الكاتب وكوابيسه /تأليف : أرنستو ساباتو/ترجمة : عدنان المبارك

المحرر موضوع: الكاتب وكوابيسه /تأليف : أرنستو ساباتو/ترجمة : عدنان المبارك  (زيارة 1985 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي

الكاتب وكوابيسه
تأليف : أرنستو ساباتو
ترجمة : عدنان المبارك





مقدمة

يقول أرنستو ساباتو عن هذا الكتاب بأنه يوميات بل مجموعة شكوك لكاتب من أميركا اللاتينية يملك عذاباته الخاصة.
وجاء أول كتاب لساباتو ( الفرد والكون ) الصادر في عام 1945 شهادة بارزة على تمزّق هذا الكاتب اللامع الذي أغرته العلوم البحتة رغم وعيه الفلسفي بعبث هذه الدقة العلمية كلها. في البدء درس ساباتو الفيزياء ونال درجة الدكتوراه ثم عمل لفترة من الوقت في معاهد باريس العلمية. و في منتصف الأربعينات يترك ، بلا رجعة ، العلوم و يتفرغ للأدب. وما كتابه المذكور الذي حقق شهرة كبيرة إلا ثمرة هذا التبدل الأساسي. وكان الكتاب مجموعة نصوص قصيرة حول شتى المواضيع بل عومل كمعجم فلسفي – أدبي من طراز غير مالوف. و يعود ساباتو الى هذا الشكل الكتابي في عدد من مؤلفاته إلا أن التقدير العالمي جاءه بفضل رواياته . ولغاية اليوم يعرف هو كروائي و ليس كاتب مقالة رغم أنه شخصيا يقدّر ذلك الشكل أكثر من غيره.
في ( الكاتب وكوابيسه ) يوضح ساباتوالأسباب التي دفعته الى إختيار العلوم البحتة وهي البحث عن النهج الرياضي المثالي ( الإفلاطوني ) ،عن النظام الذي لم يعثر عليه في داخله. وكانت تلك الفترة من حياته فترة الإيمان الوضعي بالعلم. إلا أن هذا الإيمان لم يبق طويلا. فالعقلانية الجافة التي تقود كل شيء الى أحوال الإعتماد القائمة على قانون السبببية ، الى القالب والصيغة الميتة ، قد أفزعت ساباتو.
معلوم أن علم النفس قد أثبت ما كان موضع ريبة كتاب كبار وهو أن الكوابيس لا تتربص بنا عن قرب بل هي ، ولربما أخطرها ، في دواخلنا.
وتبدأ مغامرة ساباتو الفكرية وحماسه في البدء ثم شكوكه كإنعكاس حسّاس لتجارب عموم البشر. كما يجد أن الإنسان المتلهف الى السلطة أو الإستحواذ ينطلق صوب غزو العالم لكنه يخسر نفسه. وكما يقول فإن العقل والمال( الحقيقة التي صيِّرت عادية و ضغطت بالقالب الإقتصادي ) هما تلك القوة اللاأخلاقية التي تغذي المعاصرة مما ذكرنا بقول كارل يونغ : العقلانية والمبتذل banal هما في الجوهر عاقبة الحاجة المتضخمة الى الدوافع والتي يتميز بها سكان المدن.
من ناحية أخرى فالقرن العشرون كان قد فصل نهائيا بين الحرية والتقدم و زاد من مرارة القول المشهور لنيتشه في أن التقدم قد يكون تقهقريا والتقهقهر تقدميا..
يرى ساباتو أن الشك المُبرَّر بالحرية ، بصيغتها الغربية ، دفع وحتى الى التشكيك بالحرية نفسها ، وعلى الأقل أجلت مسألة تحقيقها الى أمد غير معروف. كذلك فالحرية لاتهبط من السماء بل ينبغي أن تشيّد من الصغائر اليومية وحتى المضحكة وغير السليمة منها ، والتي بفضلها لايضيع الإنسان في الجمع.
أكيد ان ساباتو لا يقترح يوتوبيا جديدة . فصوت هذا الكاتب الكبير ليس إلا نداءا إنسانيا عاجزا..


المترجم





بضع علامات سؤال


هل الذين يعلنون عن أفول الرواية هم على حق ؟ ألا يعّد عمل من أعمال جويس أو بيكيت دفعا للأدب كله صوب العبث ؟ أليس الأزمة الكبرى لأزماننا هي أزمة للفن و سلخا تاما وعميقا للإنسان؟ ألسنا نحن الآن في درب مقفل و لايبقى أمامنا إلا إعتبار روايتنا شهادة مفككة لهذا التقوض ؟
هذه الأسئلة جميعا تقلقني منذ أمد طويل ، فالأدب ، بالنسبة لي والآخرين من الكتاب المعاصرين ، ليس بتسلية أو هروب بل هو شكل ، وقد يكون الأكمل و الأعمق ، للتعرف على المصير الإنساني.
إن قضية ماهية الرواية وخاصة المعاصرة ، تكون في أوربا ( بالنسبة لنا أيضا ) الموضوع الدائم للنقاش ، ولسببين رئيسيين : حيوية هذا الصنف من الأدب والذي يتطور بصورة غير مالوفة رغم تنبؤات حفاري قبره الكثيرين ، كذلك رغم تبدلاته أو نقائه. وهذه الكلمات ينبغي أن توضع بين قوسين لأنها غير مناسبة على الدوام، إذ لا تخص عالم الأفكار الإفلاطونية بل الآخر ، عالم الناس غير النقي ، وذلك بأسلوب لايمكن تفاديه. لذلك فجميع الملاحظات حول نقاء الشعر والتصوير والموسيقى ، الشعر قبل كل شيء ، هي غير مثمرة تماما ، وهي ليست إلا لغطا.
وفي الواقع نعرف جميعا ما هو الخط المنعرج في الرياضيات أو ما هي هندسة المساحة geodesy ، وهي أمور ينبغي أن تحدد بكل دقة ، إذ هي تعود الى عالم الرياضيات. إذن فهي ليست نقية فقط بل قادرة على أن تكون شيئا آخر. والخط المنعرج المشوَّه الذي نرسمه بالطباشيرعلى اللوحة هو مجرد ظل تقوده محدودياتنا الجسدية الى تلك المملكة الإفلاطونية الشفافة الخالية من الطباشير واللوحات والأصابع التي تؤدي الرسم بهذه الغلاظة.
والآن ماهي الرواية النقية ؟ هوسُ إخضاع كل شيء للعقل ونتاج حضارة آمنت بصورة عمياء بذاك العقل الخالص( ويالها من طامة كبرى ! ) مما قادنا الى التصوّر الساذج بأنه في مكان ما ثمة نموذج أوليّ archetype للرواية يصعب مسكه ، ووفق الحسابات الفلسفية الطيبة ينبغي أن يكون مكتوبا بأحرف كبيرة : ا ل ر و ا ي ة. نعم بهذه الصورة ! وتدنو منه شتى أصناف الكتاب الفاشلين عبر محاولات خرقاء مما يشهد على سقوطهم غير المشرّف حسب ، وهذه المحاولات قد تسمّى ب( الرواية ) لكن بأحرف صغيرة.
للأسف أو لحسن الحظ ليس ثمة هناك من نموذج أوليّ ، وبكل إمتعاض وصواب أيضا ، لاحظ فاليري Valery ( وما كان هذا الشيء عنده مدعاة للفخر ) : “ إن جميع حالات الإرتداد ونبذه هي من طبيعة الرواية ". وهذا صحيح لامحالة. وفي ذات الوقت أو بصورة متعاقبة مرّت الرواية بجميع أحوال العنف شأن الحال مع البلدان التي تبيّن أنها خصبة ، بفضل ذلك ، في تأريخ الثقافة : إيطاليا ، فرنسا ، إنجلترا ، ألمانيا. لذلك كانت الرواية هناك رواية أحداث و تحليل مشاعر و تسجيل تحولات إجتماعية و سياسية . كانت ذات أفكار ، غير مكترثة ، متفلسفة ، بسيطة الروح ، بلاهموم ، ملتزمة جمعت في ذاتها هذا القدر من التناقضات ، وكانت ، ومازالت ، معقدة بشكل يصعب إيضاحه. و نحن نعرف أيّ شيء هي الرواية و لكن حين يسألوننا نتلعثم في الجواب. ففي الواقع أيّّ شيء يجمع بين أعمال مختلفة مثل ( دون كيخوت ) و ( المحاكمة ) و ( آلام فرتر ) أو ( يوليسيس ) لجويس ؟


الأفكار في الرواية

يتمسك أحد الكتاب من أنصار ( الأدب الموضوعي ) بمقولة إن على المؤلف الإقتصارعلى وصف الأنشطة الخارجية ، المرئية والمسموعة ، لأبطاله وعدم تناول أيّ ظواهرأخرى ، فهذه زائفة ولاتقود إلا الى الخطأ.
إن أدب زماننا قد نبذ الصواب والمعقول لكن الأمر لايعني بأنه ترك التفكير وصار ما يخترعه مجرد وصف لحركة الأجساد و الإنطباعات والمشاعر. ولايدعم هذه الأدب النظرة الموهومة والقائلة بأن شخصيات الكتاب تفكر وأن الناس ، سواء في الكتب أم الحياة ، لايسلكون وفق قوانين المنطق. ففي الواقع أمرنَا التفكير ذاته بأن نكون يقظين حين كشف في أزمان هذه الأزمة الشاملة عن محدوديته. من ناحية أخرى تكون الرواية اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى ، إمتلاءا بالأفكار وإهتماما بمعرفة الإنسان. والقصد أن لانخلط بين هذه المعرفة والعقل. فهناك أفكار في ( الجريمة والعقاب ) تفوق في العدد ماهو موجود في أيّ رواية عقلانية. وكان الرومانسيون والوجوديون قد تمردوا على العقلانية والتعرف العلمي لكن ليس ضد التعرف بمعناه الواسع. ووجودية اليوم و الفينومينولوجيا وكامل الأدب المعاصر هي شهادة على أحوال البحث عن تعرف جديد ، أعمق و أكثر تعقيدا وليشمل السر اللاعقلاني للوجود أيضا.


حول الأدب القومي

نعم. كان للروسي في منتصف القرن التاسع عشر نفس قضايانا ولأسباب إجتماعية متشابهة للغاية. وإحداها كان ما يسمى ب( الأدب القومي ) و الصراع بين أنصار التمغرب والبقاء السلافي . وروسيا الواقعة عند أطراف أوربا و ذات مجتمع ذي ذهنية إقطاعية تذكر قليلا بإسبانيا البلد الذي لم يمر، بصورة تامة أيضا ، بتجربة الرينيسانس ، وليس بصدفة أن أفضل فلم عن دون كيخوت قد أنجز في روسيا وأن شخصية ثربانتث أثارت ، تقليديا ، وعلى الدوام ، مثل هذا الإهتمام البالغ ، وكانت مفهومة بعمق في تلك الأرض غير العاقلة والجامحة. وبانَ هذا الشبه بوضوح أكبر ، في بعض المستعمرات الإسبانية وخاصة في الأرجنتين القديمة ذات السهوب التي لاتحدّ. مثلا آنا كارانينيا مع أصحاب المواشي والمربيّات الفرنسيات والموظفين الأثرياء البلداء و أصحاب الأراضي المحافظين والجنرالات ، كانت مفهومة بيننا بصورة رائعة. حين كنت أدرس في باريس في عام 1938 تعرفت في أحد المطاعم بروسي ( أبيض ) سائق سيّارة ، أبدى دهشته من معرفتي و فهمي للروايات الروسية و أبطالها قائلا إنه من الصعب توقع هذا الشيء من الفرنسيين مما دفعني الى الإيضاح بأنني لست إستثناءا ، فهذا أمر شائع بين الطلبة الأرجنتينيين، وشعرت بأنني مضطر الى تحليل هذه الظاهرة الغريبة. هل قرأت يا سيدي ( أوبوموف ) “1” ؟ ونحن لو أبدلنا شاي مالك الأراضي ذات بشراب الماته" Mate “ 2 لكان أوبوموف أرجنتينيا من الطراز القديم : إنعدام التنظيم ، إحساس ما قبل الرأسمالية بالزمن ، السهوب الشاسعة ، الحياة البطريكية " 3 ” لأسرنا العريقة ، التربية الأوربية والفرنسية ، الزهو بكل ماهومحلي و في ذات الوقت إحتقاره ، كذلك الشبه بين دكاترتنا في القانون واللبراليين والمثقفين الروس الذين قرأوا مثلهم ، كونسيديران Considerant وفورييه Fourier ، الغليان السياسي والثوري في أوساط الطلبة والعمال ، الفوضوية و الإشتراكية... إلخ. لهذه الأسباب إستطعت أن أتلقى ( ملاحظات من تحت الأرض ) بصورة أكثر إمتلاءا من تلقي أستاذ فرنسي عجوز يرى شخصيات دوستويفسكي مجرد وصوليي وعيٍ ، مخبولين ، برابرة غير قادرين على الحكم على الأفكار البيّنة والنقية ، كما أنهم عبثيون لايعرفون المسؤولية لدرجة إعلانهم أن اثنين زائد إثنين تعادل خمسة ، وبذلك يتحدون التقاليد التي يحافظ عليها الديكارتيون و المصرفيون الفرنسيون. إذن كيف بإمكان هؤلاء الموسكوفيين ، ونحن كذلك ، الإعجاب بثقافة الغرب الرهيفة ، بالثيران الأسكتلندية ، بالروايات الفرنسية والفلسفة الألمانية والحمّامات في بادن بادن والبلاجات وكازينوهات القمار الأوربية ؟
وبهذه الصورة ، وللأسباب ذاتها ، صاروا ، ونحن كذلك ، في مدار أوربا ، وهي صفة تقليدية ، سلافية وأرجنتينية شأن الفودكا و الماته رغم تصورات بعض علماء الإجتماع السطحيين الذين يرون ذلك شهادة للإغتراب. وفي كل الأحوال فهذه هي إحدى صفات طبيعتنا. فالأوربيون ليسوا بمدار أوربا . إنهم أوربيون ببساطة.
يبدو لي أنه قد جاء الوقت كي نواجه بجرأة واقعنا ، بدون تعال وبدون شعور بالدونية . فنحن قد نضجنا. ومن مميزات الشعب الناضج أنه قادر ، بدون ألم و خجل ، على الإعتراف بماضيه. أنا أتكلم عن الأراضي الواقعة على نهر ريو دي بلاتا وليس المكسيك وبيرو ، فهناك تبدو القضية بشكل مغاير نظرا لتراث الهنود الحمر الضخم. وفي الأرجنتين بُنيت المدينة و الثقافة على اللاشيء ، على السهل ( بامبا pampa ) الذي تقطعه القبائل المتوحشة. فكل شيء جاءنا من اوربا : من اللغة والدين ( وهما العاملان القويان في نشوء الثقافة ) ولغاية أكثرية سكان أرضنا. ونحن لو كنا حازمين وإستمعنا الى الذين ينكرون المرة تلو الأخرى علينا ( الأوربية ) لكنا قد كتبنا بلغة البامبا وعلى قشور بيض النعام. ولكان كل شيء آخر غير محلي ، كوسموبوليتيا ، معاديا للقومية. وليس من الصعب ملاحظة حجم هذه الهراء. فثقافتنا تنحدر من أوربا ، ولاحيلة في الأمر إذ ليس هناك مسائل للبت فيها. وكل جديد نخلقه ينبع من هذا الميراث الذي لو لم يكن لما كنا قادرين على خلق أيّ شيء. ولا أتذكر من قال لأندريه جيد إنه لايقرأ البتة كي لا يضر بأصالته. وإذا كان على الإنسان أن يقول شيئا جديدا فهو لايفقد هذه القدرة بعد قراءته لكتب الآخرين. عدا ذلك فهو أمر جديد أننا نعيش على قارة أخرى كبيرة ، وكل شيء هنا يملك ، قليلا ، معنى آخر رغم أن الأسس قد أخذناها من هناك. الثقافة الجديدة ، حتى اللغة جديدة ، ولدت حيث وقف ( الغزاة ) الإسبان على الأرض الأميركية : أنهارها الرائعة ، القمم التي تطال السماء ، السهول التي لاتعرف الحدود ، الثقافات المحلية ، الشموس و الأقمار ، الجمال و الفظاعة ، الأمطار والوحول ، ولدت كلها هذه الثقافة الجديدة سوية مع الناس الذي ظهروا هنا لإمتلاكها. ولربما تريدون أنتم أصالة مطلقة ؟ لاوجود لشيء من هذا القبيل ! لا في الفن و لا في أيّ شيء آخر، فكل شيء ينهض على ما كان ويصعب البحث في كل ماهو بشري عن النقاء التام . وكان آلهة اليونان ( هجناء ) أيضا ، كانوا ( ملوثين ) بالثقافات الشرقية والمصرية. كذلك ففولكنر خرج من معطف جويس ، وهكسلي من بلزاك ودوستويفسكي ، وبعض الصفحات من ( الغضب و العنف ) كما لو أنها تكرار ل( يوليسيس ). وفي طاحونة على فلوس The Mill on the Floss ) لجورج إليوت تقيس إمرأة قبعتها أمام المرآة. وهذا مشهد من بروست أو بالأحرى نواته، و البقية كلها مجرد تطوير فذ ، سرطاني تقريبا ، لكنه تطوير. والحال ذاتها مع ( بارتلبي Bartleby ) لملفيل والذي سبق كافكا. وفي الأرجنتين تكون الظاهرة أشد : ثارمينتو Sarmiento ( ملوّث ) بجيمس فينيمور كوبر J.F.Cooper وشكسبير وشاتوبريان ولامارتين لكنه إستطاع أن يطوّع كل هذه المادة الغريبة كي يخلق عملا أمريكيا عظيما. وصار شيئا على الموضة الإستشهاد بآراليت Arlet الذي تلقى تربيته في أدب ديما Dumas وسو Sue وغوركي ورواية الصعاليك الإسبانية novela picaresca ودوستويفسكي وبول دي كوك P. De Kock .
وما الذي يمكن قوله عن اللغة ، هذا الموروث الرائع الذي ليس بمقدورنا نبذه بل محظور علينا هذا الشيء. فهي شأن كل تركة ثقافية إزدادت غنى على يد الورثة الأفذاذ. وتملك مغزاها حقيقة أن اللغة الإسبانية المعاصرة قد تطورت في القرن التاسع عشر بفضل أدباء أمريكا اللاتينية من أمثال سارمينتو ومارتي Marti وكذلك روبن داريو R.Dario الذي كان سيّدها في مطلع القرن العشرين.
ينبغي تذكير كلّ من ينبذ العنصرالأوربي بأن كل ثقافة هي هجين ، وهي فكرة بالغة السذاجة أن يكون هناك وجود إفلاطوني لشيء أميركي. ومن هو قادرعلى الإفتراض بأن من تلقي القبائل البربرية التي قطنت غابات ومستنقعات شمال أوربا ، للثقافة الرومانية المتفننة ولد الأسلوب الغوطي ؟ و إذا خص الأمر أميركا لنأخذ مثالا على ذلك الموسيقى الأفروأميركية. فقد خلق الزنوج الذين إحتكوا بالثقافة الأنجلو – ساكسونية ، في المحصلة ، العمل الأكثر أصالة في الثقافة الأميركية ، ولربما عملوا بالصورة الأكمل على تطور الموسيقى الجديدة. فكل شيء ينهض من إمتزاج روح الديانات الفريقية بفرق الكورال اللوثرية و أحزان العبودية والإيقاعات الزنجية والأغاني الأسكتلندية والأرلندية. وهذا التأثير شمل القارة كلها. فالموسيقى الشعبية في كل مكان من الشمال الى الأطراف الجنوبية تحوي العناصر الزنجية. وعلينا تذكير القائلين إن قارتنا لم تعط العالم شيئا أصيلا ، بجميع الرقصات الشائعة منذ بداية القرن العشرين والتي غزت العالم، فهي تنحدر من أميركا : الجاز بجميع أشكاله ، الموسيقى الأفروكوبية ، الرقصات البرازيلية ، التانغو الأرجنتيني. وإذا أدركنا أن الرقص الشعبي هو التعبير الأوليّ لكل ثقافة ، ولحيويتها ، فليس هناك من شك في الإسهام الأميركي. كذلك ينبغي الإشارة الى أن الجاز الأميركي والتانغو الأرجنتيني هما على السواء أشكال ثقافية ذات معنى كبير وأصالة بالغة. والتانغوهوالرقصة الشعبية الوحيدة التي تملك طبييعة مرتدة الى الداخل introvertive وعلى خلاف بقية الرقصات ذات الطبيعة المفتوحة. التانغو رقصة حزينة ، درامية ، تعبّر بشكل صائب عن الصفة الأساسية لشخصية الأرجنتيني : المرارة ، النوستاجيا ، النزوع الى التأمل ، خيبة الأمل ، الأسى.


الرواية البسيكولوجية والرواية الإجتماعية

يهاجم أنصار الأدب ( الإجتماعي ) الآخر ( البسيكولوجي ) كشيء مضرّ ومعاد للثورة . و أظن أن مجرى تفكيرهم هو كالتالي لا أكثر ولا أقل : المسائل البسيكولوجية تخص ، بكامل إمتدادها ، الفرد ، والفرد المنسلخ هو أناني لايكترث للعالم المحيط به والذي ( يعاني )، او أنه معاد للثورة يحاول البرهنة على أن الأمر كله هو في الروح و ليس في النظام الإجتماعي ..إلخ.
قبل كل شيء ليس هناك من فرد منسلخ . فكل واحد يحيا في المجتمع و يكافح ويصارع أو يختفي. وليس موقفنا الإجتماعي لوحده ، والمليء باليقظة ، هو نتيجة لتلك الصلة المستمرة مع العالم المحيط بل كذلك الأحلام والكوابيس التي تولدها هذه الصلة. و إذا لم تأت التجارب ، وحتى تجارب أكبر أناني أو مُنكر للذات ، من حضوره في هذا العالم الذي قدر له أن يعيش فيه فمن أين تأتي وأين تولد؟ من موقع الرؤية هذا تعطينا الرواية وحتى الأكثر ذاتية ، وسواء أكانت بأسلوب أقل أوأكثر تعقيدا ومباشرة ، تلك الشهادة عن العالم الذي يعيش فيه بطلها.
أما ما يسميه أولئك النقاد بالرواية الإجتماعية فهو مجرد تصنع روائي ، خارجي ، سطحي. ونحن لانعرف أيّ كتاب ( إجتماعيين ) عاشوا في حقبة تولستوي ، وحتى لو كان أمثال هؤلاء لما تميزوا بالقدر الذي يسمح لنا بالسماع عنهم ، في حين أن عظماء الكتاب الروس الذين لم يضعوا هدفا لهم وصف الظواهر الإجتماعية كانوا قد عرّوا بشكل صارم روح الإنسان الروسي من تلك الحقبة ، كما أبقوا لنا صورة باهرة لذلك المجتمع . فأبطالهم لم يحيوا في الهواء ، إنهم جنرالات وبغايا و موظفون وطلاب. وأكيد أنه لا ينتج عن هذا أن في كل رواية يقدّم الكاتب شهادة للواقع كله. فإذا سقطت صخرة كبيرة في البحيرة تتصاعد موجة عاتية ، وإذا سقط حجر صغير يسمع صوته بالكاد.


الكاتب والأسفار

سواء أكان الأمر طيبا أم سيئا فالكاتب الحقيقي يتكلم عن الواقع الذي يعرفه منذ أن كان في المهد، إذن عن الوطن وحتى إذا بدا لنا بأنه يهرب في أحداث بعيدة زمانا ومكانا. وقد يكون بودلير هو القائل بأن طفولتنا هي الوطن. ويخيّل لي أنه من الصعب كتابة شيء أكثر عمقا وبدون أن يرتبط بأسلوب مفتوح أوغير مباشر بالطفولة. لذلك فحتى المنفيين الكبار ، إبسن أو جويس ، نسجوا على هذا المنوال الغامض. وفي الأسفار ثمة شيء سطحي على الدوام. وعلى كاتب أزماننا أن يعمّق الواقع . وإذا كانت له أسفاره فهي ، وهنا تكمن المفارقة ، لأغراض التعرف الأعمق على الأماكن والناس من محيطه.



مشكلة الكاتب الرئيسية

تكون الرواية ، بالنسبة لي ، شأن التأريخ و بطله : الإنسان ، صنفا غير نقي في جميع الأحوال. فهي لا تخضع للقوالب ولاترضخ للتقييد. وفيما يتعلق بأمور المشََغل ، أنا أعتبر أ مرا مبررا كل ما يخدم الأغراض المنشودة ، الأدبية . لذلك يكون التجديد من أجل التجديد فقط ، أمرا غير أساسي.
وهكذا فحين يوّجه إنسان القرن العشرين بصره صوب عالم اللاوعي والذي يجهله لغايتها ، يكون أمرا محتوما ومشروعا إستخدام المونولوج الداخلي . وتفترض رواية اليوم الوصول الى الحقيقة عن الإنسان ولذلك يرغم الكاتب على إستخدام جميع الوسائط المتاحة وبدون الإكتراث لقضايا مثل تماسكها وتجانسها. فهو تارة يستفيد من المجهر وأخرى من الطائرة. وهو أمر مضحك فحص الجرثومة بالعين المجردة ، و البلاد بالمجهر. وهذا هو أحد أخطاء من يسمّون بالموضوعيين ، وبصورة أعم ، جميع الذين يريدون القيام برحلة الى نهاية الحالة الإنسانية بواسطة ماكنة واحدة، أي حين يضحون بالحقيقة والأعماق من أجل وسيطة واحدة لاغير في حين أن المفروض هو أن يحصل العكس ، إذ لاشيء في الرواية يمكن أن يحدث على حساب الحقيقة. إذن هناك تدهوريون decadents حين توضَع ال( كيف ؟ ) قبل ال ( ماذا ؟ ). وتبدو المسألة كما لو أن هناك فردا عليه الدوران حول الأرض في ثمانين يوما ، أراد القيام بذلك ، وبدافع الهوس الصرف ، على ظهر فيل أو دراجة هوائية ، رغم أن الدراجة لاتصلح لعبور النهر ولا الفيل لقطع طرق المواصلات السريعة. فالهدف هنا هو الدوران حول الأرض في ثمانين يوما و ليس جعل الفيلة مشهورة أو زيادة عدد زبائن تجارة الدراجات.
إن كل كاتب كبير لايكترث البتة لإدعاءات هؤلاء ( النقائيين ) ومطاليبهم. ولنتذكر فولكنر. يقولون عنه بأنه لايتقيد ، ولحد كبير ، بمتطلبات الموضوعية ، ويجري الإستشهاد هنا ، في كتابات الأكاديميين الجدد ، ب ( عثراته ) ، كذلك يقارنون إبداعه بتأليف أحدهم المسمى هاميت Hammet . و ليكن الأمر بهذه الصورة ! إلا أن تفصيلا صغيرا صار مُهمَلا ، وهو أن كتابة هاميت هذا كلها لاتساوي قصة واحدة لفولكنر. عدا ذلك فهم لا يفهمون بأن هذه ( العثرات ) هي بالذات معيار عظمته وحيويته. ولاحاجة هنا لذكر جويس الذي يكون عمله عرض لتقنيات الكتابة وأساليبها بدءا بالباروك الأكثر تطرفا ، عبر القالبيةschematism الكلاسية بأشكالها الأكثر خشونة ، أو من الإنطباع الصرف الى الفكرة الصرفة ، ومن الوثيقة المفصَّلة الى الفنتازيات الأكثر جنونا.



الفنان وصفته الأكثر قيمة

التعصب. لابد أن يلاحقه هوس لحوح ، ولاشيء يمكن أن يعلو على عمله. فكل شيء مكرس لهذا الأمر. بدون التعصب لايمكن تحقيق أيّ شيء جوهري .


الرواية الكلية Total Roman

ليس بمقدور الفلسفة أن تجعل الإنسان الذي مزقته حضارتنا متكاملا ثانية. لكن هذه المهمة ألقيت على أكبر الروايات. كذلك فهي مسألة تتعلق بإستخلاص الإستنتاجات من أمر كان ،على الدوام ، رسالتها الطبيعية : منذ البدء ظهر الميل الى فهم الأمور ككل ، ولنذكر هنا مثالا واحدا هو ( دون كيخوت ) أو ( غارغانتوا وبانتا غريل ). وقد أراد والتر سكوت ( وكان بلزاك قد وجده كاتبا نموذجيا ) أن يجعل من هذا الصنف الأدبي حاصلا للتأريخ والتعرف ، للحوار والشعر، للحقيقة والأسطورة . وبعد متاعب ومصاعب كثيرة كأن تكون الدراسة الأدبية قد نشأت و ليس متعاقبة فقط بل بعضها ضد آخر ، فذلك الشيء لم يكن مجرد عملية بل تعايشا أيضا ، وبعد محاولات هدفت الأخذ بالسرد narration الصرف والتحليل الدقيق للمشاعر ، و في الأخير زوال الحدود بين الرواية والمقالة essay يمكننا اليوم أن نقول بأن المهمة النهائية للرواية هي طرح الرؤيا الكلية للعالم وأداء الرسالة التي قامت بها في الماضي ، الأسطورة والملحمة ، الحكاية الخرافية والشعر ، الإعتراف والسكتشات sketchs . ومن المؤكد أن هذا الشيء حصل في أزماننا حين تحررت الرواية من الأحكام العلمية المسبقة التي أثقلت كاهل كتاب القرن التاسع عشر ، وأعطت شهادة لا يقيّدها أيّ شيء عن حالة العالم الخارجي وبُناه العقلانية ، إلا أنها عبّرت في ذات الوقت عن العالم الداخلي وأكثر مناطق الوجود ظلمة ، وجرّت الى محيطها كل ما كان محجوزا للسحر والميثولوجيا. بهذه الصورة غيّرت الرواية طابعها : من وثيقة إعتيادية الى شيء قد نسميه قصيدة ميتافيزيقية.
وكما يبدو أخذت تحصل العودة ، هنا وبمعنى ما ، الى أفكار الرومانسيين الألمان الذين وجدوا في الفن أعلى تركيب synthesis للروح. إلا أن الفن يُرسى اليوم على مفهوم أكثر تعقيدا ، ولولا الوقع الطنان لأسميته ب( الرومانسية الجديدة الفينومينولوجية). و أظن أن هذا المذهب قد يحسم المسألة التي تصادمت حولها النظريات لغاية الآن : كيف على الرواية أن تكون : بسيكولوجية أم إجتماعية أم ذاتية ، وهل عليها أن تكون رواية الوقائع أم الأفكار ؟ ومثل هذا المفهوم المتكامل والكلي يتجاوب مع الحاجة الى إستخدام جميع التقنيات .


الرواية و الأزمان الحديثة

ينشأ الكثير من النقاشات العقيمة حول أزمة الرواية بسبب تناول القضية في سياق أدبي لاغير. ولا أرى بالإمكان الوصول الى وضوح الرؤية أو إستنتاج حقيقي ما أو ملحوظ ، إذا نظرنا الى ظاهرة الرواية كنتاج ثانوي لدراما هي أزاء الأدب خارجية بل أكبر بكثير – دراما الحضارة التي أنجبت هذا المخلوق الغريب للروح الغربية والذي صاره الإختراع fiction الروائي. إن ولادة هذه الحضارة وتطورها وأزمتها هي ولادة الرواية وأزمتها أيضا. وإذا جرى فحص مشكلة الإختراع من زاوية الخلافات الأدبية أو إنفتاحه الألسني أو الأسلوبي أو محدودياته تكون نتيجة الفحوص هي البلبلة و العادية . فأيّ عمل ذهني وأيّ نتاج من نتاجاته لايكون مفهوما ومقدَّرا إذا كان معزولا : لا الفن ولا العلم ولا المؤسسات الشرعية ولا ذاك الجهد الكتابي الذي يرتبط عميقا بكامل المصير الغامض للإنسان ، يكون إنعكاسا وشهادة لأفكاره وقلقه وآماله وتعبيرا ثرّا عن روح العصر. وهذا لايعني على الإطلاق أننا نكرر الخطأ القديم للجبرية البراغماتية التي عاملت العمل الفني نتاجا لمختلف العوامل الخارجية مما لقي الإنتقاد الصحيح من جانب البنيويين ، لكنه يعني أن العمل الفني هو بنية معيّنة وفي ذات الوقت جُزيئة من بنية أوسع تكون مهمتها شبيهة بالبنية الميلودية للسوناتا والتي لاتعني شيئا إذا كانت لوحدها ، لكنها تكسب الأهمية حين ترتبط بالعمل الفني الكامل.



إيقاظ الإنسان

قال دون Donne إن لا أحد ينام في العربة حين تقله من الزنزانة الى المقصلة ، لكننا ننام جميعا من الولادة حتى القبر أو أننا لم نستيقظ حقا.
و إحدى مهام الأدب العظيم إيقاظ الإنسان السائر صوب المقصلة.



الفن كتعّرف

منذ سقراط تمّ التوصل الى التعرف عن طريق العقل الخالص حسب. وعلى الأقل كان هذا النموذج المثالي لجميع العقلانيين ولغاية الرومانسيين حين رُدَّ الإعتبار للحس والإنفعال كمصدر للتعرف مما إستمرلغاية اللحظة التي إعتبر فيها كيركيغارد ( الإستنتاجات النابعة من الميول العاطفية هي الأمر الوحيد الجدير بالإيمان ).
أكيد أن كلتى الحالتين المتطرفتين محض مبالغة ، وهراؤهما سببه أن معايير الأشياء تطبَّق على الناس وبالعكس. وهو أمر أكيد أن الغضب أو الحنق لايغني بشيء عن نظرية فيثاغورس.
لكن هناك أمرا أكيدا آخر وهو أن العقل لايبصر قيما معينة. ونحن لا نقيّم المنظر الطبيعي والنحت أو الإحساس من خلال العقل أو التحليل المنطقي أو الرياضي. والخلاف مع المدافعين عن التعرف الإنفعالي هو ببساطة خلاف حول العالم الفيزيقي والإنسان.
لقد هدفت العقلانية ( علينا أن لاننسى أن معنى " أن تجرّد "هو : أن تفصل ) الى فصل ( جزء ) من الروح أي العقل والإنفعال والإرادة ، وبعد ذلك طالبت هي بتحقيق التعرف عن طريق العقل الخالص. و لأن العقل ظاهرة عامة universal لدى الجميع وفي كل عصر ( فالمربع يكون قائم الزوايا أي أنه شيء مرادف للحقيقة ) لذلك فكل ماهو فردي يكون زائفا . . بهذه الصورة أزيلت الثقة بما هو ذاتي و قلل من قيمة كل ما هو إنفعالي ، والإنسان الذي هو من لحم ودم أعدم بالمقصلة ( لمرات كثيرة في الساحة العامة و بصورة ناجعة ) بإسم الموضوعية والشمولية و الحقيقة ، وما كان أكثر تراجيديا – كوميديا أن الأمر قد تمّ بإسم الإنسانية أيضا.
والآن نحن نعرف أن أنصار الأفكار البيّنة والحازمة قد أخطأوا ، ولأن معاييرهم التي هي ملزمة في عالم المعادن غير معقولة ، أيضا ، لفهم الإنسان وقيمته تماما كفكرة التعرف على باريس من خلال قراءة دليل هواتفها وخطتها. وبات معلوما اليوم أن أقيم مناطق الواقع ( أي أكثرها أهمية بالنسبة للإنسان ومصائره ) لايمكن غلقها داخل قوالب تجريدية للمنطق والعلم. وبمساعدة القدرة العقلية وحدها لايمكننا التأكد وحتى من وجود العالم الخارجي كما بيّن الأسقف بيركلي Berkeley .
إذن أيّ شيء نتوقعه من العقل فيما يخص الإنسان وميوله ؟
وحتى إذا رفضنا، بشكل مطلق، الواقع والحب أو الجنون علينا الإعتراف ، في النهاية ، بأن آليات التعرف على مناطق واسعة من الواقع هي محجوزة للفن وحده.


بلزاك والعلم

في مقدمة ( الكوميديا الإنسانية ) يكتب بلزاك طارحا بشكل جزئي مذهبه الأدبي : " الحيوان هو تكوين يكتسب شكله الخارجي أو بعبارة أدق، فوارق شكله وفق المحيط الذي يقرر نموه. وتنشأ الأصناف في عالم الحيوان من هذه الفوارق. . لقد لاحظتُ أن المجتمع شبيه بالطبيعة من هذه الناحية ، ألا يخلق المجتمع الإنسان بالإعتماد على الوسط الذي تتطور فيه حياته ، أليس هناك أناس مختلفون كما الحال مع الأصناف في عالم الحيوان؟ إن الفوارق بين الجندي والعامل والموظف والمحامي والمتسكع والعالِم ورجل الدولة والبائع والبحّار والشاعر والمعدم والقس هي ، رغم أنه يصعب مسكها ، شبيهة بالأخرى القائمة بين الذئب والأسد والحمار والغراب و قرش البحر والفقمة والحمل ".
وهذا المقطع من المقدمة يكشف عن شيئين : الأول هو القوة الهجومية لطبيعة العصر العلمية ، والثاني حقيقة أن عبقرية الخلق لدى الروائي تملك قدرة أكبر من قدرة الأفكار التي يؤمن بها نفسه ، وهذا يدل على أن الروايات المهمة لاتكتب بمعونة الرأس فقط.



فاحص أكثر منه مكتشف

من المحتمل ان هناك موقفين أساسيين يخلقان نوعين رئيسيين من الرواية fiction : هناك من يكتب اليوم للتسلية ، لمسّرته ومسرّة القراء ، لقضاء الوقت ، للترويح عن النفس ، أو العثورعلى بضع لحظات لإلتقاط الأنفاس ، كذلك للتعرف على وضع الإنسان وهو عمل ليس بالتسلوي ولا بالأمر المُسِّر.
وبالفعل هو أمر طبيعي تقريبا ، وإذا لم نقل لايمكن تفاديه ، ذلك الإحساس بأن قراءة الرواية من هذا النوع هو شيء غير مريح. وهذا يحصل ليس فقط لأن تعميق مهاوي القلب البشري هو عمل مجهد ، بل لأن هذا الطراز من الرواية ، سواءا أردنا أم لم نرد ، يثير فينا القلق الذي هو بدوره ليس شيئا مسّرا. ويذكر موريس نادو M. Nadeau أن الرواية التي لاتغيّر المؤلف ولا القرّاء ليست بالضرورية. وهذه حقيقة. فبعد قراءة ( المحاكمة ) لسنا ذات الأفراد السابقين ( وهو أمر حصل لكافكا بعد كتابة هذه الرواية أيضا ).
إذا كان النوع الأول من الرواية المكتوبة لأغراض المتعة أو التسلية حسب ، فنحن نسميها ب ( التسلوية )، والنوع الثاني قد نسميه بالرواية ( المشكلاتية ) ، وبرأيي هذا تحديد أفضل من التسمية الأخرى : ( الأدب الملتزِم ).
وهي غريبة على هذا النوع من البلاغة والحبكة السطحية اللتين هما صفات لصيقة بالتأليف التسلوي. وعادية الحبكة يجابهها ، هنا ، الفضول المتوقد للتعرف على القضايا المعقدة للإنسان الذي يصارع ذاته في أزمان هذه الأزمة المريعة ، وهنا يطرد اللغز البوليسي التافه أو الرواية الفنتازية ، السر الأساسي للوجود ، إزدواجية الروح ، الحزن الذي يعذب جميع الكائنات الحيّة.
من ناحية أخرى يبدو الأمر كما لو أن هؤلاء الروائيين قد إستخدموا ، عند فحص أشياء عادية ومعروفة ، عدسات مكبّرة وأجهزة أشعة تنفذ الى أكثر طبقات الإنسان سرّية حيث يصير القحص بحثا في العمق وليس أحد العروض. وقصص سومرست موم الكثيرة ( وهي لاتعدّ نظريا ) عن الممرضات والجواسيس ومهرّبي المخدرات والمغامرين في ستغافوره أو هونغ كونغ أو في حلبة أخرى مشوّقة وغريبة ( مما يكون اليوم مناسبا أكثر للفلم التسلوي المسلسل التلفزيوني أو القصص المصورة comics ) يجابهها كاتب أزمان الأزمة بكتب قلائل تحيا شخصياتها بشكل عادي في محيط القاريء، وأحيانا في الشارع نفسه ، إلا أنها تخلق عوالما سرّية. وفي أسرارها يعثر القاري – الجار على نواة كوابيسه وأهوائه المقموعة والمخفية . ومثل هذا الكاتب هو بالأحرى فاحص أو مكتشِف أكثرمنه مخترِع. أكيد أكيد أنه من السهل في هذه الظروف البحث عن ( الموضوعية ) في الروايات التسلوية و ليس في الأخرى المشكلاتية ، إذ يمكن توقع الحياد واللاإكتراث التامين أزاء البرنامج التلفزيوني في حين أنه من الصعب الحفاظ على الموضوعية في حالة الكاتب الذي يعبّر، و كله ألم ، عن دراما الإنسان المعاصر. ويكون المشهد الطبيعي الخارجي وجاذبية العادات واللغة أو الملبس أمرا جوهريا لتلك الرواية ، فهنا تفقد أهميتها ، إذ أنها ليست هدفا بحد ذاته ، فالعالم الخارجي قائم لسبب واحد لاغير : مرافقة الدراما الشخصية كإسقاط للعالم الذاتي. فالثلج هو حاضر إذا كانت له صلة بالدراما ، أما السلالم فهي للتعبير عن تردد البطل وحالة التوقع لديه ، أو حين يوجد في الطابق العلوي شخص ما يعثر على مصيره.


نقاء الفن

يقول بعضهم إن في الشعر النقي لاينبغي أن تكون هناك إحالات فلسفية أو سياسية ، وآخر يتخلى عن القص ذي المغزى ، وفي الأخير هناك من ينبذ الإيقاع والقيمة الموسيقيية. ولو حصل الخضوع لهذه النواهي عند كتابة الشعر لما بقي شيء ، أي اللاشيء ، وهو الشكل الأنقى للنقاء.
وعامة كلما يجري الحديث في الفن عن النقاء ، نكون على ثقة بأن فترة العقم قد جاءت. وطالما أن مثل هذا الهوس هو أمر خطر او ببساطة هو مضحك بالنسبة للتصوير أو الشعر ، فماذا علينا قوله في حالة الرواية التي هي عمل غير نقي شأن التأريخ الذي هو صنوها المخبول والكدِر؟


الليل والنهار

الإنسان ربّ حين يحلم ، وشحاذ حين يفكر . هيلدرين Holdrin



الأعمال التالية

تكون الإعمال التالية للروائي مثل المدن المشيَّدة على أنقاض السابقة، رغم أنها جديدة فهي تجسّد الخلود و تلقى توكيدها في وجود حكايات ناس وأحوال أفولٍ وأهواء ونظرات ووجوه عائدة بإستمرار.



الخطط والأعمال

كان في نية دوستويفسكي كتابة مقال تعليمي يحارب الإدمان على الكحول في روسيا ، تحت إسم : السكيرون ، لكن بدل ذلك جاءت ( الجريمة والعقاب).
أما أبطاله فبقدرتنا الإفتراض أن الشخصيات الرئيسية لاتعبّر عنه بالصورة الأكثر عمقا ، و أن المثقف راسكولنكوف هو الناطق بإسم المؤلف المتمزق مثله ، كذلك فهو إنسان الأفكار إلا أنه في اللحظة الأخيرة خلق ، وكما يبدو ، سفيدريغابلوف الذي يجسّد ، بلاشك ، الجزء الأكثر قتامة للمؤلف والذي يكون القاتل راسكولنكوف ، عند المقارنة به ، إنسانا وديعا كالحمل.


أزمة الفن أم فن الأزمة ؟

في هذه الفترة الحرجة من التأريخ نلقى ظاهرة غريبة : إتهام الفن بأنه يمر بأزمة و ينساق الى نزعة ( اللاإنسنة dehumanization ) ويحرق وراءه كل الجسور التي تربطه بعالم البشر . لكن العكس هو الصحيح تماما. فما يسّمونه بأزمة الفن هو ، في الواقع ، فن الأزمة ، والخطأ يكمن في تحريك براهين زائفة. فبالنسبة لأورتيغا ي خاسيت Ortega Y Gasset تكون الهوّة القائمة بين الفنان والجمهور هي الدليل على لا أنسنة الفن. و يلاحظ هو إحتمال نشوء الحالة العكسية ، أي أن الجمهور خضع للاإنسنة و ليس الفنان. و أكيد أن البشرية شيء و شيء آخر هو الجمهور كجمع mass ومجموع كائنات كفت عن أن تكون بشرا بل مواد نمطية خلقها التعليم القياسي standard ومحشورة في المكاتب والمصانع ، وتثيرها كل يوم الأخبار المعلنة بالإجماع و التي تبثها في العالم المراكز الألكترونية ، كائنات شوّهتها وشيّأتها مصانع القصص والروايات الإذاعية ، وأعمدة الصحف ونجوم الفن السوقي. أما الفنان فهو وحيد بحكم الواقع ومن خلال عجزه عن التكيّف ونزعته التمردية وجنونه ، قد حافظ ، ويالها من مفارقة ! على الخصلة الإنسانية الأكثر قيمة. وهو ليس بالشيء المضّر إذا بالغ أحيانا وقطع أذنه. حتى أنه يكون حينها أكثر قربا من الإنسان الحيّ وليس من الآخر الشبيه بالموظف اليقظ وراء مكتبه الوزاري . وهي حقيقة أن الفنان المحاصر واليائس يهرب في النهاية الى أفريقيا ، الى الإدمان وفردوس المخدرات – الى الموت. لكن هل هذا يعني أنه خضع لعملية اللاأنسنة ؟
( إذا كانت حياتنا مريضة - كتب غوغان الى سترندبرغ – فلابد أن يكون الفن مريضا أيضا. ونحن نعيد له الصحة حين نبداأمن جديد ، شأن الأطفال والناس المتوحشين .. إن حضارتكم هي مرضكم ).
وليس الفن يعاني من الأزمة بل المفهوم البالي المديني ل( الواقع ) ، وذلك الإيمان الساذج بالواقع الخارجي. لذلك يكون أمرا غير معقول تقدير تصوير فان غوغ من موقع الرؤية هذا حسب. و إذا لم يتغير هذا الموقع ، وهو أمر يحدث على الغالب ، من الصعب أن لا يقتنع المرء بأن لوحات هذا الفنان تظهِر له هيئة اللاواقع ، أما الشخوص و الأشياء فهي من عالم وهمي ونتاج إنسان معتوه داخل الوحدة و العذاب.
و يعكس فن كل عصر ، بأمانة ، رؤية العالم وتصوّر هذا العصر أو ذاك للواقع الحقيقي ، وهذان ( التصوّر والرؤية ) مشيّدان بشكل يناسب الميتافيزيقيا والنفسية العامة للعصر. مثلا لايمكن أن يكون العالم لدى قدماء المصريين الذين شغلتهم الحياة الأبدية ، واقعا حقيقيا ، ومن هنا تلك الكهنوتية المتسامية hieratism للتماثيل الكبيرة ، والهندسية التي هي علامة الأبدية ، والإنعدام التام للعناصر الطبيعية والأرضية. فالهندسية خاضعة لمفهوم عميق لم يأت ، كما يظن بعضهم ، نتيجة للخراقة الشكلية ، فالمصريون كان عليهم أن يكونوا طبيعيين متمسكين بالدقة حين نحتوا ولوّ نوا العبيد المحتقَرِين. ولننتقل الآن الى حضارة أكثر دنيوية ، مثلا حضارة أثينا عصر بيركليس: في الفن سادت آنذاك الطبيعية حتى أنه جرى تقديم الآلهة بهيئات ( واقعية ) ، فهذا الطراز من الثقافة غير الدينية يُُعنى أولا بالحياة الدنيا ، بهذا الواقع ( الحقيقي ) الذي تمثله الحياة الأرضية المنتهية ، وللأسباب نفسها يعود مع المسيحية الفن الكهنوتي الذي يكون أمرا غريبا عليه زماننا ومكاننا. ولقد أعاد إنفجار الحضارة المدينية بطبقتها العملية والمؤمنة بهذا العالم فقط وخيراته المادية ، الطبيعية للفن. والآن في حقبة أفولها ( أي الطبيعية ) نحن شهود رد فعل عنيف للفنانين أزاء الحضارة المدينية ومذهبها و فلسفتها الحياتية Weltanschauung . وعلى الغالب يتبين مرة تلو الأخرى أن تلك الرؤية للواقع قد نضب معينها ، وهي لاتعبّر اليوم عن أحوال القلق الأكثرعمقا لدى الإنسان.
ولقد كانت الموضوعية والطبيعية في الرواية مظهرا آخر ، وكله مفارقة لتلك الروح المدينية . ويمثل فلوبير وبلزاك ، وخاصة زولا ، ذروة تلك الأستيتيكا والفلسفة في النثر. فنحن نتعرف بفضلهم ليس فقط على أفكار وذنوب العصر ، بل على ورق الجدران الذي كان شائعا حينها. وزولا الذي بلغ العبث بهذا الأسلوب من الكتابة كان يضع سكتشات حتى لأبطاله مسجلا كل شيء بدءا بألوان عيونهم وإنتهاءا بألبستهم حسب فصول السنة. وغوركي ضيّع ، جزئيا ، موهبته النثرية الكبيرة حين مجّد الأستيتيكا البوجوازية ( وكان على إعتقاد بأنها بروليتارية ) ذاكرا أن من أجل وصف شخص حانوتي واحد ينبغي معرفة مائة منهم كي يمكن إستخلاص الصفات المشتركة. وهكذا فالوسيلة العلمية التي تسمح بالتعميم وتجاوز ما هو فردي هي طريق الكائن وليس الكينونة. و إذا كان الكاتب لايقدّم بيادقا بل الناس الأحياء فهو مدين لنفسه وليس لأستيتيكاه ، فما ينقذه هو غريزته ككاتب و ليس الفلسفة غيرالحكيمة.
وقبل مفهوم غوركي بعقود كثيرة كان دوستويفسكي قد دمّره ومهّد الطريق لكامل أدب اليوم بمؤلفه ( ملاحظات من تحت الأرض ). وهو لم يتمرد فقط على واقع المديني العادي والموضوعي بل إكتشف ، حين غرق في هاوية أناه المظلمة ، أن العالم الروحي للإنسان لاعلاقة له بالعقل والمنطق والعلم ولا بعجائب التكنيك.
إن هذا التحول صوب الأنا العميقة صار أمرا عاما في كامل الأدب العظيم لقرننا سواء في ( جدارية ) مارسيل بروست الشاسعة أم في العمل الموضوعي ، ظاهريا فقط ، لكافكا.
رغم ذلك يذكر فلاديمير فييدله V. Viedle في مقالة مشهورة أننا شهود أفول الرواية ، ففنان اليوم ( غير قادر تماما على الرضوخ لمخيلة الخلق ) ، إنه مشغول بصورة مهووسة ، بأناه التي يجابه بها كتاب القرن التاسع عشر الكبار ، ونجده يقول : بالمقارنة مع الكتاب أمثال بلزاك والذين خلقوا العالم ، وأظهروا من الخارج الكائنات التي تحيا فيه ، كذلك الآخرين من أمثال تولستوي الذين خلقوا الإنطباع بأنهم الرب ذاته ، نرى أن كتاب القرن العشرين لايعرفون كيف يتجاوزون أناهم ، فهم مسحورون بأحوال قلقهم وتعاستهم ، ويتحاورون الى ما نهاية في عالم الأشباح ).


ماركس و الأدب المديني

كان هناك ثوري معروف إسمه كارل ماركس، وليس بمقدور أحد أن يتهمه بميول ذات صبغة بوروجوازية صغيرة ، حفظ عن ظهر قلب شكسبير وأعجب ببايرون وشيللي و إمتدح هاينه و إعتبر الرجعي بلزاك عبقريا يستحق الإعجاب. وكان يأسف ، ومعه انغلز ، على أن عبقريا من طراز غيته أهان نفسه وطمع بمنصب وزير في إحدى الإمارات. ولم تكن غريبة عليهما التناقضات الإنسانية والفلسفية ، كما عرفا جيدا الى أيّ درجة كان غيته فنانا للطبقات الرجعية إلا أنهما أحباه وإعتبراه أحد الذين أغنوا الثقافة العالمية.
وهذا درس رائع لبعض ثوريينا الهواة.
وبإعتقادي فإن المعيار الأكثر دقة لنضوج المجتمع وتحولاته العميقة هو هل أن ثورييه يعرفون كيف يفهموا ويقبلوا التركة الروحية لفئات المجتمع الغاربة. وإذا لم يعرفوا فهذا يعني أن الثورة لم تنضج بعد.


قوة الأدب ومحدودياته

تكفي بضع نوتات كي يخلق ديبيسي Debussy مزاجا رقيقا لايقدر كل مؤلف على تحقيقه ومهما كان عدد الصفحات الموسيقية المدوَّنة. وكل كاتب يعرف ويعي محدوديات فنه وماذا يعني الإحباط و الكدر. وقد يكون هذا المعنى هو السبب في أن يبحث الكتاب ، عبر العصور ، عن سبل الإقتراب من الموسيقى أو التصوير أو كما يفعل الجميع اليوم حين يقلدون ، بكل رغبة ، السينما ، وإذا وجدوا أن حقلا آخر من الفن يتمتع بالتقدير الإعتراف.
ومثل هذا الجهد يكون مضحكا لولا طابعه الإنتحاري. فمحاولة كتابة رواية مقلدة للفلم تبدو كما لو أن غواصة معجبة بالطائرة أرادت القفز الى الماء بمساعدة مروحتها وزوج من الأجنحة. لكننا نبتسم ساخرين عند رؤية هذه الأعمال الخرقاء ، فبدل الغوص في أعماق المحيط والصيرورة ملكة هناك تحاول الغواصة ، عبثا ، تقليد مكائن أخرى شيّدت لأغراض أخرى ، وهي ذات إمكانيات أخرى رغم أنها لاتخلو من المحدوديات أيضا.
إن لكل فرع في الفن أهدافه وحدوده . وهو أمر غريب أن هذه المحدوديات ليست بعلائم ضعف بل قوة. والمحدودية الأساسية للمسرح التي تدفع الى تقديم المسرحيات بين ثلاثة جدران هي السبب في شدته أيضا. ودفع المسرح صوب السينما التي تتمتع اليوم بمثل هذا الإعتراف الكبيرهو أمر ساذج وسيء ، تماما كما قلد الفلم المسرح عندما كان فنا وليدا.
ويريد ، مؤخرا ، الكتاب المسحورون بالتقنية الفلمية أن ينقلوها الى كتبهم. وبعضهم يفكر، وهو في طور الكتابة ، بالمنافع المتأتية من نقل الكتاب المقبل الى السينما، وأمثال هؤلاء الكتاب بالإمكان إهمالهم ، أما الآخرون ( وهم من نعنيهم ) فيعتبرون أن الفلم هو فن وأسلوب أزماننا لذلك ينبغي الأخذ بهذا الأسلوب في السرد. وإذا أخذ المرء بمثل هذا المعيار فسيكون مرغما ، في اللمستقبل ،على التبرؤ من أعمال بروست وفرجينيا وولف أو فولكنر والتي هي أدبية في جوهرها ولايمكن إدراجها ضمن وسائل التعبير الأخرى عدا صفحات الرواية ، الأمر الذي تشهد عليه المحاولات الفاشلة بإستمرار من أجل نقلها الى الشاشة.



غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي


الفن والتأمل الغيبي

( يُذكّر الخلق الفني ، في بعض الأبعاد ، بالتأمل الغيبي الذي قد يبلغ ، بادئا بالصلاة البيّنة ، الرؤية البيّنة ).يوجين ديلاكروا E.Delacroix


التدخل اللعين من جانب المؤلف

لننظرالى الشجرة . في البدء يلوّنها مييه Millet ثم فان غوغ . إنهما شجرتان مختلفتان بسبب ذلك ( التدخل اللعين من جانب المؤلف ). وهذا القوسان و ضعهما منظرو الموضوعية . لكن هذا الإقتحام المحتوم من طرف الفنان للشيء يجعل شجرة فان غوغ أعلى من شجرة مييه وأيّ شجرة أخرى من صنع المصور الفوتوغرافي.
والأكثر من ذلك ، فهذه الشجرة هي بورتريه لروح فان غوغ.



الشمولية العلمية والفردية الفنية

قالها بونكاريه Poincare مرة وبكل رشاقة : الرياضيات هي فن التفكير الصحيح بأشكال figures غير صحيحة . إذ لا أحد يريد القول ( كما أن هذا القول لايحتاجه الصواب ) بأن المثلث المتساوي الزوايا والمرسوم بالطباشير على السبورة هو المثلث الإفلاطوني الفعلي. فهو لايعدو كونه إيماءة بسيطة بل تخطيطا أخرق يقتصر الغرض منه على تصوير مجرى معيّن للتفكير.وتكون حالة الفن مغايرة تماما. فالتسجيل الجوهري والوحيد و الشخصي هو التعبير الملموس عن ماهو فردي. و إذا إكتسب صفات الشمولية فهي شمولية الملموس المحققة ، ليس من خلال تجاوز الفردي بل إعطائه المزيد من القوة. وقال فيخته Fichte بهذه الصورة لا أكثر ولا أقل : في الفن تكون الأشياء نتاج الروح ، ف( الأنا ) هي الشيء والذات في الوقت نفسه. أما بودلير فيذكر في ( الفن الرومانسي ) أن الفن هو خلق سحرٍ موحٍ ٍ يستعبد الفنان وعالمه. و يضيف قائلا : نحن نقرض الشجرة أهواءنا ورغباتنا أو ميلانخوليانا. وأنينها وتمايلها هما أنيننا وتمايلنا ذاتهما ، ونحن سرعان ما نصبح شجرة وبهذه الصورة يعبّر الطير المحلق في السماء عن رغبتنا ، وعلى الفور ، في العلو على القضايا البشرية، وهكذا فنحن الطير .
كذلك قال بايرون : أليست الجبال والأمواج و السماوات جزءا مني وروحي كما أنا جزء منها ؟
أليست الكهوف التي نشاهدها وراء شخوص ليوناردو دا فنشي ، وتلك الصخور المحيّرة وراء وجوهه المزدوجة المعاني تعبيرا غير مباشر عن روح ليوناردو نفسه ؟ و تبدو الحال شبيهة بحركات وإيماءات الممثل الذي لم يعرف شكسبير لكن حين تحرّك مشاعره مصائرالأمير الدنماركي كي يتقمص شخصية هاملت و بذلك يتقمص شكسبير نفسه أيضا. بهذه الروح ينبغي تفسير كلمات ليوناردو حين يقول إن التصويرهو مسألة ذهنية cosa mentale ، فبالنسبة له ليس الذهني هو فكري intellectual بقدر ما هو ذاتي subjective .إنه شيء وُهِب للفنان وليس للمنظرالطبيعي الذي يلوّنه ، ذلك أن الفن يكون عنده ( مثالية المادة ). إذن كيف نطالب الفن بالموضوعية ؟
يبدو الأمر كأننا نريد أن لا تعبّر ( الرباعية 135 ) عن بيتهوفن . وطالما أن ما يقصده الفنان العظيم هو الوجود و ليس مسألة التعبير ، تكون محض عبث المطالبة بأن لا تكون هذه الرباعية تأليفا لبيتهوفن.
ويصعب حقا إيضاح مذهب الموضوعيين بصورة أخرى غير كونه إنعكاسا لمكانة العلم وإستحواذيته والإيمان الدوغمائي بالعالم الخارجي الذي على الفنان ، كما العالِم ، وصفه بذات الحياد البارد. وهكذا كان على الروائي أن يقدّم الحياة وبؤس الإنسان كما يفحص عالِم الحيوان بيوت النمال ، أي أنه يفحص القوانين الإجتماعية واصفا العادات و الأماكن واللغة وممارسات الحب. وعن حق لاحظ أحدهم بأن الشخص الثالث ( ضمير الغائب – هو ) الذي يجري الكلام بإسمه قد صار شبيها بالضميرالآخر في كتب علماء الطبيعة التي تصف عادات و طبائع اللبائن و الزواحف ، وحتى أحوال تشويه الواقع الموضوعي ( وهي عادة تستحق الإدانة ) تنشأ نتيجة الفروق في الأساليب والثروة القاموسية. و لم يخطر ببال هؤلاء ، ولمرة واحدة ، أن واقع هذا الإنسان يختلف عن واقع الآخر ، تماما كما هو أمر مؤكد بأن عالم بلزاك يختلف عن عالم فلوبير. ويملك الروائي المعاصر ، وليس هذه الحقيقة الناصعة فقط بل أخرى أيضا ، وهي أن الواقع يظهر لكل بطل بصورة مغايرة ، ووفقا للعقيدة ووجهة النظر و لما يُعطى للواقع الخارجي ومايعطيه هو أيضا.
وفي المحصلة إذا إعتبرنا واقعا ( و ينبغي أن يكون ) و ليس الفعلية الخارجية فقط بل كذلك ذلك العالم المظلم ، عالم روحنا الذي لايكون ، بالضرورة ، أكثر أهمية ، و بالنسبة للأدب ، من ذلك الأول فإننا نصل الى إستنتاج يفيد بأن أكبر الواقعيين هم بالضبط أولئك الذين يدل تركيز الإنتباه على الوصف العادي للأزياء والعادات نجدهم يتكلمون عن المشاعر والأهواء والأفكار وعن كل زوايا عالم أبطالهم المحروم من الوعي واللاوعي مما لايكون فقط مجرد هروب من العالم الخارجي بل هو يسمح بتوفير بُعده الحقيقي ومعناه بالنسبة للكائن الإنساني.
إن الإنسان لايعنيه غير الأشياء المرتبطة بروحه : المنظر الطبيعي والناس والتحولات التي يلاحظها بهذه الصورة أو تلك ويتحسسها ويعانيها في أعماق قلبه. لذلك فعظماء الفنانين ( الذاتيين ) الذين إتخذوا موقفا حكيما نبذوا وصف العالم الخارجي لكنهم أبقوا لنا صورته الأكمل والأصدق ، ومعها الشهادة ، في حين أن الآخرين المعنين بالأزياء ، والعاديين ، الذين يتهمون أولئك بالأنانية ، لم يحققوا أيّ شيء .. لم يحققوا حتى أوهامهم.


السير الذاتية

تحوّل طبيعة الإنسان كل سيرة ذاتية الى كذب محتوم. بفضل الأقنعة وحدها ، سواء الكرنفالية أم الأدبية ، تتجرأ الناس على إظهار حقائقها ( الرهيبة ) و الأخيرة. وتعني كلمة ( persona ) القناع ، وبهذا المعنى دخلت اللغة والمسرح.


فن المكان وفن الزمان

كان ليسنغ Lessing قد لاحظ بأنه خلافا للفنون التشكيلية التي هي مكانية في الأساس ، تكون الرواية بطبيعتها زمانية . واليوم نحن نعرف بأنها كذلك و بأدق معنى لهذه الكلمة، وهي لاتعترف حتى بذلك الزمن الإختصاصي ، زمن رجال الفضاء.
ومن هنا يكون أمرا غير معقول خلق أدب وفق القوانين الفلمية والزعم بأن السينما ، وحتى حين تستفيد من خصائص الفنون السردية ، إنما تملك ، في الجوهر ، جميع صفات الفنون التشكيلية.
في الصورة نلاحظ فجاة ، وفي ذات الوقت ، واقعها كله ، و التجربة الأستيتيكية هي ممتلئة وخاطفة ونحن يمكننا أن نتقبل الكل هيكليا قبل أن نتأمل الأجزاء أو تمحيصها. وفي السرد يحدث العكس تماما.

حول الفن و الجبرية الإقتصادية

لاتملك المادية الضيقة الأفق أيّ صلة بالماركسية ، فهي تسوق كامل النشاط الروحي للإنسان في حظيرة القوانين الإقتصادية. وفي مثل هذا الفهم الدوغمائي يصبح الإنسان عبدا لهذه القوانين. وهذا مناقض تماما لما دعا إليه ماركس. ففي ( مقدمة الى نقد فلسفة القانون الهيغلية ) يقول ، مثلا ، إن الإنسان يخلق ، وليس التأريخ ، أي الإنسان الفعلي والحيّ والمُحقِّق لأهداف مرسومة. وهي حقيقة أن الكثيرين من الماركسيين قد أدانوا التشويهات البرغاماتية السوقية ، إلا أن أصواتهم ، كصوت أنتونيو لابريولا
A. Labriola قد خنقتها السكولاستيكية الرسمية أو، كما في حالة كورش Korsch ، قد أصبحت ملعونة من جانب الأممية الشيوعية. والصمت المطبق الذي فرِض على أفكارهم قد سبّب ، في النهاية ، الموت العقلي لهؤلاء المفكرين. ولربما يعود السبب الى التقاليد الهيغلية التي سندها نشاط المثالي بنديتو كروتشه B. Croce في ظهور شخصية أنتونيو غرامتشي A . Gramsci الذي كتب خلال سنين السجن الطويلة الكثير من الصفحات الناصعة في تلك الأزمان التي شهدت السقوط الستاليني للفلسفة. و في تعليقاته الموّجهة الى كروتشه يذكرعن حق بأن المرتبة التجريدية للإنسان الأقتصادي homo oeconoimicas هي أمر تقليدي للفهم الرأسمالي . فالرأسمالية هي التي تفرض على الإنسان مثل هذا الطابع التجريدي والمُشيَّأ. وفي حقل الأستيتيكا إختلف غرامتشي مع مفهوم بليخانوف الذي كان في سنوات دراسته يملك بالغ التقدير والإعتراف لدى اليساريين. ولم يفقه بليخانوف البتة معنى العمل praxis أي المفتاح الحقيقي الى الفلسفة الماركسية ، لذلك لم يعرف قط التغلب على إزدواجية الوضع والنزعة الذاتية subjectivism . فمن ناحية رأى البسيكولوجيا والعادات و المشاعر والأفكار ومن ناحية اخرى الشروط الإقتصادية ( المُوضِحة ) لتلك المشاعر والأفكار ( ومن الطبيعي الفن أيضا ). ولكم أقحلت و تقحِل البراغماتية المفهومة بهذه الصورة و بإسم الماركسية !


الحل الوسط


ليس من سبيل آخر لإجتياز الأبدية غير التعمق في اللحظة الراهنة ، و ليس هناك من شكل آخر لتحقيق الشمولية Universality إلا من خلال الحالة الشخصية : هنا و الآن ( الحاضر الزمكاني ). ومهمة الكاتب تكون ، والحالة هذه ، إدراك القيم الأدبية التي تسربت الى الدراما الإجتماعية و السياسية لمكانه و زمانه.




الرواية الفينومينولوجية

لاتظهر المذاهب doctrines صدفة : فمن جهة تطيل وتعمّق الحوار المستمر عبر القرون ، ومن جهة أخرى تكون التعبير عن عصرها. وكما أن الفلسفة الرواقية تولد ، على الدوام ، في أزمان الطغيان ، والماركسية تعبّر عن روح المجتمع الذي بدأ بشكل سريع للغاية بالتصنيع ، فإن الوجودية تفسّر أحوال قلق الإنسان الذي يعاني من سقوط الحضارة والتكنوقراطيا.
وهذا لايعني تفسيرا احاديا وحَرفيا لمسألة أن كل مذهب ينشأ بأسلوب مركب ، ووسط الخلافات دائما. ومنذ الرينيسانس كانت الغلبة للعقلانية إلا أن اللاعقلانية كانت تعلن عن حضورها ، المرة تلو الأخرى وبقوى مضاعفة ، وفي النهاية حققت الغلبة رغم أن الوجودية الحالية ليست ( وكما يعتقد الكثيرون ) بلاعقلانية إعتيادية ، فهو أمر صحيح أن الوجودية إستوت و إكتسبت ملامحها في الصراع الذي خاضه ناس القرن التاسع عشر ضد العقل.
ولقد دفعت روح العصر Zeitgeist التي ظهرت ، فلسفيا ، في الوجودية ، وفي الأدب تمثلت بالخلق الذي بدأه بالأساس دوستويفسكي ، وهو يعبّر، بصدق، عن هذه الفلسفة ، الى الإسراع بالقول ( إن الأدب صار وجوديا ). وفي الأساس حصل هذا الأمر بصورة عفوية وقبل قرن بكامله ، أي قبل أن تصبح الوجودية موضة ، والأكثر من ذلك ليس الأدب هو الذي إقترب من الفلسفة بل العكس هو الصحيح تماما. فالرواية كانت تملك محورها الدائم في الإنسان anthropocentrism غير ان الفلاسفة توجهوا صوب الإنسان الملموس مع ظهور الوجودية. لكن الأهم هو أن كلى الموقفين الروحيين وجد نفسه ، و في ذات الوقت ، في المكان نفسه و لأسباب متشابهة. ولربما يكون الفارق ، هنا ، هو أن طريق الروائيين كان سهلا ، إذ يكفي التأكيد ، لاغير، على الطابع الشكلاني لبطلهم الأبدي في حين أن الفلاسفة بذلوا الجهد عند الإنتقال من التأملات التجريدية الى قضايا الوجود الملموس. و بهذه الصورة أوغيرها صار الأدب الذي بدأه دوستويفسكي ميتافيزيقيا ، والميتافيزيقا صارت منذ كيركيغارد أدبية .
وهكذا فنحن نعرف أن التوجه صوب الأنا والتمرد ضد العقل صارا المحك و البداية لأسلوب جديد ، إلا أننا لانعرف ( رغم أحكام النقاد السطحيين ) هل أن هذه العملية تنتهي في هذه المرحلة. و أزاء تهوّر العقل قامت الحيوية vitalism عن حق بالدفاع عن الحياة العارية ودوافعها. إلا أن إنفجار الغرائز الأكثر بدائية وعنفا ، والتي كانتها الحرب العالمية الأولى ، قد دفع بصورة حتمية الى تحرير الرغبة في الروحي والتي إشتدت في نهاية الحرب التالية بمعسكراتها للإعتقال. وهذا هو أحد الأسباب التي أبعدت الوجودية عن الحيوية العادية و ليس عن الإنسان الملموس. وفي المحصلة لم يكن الإنسان عقلا ولا غريزة إعتيادية. فلقد كان على كلا الصفتين أن تتحدا في أرفع قيم الروح والتي تميز الإنسان عن الحيوان. ومنذ هوسيرل سوف لن تتفرغ الفلسفة تماما للفرد الذاتي بل للشخص ( persona ) وهذا هو التركيب للفرد والمجتمع.
وتعبّر الفلسفة والرواية المعاصرة عن تركيب هذين النقيضين والذي يكون كما لو أنه ربط ٌ للشعر الغنائي بالإدراك العقلاني.
ومنذ إكتشاف هوسيرل كفت الفلسفة عن تقليد العلوم البحتة والطبيعية التي تتصرف بأفكار مجردة عن الحقائق الوجودية. وبهذه الصورة إقتربت الفلسفة من الأدب. فالرواية لم تنبذ قط ، وحتى في أزمان النزوع العلمي الأسوأ ، الواقعَ الملموس كما هو في كامل طبيعته الثرة والمتغيّرة والمتناقضة ، إذ أن الشاعر الذي ينظر الى الشجرة و يصف إهتزازات أوراقها لايأخذ بالتحليل الفيزيائي للظاهرة ، ولا يلجا الى مباديء الحركة ، ولا يفحص بمساعدة القوانين الرياضية ومضات الضوء ، فما يعنيه هوالظاهرة ذاتها ، والشعور البسيط الذي يخامره ، وبالتالي إلتماعات الضوء النقية والجميلة وحفيف الأوراق التي تؤرجحها الريح.
وأيّ شيء آخر يكون الوصف الأدبي إذا لم يكن الفينومينولوجيا الصرفة ؟ أو ليست هذه الفلسفة فلسفة الإنسان الملموس التي خلقها قرننا العشرون ( ولقد بات أمرا مستحيلا فصل الجسد عن الروح ، والوعي عن العالم الخارجي ، و ( الأنا ) الخاصة عن ( أنا ) الآخرين الذين يحيون معي ) هي الفلسفة الهادئة للشاعر والروائي رغم أنها ليست كاملة ، وكان قد زيّفها المذهب العلمي ؟


أدب الحالات القصوى

يعيش الإنسان اليوم في حالة توتر دائم ، وهو يقف وجها لوجه أمام الدمار والموت والتعذيب و الوحدة . إنه إنسان الحالات المتطرفة وقد بلغ ، أوعلى وشك البلوغ ، نهاية وجوده. والأدب الذي يصف أو يفحص لايمكن أن يكون شيئا آخر عدا كونه أدب الحالات الإستثنائية.


المؤلفات التالية

( علينا أن نعامل العمل الفني كحبٍّ شقي لاغير ، وينبيء بصورة مشؤومة بالعمل التالي ) بروست.


سرّ الخلق


( رغم أن العمل الفني لايجاري الأحلام ، هل هناك من أحد لايتلقاه بعجب وخضوع ؟ أو لا يعثر فيه على أشياء مجهولة ) بافيزه Pavese

حول الذاتي و الموضوعي في الفن

قد يبدو عقيما التذكير بالتحول الدائم للذاتي والموضوعي في أعمال الفن ، إلا أن النظريات الأخيرة تدفعنا الى البرهنة على وقتية هذه الإتجاهات كلها. فمن معارضة روح عصر التنوير العلمية نبع التمرد الرومانسي. وحين تعرّض هذا الأسلوب الجديد للتشويه وأصبح عاطفية رخيصة بدأ المديح يكال للموضوعية الباردة و ( المادة المقاومة ) واللاشخصية. وليس هناك من ضرورة في أن يكون المرء عالما بالغيب كي يتنبأ بأن عناصر الرومانسية الجديدة تلد في رحم الكلاسية المحدَّثة و أنه من أحجار المرمر يتم الإنتقال الى الموسيقى المنفلتة التي يصعب مسكها ، ومن الحَرفية الى الرمز المظلم. وهكذا الحال الى ما لانهاية ad infinitum .
بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى حين أضجر الفنانين التسامي المصطنع للتعبيرية بدأ الإعلان ، من جديد ، عن خشونة الشكل و الموضوعية غير الحساسة. وهكذا بدأت ( الشيئية الجديدة Neo Sachlicheit , Nueva Objectividad ) التي قد يكون من الصحيح تسميتها ب( الواقعية السحرية ) وكما فعل بصورة عاقلة فرانز روت F. Roth الذي كان مدركا لزيف الكلام عن الموضوعية في الفن. وكما لاحظ ، عن حق، أريخ فون كالير E.von Kahler ففي لوحات كيريكو Chirico و كارا Carra نقف أمام مبالغة قاسية وضاربة للحقائق، أمام رؤيا للأشياء في هويتها الصماء مما يثير إحساسا متقلبا بعض الشيء بالصمت و السخرية ، وبذات الطريقة حين نلقى في أعمال بريخت إعتراض الإنسان العنيف و الذي تم التعبير عنه من خلال التأكيد على الحقائق. لكن ليست هناك موضوعية بالمعنى الفلسفي لدى أيّ واحد منهم ، لا عند كافكا الذي يزيد من فظاعة كوابيسه من خلال الهدوء الذي يلجأ إليه عند وصفها ، ولا عند همنغوي المتمسك بالحقائق والأشياء ، فلاشيء غير الموجز ، غير الشكل ، الناجع بصورة متقلبة والمعبّر عن أسلوب كل واحد منهم في تحسسه للعالم. وهذا يحصل لدرجة أننا نميز بين آلاف الأعمال الفنية صورة كيريكو ورواية كافكا.
بإختصار ، تكون الموضوعية نزعة عائدة في هذه الجدلية للإتجاهات الأدبية. وهذه الموضوعية إستخدمها الفنانون ، على الدوام ، بالمعنى غير الدقيق حين كان يبدو لهم بأنه أمر مثمر تفرضه قوة التعبير، وليس كونه تصنعا مهووسا صار مقبولا بصورة مسبقة.
وهذا الأمر يخص مسائل اللغة أيضا. فالصرعة المعادية للإستعارة لدى روب – غرييه والإقتناع بأن الشخوص المؤسلبة هي شيء غير مسموح به قد لايكشف إلا عن التشتت الفلسفي والغطرسة اللامبالية. ومنذ أيام فيكو Vico نحن نعرف بأن الإستعارة metaphor ليست زينة أو فخفخة أسلوبية ولا تلك الجوهرة التي رآها البلاغيون اللاتينيون ، بل السبيل الوحيد المتاح للإنسان كي يعبّر عن العالم الذاتي. فما يلائم الموضوعية الدقيقة للعلم هو اللغة ذات المعنى الواحد والحرفية و التي يكون خير ما يعبّر عنها هو نظام الرموز المنطقية. بيد أن هذه اللغة هي بدون نفع للناس الأحياء فعلا. أولا لأن الوجود ذاته ليس بمنطقي و لاتفيد بشيء الرموزالصائبة التي ُتخلق من أجل تطبيق مباديء التطابق والتناقض. ثانيا لأن الإنسان الملموس لايريد فحص الحقائق التجريدية بل يرغب في التعبيرعن أحاسيسه وتجاربه ساعيا الى التأثيرعلى حالة الآخرين الروحية وإثارة ردود فعل فيهم ، كالود والنفور، ومن ثم دفعهم الى النشاط أو التأمل. لذلك نجده يلجأ الى لغة غير معقولة (عبثية ) لكنها ناجعة ومليئة بالتناقضات و تملك قوة إقناع ، لغة يجري فيها إبدال الكلمات والمفردات البالية وغير الصالحة بسيكولوجيا ووضعها من جديد في أنظمة تجعلها إستفزازية وجاذبة من خلال هذا الترتيب المفاجيء. وليست مهمة هذه اللغة الإعلان عن حقائق للمنطق تجريدية لا تناقَش ، بل أخرى هي حقائق الوجود المرتبطة بالإيمان والوهم ، بالأمل والخوف ، بالقلق والعقيدة المتوقدة. ودراما هذه اللغة هي نقيض دراما العلم ، فالحقائق الفردية والنادرة ينبغي التعبيرعنها بكلمات عمومية ، فقيرة ، بمواعظ غير مقنعة. ومن هنا تلك التحولات المثابرة التي تفرضها الحياة عبر المخيلة و الإستعارة على اللغة. وهذه المثابرة تزداد عند الشعراء الذين يحاولون ، شأن جويس ، خلق لغة كما لو أنها ما زالت في طور المخاض in statu nascendi وذلك من خلال إبدال المعاني ونسق قواعد النحو والأخذ بالتسمية وفق الأصوات onomatoloeia إلا أن كون اللغة وسيلة للتفاهم يحّد من الحرية التامة ، إذ يصعب قطع جميع الصلات ، وهكذا تتطور اللغة في جدلية متواصلة للدارج المستهلك واللا إعتيادي الذي ينحو صوب اللاتقييد. ويحل محل التفكك الذي تهدد به هذه التيارات المنشِطة إنضباطية جديدة. ومن الواضح أنها ستؤدي في يوم ما الى أن يمتدح كتاب ما مزايا اللغة العلمية .
و ينبغي أن يُسمع هذا الشيء بحذر مناسب و شعور ضرورة بالنسبية ومع كامل الوعي بمعناها غير النهائي بل بالأحرى الصحّي.


الفن الثوري حقا

في السياق التأريخي يمكن ملاحظة نوعين من التحولات في الفن : تلك التي تكون نتيجة أو جزءا من ديناميته الداخلية كالصراع بين الجماعات والمدارس وموات إتجاهات معيّنة ونضوب أشكال ووسائط تعبير ، ونزعة قتل الأب العائدة ، كذلك الأخرى التي تكون جزءا من البني التأريخية الكبرى التي سُجّلت فيها مفاهيم معيّنة للوجود ، أو أسطورة ، أو ميتافيزيقا كالإنسان المؤمن في القرون الوسطى ، أو المديني ذي الأفكار الحرة ، أو إنسان أزماننا.
وإذا تعلق الأمر بالنوع الأول من التحولات فإن مدرسة روب – غرييه هي إتجاه ذو طابع من الكلاسية المحدَّثة وبكل المزايا والعيوب التي يحملها هذا الصنف من الإعتراض على الفقدان الرومانسي للإعتدال. إلا أن مطلقيته وإستمراره هما محض وهم ، شأن جميع التيارات المشابهة في الأزمان الماضية. أما إذا خص الأمر إنعطافات التأريخ الكبرى فالأكيد أنها رد فعل أزاء نوع معيّن من الذهنية العلمية ، بل هي مظهرها ، حتى وإن ظهرت يكون ذلك بأسلوب سكولاستيكي متردد؟ وفي الجوهر فإن ما يميز الأزمان الحديثة هو العلم الذي يكون نموذجه الشيء أو الموضوع . إذن تثير الموضوعية حرص العقول المستعبَدة بمثل هذه الرؤية للعالم.
و لايمكن للفن المتمرد حقا ضد هذه الثقافة المهيمنة أن يعلن عن أيّ نوع من الموضوعية ، لكن عليه أن يكون فنا موحَّدا يسمح بوصف الذات والشيء ككل ، ومنح هذه الرابطة العميقة والوثيقة بين الأنا والكون ، بين الوعي وعالم الناس و الأشيا. وفي مثل هذا الفهم لاتملك الرواية التي يمتدحها روب – غرييه لأيّ مستقبل كما يوهم مخترعها نفسه ، والأمر ليس إلا دفعا لعقيدة آفلة صوب العبث. وحتى إذا كان هناك كفاح ضد أحد مظاهرها الطارئة ، و ليس الأساسية ، فهو كفاح ضد التحليل النفسي.
وبمعنى محدود يمكن إعتبار هذه الرواية مساهمة في تلك الحركة الواسعة التي تهدف دحر فتيشية العلم . والأكيد أنها مساهمة بسيطة للغاية.


عظم الشخصيات الروائية

تكون حقيقة ً أن الأبطال الروائيين يولدون في قلب المؤلف ، و لا أحد غيره بقادرعلى خلق شخصية أكبر. وإذا كان يأخذها من التأريخ فإنه يدنيها من مستواه. و المسرح والنثر مليئان بالكليوباترات والنابليونات، وهذه ليست أكبرمن خالقيها.
كذلك يكون العكس صحيحا ، فالشخصيات المتواضعة هي بحجم خالقيها. ومن المحتمل أن بياتريس ولاورا كانتا إمراأين من العوام ، إلا أننا لن نعرف الحقيقة أبدا. فدانتي وبتراركا رفعاهما الى القمة . والشاعر يعلي من شأن النساء كما يفعل كل عاشق مع فتاته.


من الشيء الى الرهبة

إن هذا الإنسان المقذوف عشوائيا لغزو العالم الخارجي والمشغول بالأشياء وحدها يتشيأ في النهاية وينحدر الى عالم قاس تحكمه الجبرية العمياء. و كفَّ الإنسان الذي تغذيه الأشياء ، كما لو أنه لعبة خشبية ، في الواقع الذي إستدعاه بنفسه ، عن أن يكون حرا ، بل أصبح مجهولا لاشخصيا شأن أدواته. وهولايعيش الآن في الزمن الحقيقي لأحوال الوجود بل بين ساعاته الخاصة ، وهذا هو سقوطه على الأرض وصيرورة كينونته ظاهرة عادية وخارجية. فهو قد كسب العالم ولكن خسر نفسه.
وستكون الحال بهذه الصورة حتى توقظه الرهبة و يستعيد رشده في هذا العالم الكابوسي. وهذا المرتجف المعذب يبحث من جديد متلمسا طريقه في الظلام . وشيء ما يهمس في أذنه بأنه حر أو بالإمكان أن يكون حرا ، لكن في أيّ حال من الأحوال ليس هو بجزء سلبي في هذه الماكنة. وحتى كونه راحلا وغير خالد فإن الإدراك المؤلم بأن عليه أن يقنع بوقتيته هذه يمنحه العزاء لدرجة ما. وفي الأخير يدل الأمرعلى أنه شيء آخر يختلف عن الدواليب غير المبالية والعادية للماكنة ، أي أنه كائن بشري. لا أكثر من ذلك و لكن لا أقل من كونه إنسانا.


الرواية في أزمة

قبل ثلاثين سنة ذكر ت. س. إليوت أن الرواية قد إنتهت مع فلوبير وهنري جيمس. والكثير من كتاب الدراسات كرروا هذا الحكم الجنائزي بشتى الصور.
ويحصل أن يخلط بين أمرين : التحوّل والسقوط. فالجديد يُحكم عليه وفق معايير القديم. إذن فحين يقول بعضهم إن القرن التاسع عشر كان قرن الرواية كان ينبغي أن تضاف كلمة اخرى : رواية قرنها. وهذا يجعل تلك الأقوال أكثر دقة إلا أنها تتحول الى نعي أيضا.
وإنه لأمر غير إعتيادي أن يجري الحكم على نثر القرن العشرين وفق قوانين القرن السابق ، في حين أن الواقع الموصوف على يد أحد الكتاب إختلف عن واقعنا كالإختلاف بين كتاب مدرسي عن الفرنولوجيا " 4 “ ودراسة مبسّطة ليونغ ( رغم أن الأسباب في الحالتين متشابهة للغاية ). وتقسيم الأدب الى أصناف ذات حدود صارمة كان على الدوام مهمة محكوم عليها بالفشل. وفي حالة الرواية فهي فكرة عقيمة تماما ، إذ أن الميزة الوحيدة لهذا الصنف الأدبي هو أنه إمتلك جميع الصفات الممكنة وخضع لشتى أحوال التشويه.
ولم تكتف رواية القرن العشرين بإعطاء صورة الواقع الأكثر تعقيدا وحقيقية من رواية القرن التاسع عشر ، بل كذلك حققت البعد الميتافيزيقي الذي كان لغايتها غريبا عليها. الوحدة ، العبث ، الموت ، الأمل وفقدانه ، إنها المواضيع غير المتبدلة لكل أدب عظيم. إلا أنه كان ينبغي أن تحصل الأزمة العامة للحضارة كي تكسب هذه المواضيع مثل هذه الأهمية البالغة وبأسلوب شبيه بأسلوب ركاب السفينة الغارقة الذين يكفون عن اللهو واللعب كي يواجهوا مشاكل الوجود التي كانت ، في الواقع ، حاضرة في حياتهم الطبيعية لكن بهيئة مخفية .
وحين تتحدث رواية اليوم عن إنسان الأزمة تكون بذلك رواية تلك المواضيع الباسكالية الكبيرة. وفي النتيجة لم تكتف بفحص المناطق التي لم يحلم الروائيون بوجودها ، بل كسبت مرتبة فلسفية وتعرفية.
وكيف بالإمكان إطلاق مثل هذه الأفكارعن سقوط صنف أدبي غني بالكثير من الإكتشافات وبحوزته ممالك شاسعة وغامضة تنتظر الفحص دائما ، صنف متميز بغنى التقنيات وتجاوزيته transcendence الفلسفية ، وبكل ما يعني الإنسان المعاصر المعذب الذي لايرى في الرواية اليوم نشاطا روحيا فقط ، بل أنه يبحث فيها عن الوجهة و المسار. حتى أنني أجد الرواية اليوم نشاطا روحيا هو الأكثر تعقيدا وإكتمالا ووعدا في هذه المحاولة الهادفة تعميق الدراما التي كتب علينا ان نعيشها ، والتعبير عنها.



( فتات الحياة ) المعروف

أراد كتاب كثيرون ، وتحت تأثير التفكير العلمي ، أن ينقلوا الى الورق ذلك الفتات للواقع وبالموضوعية التي يصف فيها عالم الجغرافيا سلسلة من الجبال.
وهي ليست بفكرة ساذجة حسب بل خادعة أيضا. فبالقدر الذي يمكن فيه إظهار مقطع من الواقع الميت أو الثابت تكون محاولة وصف ، ولو جزيئة من العالم الحيّ و المعقد الى ما لانهاية ، هي شروع في القتل. و ينساق الكاتب الرديء أو المبتديء الى الإغراء في حشر رسالة غرامية حقيقية في الرواية. ولأن وقع هذا الأمر زائف ، ينتزع هذا الكاتب الرسالة من سحر التعقيد الذي يحيطها في الحياة الفعلية و يسندها. إن واقع الناس ، حتى الواقع الخارجي نفسه والذي يشغل الى حد بالغ هؤلاء الرواة ، هو واقع بدون نهاية ، فجذوره تضرب في جميع الإتجاهات و تعكس الأضواء و نتائج الأسباب الأكثر بعدا : كل مقطع يصبح زيفا بشكل تلقائي. وهكذا يصبح الواقعيون المزعومون لا واقعيين من الصنف الأكثر غرابة. والمفارقة في الخلق الروائي تعتمد على أن المؤلف مرغم على أن يطرح في عمل منته بحكم طبيعة الأشياء ، الواقعَ الذي يكون في جوهره بلاحدود. ولكي يحقق هذا يكون غير مسموح له أن يبتر أيّ شيء ، وعليه أن يعيد الخلق ، أما تلك الرسالة الغرامية فعليه التعامل معها كما يتعامل مصممو الديكور المسرحي : على المنظور أن يكون مصطنعا لكي يخلق الإنطباع بالحقيقة الواقعية


الواقعية الإشتراكية شكل للمثالية

يقول هربرت ريد ،عن حق، بأن القضية التي تطرحها الواقعية الإشتراكية هي قضية زائفة ، وذلك حين تعلن بأن هناك نوعين من الفن : الجيّد والرديء. فالعمل الفني الجيّد هوعلى الدوام تركيب جدلي للواقعي واللاواقعي، للعقل والمخيلة. وحين تنكر الواقعية الإشتراكية هذا التناقض وتريد إخضاعه لمصلحة أحد طرفيه تكف عن أن تكون جدلية وتصبح مثالية من نوع خاص. فهي تحاول فرض نظرة مفتعلة ، عقلية ومذهبية. من ناحية أخرى ، فإن الرغبة في الوصول الى المجموع البشري وممارسة الدعاية تعطي نتائج يسهل توقعها: إنها بالكاد تصل الى حدود فن الملصقات وفي أسوأ أشكاله : الشكل الطبيعيnaturalistic .



الفنان والعالم الخارجي

نقول ( كرسي )، ( نافذة ) ، ( ساعة يد ) ، الكلمة التي تعني ، عادة ، الأشياء من هذا العالم المحروم من الحس واللامبالي والذي يحيطنا، لكن رغم ذلك فنحن نطرح شيئا غامضا يصعب تحديده ، شيئا كما لو أنه مفتاح ، خطاب حماسي من أعماق ذاتنا . نقول ( كرسي ) و قصدنا ليس هذا ال( كرسي ) إلا أنهم يفهموننا. على الأقل يفهمنا أولئك الذين يكون موّجها إليهم ذاك الخطاب الذي لاتكترث له الجموع اللامبالية وذات الميل العدائي. إذن فزوج الأحذية هذا ، وهذه الشمعة ، وهذا الكرسي ، هذه كلها لاتريد التعبير عن زوج الأحذية وتلك الشمعة الكئيبة والكرسي القصبي ، بل هي تعبّر عن الأنا ، عن فان غوغ ، عن فنسنت ( وقبل كل شيء عن فنسنت ): قلقي ، عذابي ، وحدتي ، إذن هي باأحرى بورتريه ، وصف لأعمق العذابات وأشدها إيلاما. و يصبح هذا الشيء ممكنا بفضل تلك الأشياء الخارجية اللامبالية المجبولة من عالم قاس وبارد كائن في خارجنا ، وقد يكون موجودا قبلنا. وعلى أكبر إحتمال سيبقى بعدنا. كما لو أن الأشياء هي جسور مؤقتة مهزوزة ( شأن الكلمات بالنسبة للشاعر ) فوق الهاوية القائمة بين الإنسان والعالم. كما لو أنها رموز لهذا العمق الغامض الذي تعكسه وهي لامبالية ، غير منحازة، ورمادية لجميع الذين لايعرفون العثور على المفتاح ، إلا أنها دافئة يقظة مليئة بالمعاني المستترة للذين يعرفون الكلمة.
وفي الأساس لا تنحدر هذه الأشياء الملوّنة من عالم غير حسّاس موجود خارجنا ، بل يخلقها إنسان يائس يريد الإتصال بالآخرين، ويتصرف مع الأشياء كما تتصرف الروح مع الجسد ، فهي تشبعه بالرغائب والمشاعر المرئية من خلال تجاعيد الوجه، و إالتماعات العيون ، والإبتسامات ، والعبوس ، وكالروح التي تريد ، يائسة ، التقمص في جسد غريب بشكل فظ : جسد لوسيط هستيري.



الشاهد الكبير

تكتب الأكثرية للشهرة والمال أو للمتعة ، ولأن السبل ميّسرة أمامها ولاتعرف كيف تقاوم إغراء النظرالى أسمائها المطبوعة.
إذن يبقى القلائل : جميع الذين يشعرون بتلك الحاجة الكبيرة واللحوحة الى إعطاء شهادة على دراماهم وشقائهم ووحدتهم / إنهم ( الشهود ) أي ( الشهداء martyroi ) معذبو العصر الذين يكتبون بسهولة بل تحديا للذات ، ويسبحون ضد التيار ، إنهم إرهابيون أوأناس خارجون على القانون.
وحين يحلم هؤلاء الناس يبدو الحلم كأنه مشترك لكن على العكس من كوابيس الليل ، تنفصل أعمالهم عن ممالك الظلام التي شبّت فيها ورضعت نسغها المشؤوم ، إنها ضغط سابق ex-pression أو ضغط على عالم الرؤى الجحيمية ذاك ، وبذلك تصبح تلك الإعمال تحريرا للمؤلف نفسه ولجميع الذين يمضون ، كما المنوّمين مغناطيسيا ، وراء إندفاعاته وأوامره الغامضة. لذلك لايملك العمل الفني قيمة الشهادة وحدها بل قوة التطهير ، فهو يعبّر عن أحوال قلق خالقه الأعمق والناس القريبين منه.
لذا ليس ثمة أمر أكثر خطلا من مطالبة الأدب بشهادة إجتماعية وسياسية. وأن تكتب بكامل الحرية يعني هذا ، ببساطة ، الكتابة بدون أيّ مطاليب أخرى. و إذا كان الفنان يمتلك العمق فهو لاشك يعطي الشهادة على ذاته والعالم الذي يحيا فيه ، وعلى المصير الإنساني في أزمانه. ولأن الإنسان مخلوق سياسي وإقتصادي وإجتماعي و ميتافيزيقي فإن العمل الفني سيكون ، وبالعمق الذي يناسبه ( بالشكل المباشر أوغيرالمباشر ، علانية أم خفية ) وثيقة الكينونة في زمان ومكان محددين.



حول الأدب و الفينومينولوجيا ثانية

في المجتمعات التي تسودها الروح الدينية ، مثلا في أوربا القرون الوسطى ، يكون كل شيء مشجعا بهذه الصورة أو تلك، بالدين. و في القرن التاسع عشر خضع كل شيء صنعه الإنسان أو فكر به لتأثيرات العقل العلمي ، حتى الأميّ الذي لم يفهم معادلات مكسويل Maxweel عاش ، لدرجة ما ، بصورة ( علمية ). إن شيوع الأساليب والأشكال السائدة في مناطق لاصلة بالأخرى التي نشات فيها بأسلوب طبيعي وضروري ، هو ظاهرة محتومة. ولنأخذ كمثال ، الخطوط الزخمية للسفن والطائرات التي أولدها التقدم التقني وضرورات زيادة السرعة عن طريق تقليل المقاومة. هذه الخطوط المنسابة سيطرت تماما على الأشياء غير المتحركة كأجهزة الهاتف أو المقاعد.
وشيء مماثل تعرّض له الأدب الذي كان على الدوام يستهدف الإنسان وأهواءه ( ليس هناك من رواية عن المناضد أو الحيوانات ، فالرواية عن الكلب تتكلم بصورة غير مباشرة عن مصير الإنسان ). إلا أن الرواية ، وهو شيء غريب ، أرادت أن تكون مخلوقة وفق المتطلبات العلمية رغم أن هذه تقضي بالتخلي عن كل ما هو إنساني! لقد نصحنا سقراط بأن لا نثق بالجسد وأهوائه إلا أنه ، على الأقل ، فحص الحقيقة ، تلك الحقيقة التجريدية التي ستكون ذروتها كاتدرائية هيغل ، ولاشك أنه سيكون معتوها إذا قدّم ذات النصيحة ليوربيديس. رغم هذا فقد تعرّض الكتاب في القرن التاسع عشر الذين قدّموا الجزية للسيد الإقطاعي ، شأن بقية أتباعه ، لحالة ما. والكاتب الذي أراد أن يكون موضوعيا مثل رجل العلم قد حدد مكانه أو أراد أن يضع نفسه ( ولأن كامل هذا المنهج الموسّع بناؤه كان لحسن الحظ وهميا بعض الشيء ) خارج أبطاله ، وهو يصف من موقع المراقب العارف بكل شيء ، الصعاب التي تعترض طريقهم. وهكذا في رواية معيّنة لبلزاك يجري وصف المنظر الطبيعي كما لو أن عالم جغرافيا أو جيولوجيا قد قام بهذا الأمر : ( كان الدير مشيّدا في أحد أطراف الجزيرة ، في أعلى مكان من الصخرة التي أخذت تتآكل بفعل تطوّر كوكبنا ، على البحر ذاته وهي تكشف عن الحركة الصارمة لكسورها المسطحة التي يصعب الوصول إليها ، أو المدَّمرة قليلا عند سطح البحر على وجه التقريب. كذلك فالصخرة كانت محتمية من أيّ هجوم بتلك الصخور الخفية الممتدة بعيدا والتي تتلاعب عليها أمواج البحر المتوسط ).
أما أسلوب رؤية الواقع المناقض فنجده في وصف فرجينيا وولف الذاتي الصرف : (.. وسط الخليج كانت هناك بقعة برونزية ما عرفتُ بعد قليل أنه قارب. لكن قارب من ؟ ( ...) الصباح كان جميلا لحد بعيد رغم هبّات الريح من حين لآخر ، فقد بدا البحر والسماء كأنهما من النسيج ذاته : أما الأشرعة فقد إمتدت عاليا في السماء ، والسحب هبطت الى البحر. ).
وهذا المنهج يصل ذروته في صياغة سارتر الفينومينولوجية : ( كان مرتديا القميص وحده ، ويحمل شيّالات بلون بنفسجي شاحب ، ثنا القميص الى ما فوق الكوع . وكانت الشيّالات ُترى بالكاد على القميص الأزرق ، كانت ممسوحة وضائعة في الزرقة ، لكنه تواضع زائف : إنها لاتسمح ، حقا ، بنسيانها وتثيرني بعنادها الخروفي كما لو أنها حين أرادت أن تصير بنفسجية اللون توقفت في الطريق ، لكنها لم تتخل عن رغباتها. المرء تعتريه رغبة في مخاطبتها : هيّا كوني بنفسجية ولننهِ المسألة. لكن الأمر يبقى كما كان. فهي تستمر في حالة التعليق ، عنودة في جهدها الذي لم ينته، وفي بعض الأحيان تتحرك الزرقة المحيطة بها وتغطيها تماما. لا أراها للحظات. إلا أنها مجرد موجة واحدة لاغير ، فعن قريب تشحب الزرقة هنا وهناك وأرى جزر البنفسجي الفاقع المتردد التي تأخذ في الإتساع والإتصال فيما بينها خالقة الشيّالات من جديد. إبن العم أدولف بدون عينين ، فأجفانه المتورمة المحنية لاتكشف إلا عن القليل من البياض ).
لاشيء حقيقي في الفن غير الذاتية المتطرفة البعيدة عن أيّ تزييف. وكل ماعداها يبقى شيئا مشكوكا فيه، وموضوعا للنقاش. إن العلم يسعى صوب الموضوعية ، لأنه يبحث عن حقيقة الموضوع أي الشيْ، في حين أن الواقع في الرواية هو موضوعي وذاتي معا ، في الذات وخارجها ، وبهذه الصورة يصبح الواقع أكثر إمتلاءا من العلم. وحتى في الأعمال المتصفة بالذاتية الشخصية الأكثر من غيرها لايقدر الكاتب على التبرؤ من العالم ، وحتى في أكثرها موضوعية من باب الإفتراض ، تظهر الذات بلا إنقطاع.



( موضوعية ) كافكا

تكون جديرة بالفحص ظاهرة أن الموضوعية الباردة للعبارة التي تذكر ، للحظات ، بالتقرير العلمي تصبح ، رغم ذلك ، من أعراض الذاتية المتطرفة شأن أحلام النوم. وثمة تناقض آخر مقنع : الكاتب يصف عالمه المظلم وغير العقلاني بلغة مسبوكة ونقية.


صفات الرواية

بالنسبة للمذهبيين الإطلاقيين أمثال روب – غرييه يكون رواية ً كل ما كتب وفق قانون أدبه . وإذا قبلنا هذا الشيء يكون على الهامش وخارج عالم الفن والروح عدد ضخم من الأعمال ، كأنها قطيع وحيد ومهمل من الخنازير ووحوش لايريد أيّ أحد أن يسوقها الى حظيرته ولا وجود لحديقة حيوان تأويها. وهذه تصبح لاشيء. ف( دون كيخوت ) ليست ، في هذه الحالة ، رواية ولأنها ليست بكاتدرائية أو ثور.
إن إتخاذ موقف شخصي ( نسبيا ) و إعتباره مطلقا يكون على الدوام إغراءا كبيرا . إلا أنه على مستوى النقاشات الصرفة ينبغي السلوك كما هوسيرل في وضع فلسفي مشابه وعقيم ، أي وضع المعضلات الكبيرة داخل قوسين و إتخاذ موقف سليم epoie و الإقتصار على الوصف الإعتيادي لظاهرة الرواية كما هي وكما تظهر في التأريخ ، و ليس كما يتصورها كل واحد منا في عمله وبالصورة الأكمل ، بدافع الغرور أو قصر النظر ، أو للسببين كليهما.
وبعد هذا الإستعراض للصفات لننتقل الآن الى الإستنتاج والقول إن الرواية هي :
1 – تأريخ وهمي جزئيا ، ففي ( الحرب والسلام ) هناك عناصر التأريخ الحقيقي أيضا.
2 – ظاهرة في الخَلق، وعلى خلاف النشاط العلمي و الفلسفي لا تظهر فيها الأفكار في حالة نقاء ، بل سوية مع أحاسيس الأبطال وأهوائهم.
3 – نوع من الخَلق لايتم فيه التدليل، بخلاف العلم و الفلسفة ، على أيّ شيء . فالرواية لاتدلل بل تكشف ببساطة.
4 – تأريخ مختلق جزئيا يكون المساهمون فيه والمسمّون بالشخصيات أو الأبطال مُجسِّدين وفقا للعصر والموضات و الآراء السائدة ومغروسين في الأرض ( على شاكلة الناس من الشارع ). إنهم شفافون رغم أنه ، منذ البداية ، يميزهم الغموض وكأنهم حملة أفكار معينة أو حالات نفسية ( كافكا ).
5 - وفي الأخير فالرواية هي وصف وتعميق و إختبارٍ لدراما الإنسان ومصائره وكينونته. فليس هناك رواية عن الأشياء والحيوانات بل عن البشر بصورة دائمة.
وبإعتقادي ليس من الممكن إضافة شيء مهم الى الصفات المذكورة ، بالطبع مع تجاوز التعاريف المراوغة والمليئة بالإدعاء على طريقة روب – غرييه الذي لايجد روايات تولستوي ، ولا ثربانتث ، ولا توماس هاردي ، ولا فولكنر ، ولا ملفيل ، ولا كافكا حقيقية وجيدة . قد يبدو كلامي فظا للغاية أزاء هذا الكااتب الفرنسي ، لكن عليّ الإعتراف بانني أفضل البقاء مع هذه الروايات ( السيئة )على أن أقبل مؤلفاته النقية و القائمة وفق النموذج.


غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي

الطبيعة هي شيء حزين

كما يقول وايتهيد Whitehead إن الطبيعة قد تكون شيئا حزينا بدون ألوان و أصوات وروائح ، فهذه كلها صفات إنسانية بحتة .
وتكون رؤيانا للعالم ذاتية بأسلوب جوهري لامناص منه ( إذ ليس ثمة سبب لتجنب هذا الشيء ) ، وكل واحد منا يخلق الألوان والموسيقى البسيطة والمتفننة ، المعقدة وغير المعقدة. وفق حساسيته ومخيلته وموهبته.


الكتاب الحقيقيون

( أنت لاتحب ميرميه Merime بسبب هذه الصفات بالذات والتي تجعله فنانا ممتازا. أنت تحس بأنه إنسان لايعرف البتة محيطه ويتفادى الإلتزام ويرسم المشاهد الصغيرة المتعددة الألوان في وسط إجتماعي كاذب ومختلق. وهو يبدل المحيط كالقفازات. لايعرف كيف يعيش الى النهاية دراما الإنسان في محيطه . وحتى حين يكون تراجيديا فهو تراجيدي بالسمع والوهم ، ولأنه لم يطلق في الأرض جذورا ( كارمن ). أما ستندال فهو أمر آخر. هذا يعيش بين أناس عصره وبهوس المتعصب والإنسان الذي جاءه التجلي ) بافيزه.



لاضرورة المؤلف

في ( صورة الفنان شابا )يقول ستيفن ديدالس إن ( شخصية الفنان التي هي في البدء صرخة ، فترة إنتداب ومزاج وفيما بعد حكاية واضحة وواسعة ، وفي الأخير يمتلك النبل حين ينفصل عن العالم الخارجي ولايرمز الى شيء (...) فالفنان كالرب الخالق غير مرئي داخل العمل الفني أو خارجه أو جنبه أو فوقه ، لقد صار نبيلا من خلال الإنفصال عن العالم الخارجي ، و أخذ ينظف اظافره بلا إكتراث ).
كان على الرواية أن تكون ملحمة حديثة modern epic ، وككل ملحمة تطلبت الغياب التام للراوية.
ويالها من غمزة ! فنحن نعرف سيرة حياة جويس ونعرف أن ( صورة الفنان شابا ) و ( يولسيس ) ليستا إلا إسقاطا لمشاعر و افكار و معتقدات جويس الفلسفية ، لشهواته ودراماه الشخصية أو التراجيكوميديا ايضا.



النقاء و الأبدية والعقل

نحن لسنا كاملين . فأجسادنا ضعيفة ، فانية ومحكوم علينا بالفساد. لكننا ، لهذا السبب بالذات ، نريد شيئا غير مرهون بهذه الوقتية البائسة ، نريد جمالا نموذجيا ، ومعرفة ذات قيمة دائمة ، وللجميع ، ومباديء أخلاقية تكون مطلقة . لقد فقد هذا الحيوان الغريب ، الذي حين وقف على قائمتيه الخلفيتين ، سعادته الحيوانية الى الأبد وأعطى البداية للعذاب الميتافيزيقي النابع من إزدواجيته ، ومن جوعه الذي لايصدق ، وتلك الأبدية في جسد بائس وفان.
حينها نشأت الأسئلة : هل يوجد شيء أبدي خارج هذا العالم المتبدل والإنتقالي ؟ و إذا كان موجودا كيف يمكننا أن نحقق ذلك الشيء و بفضل أيّ الوسائل و بمساعدة أيّ صيغة سحرية ؟ في الغرب طرح اليونانيون هذه القضية وعثروا على حل لها في الرياضيات . وبدون شك فإنه ، وحتى أهرام الفراعنة الجبارة التي شيّدت بدم ودموع آلاف العبيد ، تكون ظلا باهتا للأبدية، وأكيد أن العواصف ورمال الصحراء ستدمرها في حين أن الهرم الرياضي غير المهم لاتدمره قوى الطبيعة المبيدة.
ويبدو المشهد الطبيعي أمام ابصارنا في ألوان تتبدل وفق الساعة والمكان ومن أيّ موقع ننظر إليه . وكل ما ندركه بالحواس هو متبدل ويسهل التشكيك به ، تضفي عليه الألوان حالتنا الروحية و تشوّهه شهواتنا. إنه نسبي و ذاتي بشكل حدّي ، إلا أن تلك الفرضية الرياضية التي دللنا على صحتها تكون مهمة للجميع . هنا في اليونان و هناك في بلاد الفرس ، وبمعزل عن مسألة هل أن ذلك التدليل سيكون بلغتنا أم بأيّّّ لغة أخرى ، حقيقية أم مُخترَعة ، كذاك ليس بالمهم أن تثير هي مشاعرنا أو أننا لسنا غيرمبالين أزاء هذه الحقيقة أو غيرها.
ومنذ فيثاغورس إنتبه اليونانيون الى هذه الحقيقة الفائقة و المدهشة عندما نتوقف عندها برهة من الزمن ، وتوصلوا الى الإقتناع بأن الرياضيات هي طريق سرّي في أدغال أحاسيسنا ، لانملك هاديا غير العقل حيث لامعين غير التفكير البحت ، وهو ما يخرجنا من هذا العالم غير الواضح الذي أثار شكوك هيراكليت ، هو ماويوصلنا الى الكون الأبدي للواقع الحقيقي. هكذا ولدت في المحيط الهيليني عبادة التفكير كوسيطة للتعرف ، وهذه المكانة الإلهية بقيت في الغرب خلال ألفين وخمسمائة سنة من الحروب و العدوان والهزائم والدمار.
وفي الأخير فندها الفلاسفة المتأدبون والكتاب الممارسون للفسلفة بشكل ما.



التفاهم بفضل الفن

يقول برديائيف إن ال( أنا ) تجهد في الخروج من وحدتها آخذة بشتى السبل: المعرفة ، الجنس ، الحب ، الصداقة ، الحياة الإجتماعية ، الفن. ويضيف قائلا إن هذه كلها تخفف الوحدة لاغير ، فهي غير قادرة على دحرها لأنها تؤدي جميعها الى التشيؤ في حين أن الأنا قد لاتفهم الأنا الأخرى إلا من خلال عملية التواصل الداخلي. وعند نهاية كل طريق من هذه الطرق يوجد الشيء الذي لايرحم والمجتمع المُشيَّأ.
ولايبدو هذا الأمر صحيحا عند إحالته الى الفن . أنت ( الشخص المُدرك ) يحقق الأنا ( الفنان ) من خلال الشيء و ليس في الشيء . و ( أنا ) كقاريء ل( الأحمر والأسود ) أملك مدخلا الى عالم ستندال الداخلي ، وهذا كمبدع يملك مدخله الى عالمي أيضا. والشيء نفسه يمكن قوله عن الحب حين نعدّه مادة فنية. وفي هذه الحالة تكون البلورة الستندالية خلقا لتلك المادة.



الرواية المُلغَّزة

كانت الحاجة الى طرح رؤيا كاملة لدبلن قد دفعت جويس الى إظهار مقاطع غير ملتحمة ، تأريخيا وسرديا ، للغز غير واضح ومعقد لايمكن تنظيم أجزائه. فالكثير منها مفقود ، والأخرى مخفية في الظلمات أو أنها ملاحظَة بالكاد. إنها ليست بلعبة إعتباطية تهدف مفاجأة القاريء ، فالأمور تجري بهذا الشكل في الحياة : نحن نشاهد شخصا للحظة واحدة وبعدها آخر ، نشاهد جسرا ما ، يحدثنا الآخرون بشيء عن الناس الذين نعرفهم أو المجهولين ، نسمع نتفا من أحاديث ما . ومع كل هذه الوقائع العابرة تمتزج في وعينا ذكريات الأحداث الماضية وخطط ما للمستقبل و أحلام وأفكارغيرمنسقة. والرواية التي تظهر أو تقدم هذا الواقع المعقد هي واقعية بكل معنى الكلمة.




الفنان هو العالم

في إحدى رسائل فلوبير من الفترة التي كتب فيها ( مدام بوفاري ) نقرأ ( ليس بالشيء اللذيذ أن تكون شخصا آخر حين تكتب ، لكن اللذة تكمن في أن تتقمص كل شيء تتذكره. مثلا توجهتُ اليوم راكبا الخيل كرجل و إمرأة في ذات الوقت ، كعاشق ومعشوقة ، الى الغابة ، في ظهيرة خريفية تحت أوراق الشجر المصّفرة ، وكنتُ الخيل والأوراق والريح و الكلمات المنطوقة والشمس الحمراء ..)



أعراض العقلانية في الرواية

يتشكى النقاد الذين يُبقون على الأوهام العقلانية من القرن التاسع عشر ، من غموض الرواية المعاصرة. وبغض النظر عن حقيقة أن ليس على العمل الفني إطلاقا أن يكون مفهوما ( أيّ شيء تريد ان تعبّر عنه سمفونيا موتسارت ؟ ) فإنه لسوء فهم تام أن نطالب الرواية بنظام عقلي له صلة بالمنطق والعلوم البحتة، كما لو أن عالم البشر لايملك صلات كثيرة بمبدأالهوية أو التعارضات. إذن اللاعقلانية هي صفة خاصة للرواية ، وشارة للواقع لاغنى عنها. إلا أنه ينبغي التفرقة بين الصيغ. لدى كافكا تخضع الأحكام لقواعد النحو ، فثمة صلة بين الفاعل والإسناد ، إلا أن هذه الصلة لاتتخطى الجملة كأن ليس هناك من إستمرارية للطرح أي الإستنباط بل مجرد إستمرارية أو ( منطق ) الحلم. لقد أخذت مكان الجبرية المفهومة أخرى غامضة أو ما فوق طبيعية . ولدى جويس تتسرب اللاعقلانية حتى الى الجملة ، فللحظاتٍ تضيع علاقة التبعية بين الفاعل و الإسناد وتطرد اللغة النحوية الأخرى المنطقية ، وفولكنر الذي يكتب ( الغضب والصخب ) تحت تأثير مباشر من جويس يستخدم هذه التقنية ساعيا الى تحقيق الواقعية كاملة ( لكنه بعيد عن تلك اللاعقلانية التي يبشر بها المتحمسون للحَرفية الفوتوغرافية )، ففي هذه الوسيطة لاغير، يمكن وصف عالم قريب من رؤيا الأبله ، ويكون بالنسبة له مجرد مجموعة روائح وصورعابرة ومذاقات : عالم تتحكم به الفوضى والعشوائية.



الكتاب والثورات

يكون مؤلفو الإعمال ذات العمق نافرين من المجتمع عادة ، فهم يتمردون وغالبما يؤيدون الحركات الثورية. لكن حين تنتصر الثورة ، ولا علينا أن نستغرب ، يصبحوا متمردين من جديد.



الفن والمجتمع

تكون علاقة الفن بالمجتمع أمرا لامفر منه بطريقة ما ، فالفن يخلقه الإنسان وهذا ( حتى لو كان عبقريا ) لا يوجد في حالة عزلة ، فهو يحيا ويفكر ويحس وفق وضعه الإجتماعي.
إلا أن هذه ال( طريقة ) تفترض نوعا من الإرتباط أكثر عمقا ودقة من ذاك ( الإنعكاس ) المعروف . ووفق النظرية التي تطمح في أن تسمى بواقعية ، رغم أنها في الجوهر فنتازية ، يكون الفن إنعكاسا للمجتمع الذي يولد فيه. وفي الحالات الكاريكاتورية يصل القول الى الجزم بأن الفن يعكس الوضع الإقتصادي والطبقي. وهؤلاء المنظّرون ( الذين يطلقون على أنفسهم إسم الماركسيين ) لم يفكروا ، كما يبدو ، بأن أحكامهم لو كانت صحيحة لما وجدت الماركسية مبرراتها: فلقد خلقها المثقف البوروجوازي كارل ماركس الذي عاش شأن رفيقه الصناعي أنغلز ، في مجتمع بوروجوازي تقليدي ، وكلاهما كان وريثا واعيا لثقافة عظيمة هي بوروجوازية أيضا ، إذن كيف قدّر لهما أن يخلقا و يكتشفا نظرية الثورة البروليتارية ؟
كان يبدو ان هذا العبث لايعامله أيّ أحد بصورة جادة . إلا أنه قائم ، يمارس التحليلات و يصدر التوصيات ويصيغ يوميا الإتهامات . حينها قال لينين لغوركي إنه لم يقم أيّ أحد بمثل هذا الوصف العميق للفلاح الروسي قبل هذا النبيل ( ويقصد تولستوي ). ولربما لم يستفد غوركي نفسه كثيرا من هذا الدرس ، فهو الذي خلق الواقعية الإشتراكية المعروفة .
بلاشك هناك حالة تبعية بين الفنان ووضعه الإجتماعي ، وأكيد أن بروست لم يقدر على الظهور وسط أناس الإسكيمو . وأحيانا تكون هذه التبعية بسيطة ، مثلا بين ظهور البوروجوازية كطبقة و الإستخدام المفاجيء والسريع للنِسب والمنظور في فن التصوير . لكن في أغلب الأحوال تكون هذه التبعية معقدة وقبل كل شيء مليئة بالتناقض ، فالفنان هو ، عادة ، إنسان لايعرف الوفاق ميّال الى المعارضة ، ولدرجة كبيرة يسمح له هذا النفور من الواقع الذي عليه أن يعيش فيه ، أن يخلق واقعا آخر لفنه يختلف عن الأول كإختلاف الحلم عن اليقظة ولأسباب متشابهة. و ليس الإنسان بشيء سلبي ، فهو لايكتفي بعملية عكس العالم ، أي ليس هو بمرآة بل وجود جدلي ( كما تدلل على ذلك أحلامه ) وهو بعيد عن أن يكون مجرد صدى ، إنه يقاوم العالم ويعارضه. وهذه الصفة العامة للإنسان نراها لدرجة أكبر ، وبحدّة هستيرية ، عند الفنان وعلى الغالب : الفنان الميّال الى الفوضى ، و النافر من المجتمع ، وغير المتكيّف والعائش على أوهامه.
و إذا لم يكن الأمر بهذه الصورة فكيف نفسر جميع هذه التناقضات ؟ في قلب صالونات القرن التاسع عشر يضع الناس المنتمون الى النخبة المترفة المتدهورة ، والذين هم موضع الإعجاب و الشهرة ، كتبا تمهد الطريق لسقوط محيطهم هذا. وهم لايقومون بهذا سوية وفي صف واحد ، بل على العكس نجدهم يؤيدون إتجاهات متنافرة كطبيعية روسو ، أو عقلانية الموسوعيين العلمية.
وبعدها تنفجر الثورة ، والفن الذي يمثلها رسميا هو التصوير الرجعي لدافيد من الكلاسية المُحدَّثة الذي تكون خوذ رجال المطافيء فيه موضع السخرية. كان ذلك فنا سطحيا شأن كل فن توفيقي ورسمي ، بينما مارس الفنانون الحقيقيون والعظماء ، كما هو الحال دائما ، الإبداع المتمرد و المجدّف. و يتشكل الأدب خاصة على نحو فيه ما هو مضادٍّ لفروضات المجتمع ، ففي العصور الثيوقراطية يكون معاديا لللاهوت كما تدلل على ذلك مقامات fabliaux العصر الوسيط الأوربية ، في حين أن الإبداع ذا الروح الدينية الأكثر عمقا نهض في الأزمان العلمانية . ولنتذكر هنا الأدب الكاثوليكي في فرنسا الجمهورية الثالثة و في إنجلترا البروتستانتية اليوم.
حينها أشار ماثيو أرنولد الى أنه في أزمان التقليدية conventionalism والعقلانية الجافة تنتصر في النهاية الحاجة الى العاطفة المتقدة وفيض الكلام والوضوح ، والعكس صحيح أيضا. و يدلل أريخ كالير E. Kahler على أنه كلما سيق مبدأ ما في تأريخ البشرية الى نتائجه النهائية ينقلب الأمر الى ضده.
لكن المجتمع يعمل بأسلوب أكثر تعقيدا من النظام الطبقي البسيط ذي الطابع افقتصادي. و إذا قبلنا بأنه في زمن معيّن توجد طبقات النبلاء والبوروجوزاية والبروليتاريا فإن قضية الفن تتعقد الى ما لا نهاية وذلك نتيجة لتأثير ثلاثة عوامل :
المجموعات العمودية : حين يأخذ أنصار المحاكاة الإجتماعيون والطبقات الأفقية بنظر الإعتبار ، فإنها تملك ( هذه المجموعات بالذات ) تأثيرا بالغا على نشوء الفن وطابعه ونوعه . وهذه القطاعات المتغلغلة في المجتمع من أعلى الى أسفل ( ما يميزها هو العمر أو الدين ، الجنس أو المزاج ) هي التي تقرر الأعمال الأكثر حساسية للوعي البشري الذي له رد فعله ، لكن ليس أزاء القضايا الإقتصادية فقط ، بل احوال القلق المرتبطة بالعمر أو الجنس ، وقضايا الدين و الأخلاق إلخ. ولاحظ شارل لالو Ch. Lalo وغيره من علماء الإجتماع أن الأطفال ، مثلا ، هم محافظون في الفن عادة . فمسرح الدمى أدام شخوص الكوميديا الإيطالية القديمة الحكايات ، والقصص الشعبية هي آثار الساطير السحيقة في القدم ، وألعاب الأطفال بالغة القدم وشائعة ( أطفال التبت يلعبون مثل الأرجنتيني الصغير من أيام طفولتي ) ، والسلاح القديم مثل أنبوبة النفخ ، ومصيدة العصافير وقوس السهام مازالت معتبرة الى جانب المدافع الرشاشة ، وموسيقاها تحفظها آلات قديمة مثل الطبل وغيره.
كذلك هناك محافظون آخرون ، و لأسباب أخرى ، وهم الناس المسنون ، سكان القرى و أعضاء الجماعات الدينية ، لذلك يحمل رهباننا لباس القرون الوسطى ، وأكثرية كنائسنا مبنية على الطراز الروماني أوالغوطي.
أما ذوو الميول الثورية فهم الناس الذين يشبّون ولم يبلغوا بعد، مرحلة النضج التام ، وصنوف معينة من البالغين ( العصاميون وغير الراضين وغير المتكيفين و القلقون والمعدمون ).
الى جانب الجماعات المحافظة والثورية يوجد المحرّضون : رجال الدين ، التجار ، الشعوب المستعمَرة ، الطوائف الفنية ، الأجناس الرحّل كاليهود مثلا . وفي حالة الفن الغوطي يعود إنتشاره الى نشاط الأساقفة وطلبة جامعة باريس. وبهذه الصورة أبدل المسلمون معمار الهند مدخلين عليه المنارة والقبة البصلية الشكل. والان كيف بالإمكان تفسير هذه الأساليب أو جمال الفن بالوقائع الإقتصادية حسب ، الوقائع التي يعيش فيها الشعب ؟ إن تأثير الدين على الفن هو بالأساس أكبر بكثير من تأثير أيّ عامل إجتماعي آخر. والتحريم الإسلامي لتقديم المعبود أفقد التشكيل الإمكانيات المتوفرة لدى الكاثوليك ، لذلك توّجه صوب الرقش والعمارة ، وفي هولندا تفرغ المصورون ، ولأسباب مشابهة ، للمنظر الطبيعي والبورتريه البوروجوازي. ويبد و لي أمرا محتملا بشكل فائق أن النبذ اللوثري للوحات ، والذي حرم الفنان لدرجة ملحوظة من إمكانية التعبير عن همومه ، كان السبب في الإنتعاش الموسيقي بعد فترة الإصلاح.
هناك التعقيد الآخر الذي لاصلة له بالطبقات ، وهو أحوال إنصهار الثقافات عن طريق الغزو أو الحرب ، التجارة أو الهجرات ، وفي الأخير إنتشار الدين في أراض جديدة. ويعود الفضل في لانهائية الأساليب ، والكثير منها ذو أهمية وقوة بالغتين ، الى التغلغل الثقافي : الموسيقى الزنجية في أمريكا التي تجمع بين فرق الكورال اللوثرية والأناشيد الأسكتلندية و الأيرلندية والتقاليد الأفريقية القديمة هي مثال ذو أهمية بهذا الصدد. وفي أحوال معينة تتعرض الثقافة الى طعنات مميتة ، مثلا في المجتمعات التي تقع ضحية للإستعمار الأوربي الشرس الذي يغرق الأسواق بالنتاجات النمطية. و لكن تحصل ، عادة ، عملية تهجين ، فكما يتوجه الأوربيون الى أفريقيا يتغلغل الأفارقة في أوربا. كذلك يتسرب ، بهدوء ، الفن الزنجي في ثقافة الغزاة.
و الى جانب تأثيرات الجماعات العمودية و الصفات الشخصية لكل فرد ، التي تنشأ بمعزل عن الطبقة الإجتماعية ، تتكون في الفن قوى داخلية أخرى لاتملك طابعا إجتماعيا. وهنا بالذات تهيَّأ الساحة للضجر و النزوة. فكما هي الموضة في الأزياء يولد الكثير من احوال الجدة بسبب الضجر النفسي والنفور والسرور من معارضة الجيل السابق ،أو القوى العدائية ، والرغبة في التغيير. إنها ذات الأسباب التي تجعل الأطفال يقتربون من أجدادهم و ليس آبائهم . فبروست لاينحدر من بلزاك بل من سان – سيمون.
وفي الأخير فإن ( الديمومة الفنية ) لا تلتحق بالأخرى الفلكية ولا الإجتماعية و لا النفسية ، دون أن نذكر هنا الإستثناءات النادرة. هكذا فإن القصيدة الغنائية البندارية " 5 “ نشات بسبب الألعاب الأولمبية وبعدها إختفت رغم إستمرارية الثانية . و الأكثر من ذلك ، فإن الديمومة ليست واحدة لشتى الفنون حتى لو كانت قد ولدت في ذات الوقت. السبب هو : المعبد اليوناني ( نظرا لطبيعة الدين المحافظة و لأسباب مادية أيضا ) لم يتبدل طيلة الف سنة ، لذلك يكون فحص آثار تلك الدورات الكبرى في المعمار أسهل منه في التصوير أو الأدب ، حيث يكون أكثر وضوحا ونجاعة الصراع ُبين الأجيال والمدارس. ويكون أمرا عقيما البحث عن أحوال إعتماد متبادل ضيّق بين الفن والنظام الإجتماعي للعصر.
وحتى لو إفترضنا أن الشروط الإقتصادية أو الطبقية تؤثر في الفنان فإن العكس يحصل في الغالب ، عدا ذلك يتأثر وعيه في وقت واحد بالتقاليد والأعمال والأساليب التابعة للثقافات المنافسة ، الإستحواذية و الأكثر نفعية ، هذا الى جانب العوامل الأخرى كالمزاج الخَلقي ، والعمر ، والمنطلق الشخصي ، والدين أو الفلسفة ، و الإجهاد أو الحماس وأوجاعه الفنية.
1.


حول الفن والنظام الإقتصادي ثانية ً


لنأخذ مثالا كما لو أنه أعدّ خصيصا للذين يظهر الفن أمام أبصارهم كإنعكاس للبنية الإقتصادية : الرينيسانس . معلوم أنه منذ القرن الثاني عشر تنشأ المجالس البلدية ومعها طبقة جديدة سيطر عليها هوس الحساب. كذلك معلوم أن هذه الذهنية تسود في جميع المظاهر الروحية ، وتأتي للتصوير بالمنظور و النِسَب. إلا أن التعقيدات كثيرة ! وفي أوج الرينيسانس لنقارن ( العشاء الأخير) لدا فنشي بالعمل الفني الصاخب ذي الموضوع انفسه و الذي قام به تنتوريتو Tintoretto . أو لنضع جنبا الى جنب غوتيك المدن الفرنسية والألمانية الذي لم يُكبَح جماحه و فن الإيطاليين الكلامي ، رغم أن البنية الإقتصادية نفسها - أيّ شيء مشترك بين فن ميكاله انجلو ، الممزق و المعذب وبين الحالة العقلية الواقعية والمتفننة للبورجوازيين المحيطين به ؟ وحتى لدى الفنان نفسه ، و بسبب الصراعات الخالدة بين الإغراء الديونيزوسي و الشكل الأبولوني ، كيف بالإمكان أن نفسر بقوانين الإقتصاد أو علم الإجتماع ( التي لاتتبدل ) ذلك التعارض بين الأعمال الكلاسية الصارمة لميكاله أنجلو وإنفعالاته الباروكية ، بين دوناتيللو Donatelloالرومانسي الغيبي في نحته للقديس جورج ، والآخر الكلاسي في تمثال غاتاميلاتا Gattamelata ؟



لمن نكتب ؟

( بعد كتابة شيء تكون كالبندقية بعد الإطلاقة ، مرتجفا يتصاعد منك الدخان ، وبعد أن تطهرت نفسك تماما لأنك أطلقت ليس على ما تعرفه عن نفسك بل على ما تشك به وتفترضه ، أي اشباحك و إنفعالاتك وكل الحياة المجهولة ، و فعلت هذا في حالة توتر و جهد بالغ وكلك يقظة وخوف وسط الإكتشافات الفجائية والهزائم بأسلوب كما لو أن الحياة كلها قد تكثفت في نقطة واحدة ، فإنك تلحظ فجاة أن لاوجود لكل هذا طالما لامعين له ولا تنفخ فيه الحياة إشارة بشرية ، كلمة ، حضور. وهكذا تموت في البرودة ، و تنطق في الصحراء ، وتكون ليل نهار وحيدا كالميت ) بافيزه.



المغالطات حول الأدب الشعبي

ليس الشعب اليوم ذلك النبع المنعش لشتى أنواع الحكمة و الجمال كما يتصوره بعض جماليي الشعبية " populisme “ 6 ، فهو ربيب أسوأ الجامعات الذي أفسدته القصص المصوّرة comics والأدب البوليسي وأفلام الكتبة ، والبلاغة المخصصة للآنسات الصغيرات الناقصات التعليم والمحرومات من الذوق.
لربما إمتلك الشعب في المجتمعات البدائية وعيا عميقا وحقيقيا بالحب والموت والبطولة و الرحمة. هذا الإحساس العميق يتكشف في الميثولوجيا و الحكايات الشعبية والأساطير والسيراميك والرقصات الطقسية . حينها كان الشعب مشدودا بصورة وثيقة بالحقائق الأساسية للوجود : الميلاد والموت ، شروق الشمس وغروبها ، بالحصاد والنضوج ، بقضايا الجنس و الأحلام . أما اليوم فمن هو هذا الشعب ؟ وكيف بالإمكان إعتباره محكا للفن الحقيقي وقد زُيّف و شُيّأ وأفسده الأدب الأكثر بؤسا والفن السوقي ؟ يكفي أن نقارن بين سوقية أيّ منحوتة مصنوعة نمطياً للشقق أو الكنيسة المعاصرة ، والإيقونة الشعبية أو الفتيش الأفريقي ، كي نلاحظ الهوة المريعة بين الشعب والجمال. و في أكثر قبائل الأمازون بدائية أو في أفريقيا الوسطى لانعثرعلى مثل هذه العادية للأباريق و الأواني والأزياء التي تحيطنا اليوم.
هكذا نصل الى إستنتاج قد يبدو مليئا بالمفارقة. في أزماننا ليس غير الفنانين الكبار والنزيهين من يرث الأسطورة والسحر ، وهم لاغيرهم يحرسون في صندوق ليلهم ومخيلتهم بقايا الكنز البشري طيلة هذا القرن من التربية البربرية التي علينا أن نتحملها. لذلك ليس الفنان مَن إنقاد للاأنسنة ، ليس فان غوغ ولا كافكا من إنفصل الإنسان عنهم بل الإنسانية جمعاء : جموع الرعاع.



فن الأكثرية

رغم القائلين بصورة ديماغوغية إن كل عمل فني كبير يخاطب ، في النهاية ، الأكثرية ، ورغم المتذوقين القائلين العكس ، فإني أجد من السهل دحض مطاليبهم جميعا:
1 - هناك أعمال فنية كبرى إلا أنها للأقلية : كافكا
2 – هناك فن للقلائل لكنه سيء ، ولربما معظم الأشعار المكتوبة اليوم هي أحجية لفظية أو صرعات شكلية.
3 – هناك أدب كبير لكن للكثيرين : ( الشيخ والبحر )
4 – هناك أدب للأكثرية لكنه سيء : القصص المصورة ، الروايات الفاجرة وكامل الأدب البوليسي على وجه التقريب.


تعقد المواضيع و الشخوص

ليس هناك مواضيع معقدة تنتظر في مكان ما الشخص الذي يرويها ، بل هناك كتاب معقدون. وقصة الطالب الفقير الذي يقتل المرابية و التي كتبها صحفي عادي أو واحد من هؤلاء الكتاب المعدومي الموهبة الذين يؤمنون بموضوعية فن الصحافة ، ستكون واحدة من ألف حدث مشابه في مدينة كبيرة. ونحن نعرف أيّ شيء صارته هذه القصة عند دوستويفسكي.
والشيء نفسه يحصل مع شخوص الكتب.


السوريالية

ليس صدفة ان إقتربتُ من السوريالية . فحينها ، أي في عام 1938 ، كان ضجري بل قرفي من العلوم البحتة قد بلغ ذروته. وهكذا حين كنت أعمل في النهارات في مختبر كوري ( كيري Curie ) كنت ألتقي في الأماسي بأوسكار دومنغويز O. Dominguez السوريالي الحقيقي الذي إنتحر بعدها في دار للمجانين .
في عام 1916 بدأ تريستان تزارا حركة ( دادا ) في سويسرا التي كانت قلب البوروجوازية. وبثورة حقيقية هاجم أولئك الأخلاقيون تفاهة ونفاق المجتمع الهرم . والحكمة البوروجوازية بدت لهم كعدو رئيسي و ضده وجهوا هجماتهم. في البدء كانت الدادائية ثم السوريالية التي كانت وريثة الأولى. والعصر العظيم لهذا التمرد إستمر لغاية ظهور المانفست الثاني في عام 1930 . و منذ ذلك التأريخ بدأ السقوط التدريجي حين تعرفت على دومنغويز و بعدها على بريتون. كان معلوما بأن النهاية أخذت تقترب.
كان الرومانسيون قد جابهوا العقل بالشعر كما يجابه الليل بالنهار. إلا أن السورياليين قادوا هذا الموقف الى التطرف. بالنسبة لبريتون ، كلما كانت الصورة أكثر عبثا إزدادت قيمتها : من هنا كان النداء الى الأخذ بالأوتوماتيكية و المخيلة المحرَّرة من جميع الروابط العقلانية . كذلك من هنا إحتقاره للقواعد و الكلاسيين والمكتبات. فالسوريالية وُجِدت خارج الأستيتيكا بل خارج الفن : كانت بالأحرى موقفا عاما أزاء الحياة ، بحثا عن الإنسان العميق تحت الأعراف البالية . إذن كيف كان بإمكان السوريالية أن لاتعجب بفرويد ودي ساد و الفطريين المتوحشين ؟
إلا أن المفارقة تكمن في أن كل هذا قد صهر في نهج الإبقاء على نوع جديد من الجمال ، جمال خاص في حالة وحشية. والحال ذاتها مع الأخلاقيات الجديدة التي بقيت بعد نزع جميع الأقنعة التي فرضها المجتمع بشكل جبان ومنافق. وكانت تلك أخلاقيات الغرائز والأحلام.
وسواء أردنا أم لا ، فقد نهضت أستيتيكا و أخلاقيات سوريالية.
ولكن حين تبلورت في المانفستات والأقانيم بدأ السقوط. وهذا ما يحصل عادة .، فالأسوأ هو النزعة المحافظة للثوريين المنتصرين. وحالات البحث عن الوحشية الأصيلة تحولت الى أكاديمية جديدة مما كان تعبيرا عنها سلفادور دالي ، هذا الكوميدي الذي خلقته السوريالية وأظهر بشكل نموذجي أسوأ صفاتها . لكنه أمر غير مسموح به تقدير هذه الحركة وفق ثمارها حسب وبينها سلفادور دالي. كذلك ليس من المسموح به ، كما يريد يعض السورياليين ، طرد هذا المهرج. وليس بصدفة أن ظهر هذا الإنسان في السوريالية و إرتدى هناك زي الراهب الأكبر بفضل موقفه الذي لايختلف بكثير عن موقفه الحالي.
والحقيقة هي أنهم غالبا ما لجأوا الى الزيف والكذب بينما اليائسون فعلا ، أمثال صديقي برتون ، كانوا من القلائل . كذلك آرتو Artaud العظيم . لقد كانت نهايتهم في دار المجانين.
كذلك ليس بصدفة إعتيادية ذلك الطموح المفرط الذي يميز ،عادة ، أنصار السوريالية ، فتزييف المضمون ترافقه دائما فخفخة الشكل. وهذه البلاغة كانت إحدى أكبر المآسي التي لحقت بالرومانسية ، ولقد إنبعثت من جديد عند السورياليين المؤمنين بأنهم سيخيفون البوروجوازي بينما هم أخافوا في واقع الحال الشعراء الحقيقيين. فالرومانسي القح ستندال قرر أن يكتب بلغة القانون والرياضيات الجافة ، وهذا شبيه بحال الإنسان المتدين حقا الذي ينفر ممن يبالغ في حماسته الدينية.
لكن في السوريالية شيئا أصيلا إحتفظ بأهميته وإستمر وتعمّق ، بمعنى ما ، في الوجودية ، ذلكم هو الإعتقاد بأن زمن الأدب والفن النقيين قد إنتهى وأنه حان الوقت لتخطي الرؤية الأستيتيكية كي يمكن مواجهة قضايا الإنسان ومصيره. وهذه الفكرة التحريرية التي بدأها الرومانسيون والمتوجهة ضد المجتمع المنافق والتقليدي ما زالت الشرط التمهيدي للنظرة الجديدة الى مصير الإنسان في أزمانننا ، وخاصة بفضل إعطاء الأدب والفن مكانهما الصحيح . وكان إرهاب السوريالية ضروريا كي يمكن البدء بأيّ تغيير في البناء. وكان من الواجب القضاء المبرم على معبودي المجتمع البوروجوازي ، وأخلاقياته الزائفة ، وتفاؤله السطحي ، ورخاوته كي يُهيّا المكان لوجود أكثرإمتلاءا . إننا نعيش في أوقات القلق واليأس ، لكن بفضل هذا الواقع لاغيره يمكن أن يولد أمل جديد وحقيقي. إن الخطأ يكمن في الإيمان بأنه يكفي قطع المرحلة الأولى المتمثلة بالتدمير ذاته ، باللاعقلانية ذاتها ، كما لو أن ماهية الإنسان تعني أيضا ، بل قبل كل شيء ، الخروج على ال( أنا ) وتوجيه الغرائز صوب ال( نحن )، صوب المنظومة والحوار. وكان شيئا لامفر منه ، بعد القيام بالمهمة التدميرية ، سقوط السوريالية ذاتها وتحوّلها الى أكاديمية مليئة بالمفارقات . فلأ كاديمية السوريالية اوقع كلمات ( جماعة المحتشمات في الماخور ).
في عام 1938 حين كنت معهم كانوا يعيشون على الذكريات ، والحماسة الفوضوية من الأزمان البطولية حلت محلها إنضباطية الأرثوذكسية. وبعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى كان ينبغي وضع حد لكثير من الأساطير الخطرة للحضارة التجارية . لكن بعد إنتهاء الحرب الثانية كانت تلك الأساطير قد تحوّلت الى هباء . والناس الذين رأوا الكثير من الكوارث و الدمار عرفوا الحاجة القاهرة الى البناء . كان الخراب بالقدر الذي يجعل أمرا ممكنا معرفة الواجبات الجديدة للإنسان في ذلك العالم الممحطم والمليء بالجيف الضخمة العدد. وكما قال أحدهم : يصعب الآن تخويف البوروجوازي بالصرخات و الفتيشيات الأفريقية أو الهروب من العقل . ينبغي البدء بمهمة ليست بسهلة ، وهي البناء الجديد حتى لوكان في دياجير الظلام واليأس. و لم يكن بالشيء الكافي الإعلان عن لاعقلانية بسيطة مارسها الغستابو بصورة أفضل منهم ، وكان من المفروض ، في الأخير ، أن نفهم بأن الإنسان ليس بعقلانية صرفة أرادتها حضارة الماكنة ، إذ يصعب خفض الإنسان الى العقل نفسه أو قيادته صوب الغرائز العادية.
وجاءت أخيرا لحظة التركيب الجديد . وكل من لايفهم هذه الضرورة لايفهم قضايا إنسان اليوم الكبيرة أيضا. وفي النتيجة لايفهم ، كذلك ، المشاكل الرئيسية لأدب أزماننا العظيم .


الفن كتمرد رومانسي

يكون من الخطأ التحديد الدقيق لتواريخ اللذة الرومانسية المفهومة بعمق ، كإستعادة القيم الحيوية لحقوقها أزاء الأخرى العقلية . فهذا هو تيارعريض ومعقد وعميق لم يذو منذ الزمن الذي لعن فيه الإغريق الجسد وشهواته. وهذه القوة التي لاتقهر لدى الإنسان الملموس أثبتت وجودها ، مرة علنا وفي أخرى من وراء ستار أو بكل مكر وغدر ( حتى أن الهزء منها كان بالغا عند الخصم ، كما هو الحال في الرواية عند ديديرو Diderot ) ، ولغاية إنفجارها الكلي في نهاية القرن الثامن عشر في حركة كنست الأفكار التي لقحتها العقلانية بالجد والعمل. ومنذ الرينيسانس ، عبر الثورة الفرنسية ، ظهرت هذه القوى ليس في الفن فقط ( حيث كانت الشرط التمهيدي والضروري بغض النظر عن مكانة النظرية السائدة رسميا ) بل في التفكير نفسه. فالمفكرون ( باسكال في القرن السابع عشر ، والكتاب أمثال سويفت في إنجلترا ، و الفلاسفة أمثال فيكو في أيطاليا ) يمهدون الطريق للإنسان الذي أعلن في القرن التالي ( بيان حقوق القلب ). حصل هذا عبر شتى الإنشطة – جمعيات العلوم الغيبيبة المبقية على سرّ ( المعرفة التقلدية ) والروحانيين أمثال كلود دي سان – مارتين C.de Saint - Martin و فابر دأولفيهF.d Olivet ، والسحرة وصانعو المعجزات الزائفة أمثال كاليوسترو Cagliostro ، والغيبيون أمثال سويدنبورغ الذين نبذوا العلم من أجل السحر. وفي الأخير ، في باحة العدو نفسه ، كانت هناك النظريات كنظرية المغناطيسية الحيوانية. إلا أن قوة اللاوعي غير المقهورة تعبّر عن نفسها ، مما يكون أمرا طبيعيا ، في الوهم الأدبي ، و بذلك يسمح ( كانديد ) ، أحد أبطال الأزمان الحديثة ، لأشباح اليأس الأسود أن تحلق من تحت قلم مفكر تنويري.
ولكم يكون أمرا خاطئا وضع التواريخ الدقيقة لهذه الحركة ، كما يكون أمرا عقيما رسم حدودها الجغرافية . وليس من الصعب أيضاح أسباب الشهرة التي حققتها هذه الحركة في بلد إزدهرت فيه النظرية المناقضة. لكن لنتذكر بأن شعبين متجاورين غذيا الحركة ومنحاها العمق . إنجلترا حيث الواقعية والعاطفية لم تسمحا أبدا للعقل بتجاوز حدوده ، وألمانيا التي هي أخصب تربة للرومانسية لدرجة أنه نشأت فيها ، فيما بعد ، الأسس الفلسفية للحركة بكاملها مما سمح بدحر العقلانية في عقر دارها. لغاية ذلك الوقت ، وهي مفارقة غالبما تحصل في تأريخ الفكر ، إستفادت ألمانيا من النظرية الواردة من بلد ذي مكانة فكرية أكبر . وهذه الظاهرة نشأت على نطاق كبير في أميركا اللاتينية أيضا. ومنذ زمن فردريك الكبيرعاشت الدويلات الألمانية تحت عبودية الأفكار الفرنسية ، وما الإيضاحية Aufklaerung إلالمانية إلا صدى للتنوير الفرنسي. وهذا هزء من جانب الديالكتيك أن يتم عثور الألمان على روحهم بفضل فرنسيتهم الظاهرية . فأفكار روسو حول التعارض بين الطبيعة والثقافة قد أحيت لدرجة ملحوظة الحركةَ الجرمانية القحة ( العاصفة و الإندفاع Sturm und Drang ) التي أدت سوية مع الأخرى الصانع kraftmensch الخلاق وقوى الطبيعة ليس فقط الى نشوء روسو ، فهو قد ولد من أعمق طبقات الروح الأمانية في تلك الأزمان ، أما افكاره فكانت مجرد حفاز catalyst ولو انها ، وهو أمر طبيعي ، قد لقيت التقدير الفكري الذي حظى به الكتاب باللغة الفرنسية فقط.
إذن فخيبة الأمل في العقلانية ، في الثقافة ، قد سبّبها إنبعاث العنصر السحري مما كان المميز الرئيسي للتيار الرومانسي. وكانت هذه الصفة ملحوظة لدى ( ساحر الشمال ) ذاك الذي كان يرى الشعر شكلا من أشكال النبوءة. ومنه ، عبر هيردير ثم غيته الشاب ، صارت الطقوس الأليوزينية " 7 “ . إذن أين العجب في أنهم أعادوا الإعتبار للأحلام و الطفولة و النشاط العقلي الأوليّ ؟ لقد راى هيردير في الشعر مظهرا لقوى النفس التلقائية ، واللغة الشعرية النطق البكر للجوهر الإنساني ، أي لغة المجاز و الإلهام ، و ليس تلك اللغة الأخرى ، لغة العلوم البحتة ، الجافة التجريدية ، أي كما لو انه قد قرأ فيكو. إن إكتشاف الألمان لشكسبير كان كما لو أنه رمز للتمرد ، ومعلوم أن غيته الشاب الذي تبرأ قبل موته، من الرومانسية كان يحلم حينها بأن يصبح شكسبير ألمانيا ، لكن دفاعه عن بايرون والقول بأنك إذا أردت أن تكون شاعرا فعليك أن تنقاد للشياطين ، يشهد على أن الرومانسية كانت الشيء الأثمن الذي بقي حتى السنوات المتأخرة من عمره.
وعبر الحلم والجنون والإفتتان والفورة العاطفية رأت الرومانسية الألمانية في الشعر والموسيقى الطريق الى التعرف الحقيقي. وبذلك أحيت ، لحد ما ، نظريات اليونان الطقوسية القديمة وتمردت على مباديء الروح السقراطية نفسه وعلى الفكر البوروجوازي في الوقت نفسه.
ولم تكن الرومانسية مجرد إتجاه في الفن ، بل تمرد واسع وعميق للروح كلها. لذلك كانت ، لامحالة ، قد وصلت الى جذور الفلسفة العقلانية ، بيد أن الأمور مضت الى حد بعيد كان لابد فيه من النكوص. وبدأت الشكوك في أن حماسة التقنيين الشبابية قد تكون وخيمة العاقبة على الإنسان. والى جانب متحف رموز الجبرعاش إنسان من لحم ودم يسأل ما الغرض من هذا النظام الضخم والشمولي طالما أنه لايقدرعلى تبديد القلق النابع من قضايا الحياة والموت.
لقد جوبهت قضية جوهر الأشياء بقضية وجود الإنسان. والتعرف الموضوعي – التعرف على الإنسان ذاته ، هذا التعرف الذي هو بطبيعته تراجيدي ، لم يكن بالإمكان التوصل اليه بالعقل حسب ، بل قبل كل شيء بفضل الحياة وتلك العواطف الثائرة التي نبذها العقل.
وكان نيتشه قد سأل هل ُقدِّر على الحياة أن تسود على العلم أم يسودها هو ( كانت هذه القضية التقليدية لعصره )، وكان جوابه سيادة الحياة. وهو جواب كان متوقعا خاصة في أوقات التمرد التي كانت قد حلت. بالنسبة له ، شأن كيركيغارد و دوستويفسكي ، لايمكن لحياة الإنسان أن تكون خاضعة لحجج تجريدية وعقلية بل لمقولة باسكال فقط ( براهين القلب Les raisons du coeur ). إن الحياة تفجّركل القوالب الجامدة ، فهي مليئة بالتناقضات والمفارقات و لاتسترشد بالعقل بل بالعبث. أليس هذا هو إعتراف بعلو الفن على العلم في مجال التعرف على الإنسان ؟
لقد وضع كيركيغارد قنبلة تحت بناء كاتدرائية هيغل وقمة ومجد العقلانية الغربية ، وذلك حين هاجم العقلانية كلها بسلاح الثوريين كلهم – اللاعدالة المقدّسة ، وبدون أن يلتفت الى أمور كأحوال التدرج أو الصيغ. حتى أنه حارب السلوك العاقل الإعتيادي . وسيحين الوقت ، كما كان فعلا ، لإصلاح العواقب الجانبية . فهنا الدفاع ضد نظام إستحالة التعرف المبدأية على الجوهر الإنساني . إذ لايمكن حصر هذا الجوهر بقوانين العقل ، فهذا الجوهر هو ذلك المجنون لدى دوستويفسكي الذي يثير الغضب بحقائقه الغامضة ، ذلك المأخوذ ( ومَن منا غير مأخوذ ؟ ) الذي يقنعنا بان الإنسان يضع ، لمرات ، الفوضى فوق النظام ، والحرب فوق السلام ، و الخطيئة فوق الفضيلة ، و التدمير فوق البناء. إنه حيوان غريب مليء بالتناقضات لايمكن فحصه كما يفحص المثلث أو مجموعة من القياسات المنطقية syllogisms ، فهو ذاتي وأحاسيسه لاتتكرر ولاتخص أحدا عداه . وهذه هي حالة الحقيقة العبثية التي لايمكن بأيّ وسيلة تفسيرها. كان باسكال قد عبرّ عنها بمثل هذا الإنفعال البالغ : ( حين أنظر الى المكان الصغير الذي أشغله بل أراه وهو غارق في العظمة اللامتناهية للفضاءات التي لا أعرفها ولاتعرفني ، أشعر بالهلع و الدهشة من أنني كائن هنا وليس هناك ، إذ لامبرر للوجود هنا و ليس في مكان آخر ، أو الآن و ليس في زمن آخر ... ومن هو الذي وضعني هنا ؟ و بأمر من وأيّ إرادة حددت لي هذا المكان وهذا الزمان ؟ ).
ليس هناك من جواب حقيقي على هذه الأسئلة في ( النظام system ) الذي حين يريد أن يفهم هذا الإنسان وذاك فإنما يقضي عليه. فالنظام يعتمد على حقائق عامة ، بينما المقصود هنا وجود ملموس.
هكذا فعالم التجريد يقف مرة أخرى وجها لوجه أمام الفرد الملموس . لكن في الجوهر ، كانت لدى هيغل عناصر التمرد المتمثلة في فكرة أن الإنسان ليس هدفا كما كان في التنويرية " illuminism “ 8 غريبا على الأرض و الدم ، وفي الأخير على المجتمع وتأريخه ، بل هو مجرد وجود تأريخي صنع نفسه بنفسه وبنى العالم من خلال الفردي. وهذا المعنى التأريخي للإنسان عمّق النفور الشديد من العقلانية المتطرفة لدى تلميذه كارل ماركس الذي جعل الإنسان مجرد جزء من العملية التاريخية ، بل ظاهرة إجتماعية : الإنسان ليس بوجود تجريدي أزيح جانبا عن العالم .إنه عالم البشر ، الدولة ، المجتمع . ولوعي الإنسان طبيعة إجتماعية ايضا : الإنسان الخاضع للعقل ratio كان تجريدا ، إلا أن التجريد هو الإنسان الوحيد أيضا. لقد طرح كارل ماركس مبدا الإنسّية humanism الجديدة على الإنسان الذي حوّله العقلانيون من أمثال فولتير الى نشاط هادف وكائن مستقل عن المجتمع : الإنسان يمكن أن يحقق وضعه ك(إنسان كامل ) حين يتمرد على المجتمع التجاري الذي يستغله.
ولاحاجة الى لفت النظر الى الشبه القائم بين هذه النظرية والوجودية الجديدة التي إستطاعت ، بعد هوسيرل ، أن تبتعد عن ذاتية كيركيغارد : أي الإهتمام بالإنسان الملموس ، والتمرد على العقل التجريدي ، ثم فكرة الإستلاب و إعلاء العمل على العقل.
وهذا التياران بعدهيغل ، ذاتية كيركيغارد المتطرفة وإشتراكية ماركس ، ربطهما فلاسفة عصرنا المنحدرون من هذه المدرسة أو الثانية ، ودون الإلتفات الى ما سيقوله عنهم السكولاستيكيون الجدد بإسم ماركس.
ينبغي معرفة أن شيئا من هذا القبيل وجد في نظرية ماركس ذاتها. فهذا كان فيلسوفا مزدوج الطبيعة : من جهة رومانتيكي معجب بشكسبير وكبار الشعراء الألمان ، كذلك ملأه الحنين الى قيم عهد النبلاء التي داست عليها البوروجوازية الجلفة ، ومن جهة أخرى كان عقلانيا واعيا. عدا ذلك فالعلم كان السائد آنذاك على كل شيء ، وكانت مكانته في نمو متزايد ، لذلك لانستغرب إذا واجه ماركس إشتراكية أسلافه ( اليوتوبية ) بالأخرى ( العلمية ) المعتمدة على الديالكتيكية التأريخية.
وكان عمله praxis يعترف بتفوق التجربة و النشاط على العقل الصرف ، و بذلك إختلف عن معايير حقبة التنوير وعارضها. إلا أنه من ناحية أخرى شاطر أولئك الفلاسفة الميل الى العلم والإستنارة بوصفها وسائطا ضد قوى الظلام . بيد أن هذه القوى تلعب دورا كبيرا في الإنسان الفعلي ، لذلك حين رفض ذلك العالم المقاوم للمنطق وحتى للديالكتيك ، فإنما رفض بدرجة ملحوظة ، الإنسان من لحم ودم الذي أراد ، بالأساس ، إنقاذه.
لكن المسألة لم تنته عند هذا الحد ، فبالقدر الذي يكون حقيقة أن العقل الصرف يولد نشاطه الغائي و ليس الإنسان فأنه حقيقة أيضا بأن العلوم التجريبية التي حلت التجربة فيها محل العلم قد خلقت ثيمة scheme تجريدية للعالم أيضا ، وسبّبت إستلابا لامفر منه للإنسان ومن أجل ما يُسمى بالعالم الموضوعي .
وهي حقيقة أن البطالة ، والفاقة ، و إستغلال طبقات أو بلدان بكاملها من قبل طبقات أخرى أو بلدان غنية هي شرور لاتنفصل عن الرأسمالية، إلا أن الحقيقة الأخرى تفيد بأن الشرور الأخرى للمجتمع المعاصر ستستمر حتى بعد الإنقلاب الإجتماعي ، فهي نابعة من روح العلم والتكنيك : مكننة الحياة كلها ، التايلورية العامة و العميقة للبشرية التي تنقاد كل يوم للشيطان الذي يلهو كما يحلو له ، في أولمبه المظلم ، بوعي البشر . ونحن ألا نرى نفس الذهنية العلمية ، وذات الروح التكنوقراطية ، وذات العبادة للماكنة والعلم في الغرب والشرق على السواء ؟


فوائد سوء الفهم

كانت صائبة ملاحظة فان فايك بروكس Van W. Brooks : ( أليس صحيحا أن الروائيين يحققون النجاح بفضل ما يغيظهم و يغضبهم ؟. هاوثورن Hawthorne إنتظر وسط الغبار والريح في ساليم Salem . فلوبير وستندال وسنكلير لويس ودرايزر هم أمثلة أخرى . ألا تشهد الروايات الأولى لهنري جيمس على أن المبدأ المذكور يمكن أن ينطبق عليه؟ وطالما كان يكتب عن مواطنيه الأميركان الذين أزعجوه ، كان كل شيء على مايرام ، وكانت إنجلترا قد أعجبته كثيرا ، ومن هنا محدودياته فيما بعد .. الناس الذين يملكون الطيبة والأدب بقدر أكبر من اللزوم يسوقون الإنسان ، وبدون أن يعوا، الى نوع معيّن من البلادة. حينها نجتاز جنة ً ما للحمير. وفي حدود جرعة غير كبيرة لايضر ( المجتمع الجيّد ) الكتاب ، فهؤلاء بحاجة الى الخشونة في محيطهم ، إذ عليهم أن لايكونوالا مفهومين .. والأطفال يملكون نفس الحق في عدم الفهم والفهم أيضا. و الشيء نفسه يحصل مع الكتاب والفنانين ، وهذا أحد الأسباب التي جعلت إنجلترا تفيض بالعباقرة ).



صلات المؤلف بشخصياته

يقول بعض معاصري بلزاك إنه كان عاديا وفارغا. لكنه عرف كيف يخلق شخصيات عظيمة بمعزل عن مظهره ومخبره. والشخصيات تولد في قلب الكاتب إلا أنها قد تتجاوزه بطيبتها ، وقسوتها ، وكرمها ، وبخلها.
وتقدّم جميع الشخصيات الروائية ، بشكل ما ، خالقها. وجميعها تخونه بشكل ما أيضا.
مدام بوفاري هي أنا ، ومن يشك بهذا القول ؟ إلاأنني أيضا رودلف الذي لايقدر على تحمل نزوات إيما الرومانسية ، كذلك أنا مسيو أوميه Homais ، أو لم تجعل رومانسيته المتطرفة مني شخصا من نوع الكافر في الحب ؟
مع سريان الحياة في الأبطال على صفحات الكتاب يتحولون هم في ذات الوقت الى كائنات مستقلة ، وينظر الكاتب وكله دهشة الى سلوكهم ومشاعرهم وأفكارهم . وهذه كلها متناقضة مع ما يفعله الكاتب و يحس به ، فإذا كان مؤمنا يرى ، مثلا ، أن أحد أبطاله متحمسا في إلحاده . وإذا كان معروفا بطيبته أو كرمه يلاحظ عند إحدى شخصياته سلوكا مشينا للغاية و بخلا لاحدود له. والشيء غير المعهود ، أكثر من غيره ، أن الكاتب لايستغرب فقط بل يشعر بنوع من القناعة الماكرة.



فلوبير راعي الموضوعيين

وجاء الى القراء الفرنسيين ثربانتثهم الذي يصّفي الحساب مع الررومانسية المتهافتة للروايات ، كما صّفى الأول الإسباني الحساب مع رواية الفرسان. وقدّم فلوبير قربانه ليس خلافا لإيمانه الرومانسي بل بإسمه تماما ، كالغيبي الذي يضع قنبلة في كنيسة إنفصلت عن الكنيسة الأم.
بهذه الصورة نشأت إحدى أ كثر حالات سوء الفهم إستمرارية في الأدب الروائي : الموضوعية . ومعلوم أن الرواية الجديدة nouveau roman تصر على الإعتراف بفلوبير كراع لها. و لاغرابة البتة في أن مثل هذا الإنطباع يمتلكه أناس عصره. فلقد كان عصره عصر العلم . وهو أمر مضحك أن هذه الغمزة يحملها ناثرو باريس الغيبيون اليوم. ولقد بات واقعا أن الأخطاء تمسكنا بقوة أكبر من مسك الحقيقة . فلوبير المسكين ، الإنسان الذي قال : شخصياتي المخترَعة تتقبلني عميقا ، إنها تلاحقني أو يالأحرى أنا كائن فيها ).
عدا ذلك فالمبدع هو أولا ليس في شخصياته فقط ، فهوالذي إختار الدراما ، هذا الوضع ، هذه المدينة الصغيرة ، هذا المشهد الطبيعي. وحين يكتب : ( إذا خص الأمر الذكريات عن رودلف فلقد دفعتها الى قعر القلب ، وهو قائم هناك بإحتفالية وبدون حراك و أكبر من مومياء فرعون تحت الأرض ).
وهل تقدر إيما المسكينة على وصف عاطفتها التي ماتت؟