت محاولتهم إلى حركة إصلاحية يدعون إليها، وقد انعكست آثارها على تحديد الوعي الفكري، وتحديد معالم الحركة النقدية في العراق في هذه المرحلة.
الفصل الأول
الرؤية والوظيفة
(1)
تحدد الوظيفة التعليمية أهمية الأشكال القصصية ودورها في الواقع الاجتماعي، فالأعمال القصصية تسعى إلى « تهذيب الأفكار والعواطف وانتقاد العادات الباطلة والأخلاق الفاسدة والأوضاع الضارة » ، وتتجه الوظيفة إلى الفكر مرة، وإلى الذات مرة أخرى، وإلى الواقع الاجتماعي مرة ثالثة، وتتباين أنماط معالجتها، إذ يعمد الناقد التقليدي ـ من جهة الفكر والذات ـ إلى «التهذيب » الذي يقود إلى لون من ألوان البناء، ويعمد من جهة الواقع الاجتماعي إلى « الانتقاد » الذي يقود إلى شكل من أشكال الهدم، ويولي الناقد « الفكر » عناية خاصة تفوق عنايته بـ « الذات » التي تتأخر عنه في الرتبة، ليكوّنا الأساس الذي يصدر عنه الناقد في تأمل واقعه، فالانتقاد محاولة لتجاوز ما هو سلبي في الواقع، والتهذيب سعى لإرساء ما هو إيجابي في الفكر والسلوك.
وتتحدد علاقة القاص بواقعه ـ في تصور الناقد التقليدي ـ من خلال بعدين، هما : الأصل : الذي يمثله الواقع، والصورة : التي تمثلها الأشكال القصصية، ويتضح هذا من خلال التأكيد على أنْ تصف القصة « الحياة الاجتماعية على ما هي عليه » أي محاكاة الواقع بأبعاده الإيجابية والسلبية على السواء، أو أنْ تصف « التفسخ الأخلاقي والسياسي الذي منى به العراق في مجتمعه وجهاز حكومته » ، أي تأكيد الناقد على الجوانب السلبية اجتماعية وسياسية، أو أن تكون القصة القصيرة « صورة ناطقة للحياة الواقعة » ، إنَّ عناية هذه النصوص بمحاكاة أحد البعدين السلبي أو الإيجابي في الواقع، أو كليهما معاً، يقود إلى نتيجة يبدو فيها القاص محايداً إزاء واقعه، أي أنه يولي أهمية خاصة لتصور مثالي يجعل الفكر في المقدمة، والذات والواقع الاجتماعي في المراتب التالية له، وهذا يعني أنَّ الفكر هو الذي يحدد الزاوية التي يصدر عنها الناقد والقاص معاً في أثناء تأملهما الواقع، وفي أثناء محاكاة أبعاده السلبية والإيجابية على السواء.
وهذا من شأنه أن يعلي من دور العقل، وهو « لا يعني صواب الرأي الفردي فحسب، بل يعني كذلك موافقة هذا الرأي للتقاليد والعرف السائد » ، مما تنعكس آثاره على كيفية تحليل الأشكال القصصية، فالقاص ـ في تصور الناقد التقليدي ـ « يفكر في تهيئة الأفكار والآراء التي يبني عليها القصة، قبل أن يفكر في هيكل القصة نفسها وعقدتها وحبك حوادثها » وبهذا نكون إزاء بنائين ـ أحدهما سابق وهو بناء الفكر، وثانيهما لاحق وهو بناء القصة، وهما مترابطان ارتباط المعلول بعلته، وعلى صعيد القصة القصيرة يكون الفكر سابقاً لبنائها ومستقلاً عنها أيضاً، ويترتب على هذا تحكم العقل في حوادث القصة لتكون ـ لدى رفائيل بطي ـ « متسلسلة الواحدة تلو الأخرى بأسلوب يرضاه المنطق » ، ليصل الأمر حداً ـ لدى أنور شاؤل ـ في « الاتساق والتناسب والدقة » ، ويصل هذا التفكير ذروته في الصنعة عبر تماثل القصة القصيرة و« إنشاء عمارة » التي تعني تماثلاً بين المشبه « القصة » والمشبه به «البناية » بأسلوب هندسي يتحكم فيه المنطق إلى أبعد الحدود.
وتقود الأبعاد السابقة « التعليم، والمحاكاة، والصنعة » إلى تأكيد دور العقل في تحديد وظيفة القصة القصيرة وماهيتها وأداتها وبنائها، وتأسيساً على هذا تتخصص القصص القصيرة شأنها شأن العلوم بــ « دراسة نفسيات الناس وأخلاقهم وعاداتهم وحالتهم الاجتماعية مع نقدها بالطريقة الموضوعية أوبجكتيف » ، وهذا التخصص في دراسة المجتمع سيكولوجيا وأخلاقياً واجتماعياً، يعني في أبرز جوانبه تعطيلاً للأبعاد الذاتية، والإعلاء من نـزعة تجريدية تجعل العقل أداتها في الكشف عن قضايا موضوعية محددة، وقد يوحي النص السالف بالجمع بين البعدين العلمي والفني في آن، غير أنَّ تصـوراً لرائد من رواد القصة القصيرة في العراق ـ محمود أحمـد السيد ـ يرى في الأشكال القصصيـة « دراسة ليس إلا » ، ليؤكد الأبعاد الموضوعية التي يوصلنا العقل إليها، وتأصيلاً على هذا، رفض محمود أحمد السيد النتاجات القصصية التي تعتمد الخيال، لأنها تنأى عن هذه الموضوعية المحكومة بالعقل.
وتنعكس آثار الموضوعية على الوصف القصصي وحوادث القصة لأنها تفرض على القاص نمطاً من « الوصف الهادئ الرزين للنوازع الإنسانية » ، وأن تكون حوادث القصة قريبة من العقل والمنطق، ولذا رأينا رفائيل بطي يثنى على محمود تيمور لأنه « يرمي في قصصه إلى القضاء على التقاليد البالية وإحلال الأحكام العقلية مكانها » .
وفي ضوء هذا يجعل الناقد التقليدي العقل أداته التي يصدر عنها في التفكير، ووسيلته في تحليل الأشكال القصصية، فهو الذي يمكنه من الكشف المعرفي عن ماهيات الظواهر وعللها، ويمكنه أيضاً من الكشف عن الأفكار الذهنية المجردة التي تتسم بالثبات والخلود، ومن ثم، فإنَّ الناقد التقليدي يفصل المحسوس عن المعقول، وعالم الفكر عن عالم الحس، ويعني التفكير لديه : أنَّ الوعي يسبق الوجود، وفي ضوء هذا فإنه يلغي كل متغير في الواقع الاجتماعي، أو يعمد ـ على الأقل ـ إلى إحكامه بالعقل، لأن الثوابت قضايا ذهنية مجردة ترتكز إلى العقل، وإنْ المتغيرات مرتبطة بالحواس العاجزة عن كشف الثوابت، وبهذا يتحول الإدراك من إدراكي أنا الخاص إلى إدراك عام ينطوي على مجموعة من الحقائق بوصفها ثابتة وعامة لجميع الأفراد، ويقودنا الحديث عن الثابت الذي يكشفه العقل، والمتغير الذي تخدعنا به الحواس، يقودنا إلى الثنائية التي تحكم التفكير التقليدي بوصفه تصوراً أحادي الطرف، وهي : ثنائية العقل والجسد، إذ يمثل العقل الأداة المنطقية التي تمكن الناقـد من الكشف عن ماهيات الظواهر وعللها، في حين يعجز الجسـد «الحواس » عن الكشف عن هذه الماهيات.
( 2 )
وحين يتفاعل الناقد التقليدي مع واقعه الاجتماعي يعي تماماً أنَّ صورة المجتمع ليست متوافقة مع مكوناته الذهنية، فكانت ردود فعله تتوافق مع ما في المجتمع من حسن، وتتغاير مع ما فيه من قبح، بمقدار انسجام هذه الردود أو افتراقها عن العقل، ولهذا فهو يسعى إلى توظيف كل إمكاناته الفكرية من أجل النهوض بهذا المجتمع، ويمكن أن « يتم شيء من هذا بواسطة القصص والروايات» ، أو يمكن لهذه الأشكال القصصية أن تسهم في « إصلاح ما فسد في اجتماع أمة من أخلاق وعادات وتقاليد » ، وهذا يعني أنَّ الناقد يسعى ـ هنا ـ إلى الكشف عن مواطن الحسن والقبح في الواقع الاجتماعي، غير أنَّ الحسن والقبح قيمتان فكريتان موجودتان في الذهن أصلاً، ويبحث الناقد عن مصاديقهما في الواقع، وأن هذه الوظيفة لا يمكن أن يحققها أي فرد، بل هي اختصاص صفوة الأمة التي ينبغي عليها تشخيص أدواء الأمة، ومن ثم تصف لها العلاج، ومن هنا جاء تشبيه الناقد لتخلف المجتمع بالأمراض المزمنة التي تقتضي وجود مصلحين قادرين على وعي الواقع ليكونوا « أطباء حاذقين »، ولكنهم ـ كما يرى الناقد ـ « نفر قليل والقليل كالعدم » ، وهذا يعني أنَّ وظيفة الناقد فكرية أولاً، وإصلاحية ثانياً، لأن مجتمعه الذي يعيش فيه يعاني من أمراض عديدة تقتضي منه حذقاً لإنقاذه.
وفي ضوء هذا يمكننا تفسير تصورات الناقد التقليدي التي تبحث عن أنماط مثالية معينة ينبغي تحقيقها في المجتمع، ولهذا يشترط محمود أحمد السيد في الفن بعامة والقصة بخاصة أن ترمز إلى « المثل الأعلى » الذي يتحدد لديه بــ « الهدف البعيد الذي يصبوا إليه المثاليون على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم حتى يتحقق الرقي الإنساني والسعادة التامة» ، ويتضح من هذا أنَّ المثال يعني قيمة ذهنية تجريدية تعني الحسن لا القبح، كما أنه يمثل غاية يسعى الناقد لتحقيقها في الواقع، ويشترك فيها مع المثاليين عموماً.
ويعمد الناقد التقليدي إلى اختبار واقعه الاجتماعي في ضوء « المثال » الذي يتبناه، وبهذا يتحكم المثال في الواقع الاجتماعي، وما يضطرب فيه من تغيرات، إذ يرى محمود أحمد السيد ، في السياسة مثلاً ـ وبخاصةً في أوربا ـ أنها «مجموعة أكاذيب ورياء وخداع يتقنها « الدبلوماسيون » في مدارس الاستعمار، ويتخذون منها وسائل وذرائع للتحكم في الشعوب الضعيفة » وبهذا تنأى السياسة عن المثال الذي ينبغي أن يحقق في أبرز جوانبه قيماً تعليمية تضاد الكذب والرياء والخداع، وفي ضوء هذا تمثل على أحسن الأحوال شكلاً من أشكال المتغير الذي تصبح فيه «السياسة بعيدة عن المثل العليا » وما دام الأمر كذلك فإنَّ على القاص أن يتحلى بأخلاقية تتعالى على النشاط اليومي المتكرر القائم على الزيف والخداع، ويتأسس على هذا رفض محمود أحمد السيد للقصة السياسية، لأن الفن في تصوره « أسمى من أن يتنـزل إلى حضيض السياسة »، وإذا كان محمود أحمد السيد يرفض توظيف السياسة في القصة القصيرة للأسباب التي ذكرناها، فإنَّ أمين أحمد يرى أنَّ هناك دوراً ما للسياسة لابد لها من تأديته في الواقع، ولكنه يفصل بين السياسة والنتاجات الأدبية بسبب ميادينهما المتباينة، ويرفض الجمع بينهما في نص واحد، لأنَّ الجمع بينهما « دليل الضعف والتكلف » . إنَّ السياسة تمثل لدى الناقد التقليدي شكلاً من أشكال المتغير، ولذلك لا يمكن توظيفها في الأشكال القصصية، وما دامت السياسة بعيدة عن المثل العليا « كان حتماً على أهل الفن إبعادها عن عناصر فنهم » .
وإذا كان العقل متحكماً في تصورات الناقد التقليدي إزاء السياسة وتوظيفها في القصة القصيرة، فإنَّ موقفه لا يختلف إزاء موضوع إنساني خالد كالحب ـ مثلاً ـ الذي يوظفه في القصة القصيرة من خلال مستويين متضادين : الحب الجسدي أو المدنس المحرم، والحب الروحي أو الطاهر الشريف، وتتحكم رؤية الناقد ـ هنا ـ في التمييز بين نوعي الحب، فالحب الروحي يمثل نمط الحسن، أي مثال القيمة الذهنية المجردة والعامة لجميع أفراد النوع، وينطوي على أبعاد خلقية قوامها الفضيلة والعفة، ويفرض ـ من الناحية الفنية ـ على الشخصيات القصصية ضربا من العبادة، أما الحب الجسدي فإنه يهبط بالإنسان والمجتمع من درجات الرقي والكمال إلى مستوى أرضي وضيع، في حين يمثل الحب الروحي كما يرى يوسف الشرهان « أعنف صور الرجولة لأنه يسمو بصاحبه من ميدان الحب الأرضي إلى عليين » ، وهذا يعني البحث عن مثل أعلى للحب من ناحية، و تحكم العقل الصارم في الذات من ناحية ثانية، ليقودا ـ المثال والعقل ـ من جهة التحليل الفني للقصة القصيرة إلى « الوصف الهادئ الرزين للنوازع الإنسانية » . ويتسامى الناقد التقليدي بالحب الروحي من العلاقات الاجتماعية الجسدية المتغايرة إلى علاقات روحية ثابتة، أي أنه يحاول إلغاء الجسد والتسامي بالإنسان من حالة الخصوصية والفردية إلى الثابت ـ المثال، والعام، والجماعي ـ، وتتحدد في ضوء هذا علاقة الحب بالقيم الروحية المطلقة وبالمدركات الذهنية المجردة.
ويَعني الحب الجسدي طغيان الجسد ـ والحواس ـ على الروح، ونأي السلوك عن المثل، ويقود من زاوية أخرى إلى كسر فكرة التعقيل، وإفساح المجال للذات لتعبر عن رغبات الجسد، ويقود هذا اجتماعياً إلى تغيير غير محدد لبعده عن الضوابط العقلية، ويقود معرفياً إلى تصورات نسبية ذاتية تغاير الأبعاد المعرفية الثابتة الصادرة عن العقل وأنماطه الحسنة.
إنَّ الأدباء الذين يوظفون الحب الجسدي ـ في تصـور الناقد التقليدي ـ إنما «يشجعون على ارتكاب الموبقات بأقاصيصهم عن الحب » ، وتتم محاربة هذه الموبقات بالعودة إلى التصورات العقلية، فيتكئ الناقد على أبعاد تعليمية يحدد فيها كيفية توظيف الأدب من أجل « إصلاح المفاسد »، أو يتبنى مرة ثانية معطيات دينية ترفض ممارسة الحب الجسدي أصلاً، فضلاً عن معالجته فنياً، أو يعتمد على إجماع العلماء والمصلحين الذين يرفضون هذا الضرب من الحب.
ويرفض الناقد التقليدي توظيف الحب الجسدي في الأشكال القصصية لأنه ـ ابتداء ـ يرفض القبح ـ المتغير ـ الذي يمثل الحب الجسدي أحد أبعاده، ويتبنى الناقد مثال الحسن ـ الثابت ـ ويعمد إلى إرسائه في الواقع، ولذلك فهو يؤكد أهمية الفكرة وأثرها الفاعل في الإصلاح الاجتماعي، لأنه يتصور أنَّ توظيف الحب الجسدي في الأشكال القصصية يفسد الأخلاق من جهتي الفكرة والأسلوب .
ويقلل محمود أحمد السيد كثيرا من أهمية « الحب » وتوظيفه في الأشكال القصصية لدرجة يرفض فيها قصصه الغرامية « في سبيل الزواج » و«مصير الضعفاء » و « النكبات » التي يصفها بالفساد، ويعدها لطخة عار في حياته وحياة الأدب ، ويرى من ناحية أخرى « أنَّ الغرام لم يعد في العصر الحاضر شرطاً أساسياً للقصص، وعلى الأخص الصغيرة منها » ، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ هناك من يدعو إلى توظيف الحب الجسدي في القصة القصيرة إذا تمكن القاص من تحويله إلى « أداة لإصلاح... المفاسد المنحطة » ، وإذا أدى وظائفه عبر مستويي شرف الفكر وشرف اللفظ ! !.
ويحاول محمود أحمد السيد أن يتجاوز الرؤية التقليدية، ويتضح هذا من خلال سعيه للموازنة بين المقولات الذهنية المجردة من ناحية وما يحصل في الواقع الاجتماعي من ناحية أخرى، فهو يتهم بعض كتاب القصة القصيرة بأنهم خياليون بسبب « حرصهم على العفاف والفضيلة في حين يفشو الفسق والفجور ويكثر الاستهتار بالدين » ، مدركاً التغير الكائن في الواقع الاجتماعي الذي أصبحت فيه العلاقات الاجتماعية «تستند إلى الماديات وإلى المال أكثر مما تستند إلى المعنويات كالحب والشرف والفضيلة » .
ويحاول محمود أحمد السيد التمرد على مفهوم المحاكاة رافضا أن يكون النقل الفوتوغرافي غاية الفن ووسيلته، ويحرص أن تكون أحداث القصة « من أشباه الحوادث الواقعة، إن لم تكن واقعة بذاتها، على أن لا يكون الكاتب « آلة فوتوغرافية » ينقل ما يشهد من وقائع وما يسمع من أحاديث، كما هي « طبقا للأصل »، لأن النقل لم يكن يوما غاية للفن » ، ويؤكد ضرورة اقتران العمل الأدبي بالدعوة إلى مُثل عليا، يقول : «إنَّ نقل الواقع وحده لا يكفي إن لم يكن فيه شيء من الدعوة ـ بصورة خفية ـ إلى المثل الأعلى » ، وفي الوقت نفسه يدعو محمود أحمد السيد إلى نسبية الشعور والجمال، وهما ملمحان يشيران إلى مؤثرات ذاتية رومانسية، ولكنه يلجم ذلك كله بمقولات تقليدية، فالمثل الأعلى الذي أشار إليه يقود معرفيا إلى الثبات، وهو هدف تقليدي، هذا فضلا عن تأكيده على الحقائق الثابتة المستقرة، لأنه يدعو القاص إلى تسجيل ما يراه في طبيعة الإنسان وأخلاقه، وأن « يسجل بجانبها ما يراه في نفسه ونفوسهم من خلال كاملة وصفات على حالها، وله كذلك أن يرمز بأخلاق وعادات وسجايا يلبسها بطل قصته إلى المثل الأعلى الذي يريده للناس، على أن يكون تحليله للبطل وأشخاص القصة الآخرين وتشريحه ما في بواطنهم من عناصر الخير والشر من عناصر الفضيلة والرذيلة، من عناصر النقص والكمال صادقا حقيقياً أو قريباً من الحقيقة » .
وفي ضوء هذا يعمد الناقد التقليدي إلى الموازنة بين المقولات الذهنية المجردة وما يحصل في الواقع الاجتماعي من تغير، لتكون القصة القصيرة صورة لهما معا، ويمكن تأدية ذلك من خلال وصف الواقع بما ينطوي عليه «من عادات وتقاليد ومبادئ وأخلاق وآداب، وبما فيه من نقص وانحطاط » .
إنَّ الأديب التقليدي « أديب الحياة، أديب الحقائق... كاتب الدماغ والفكر » ، ولذا فهو يحاكي مثال الحسن ومصاديقه في الواقع، ويحاكي الجانب السلبي في الواقع، وفي ضوء هذا يمكننا من تفسير تأكيد محمود أحمد السيد على عرض الحقيقة، وضرورة تصويرها كما هي عليه أولاً، وضرورة الالتزام بالمثل الأعلى والتعبير عنه فنيا ثانياً، ورفضه للخيال الذي يقود إلى تحرر الأشكال القصصية عن العقل، وتمكين الذات من التعبير عن مواقفها النسبية المتغايرة ثالثاً.
إن الحقيقة التي يتبناها الناقد التقليدي حقيقة ثابتة لا تخضع للمؤثرات الزمانية والمكانية، وتتحدد لدى محمود أحمد السيد في ضوء بعدي : الإدراك العقلي، ومثال الحسن، اللذين ينبغي أن يعرضهما القاص من أجل تجاوز الحب الجسدي المتغير إلى الحب الروحي الثابت، وهذا يمثل شكلاً من أشكال تحسين الحسن ـ المثال ـ، غير أنه ـ من ناحية أخرى ـ يكشف عن الواقع وما يضطرب فيه من ألوان الحب الجسدي، ليكشف للمتلقي عن نمط القبح كي ينأى عنه، وفي ضوء هذا يمزج الناقد التقليدي بين المثال وتصوير الواقع لتحقيق أبعاد تعليمية تقوم على أساس التحسين والتقبيح من ناحية، ولتمكين المتلقي من وعي واقعه، ومن ثم، المساهمة في إصلاحه من ناحية ثانية.
وفي ضوء هذا، يدعو الناقد إلى توظيف الحب الجسدي في القصة إذا كان يقود إلى وظيفة تعليمية، وبخلاف ذلك يرفض « الروايات الخلاعية والقصص الغرامية » ، التي تترك آثارها السلبية على بناء المجتمع لما فيها من «التهتك مما يندي لها جبين الشباب فضلا عن فتاة الخدر » ، ويرى ناقد آخر ضرورة نأى القاص عن « المواضيع التافهة والأقاصيص الفارغة والروايات السقيمة التي ليس تحتها كبير أمر، ولا يستفيد مطالعها أي فائدة، بل بعكس ذلك يضيع وقتاً ثميناً في قراءتها لو صرفه في مطالعة الكتب الجليلة لجني فائدة عظيمة » ، ودفعت هذه الدعوات إلى رفض القصص المترجمة التي تنطوي على الحب الجسدي لأن «أغلبها مفسدة للآداب والعقول » .
( 3 )
يمثل التراث عند الناقد التقليدي قيمة مطلقة يرتكز عليها العقل لتمكين القيم الفكرية من الثبات والإسهام في إنهاض الأمة، ولذلك فإنَّ دعوته إلى التراث لتثبيت تصوراته الفكرية وقيمه الاجتماعية، ولكنه على الرغم من ذلك يلتقي بأشكال قصصية في الحاضر لم يألفها تراثه، ولذلك فإنه يعمد إلى التوفيق بين الأشكال القصصية الحديثة وما يشتمل عليه التراث العربي من حكايات.ولذلك يمثل الماضي أصلاً لا يمكن الخروج عليه، ولذلك فهو يؤكد وجود الأشكال القصصية في التراث القومي وفي تراث الأمم الأخرى كالإغريق مثلاً، ويصل الأمر حداً أن تكون القصة عرفت بوعي الإنسان وجوده .
وفي ضوء هذا يعد جعفر الخليلي كل ما ينطوي على حكاية قصة، كالملحمة والمسرحية ـ عند الإغريق ـ وكالحكايات التي يرويها المؤرخون عن أيام العرب، وكذلك ما يرد في القرآن الكريم والمقامات وألف ليلة وليلة وغيرها ، إنَّ القصة في تصور جعفر الخليلي قديمة قدم التاريخ، وإن الأدب العربي لم يخل منها، وبهذا يكون عنصر القص ـ وليس الحبكة ـ الحد الحاسم في تحديد الأشكال القصصية، وليس التغاير بين القصة في القديم والحديث كائناً في حبكتها، قدر ما هو حاصل في « سبك القصة وصورتها وأغراضها » ، وبهذا يفصل جعفر الخليلي بين شكل القصة القصيرة ومضمونها من ناحية، ويرى أنَّ التغيرات الاجتماعية والفكرية لم تترك آثارها على تغيير ماهية هذا الشكل إن صح ما ذهب إليه من ناحية أخرى، وفي ضوء هذا تكون المقامة قصة كاملة أو قريبة من الكمال ، غير أنه يستدرك بأن الأدب العربي لم يعرف من الأشكال القصصية سوى القصة القصيرة، أما الرواية والمسرحية فلم يعرف الأدب العربي عنها إلا النـزر اليسير .
وإذا كان التغاير في البناء والأداة لا يؤثران في تحديد ماهية الأشكال الأدبية في الماضي والحاضر، كما يرى ذلك جعفر الخليلي، فإنَّ الفرق في تصور عبد الغني شوقي لا يكمن في الشكل الفني قديماً وحديثاً، وإنما يكمن في وظيفة هذا الشكل الذي يتجه لمجرد « التسلية والفكاهة أو لإثارة الحماس في صدور الجند » قديماً، وهو يسعى إلى تغيير وظيفتها متأثراً بالغربيين من أجل «إصلاح الفاسد وإقامة المعوج وانتقاد شائن العادات وضارها والحث على مفيدها ونافعها » .
ومهما قيل فإنَّ النقاد متفقون على أنَّ القصة موجودة في التراث العربي، ويتفقون أيضا على أنَّ الحكاية تمثل ماهيتها، أما العناصر الأخرى فلا يمكنها أن تغير من هذه الماهية شيئاً، وينصب الخلاف على أداتها وأغراضها مرة وعلى وظيفتها مرة أخرى ، أما محمود أحمد السيد فإنه يؤكد معرفة العرب للقصة، ولكنه ينفي عنهم قدرتهم على إتقانها فنياً، وليس لدى العرب إلا ألف ليلة وليلة، وهي تتسم لديه بالنقص والقصور والفجاجة .
( 4 )
إنَّ رؤية الناقد التقليدي تقوده إلى نظرة شمولية تعلي من أهمية المجتمع، وتقلل كثيرا من دور الفرد، ولذلك نجد النصوص النقدية تغفل دور الفرد وأهميته، وتتجه في الغالب إلى الجماعة والمجتمع، ويوظف الناقد التقليدي القصة القصيرة في هذا الإطار، وتكون « خير أنواع القصص ما كان أنفعها لغالبية المجتمع » ، وبما أنَّ الذات الفردية تفرز الخاص والمتغير، وهي تغاير الوعي الجماعي الذي يرسي العام والثابت، فإنَّ الناقد يسعى إلى إلغاء الذات الفردية، أو يحاول إحكامها بالعقل، ويقلل من دورها في الكشف المعرفي وإسهامها في العمل الفني، وتتحول الذات من حيث كونها أداة تمكن القاص والمتلقي من الإدراك الشخصي إلى ذات عامة تشمل النوع الإنساني، وتعبر عن روح الجماعة، وينطوي تحتها جميع أفراده.
ولما كان الإنسان في المفهوم التقليدي كائناً اجتماعياً عاقلاً مندمجاً بالجماعة وليس منفصلاً عنها، فإنَّ الناقد التقليدي يسعى إلى إيجاد مجتمع متماسك تحكمه وحدة الفكر، وتتحقق هذه الوحدة عبر المعطيات العقلية التي يتبناها، وليس من خلال «الأنا »، لأنّ الأخيرة تعرض مستويات فكرية متغايرة، تنأى عن الثبات من ناحية، وغير قادرة على التواصل بين المستويات الفكرية المتغايرة من ناحية أخرى، إنَّ الناقد التقليدي يسعى إلى إرساء الثابت، بعيداً عن نسبية «الأنا » وتغايرها.
ويتحقق التواصل في المجتمع من خلال ثقافة محكومة بالعقل، وصياغة الشخصية الفردية في ضوئها ويمحو هذا الفوارق الفردية بين الأفراد، بحيث تصبح الشخصية نسخة مكررة لأصل مثالي ثابت، أو هي حصيلة متوسط الشخصيات، وتصبح الثقافة موحدة، وتنطوي على نسيج فكري يكون العقل محوره وغايته في آن، ويتبنى الناقد التقليدي مفاهيم الوعي الجماعي متمثلا بأفكار الأمة مرة، وأفكار الصفوة التي هي خلاصة تجارب السلف مرة أخرى، ويرفض الوعي الفردي، لأنّ الأول يعبر عن الثابت والعام، ويعبر الثاني عن الفردي والمتغير والشاذ أحيانا.
( 5 )
ويربط بعض النقاد التقليديين أسباب تخلف الأشكال القصصية بتخلف المجتمع، ويقرنون تطور هذه الأشكال بتغيره، ولا يمثل هذا الاقتران سوى شكل سطحي في الوعي، فالناقد ممتاز أكرم العمري يقرن تخلف القصة القصيرة بمجمل التخلف الاجتماعي، ولكنه يحدد لذلك أسباباً : كشيوع الجهل وتفشي الأمية ، ويشاطره هذا الرأي يوسف عجاج الذي يرجع السبب إلى «قلة الطبقة المثقفة » ، وإذا كانت الأبعاد الفكرية ـ هنا ـ سبباً في التخلف الاجتماعي والأدبي على السواء فإنَّ العمري يرجع التخلف الأدبي إلى مشكلة اجتماعية محددة تتصل بعدم اختلاط الجنسين في المجتمع العراقي، مما يترك ـ في تصوره ـ آثاراً سلبية على تطور الأشكال الأدبية بعامة والقصة القصيرة بخاصة.
إنَّ النقاد التقليديين يقرنون ـ هنا ـ بوعي بسيط بين تخلف الأشكال القصصية وتخلف الواقع الاجتماعي، ولكن شالوم درويش يرجع التخلف الاجتماعي : إلى بعد اقتصادي، وهو ما يعانيه المجتمع من فقر، وإلى بعد في الوعي بسبب الجهل المتفشي في المجتمع، ولكنهما ليسا السببين اللذين قادا إلى تخلف الأشكال القصصية، لأنّ تخلف القصة ليس مرده إلى « حياتنا الاجتماعية أو إلى عزلة المرأة » ولأنّ النبوغ غير مقترن بتخلف المجتمع أو تطوره ـ دائماً ـ ولذلك فإنَّ « تولستوي لو كان عراقياً لما كان غير تولستوي الذي نعرفه، والذي يمجده عالم اليوم كقصاص أعظم، هذا لو فسح الجهل والفقر لنبوغة مجال الظهور والتفوق » .
وإذا كان العمري ودرويش يعرضان بعض أسباب تخلف القصة فإنَّ يوسف عجاج يتحدث عما يتعرض له الأدباء والكتاب من ضغوط سياسية ، ويتفق معه عبد الحق فاضل، الذي يستشهد بما يعانيه القاص ذو النون أيوب لوصفه « التفسخ الأخلاقي والسياسي الذي منى به العراق في مجتمعه وفي جهاز حكومته » ولكنه يبرر ذلك بأن ذا النون أيوب قاص « مخلص شريف الغرض لا يدعو لحزب ولا يعارض حكومة... بل أنَّ المتأمل ليجد ذنون أيوب يؤيد الحكومة ويمهد لها سبيل الإصلاح الذي اضطلعت به » .
ويتبنى الناقد التقليدي التغيير المرحلي المقنن، وهو مفهوم إصلاحي، ولذلك فإنَّ عبد المجيد لطفي يرى ضرورة تغذية « الحركة الأدبية، لا القيام بالثورة، وإنما القيام بإصلاح اجتماعي هادئ » وترى سعاد الهاشمي أنه « يمكن أن يتم شيء من هذا بواسطة القصص والروايات » ، وفي ضوء هذا كله يوظف الناقد التقليدي القصة القصيرة من أجل إحداث هذا الإصلاح، فجاسم محمد الرجب يدرك أنَّ القصة القصيرة يمكن توظيفها في اتجاهين متضادين، إذ يمكن أن يوظفها « أصحاب المبادئ الإصلاحية » و « أصحاب المبادئ الافسادية » أيضاً، لأنهم جميعاً ـ في تصور الناقد ـ وجدوا في القصة « مجالاً جذاباً واسعاً لبث أفكارهم ونشر أغراضهم » ، ولذلك فهو يقصد توظيف القصة القصيرة في مجال واحد فقط، هو ما يعود بالنفع على غالبية المجتمع.
ولما كان الناقـد التقليدي يهدف إلى تثبيت المجتمع وقيـمه فإنه يعارض أنصار « المبادئ الافسادية » لأنهم يشجعون كل ما هو متغير، والمتغير يقود إلى تفكيك المجتمع، أما القاص التقليدي فإنه يوظف النافع، وحين تعرض القصة القصيرة « التيارات السياسية والاجتماعية والأخلاقية والمذاهب الاقتصادية » إنما تعرض لما هو إيجابي، وبهذا نستطيع تفسير رفض الناقد التقليدي « الروايات الخلاعية والأقاصيص الغرامية » وكذلك الروايات المترجمة لأنّ أغلبها « مفسدة للآداب والعقول واللغة » ولأنها لا تنطوي على أية فائدة، فضلا عن دورها في إفساد المجتمع وتفكيكه، وفي ضوء هذا فإنَّ الناقد يهدف إلى إصلاح الواقع، أي « تحسينه مع الاحتفاظ به، أي تغيير ما يبدو فيه من خلل، دون تغيير الكل، أو استبداله، وهذا يعني ضمنا صحة الواقع في أساسه، والإصلاح بهذا المعنى، هو الإبقاء على الواقع كأساس، مع إجراء تعديلات عليه يتمكن بها من الاستمرار والبقاء» .
إنَّ الوعي بتخلف الواقع الاجتماعي حدا ببعض النقاد التقليديين إلى رفض توظيف القصة القصيرة لمجرد التسلية لاهتمامهم بفاعلية الأشكال القصصية ودورها في الحياة، ولأنها تمثل « وسيلة » يمكنها أن تسهم في نهضة الشعوب عبر تزويد القراء بالمعرفة لأنها « تزيد من علمهم وترفع من مكانهم» ، إذ يؤكد رفائيل بطي أنَّ القصة « وسيلة » يسعى من خلالها إلى « نشر الآراء والمبادئ » و « نشر النظريات الاجتماعية والخلقية على الجمهور » أو أنها ـ على حد تعبير سعاد الهاشمي ـ « أداة تعليمية قوية يتم بها نقل وشرح الآراء والنظريات والمكتشفات العلمية » ، وفي ضوء هذا فالقصة « وسيلة » القاص التعليمية، فهي أداته في الإصلاح، وليست الحكاية فيها سوى إطار خارجي يشوق المتلقي لمتابعة القراءة، ولذلك تلمح سعاد الهاشمي إلى أن يعرض القاص قصصه « بصورة شيقة » لتؤثر في المتلقي، ما دام هدف الناقد، هنا، ليس القص، وإنما السعي نحو تثقيف المجتمع والنهوض به .
( 6 )
وتسهم القصة في إصلاح المجتمع، وتكون وظيفة القاص مماثلة ومشابهة لدور الطبيب الذي يتزود بأدوات قادرة على الكشف عما في المريض « المجتمع » من أمراض « خلل أو نقص »، ولذلك فإنَّ القاص يتزود أولاً بمعرفة فكرية تسبق الممارسة، ثم ينتقل إلى الواقع، وإذا كان المشرط أو الدواء أداة الطبيب فإنَّ القصة واحدة من أدوات الناقد التي تمثل «الدواء الناجح لأدوائنا الاجتماعية » ، ولذلك فإنَّ الناقد التقليدي يسعى إلى الكشف عن السلبي ويوظف القصة القصيرة من أجل اجتثاثه من خلال انتقاد « المساوئ الاجتماعية» ، ويتحقق هذا كله من خلال موقف القاص « الذي يدين بدين الريالست» عبر أداة لغوية يسلط فيها القاص بقوة بيانه « نورا على دياجير الظلام » ليتحقق الكشف عما في الواقع أو « ما في أعماقه من حقائق » غير أنَّ هذه الأداة على الـرغم من خـطورتها يرافقها من حيث الأهمية « انتقاء الحوادث » من الواقع فتتواكب الأداة وجمال بيانها وانتقاء حوادث القصة في الإصلاح.
وفي ضوء هذا يتمكن القاص من الكشف عن المشاكل الاجتماعية الغامضة لتمكن المتلقي من وعيها ووضع الحلول لها، وهذا يعني أنَّ الكشف عن الواقع ومشاكله لا يتأتي لكل فرد، وإنما لصنف خاص من الناس يكون القاص أحـدهم، فيعمد إلى معالجة «المساوئ الاجتماعية... بجرأة نادرة » ، وهذا يقتضي بالضرورة قدرة في الوعي، ولذلك يشترط الناقد أن يكون المصلح والمفكر كالطبيب، وعلى الرغم من أنَّ الناقد يدرك خطورة الأمراض المزمنة التي تحيق بالشرق فإنه يفتقر ـ في الحقيقة ـ إلى أطباء حاذقين وهم نفر قليل، والقليل كالعدم .
ويعمد محمود أحمد السيد إلى « تصوير الحياة الشعبية » موحياً أنها غاية الأشكال القصصية لديه، غير أنَّ التصوير لديه ليست غاية مقصودة لذاتها وإنما من أجل أن يظهر «الجوانب الكاملة والناقصة التي يسعى إلى إصلاحها » ، وبذلك يكون «التصوير » وسيلة لغاية أخرى يقصد منها الناقد الكشف عن السلب والإيجاب في الواقع، وتتحدد أهمية القصة عند رفائيل بطي « لأنها تصور الحياة الاجتماعية التي تحياها الجماعة صورة حية بأشخاصها وبيئتها، وهي تكشف كثيرا من خبايا النفوس فتظهرها عارية واضحة أما الأنظار » ويتبني رفائيل بطي المذهب الواقعي «الريالست » أو التحقيقي ـ كما يطلق عليه أحياناً ـ الذي يرى أنصـاره ضرورة عرض الرذيـلة «بقذارتها والفضيلة يجب أن لا يغالي في تنميقها » لأنَّ القاص ـ والحالة هذه ـ يكشف عن الواقع الاجتماعي ويبحث عن النمط الفكري فيه عبر تصويره، ولأنّ القاص من ناحية أخرى يكتب عن « حقائق موجودة لا عن أمور خيالية ليست موجودة إلا في مخيلته » .
إنَّ القصة القصيرة التي يبدعها القاص أو تلك التي يعمد إلى ترجمتها إنما تقود إلى غاية محددة « لأجل العبرة وكفى » كما يرى ذلك محمود أحمد السيد، كما أنّ «التصوير » الذي يعمد إليه الناقد التقليدي يقود بالنتيجة إلى وظيفة تعليمية تمر عبر «التحسين والتقبيح » الذي يتجلى من خلال عرض الجوانب الإيجابية والسلبية، ويتحقق هذان البعدان من خلال تصوير الشخصية الخيرة والشريرة، وما تتركانه من آثار في المتلقي ترغيباً وترهيباً، فحين يصور القاص الشخصية الخيرة «يحملك لأن تتعشق تلك المناقب وتسعى لتلك المزايا الكاملة » وحين يصور الشخصية الشريرة « يحملك على الاشمئزاز والنفور منها ويولد فيك الميل إلى تجنبها » .
ويتحدد تصوير الحسن والقبح في مستويين : مستوى تصوير الحسن والقبح كما هما عليه أو تحسين الحسن وتقبيح القبيح لتتركا آثارهما في المتلقي معرفياً وأخلاقيا ،إن الناقد لا يسعى ـ والحالة هذه ـ إلى التغير الجذري للواقع، وإنما إضفاء سمات الرضا على مواطن الحسن ومحاولته إصلاح الجوانب السطحية للقبح، ولذلك فإنَّ القصة في تصور الناقد ـ ما دامت تحقق هذين البعدين ـ « خير مثقف للأخلاق والعادات » .
وتتركز الوظيفة التعليمية ـ هنا ـ في جانب أخلاقي يرجع في الحقيقة إلى جذر معرفي يلح عليه الناقد وهو « تهذيب النفوس ودفعها إلى مراقي العمران وأبعد مطارح الآداب الصادقة » ، إنَّ الناقد لا يملك الأدوات المعرفية الكافية التي تمكنه من التوغل عميقاً في الواقع، ولذا فهو يعالج جانبا من أعراض المرض لا المرض ذاته، كما أنه يعي طرفاً واحداَ من الظاهرة وليس وعياً كلياً للظاهرة بأكملها، ويرى الخطأ في جزئية منفصلة عن كلياتها، ولهذا انصبت أغلب معالجاته على الزاوية التعليمية دون وعي محدد لمسبباتها وتشابكها مع غيرها في الفكر والواقع على السواء.
تحتل الوظيفة التعليمية القسط الأكبر من تفكير الناقد التقليدي، ولكنه من ناحية أخرى يدرك أنَّ غزارة الموضوعية في القصة مدعاة للنفور منها لفقدانها التشويق والتأثير معاً، ولهذا يشيد الكرملي بالنتاجات القصصية التي يبدعها الغربيون لأنها تحقق في تصوره « فائدة أدبية ومغزى لطيفا يعود بالنفع على الألفة «الهيئة الاجتماعية »، فيحث على الوظيفة التعليمية في « تشرب حب الآداب والمناقب والمآثر » كما أنه يدعو من ناحية أخرى إلى « تسلية القارئ ».ويمتزج في ضوء هذا بعدا التعليم والتسلية لدى الكرملي لتمكين المتلقي من ممارسة دوره في تحقيق « المنفعة » التي تعود بالأساس على المجتمع بالفائدة، وينطوي تفكير الكرملي على تحديد نمط الحسن في المآثر والمناقب التي تتحول إلى غاية يسعى إلى تحقيقها في الواقع.
وتتبنى جريدة « صدى بابل » في أول عدد من أعدادها « نشر المقالات السياسية والخطب الأدبية والمباحث العلمية »، ولكنها لم تقتصر على هذه الأبعاد، بل تسعى إلى « إمتاع القارئ » بنشر « ما يلذ سمعه وتلذ مطالعته » من الروايات الفكاهية، ويتحدد هذا الإمتاع في ضوء شروط يتوقف عليها «صلاح شؤون الجامعة الإنسانية في الحالتين السياسية والمدنية » ، إنَّ الفكاهة ـ هنا ـ تمثل لوناً من ألوان المتعة والتسلية، ولكنها توظف لدى الناقد لتكون « وسيلة » تقود إلى هدف تعليمي، ويتضح هذا من خلال إشادة محمود أحمد السيد بالقصة القصيرة لأنها « فكاهة الناقد ببصره وبصيرته إلى صميم الحياة وصميم الناس » ، أو أنَّ قصص جعفر الخليلي كما يرى عبد الحق فاضل «تغلب عليها روح الفكاهة والتسلية وإنْ كانت لا تخلو من نقدات منها اللاذع ومنها الرقيق » ، فليست التسلية ـ والحالة هذه ـ جذراً أساسياً يوازي التعليم قدر ما هي واسطة يتوسل بها الناقد لتحقيق وظيفته التعليمية.
ويتردد الناقد التقليدي في توظيف القصة بين بعدين متمايزين : التعليم أو التسلية، ولذلك فإنه يُعرّف القصة بأنها « حادثة خيالية يقصد بها شرح نظرية علمية أو فلسفية أو اجتماعية أو أخلاقية أو نفسية أو لمجرد التسلية » ، ليجاور بين التعليم والتسلية، غير أنَّ «الحادثة » الخيالية التي يشترطها الناقد لا تبتعد تماماً عن العقل، وإنما يشترط فيها أن تكون «كاملة من النواقص والشوائب وقريبة من العقل والمنطق » ، وبهذا يتحكم العقل بالتسلية، شأنها شأن العواطف التي ينبغي أن يكون وصفها هادئاً رزيناً.