الكاتب وكوابيسه
تأليف : أرنستو ساباتو
ترجمة : عدنان المبارك
مقدمة
يقول أرنستو ساباتو عن هذا الكتاب بأنه يوميات بل مجموعة شكوك لكاتب من أميركا اللاتينية يملك عذاباته الخاصة.
وجاء أول كتاب لساباتو ( الفرد والكون ) الصادر في عام 1945 شهادة بارزة على تمزّق هذا الكاتب اللامع الذي أغرته العلوم البحتة رغم وعيه الفلسفي بعبث هذه الدقة العلمية كلها. في البدء درس ساباتو الفيزياء ونال درجة الدكتوراه ثم عمل لفترة من الوقت في معاهد باريس العلمية. و في منتصف الأربعينات يترك ، بلا رجعة ، العلوم و يتفرغ للأدب. وما كتابه المذكور الذي حقق شهرة كبيرة إلا ثمرة هذا التبدل الأساسي. وكان الكتاب مجموعة نصوص قصيرة حول شتى المواضيع بل عومل كمعجم فلسفي – أدبي من طراز غير مالوف. و يعود ساباتو الى هذا الشكل الكتابي في عدد من مؤلفاته إلا أن التقدير العالمي جاءه بفضل رواياته . ولغاية اليوم يعرف هو كروائي و ليس كاتب مقالة رغم أنه شخصيا يقدّر ذلك الشكل أكثر من غيره.
في ( الكاتب وكوابيسه ) يوضح ساباتوالأسباب التي دفعته الى إختيار العلوم البحتة وهي البحث عن النهج الرياضي المثالي ( الإفلاطوني ) ،عن النظام الذي لم يعثر عليه في داخله. وكانت تلك الفترة من حياته فترة الإيمان الوضعي بالعلم. إلا أن هذا الإيمان لم يبق طويلا. فالعقلانية الجافة التي تقود كل شيء الى أحوال الإعتماد القائمة على قانون السبببية ، الى القالب والصيغة الميتة ، قد أفزعت ساباتو.
معلوم أن علم النفس قد أثبت ما كان موضع ريبة كتاب كبار وهو أن الكوابيس لا تتربص بنا عن قرب بل هي ، ولربما أخطرها ، في دواخلنا.
وتبدأ مغامرة ساباتو الفكرية وحماسه في البدء ثم شكوكه كإنعكاس حسّاس لتجارب عموم البشر. كما يجد أن الإنسان المتلهف الى السلطة أو الإستحواذ ينطلق صوب غزو العالم لكنه يخسر نفسه. وكما يقول فإن العقل والمال( الحقيقة التي صيِّرت عادية و ضغطت بالقالب الإقتصادي ) هما تلك القوة اللاأخلاقية التي تغذي المعاصرة مما ذكرنا بقول كارل يونغ : العقلانية والمبتذل banal هما في الجوهر عاقبة الحاجة المتضخمة الى الدوافع والتي يتميز بها سكان المدن.
من ناحية أخرى فالقرن العشرون كان قد فصل نهائيا بين الحرية والتقدم و زاد من مرارة القول المشهور لنيتشه في أن التقدم قد يكون تقهقريا والتقهقهر تقدميا..
يرى ساباتو أن الشك المُبرَّر بالحرية ، بصيغتها الغربية ، دفع وحتى الى التشكيك بالحرية نفسها ، وعلى الأقل أجلت مسألة تحقيقها الى أمد غير معروف. كذلك فالحرية لاتهبط من السماء بل ينبغي أن تشيّد من الصغائر اليومية وحتى المضحكة وغير السليمة منها ، والتي بفضلها لايضيع الإنسان في الجمع.
أكيد ان ساباتو لا يقترح يوتوبيا جديدة . فصوت هذا الكاتب الكبير ليس إلا نداءا إنسانيا عاجزا..
المترجم
بضع علامات سؤال
هل الذين يعلنون عن أفول الرواية هم على حق ؟ ألا يعّد عمل من أعمال جويس أو بيكيت دفعا للأدب كله صوب العبث ؟ أليس الأزمة الكبرى لأزماننا هي أزمة للفن و سلخا تاما وعميقا للإنسان؟ ألسنا نحن الآن في درب مقفل و لايبقى أمامنا إلا إعتبار روايتنا شهادة مفككة لهذا التقوض ؟
هذه الأسئلة جميعا تقلقني منذ أمد طويل ، فالأدب ، بالنسبة لي والآخرين من الكتاب المعاصرين ، ليس بتسلية أو هروب بل هو شكل ، وقد يكون الأكمل و الأعمق ، للتعرف على المصير الإنساني.
إن قضية ماهية الرواية وخاصة المعاصرة ، تكون في أوربا ( بالنسبة لنا أيضا ) الموضوع الدائم للنقاش ، ولسببين رئيسيين : حيوية هذا الصنف من الأدب والذي يتطور بصورة غير مالوفة رغم تنبؤات حفاري قبره الكثيرين ، كذلك رغم تبدلاته أو نقائه. وهذه الكلمات ينبغي أن توضع بين قوسين لأنها غير مناسبة على الدوام، إذ لا تخص عالم الأفكار الإفلاطونية بل الآخر ، عالم الناس غير النقي ، وذلك بأسلوب لايمكن تفاديه. لذلك فجميع الملاحظات حول نقاء الشعر والتصوير والموسيقى ، الشعر قبل كل شيء ، هي غير مثمرة تماما ، وهي ليست إلا لغطا.
وفي الواقع نعرف جميعا ما هو الخط المنعرج في الرياضيات أو ما هي هندسة المساحة geodesy ، وهي أمور ينبغي أن تحدد بكل دقة ، إذ هي تعود الى عالم الرياضيات. إذن فهي ليست نقية فقط بل قادرة على أن تكون شيئا آخر. والخط المنعرج المشوَّه الذي نرسمه بالطباشيرعلى اللوحة هو مجرد ظل تقوده محدودياتنا الجسدية الى تلك المملكة الإفلاطونية الشفافة الخالية من الطباشير واللوحات والأصابع التي تؤدي الرسم بهذه الغلاظة.
والآن ماهي الرواية النقية ؟ هوسُ إخضاع كل شيء للعقل ونتاج حضارة آمنت بصورة عمياء بذاك العقل الخالص( ويالها من طامة كبرى ! ) مما قادنا الى التصوّر الساذج بأنه في مكان ما ثمة نموذج أوليّ archetype للرواية يصعب مسكه ، ووفق الحسابات الفلسفية الطيبة ينبغي أن يكون مكتوبا بأحرف كبيرة : ا ل ر و ا ي ة. نعم بهذه الصورة ! وتدنو منه شتى أصناف الكتاب الفاشلين عبر محاولات خرقاء مما يشهد على سقوطهم غير المشرّف حسب ، وهذه المحاولات قد تسمّى ب( الرواية ) لكن بأحرف صغيرة.
للأسف أو لحسن الحظ ليس ثمة هناك من نموذج أوليّ ، وبكل إمتعاض وصواب أيضا ، لاحظ فاليري Valery ( وما كان هذا الشيء عنده مدعاة للفخر ) : “ إن جميع حالات الإرتداد ونبذه هي من طبيعة الرواية ". وهذا صحيح لامحالة. وفي ذات الوقت أو بصورة متعاقبة مرّت الرواية بجميع أحوال العنف شأن الحال مع البلدان التي تبيّن أنها خصبة ، بفضل ذلك ، في تأريخ الثقافة : إيطاليا ، فرنسا ، إنجلترا ، ألمانيا. لذلك كانت الرواية هناك رواية أحداث و تحليل مشاعر و تسجيل تحولات إجتماعية و سياسية . كانت ذات أفكار ، غير مكترثة ، متفلسفة ، بسيطة الروح ، بلاهموم ، ملتزمة جمعت في ذاتها هذا القدر من التناقضات ، وكانت ، ومازالت ، معقدة بشكل يصعب إيضاحه. و نحن نعرف أيّ شيء هي الرواية و لكن حين يسألوننا نتلعثم في الجواب. ففي الواقع أيّّ شيء يجمع بين أعمال مختلفة مثل ( دون كيخوت ) و ( المحاكمة ) و ( آلام فرتر ) أو ( يوليسيس ) لجويس ؟
الأفكار في الرواية
يتمسك أحد الكتاب من أنصار ( الأدب الموضوعي ) بمقولة إن على المؤلف الإقتصارعلى وصف الأنشطة الخارجية ، المرئية والمسموعة ، لأبطاله وعدم تناول أيّ ظواهرأخرى ، فهذه زائفة ولاتقود إلا الى الخطأ.
إن أدب زماننا قد نبذ الصواب والمعقول لكن الأمر لايعني بأنه ترك التفكير وصار ما يخترعه مجرد وصف لحركة الأجساد و الإنطباعات والمشاعر. ولايدعم هذه الأدب النظرة الموهومة والقائلة بأن شخصيات الكتاب تفكر وأن الناس ، سواء في الكتب أم الحياة ، لايسلكون وفق قوانين المنطق. ففي الواقع أمرنَا التفكير ذاته بأن نكون يقظين حين كشف في أزمان هذه الأزمة الشاملة عن محدوديته. من ناحية أخرى تكون الرواية اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى ، إمتلاءا بالأفكار وإهتماما بمعرفة الإنسان. والقصد أن لانخلط بين هذه المعرفة والعقل. فهناك أفكار في ( الجريمة والعقاب ) تفوق في العدد ماهو موجود في أيّ رواية عقلانية. وكان الرومانسيون والوجوديون قد تمردوا على العقلانية والتعرف العلمي لكن ليس ضد التعرف بمعناه الواسع. ووجودية اليوم و الفينومينولوجيا وكامل الأدب المعاصر هي شهادة على أحوال البحث عن تعرف جديد ، أعمق و أكثر تعقيدا وليشمل السر اللاعقلاني للوجود أيضا.
حول الأدب القومي
نعم. كان للروسي في منتصف القرن التاسع عشر نفس قضايانا ولأسباب إجتماعية متشابهة للغاية. وإحداها كان ما يسمى ب( الأدب القومي ) و الصراع بين أنصار التمغرب والبقاء السلافي . وروسيا الواقعة عند أطراف أوربا و ذات مجتمع ذي ذهنية إقطاعية تذكر قليلا بإسبانيا البلد الذي لم يمر، بصورة تامة أيضا ، بتجربة الرينيسانس ، وليس بصدفة أن أفضل فلم عن دون كيخوت قد أنجز في روسيا وأن شخصية ثربانتث أثارت ، تقليديا ، وعلى الدوام ، مثل هذا الإهتمام البالغ ، وكانت مفهومة بعمق في تلك الأرض غير العاقلة والجامحة. وبانَ هذا الشبه بوضوح أكبر ، في بعض المستعمرات الإسبانية وخاصة في الأرجنتين القديمة ذات السهوب التي لاتحدّ. مثلا آنا كارانينيا مع أصحاب المواشي والمربيّات الفرنسيات والموظفين الأثرياء البلداء و أصحاب الأراضي المحافظين والجنرالات ، كانت مفهومة بيننا بصورة رائعة. حين كنت أدرس في باريس في عام 1938 تعرفت في أحد المطاعم بروسي ( أبيض ) سائق سيّارة ، أبدى دهشته من معرفتي و فهمي للروايات الروسية و أبطالها قائلا إنه من الصعب توقع هذا الشيء من الفرنسيين مما دفعني الى الإيضاح بأنني لست إستثناءا ، فهذا أمر شائع بين الطلبة الأرجنتينيين، وشعرت بأنني مضطر الى تحليل هذه الظاهرة الغريبة. هل قرأت يا سيدي ( أوبوموف ) “1” ؟ ونحن لو أبدلنا شاي مالك الأراضي ذات بشراب الماته" Mate “ 2 لكان أوبوموف أرجنتينيا من الطراز القديم : إنعدام التنظيم ، إحساس ما قبل الرأسمالية بالزمن ، السهوب الشاسعة ، الحياة البطريكية " 3 ” لأسرنا العريقة ، التربية الأوربية والفرنسية ، الزهو بكل ماهومحلي و في ذات الوقت إحتقاره ، كذلك الشبه بين دكاترتنا في القانون واللبراليين والمثقفين الروس الذين قرأوا مثلهم ، كونسيديران Considerant وفورييه Fourier ، الغليان السياسي والثوري في أوساط الطلبة والعمال ، الفوضوية و الإشتراكية... إلخ. لهذه الأسباب إستطعت أن أتلقى ( ملاحظات من تحت الأرض ) بصورة أكثر إمتلاءا من تلقي أستاذ فرنسي عجوز يرى شخصيات دوستويفسكي مجرد وصوليي وعيٍ ، مخبولين ، برابرة غير قادرين على الحكم على الأفكار البيّنة والنقية ، كما أنهم عبثيون لايعرفون المسؤولية لدرجة إعلانهم أن اثنين زائد إثنين تعادل خمسة ، وبذلك يتحدون التقاليد التي يحافظ عليها الديكارتيون و المصرفيون الفرنسيون. إذن كيف بإمكان هؤلاء الموسكوفيين ، ونحن كذلك ، الإعجاب بثقافة الغرب الرهيفة ، بالثيران الأسكتلندية ، بالروايات الفرنسية والفلسفة الألمانية والحمّامات في بادن بادن والبلاجات وكازينوهات القمار الأوربية ؟
وبهذه الصورة ، وللأسباب ذاتها ، صاروا ، ونحن كذلك ، في مدار أوربا ، وهي صفة تقليدية ، سلافية وأرجنتينية شأن الفودكا و الماته رغم تصورات بعض علماء الإجتماع السطحيين الذين يرون ذلك شهادة للإغتراب. وفي كل الأحوال فهذه هي إحدى صفات طبيعتنا. فالأوربيون ليسوا بمدار أوربا . إنهم أوربيون ببساطة.
يبدو لي أنه قد جاء الوقت كي نواجه بجرأة واقعنا ، بدون تعال وبدون شعور بالدونية . فنحن قد نضجنا. ومن مميزات الشعب الناضج أنه قادر ، بدون ألم و خجل ، على الإعتراف بماضيه. أنا أتكلم عن الأراضي الواقعة على نهر ريو دي بلاتا وليس المكسيك وبيرو ، فهناك تبدو القضية بشكل مغاير نظرا لتراث الهنود الحمر الضخم. وفي الأرجنتين بُنيت المدينة و الثقافة على اللاشيء ، على السهل ( بامبا pampa ) الذي تقطعه القبائل المتوحشة. فكل شيء جاءنا من اوربا : من اللغة والدين ( وهما العاملان القويان في نشوء الثقافة ) ولغاية أكثرية سكان أرضنا. ونحن لو كنا حازمين وإستمعنا الى الذين ينكرون المرة تلو الأخرى علينا ( الأوربية ) لكنا قد كتبنا بلغة البامبا وعلى قشور بيض النعام. ولكان كل شيء آخر غير محلي ، كوسموبوليتيا ، معاديا للقومية. وليس من الصعب ملاحظة حجم هذه الهراء. فثقافتنا تنحدر من أوربا ، ولاحيلة في الأمر إذ ليس هناك مسائل للبت فيها. وكل جديد نخلقه ينبع من هذا الميراث الذي لو لم يكن لما كنا قادرين على خلق أيّ شيء. ولا أتذكر من قال لأندريه جيد إنه لايقرأ البتة كي لا يضر بأصالته. وإذا كان على الإنسان أن يقول شيئا جديدا فهو لايفقد هذه القدرة بعد قراءته لكتب الآخرين. عدا ذلك فهو أمر جديد أننا نعيش على قارة أخرى كبيرة ، وكل شيء هنا يملك ، قليلا ، معنى آخر رغم أن الأسس قد أخذناها من هناك. الثقافة الجديدة ، حتى اللغة جديدة ، ولدت حيث وقف ( الغزاة ) الإسبان على الأرض الأميركية : أنهارها الرائعة ، القمم التي تطال السماء ، السهول التي لاتعرف الحدود ، الثقافات المحلية ، الشموس و الأقمار ، الجمال و الفظاعة ، الأمطار والوحول ، ولدت كلها هذه الثقافة الجديدة سوية مع الناس الذي ظهروا هنا لإمتلاكها. ولربما تريدون أنتم أصالة مطلقة ؟ لاوجود لشيء من هذا القبيل ! لا في الفن و لا في أيّ شيء آخر، فكل شيء ينهض على ما كان ويصعب البحث في كل ماهو بشري عن النقاء التام . وكان آلهة اليونان ( هجناء ) أيضا ، كانوا ( ملوثين ) بالثقافات الشرقية والمصرية. كذلك ففولكنر خرج من معطف جويس ، وهكسلي من بلزاك ودوستويفسكي ، وبعض الصفحات من ( الغضب و العنف ) كما لو أنها تكرار ل( يوليسيس ). وفي طاحونة على فلوس The Mill on the Floss ) لجورج إليوت تقيس إمرأة قبعتها أمام المرآة. وهذا مشهد من بروست أو بالأحرى نواته، و البقية كلها مجرد تطوير فذ ، سرطاني تقريبا ، لكنه تطوير. والحال ذاتها مع ( بارتلبي Bartleby ) لملفيل والذي سبق كافكا. وفي الأرجنتين تكون الظاهرة أشد : ثارمينتو Sarmiento ( ملوّث ) بجيمس فينيمور كوبر J.F.Cooper وشكسبير وشاتوبريان ولامارتين لكنه إستطاع أن يطوّع كل هذه المادة الغريبة كي يخلق عملا أمريكيا عظيما. وصار شيئا على الموضة الإستشهاد بآراليت Arlet الذي تلقى تربيته في أدب ديما Dumas وسو Sue وغوركي ورواية الصعاليك الإسبانية novela picaresca ودوستويفسكي وبول دي كوك P. De Kock .
وما الذي يمكن قوله عن اللغة ، هذا الموروث الرائع الذي ليس بمقدورنا نبذه بل محظور علينا هذا الشيء. فهي شأن كل تركة ثقافية إزدادت غنى على يد الورثة الأفذاذ. وتملك مغزاها حقيقة أن اللغة الإسبانية المعاصرة قد تطورت في القرن التاسع عشر بفضل أدباء أمريكا اللاتينية من أمثال سارمينتو ومارتي Marti وكذلك روبن داريو R.Dario الذي كان سيّدها في مطلع القرن العشرين.
ينبغي تذكير كلّ من ينبذ العنصرالأوربي بأن كل ثقافة هي هجين ، وهي فكرة بالغة السذاجة أن يكون هناك وجود إفلاطوني لشيء أميركي. ومن هو قادرعلى الإفتراض بأن من تلقي القبائل البربرية التي قطنت غابات ومستنقعات شمال أوربا ، للثقافة الرومانية المتفننة ولد الأسلوب الغوطي ؟ و إذا خص الأمر أميركا لنأخذ مثالا على ذلك الموسيقى الأفروأميركية. فقد خلق الزنوج الذين إحتكوا بالثقافة الأنجلو – ساكسونية ، في المحصلة ، العمل الأكثر أصالة في الثقافة الأميركية ، ولربما عملوا بالصورة الأكمل على تطور الموسيقى الجديدة. فكل شيء ينهض من إمتزاج روح الديانات الفريقية بفرق الكورال اللوثرية و أحزان العبودية والإيقاعات الزنجية والأغاني الأسكتلندية والأرلندية. وهذا التأثير شمل القارة كلها. فالموسيقى الشعبية في كل مكان من الشمال الى الأطراف الجنوبية تحوي العناصر الزنجية. وعلينا تذكير القائلين إن قارتنا لم تعط العالم شيئا أصيلا ، بجميع الرقصات الشائعة منذ بداية القرن العشرين والتي غزت العالم، فهي تنحدر من أميركا : الجاز بجميع أشكاله ، الموسيقى الأفروكوبية ، الرقصات البرازيلية ، التانغو الأرجنتيني. وإذا أدركنا أن الرقص الشعبي هو التعبير الأوليّ لكل ثقافة ، ولحيويتها ، فليس هناك من شك في الإسهام الأميركي. كذلك ينبغي الإشارة الى أن الجاز الأميركي والتانغو الأرجنتيني هما على السواء أشكال ثقافية ذات معنى كبير وأصالة بالغة. والتانغوهوالرقصة الشعبية الوحيدة التي تملك طبييعة مرتدة الى الداخل introvertive وعلى خلاف بقية الرقصات ذات الطبيعة المفتوحة. التانغو رقصة حزينة ، درامية ، تعبّر بشكل صائب عن الصفة الأساسية لشخصية الأرجنتيني : المرارة ، النوستاجيا ، النزوع الى التأمل ، خيبة الأمل ، الأسى.
الرواية البسيكولوجية والرواية الإجتماعية
يهاجم أنصار الأدب ( الإجتماعي ) الآخر ( البسيكولوجي ) كشيء مضرّ ومعاد للثورة . و أظن أن مجرى تفكيرهم هو كالتالي لا أكثر ولا أقل : المسائل البسيكولوجية تخص ، بكامل إمتدادها ، الفرد ، والفرد المنسلخ هو أناني لايكترث للعالم المحيط به والذي ( يعاني )، او أنه معاد للثورة يحاول البرهنة على أن الأمر كله هو في الروح و ليس في النظام الإجتماعي ..إلخ.
قبل كل شيء ليس هناك من فرد منسلخ . فكل واحد يحيا في المجتمع و يكافح ويصارع أو يختفي. وليس موقفنا الإجتماعي لوحده ، والمليء باليقظة ، هو نتيجة لتلك الصلة المستمرة مع العالم المحيط بل كذلك الأحلام والكوابيس التي تولدها هذه الصلة. و إذا لم تأت التجارب ، وحتى تجارب أكبر أناني أو مُنكر للذات ، من حضوره في هذا العالم الذي قدر له أن يعيش فيه فمن أين تأتي وأين تولد؟ من موقع الرؤية هذا تعطينا الرواية وحتى الأكثر ذاتية ، وسواء أكانت بأسلوب أقل أوأكثر تعقيدا ومباشرة ، تلك الشهادة عن العالم الذي يعيش فيه بطلها.
أما ما يسميه أولئك النقاد بالرواية الإجتماعية فهو مجرد تصنع روائي ، خارجي ، سطحي. ونحن لانعرف أيّ كتاب ( إجتماعيين ) عاشوا في حقبة تولستوي ، وحتى لو كان أمثال هؤلاء لما تميزوا بالقدر الذي يسمح لنا بالسماع عنهم ، في حين أن عظماء الكتاب الروس الذين لم يضعوا هدفا لهم وصف الظواهر الإجتماعية كانوا قد عرّوا بشكل صارم روح الإنسان الروسي من تلك الحقبة ، كما أبقوا لنا صورة باهرة لذلك المجتمع . فأبطالهم لم يحيوا في الهواء ، إنهم جنرالات وبغايا و موظفون وطلاب. وأكيد أنه لا ينتج عن هذا أن في كل رواية يقدّم الكاتب شهادة للواقع كله. فإذا سقطت صخرة كبيرة في البحيرة تتصاعد موجة عاتية ، وإذا سقط حجر صغير يسمع صوته بالكاد.
الكاتب والأسفار
سواء أكان الأمر طيبا أم سيئا فالكاتب الحقيقي يتكلم عن الواقع الذي يعرفه منذ أن كان في المهد، إذن عن الوطن وحتى إذا بدا لنا بأنه يهرب في أحداث بعيدة زمانا ومكانا. وقد يكون بودلير هو القائل بأن طفولتنا هي الوطن. ويخيّل لي أنه من الصعب كتابة شيء أكثر عمقا وبدون أن يرتبط بأسلوب مفتوح أوغير مباشر بالطفولة. لذلك فحتى المنفيين الكبار ، إبسن أو جويس ، نسجوا على هذا المنوال الغامض. وفي الأسفار ثمة شيء سطحي على الدوام. وعلى كاتب أزماننا أن يعمّق الواقع . وإذا كانت له أسفاره فهي ، وهنا تكمن المفارقة ، لأغراض التعرف الأعمق على الأماكن والناس من محيطه.
مشكلة الكاتب الرئيسية
تكون الرواية ، بالنسبة لي ، شأن التأريخ و بطله : الإنسان ، صنفا غير نقي في جميع الأحوال. فهي لا تخضع للقوالب ولاترضخ للتقييد. وفيما يتعلق بأمور المشََغل ، أنا أعتبر أ مرا مبررا كل ما يخدم الأغراض المنشودة ، الأدبية . لذلك يكون التجديد من أجل التجديد فقط ، أمرا غير أساسي.
وهكذا فحين يوّجه إنسان القرن العشرين بصره صوب عالم اللاوعي والذي يجهله لغايتها ، يكون أمرا محتوما ومشروعا إستخدام المونولوج الداخلي . وتفترض رواية اليوم الوصول الى الحقيقة عن الإنسان ولذلك يرغم الكاتب على إستخدام جميع الوسائط المتاحة وبدون الإكتراث لقضايا مثل تماسكها وتجانسها. فهو تارة يستفيد من المجهر وأخرى من الطائرة. وهو أمر مضحك فحص الجرثومة بالعين المجردة ، و البلاد بالمجهر. وهذا هو أحد أخطاء من يسمّون بالموضوعيين ، وبصورة أعم ، جميع الذين يريدون القيام برحلة الى نهاية الحالة الإنسانية بواسطة ماكنة واحدة، أي حين يضحون بالحقيقة والأعماق من أجل وسيطة واحدة لاغير في حين أن المفروض هو أن يحصل العكس ، إذ لاشيء في الرواية يمكن أن يحدث على حساب الحقيقة. إذن هناك تدهوريون decadents حين توضَع ال( كيف ؟ ) قبل ال ( ماذا ؟ ). وتبدو المسألة كما لو أن هناك فردا عليه الدوران حول الأرض في ثمانين يوما ، أراد القيام بذلك ، وبدافع الهوس الصرف ، على ظهر فيل أو دراجة هوائية ، رغم أن الدراجة لاتصلح لعبور النهر ولا الفيل لقطع طرق المواصلات السريعة. فالهدف هنا هو الدوران حول الأرض في ثمانين يوما و ليس جعل الفيلة مشهورة أو زيادة عدد زبائن تجارة الدراجات.
إن كل كاتب كبير لايكترث البتة لإدعاءات هؤلاء ( النقائيين ) ومطاليبهم. ولنتذكر فولكنر. يقولون عنه بأنه لايتقيد ، ولحد كبير ، بمتطلبات الموضوعية ، ويجري الإستشهاد هنا ، في كتابات الأكاديميين الجدد ، ب ( عثراته ) ، كذلك يقارنون إبداعه بتأليف أحدهم المسمى هاميت Hammet . و ليكن الأمر بهذه الصورة ! إلا أن تفصيلا صغيرا صار مُهمَلا ، وهو أن كتابة هاميت هذا كلها لاتساوي قصة واحدة لفولكنر. عدا ذلك فهم لا يفهمون بأن هذه ( العثرات ) هي بالذات معيار عظمته وحيويته. ولاحاجة هنا لذكر جويس الذي يكون عمله عرض لتقنيات الكتابة وأساليبها بدءا بالباروك الأكثر تطرفا ، عبر القالبيةschematism الكلاسية بأشكالها الأكثر خشونة ، أو من الإنطباع الصرف الى الفكرة الصرفة ، ومن الوثيقة المفصَّلة الى الفنتازيات الأكثر جنونا.
الفنان وصفته الأكثر قيمة
التعصب. لابد أن يلاحقه هوس لحوح ، ولاشيء يمكن أن يعلو على عمله. فكل شيء مكرس لهذا الأمر. بدون التعصب لايمكن تحقيق أيّ شيء جوهري .
الرواية الكلية Total Roman
ليس بمقدور الفلسفة أن تجعل الإنسان الذي مزقته حضارتنا متكاملا ثانية. لكن هذه المهمة ألقيت على أكبر الروايات. كذلك فهي مسألة تتعلق بإستخلاص الإستنتاجات من أمر كان ،على الدوام ، رسالتها الطبيعية : منذ البدء ظهر الميل الى فهم الأمور ككل ، ولنذكر هنا مثالا واحدا هو ( دون كيخوت ) أو ( غارغانتوا وبانتا غريل ). وقد أراد والتر سكوت ( وكان بلزاك قد وجده كاتبا نموذجيا ) أن يجعل من هذا الصنف الأدبي حاصلا للتأريخ والتعرف ، للحوار والشعر، للحقيقة والأسطورة . وبعد متاعب ومصاعب كثيرة كأن تكون الدراسة الأدبية قد نشأت و ليس متعاقبة فقط بل بعضها ضد آخر ، فذلك الشيء لم يكن مجرد عملية بل تعايشا أيضا ، وبعد محاولات هدفت الأخذ بالسرد narration الصرف والتحليل الدقيق للمشاعر ، و في الأخير زوال الحدود بين الرواية والمقالة essay يمكننا اليوم أن نقول بأن المهمة النهائية للرواية هي طرح الرؤيا الكلية للعالم وأداء الرسالة التي قامت بها في الماضي ، الأسطورة والملحمة ، الحكاية الخرافية والشعر ، الإعتراف والسكتشات sketchs . ومن المؤكد أن هذا الشيء حصل في أزماننا حين تحررت الرواية من الأحكام العلمية المسبقة التي أثقلت كاهل كتاب القرن التاسع عشر ، وأعطت شهادة لا يقيّدها أيّ شيء عن حالة العالم الخارجي وبُناه العقلانية ، إلا أنها عبّرت في ذات الوقت عن العالم الداخلي وأكثر مناطق الوجود ظلمة ، وجرّت الى محيطها كل ما كان محجوزا للسحر والميثولوجيا. بهذه الصورة غيّرت الرواية طابعها : من وثيقة إعتيادية الى شيء قد نسميه قصيدة ميتافيزيقية.
وكما يبدو أخذت تحصل العودة ، هنا وبمعنى ما ، الى أفكار الرومانسيين الألمان الذين وجدوا في الفن أعلى تركيب synthesis للروح. إلا أن الفن يُرسى اليوم على مفهوم أكثر تعقيدا ، ولولا الوقع الطنان لأسميته ب( الرومانسية الجديدة الفينومينولوجية). و أظن أن هذا المذهب قد يحسم المسألة التي تصادمت حولها النظريات لغاية الآن : كيف على الرواية أن تكون : بسيكولوجية أم إجتماعية أم ذاتية ، وهل عليها أن تكون رواية الوقائع أم الأفكار ؟ ومثل هذا المفهوم المتكامل والكلي يتجاوب مع الحاجة الى إستخدام جميع التقنيات .
الرواية و الأزمان الحديثة
ينشأ الكثير من النقاشات العقيمة حول أزمة الرواية بسبب تناول القضية في سياق أدبي لاغير. ولا أرى بالإمكان الوصول الى وضوح الرؤية أو إستنتاج حقيقي ما أو ملحوظ ، إذا نظرنا الى ظاهرة الرواية كنتاج ثانوي لدراما هي أزاء الأدب خارجية بل أكبر بكثير – دراما الحضارة التي أنجبت هذا المخلوق الغريب للروح الغربية والذي صاره الإختراع fiction الروائي. إن ولادة هذه الحضارة وتطورها وأزمتها هي ولادة الرواية وأزمتها أيضا. وإذا جرى فحص مشكلة الإختراع من زاوية الخلافات الأدبية أو إنفتاحه الألسني أو الأسلوبي أو محدودياته تكون نتيجة الفحوص هي البلبلة و العادية . فأيّ عمل ذهني وأيّ نتاج من نتاجاته لايكون مفهوما ومقدَّرا إذا كان معزولا : لا الفن ولا العلم ولا المؤسسات الشرعية ولا ذاك الجهد الكتابي الذي يرتبط عميقا بكامل المصير الغامض للإنسان ، يكون إنعكاسا وشهادة لأفكاره وقلقه وآماله وتعبيرا ثرّا عن روح العصر. وهذا لايعني على الإطلاق أننا نكرر الخطأ القديم للجبرية البراغماتية التي عاملت العمل الفني نتاجا لمختلف العوامل الخارجية مما لقي الإنتقاد الصحيح من جانب البنيويين ، لكنه يعني أن العمل الفني هو بنية معيّنة وفي ذات الوقت جُزيئة من بنية أوسع تكون مهمتها شبيهة بالبنية الميلودية للسوناتا والتي لاتعني شيئا إذا كانت لوحدها ، لكنها تكسب الأهمية حين ترتبط بالعمل الفني الكامل.
إيقاظ الإنسان
قال دون Donne إن لا أحد ينام في العربة حين تقله من الزنزانة الى المقصلة ، لكننا ننام جميعا من الولادة حتى القبر أو أننا لم نستيقظ حقا.
و إحدى مهام الأدب العظيم إيقاظ الإنسان السائر صوب المقصلة.
الفن كتعّرف
منذ سقراط تمّ التوصل الى التعرف عن طريق العقل الخالص حسب. وعلى الأقل كان هذا النموذج المثالي لجميع العقلانيين ولغاية الرومانسيين حين رُدَّ الإعتبار للحس والإنفعال كمصدر للتعرف مما إستمرلغاية اللحظة التي إعتبر فيها كيركيغارد ( الإستنتاجات النابعة من الميول العاطفية هي الأمر الوحيد الجدير بالإيمان ).
أكيد أن كلتى الحالتين المتطرفتين محض مبالغة ، وهراؤهما سببه أن معايير الأشياء تطبَّق على الناس وبالعكس. وهو أمر أكيد أن الغضب أو الحنق لايغني بشيء عن نظرية فيثاغورس.
لكن هناك أمرا أكيدا آخر وهو أن العقل لايبصر قيما معينة. ونحن لا نقيّم المنظر الطبيعي والنحت أو الإحساس من خلال العقل أو التحليل المنطقي أو الرياضي. والخلاف مع المدافعين عن التعرف الإنفعالي هو ببساطة خلاف حول العالم الفيزيقي والإنسان.
لقد هدفت العقلانية ( علينا أن لاننسى أن معنى " أن تجرّد "هو : أن تفصل ) الى فصل ( جزء ) من الروح أي العقل والإنفعال والإرادة ، وبعد ذلك طالبت هي بتحقيق التعرف عن طريق العقل الخالص. و لأن العقل ظاهرة عامة universal لدى الجميع وفي كل عصر ( فالمربع يكون قائم الزوايا أي أنه شيء مرادف للحقيقة ) لذلك فكل ماهو فردي يكون زائفا . . بهذه الصورة أزيلت الثقة بما هو ذاتي و قلل من قيمة كل ما هو إنفعالي ، والإنسان الذي هو من لحم ودم أعدم بالمقصلة ( لمرات كثيرة في الساحة العامة و بصورة ناجعة ) بإسم الموضوعية والشمولية و الحقيقة ، وما كان أكثر تراجيديا – كوميديا أن الأمر قد تمّ بإسم الإنسانية أيضا.
والآن نحن نعرف أن أنصار الأفكار البيّنة والحازمة قد أخطأوا ، ولأن معاييرهم التي هي ملزمة في عالم المعادن غير معقولة ، أيضا ، لفهم الإنسان وقيمته تماما كفكرة التعرف على باريس من خلال قراءة دليل هواتفها وخطتها. وبات معلوما اليوم أن أقيم مناطق الواقع ( أي أكثرها أهمية بالنسبة للإنسان ومصائره ) لايمكن غلقها داخل قوالب تجريدية للمنطق والعلم. وبمساعدة القدرة العقلية وحدها لايمكننا التأكد وحتى من وجود العالم الخارجي كما بيّن الأسقف بيركلي Berkeley .
إذن أيّ شيء نتوقعه من العقل فيما يخص الإنسان وميوله ؟
وحتى إذا رفضنا، بشكل مطلق، الواقع والحب أو الجنون علينا الإعتراف ، في النهاية ، بأن آليات التعرف على مناطق واسعة من الواقع هي محجوزة للفن وحده.
بلزاك والعلم
في مقدمة ( الكوميديا الإنسانية ) يكتب بلزاك طارحا بشكل جزئي مذهبه الأدبي : " الحيوان هو تكوين يكتسب شكله الخارجي أو بعبارة أدق، فوارق شكله وفق المحيط الذي يقرر نموه. وتنشأ الأصناف في عالم الحيوان من هذه الفوارق. . لقد لاحظتُ أن المجتمع شبيه بالطبيعة من هذه الناحية ، ألا يخلق المجتمع الإنسان بالإعتماد على الوسط الذي تتطور فيه حياته ، أليس هناك أناس مختلفون كما الحال مع الأصناف في عالم الحيوان؟ إن الفوارق بين الجندي والعامل والموظف والمحامي والمتسكع والعالِم ورجل الدولة والبائع والبحّار والشاعر والمعدم والقس هي ، رغم أنه يصعب مسكها ، شبيهة بالأخرى القائمة بين الذئب والأسد والحمار والغراب و قرش البحر والفقمة والحمل ".
وهذا المقطع من المقدمة يكشف عن شيئين : الأول هو القوة الهجومية لطبيعة العصر العلمية ، والثاني حقيقة أن عبقرية الخلق لدى الروائي تملك قدرة أكبر من قدرة الأفكار التي يؤمن بها نفسه ، وهذا يدل على أن الروايات المهمة لاتكتب بمعونة الرأس فقط.
فاحص أكثر منه مكتشف
من المحتمل ان هناك موقفين أساسيين يخلقان نوعين رئيسيين من الرواية fiction : هناك من يكتب اليوم للتسلية ، لمسّرته ومسرّة القراء ، لقضاء الوقت ، للترويح عن النفس ، أو العثورعلى بضع لحظات لإلتقاط الأنفاس ، كذلك للتعرف على وضع الإنسان وهو عمل ليس بالتسلوي ولا بالأمر المُسِّر.
وبالفعل هو أمر طبيعي تقريبا ، وإذا لم نقل لايمكن تفاديه ، ذلك الإحساس بأن قراءة الرواية من هذا النوع هو شيء غير مريح. وهذا يحصل ليس فقط لأن تعميق مهاوي القلب البشري هو عمل مجهد ، بل لأن هذا الطراز من الرواية ، سواءا أردنا أم لم نرد ، يثير فينا القلق الذي هو بدوره ليس شيئا مسّرا. ويذكر موريس نادو M. Nadeau أن الرواية التي لاتغيّر المؤلف ولا القرّاء ليست بالضرورية. وهذه حقيقة. فبعد قراءة ( المحاكمة ) لسنا ذات الأفراد السابقين ( وهو أمر حصل لكافكا بعد كتابة هذه الرواية أيضا ).
إذا كان النوع الأول من الرواية المكتوبة لأغراض المتعة أو التسلية حسب ، فنحن نسميها ب ( التسلوية )، والنوع الثاني قد نسميه بالرواية ( المشكلاتية ) ، وبرأيي هذا تحديد أفضل من التسمية الأخرى : ( الأدب الملتزِم ).
وهي غريبة على هذا النوع من البلاغة والحبكة السطحية اللتين هما صفات لصيقة بالتأليف التسلوي. وعادية الحبكة يجابهها ، هنا ، الفضول المتوقد للتعرف على القضايا المعقدة للإنسان الذي يصارع ذاته في أزمان هذه الأزمة المريعة ، وهنا يطرد اللغز البوليسي التافه أو الرواية الفنتازية ، السر الأساسي للوجود ، إزدواجية الروح ، الحزن الذي يعذب جميع الكائنات الحيّة.
من ناحية أخرى يبدو الأمر كما لو أن هؤلاء الروائيين قد إستخدموا ، عند فحص أشياء عادية ومعروفة ، عدسات مكبّرة وأجهزة أشعة تنفذ الى أكثر طبقات الإنسان سرّية حيث يصير القحص بحثا في العمق وليس أحد العروض. وقصص سومرست موم الكثيرة ( وهي لاتعدّ نظريا ) عن الممرضات والجواسيس ومهرّبي المخدرات والمغامرين في ستغافوره أو هونغ كونغ أو في حلبة أخرى مشوّقة وغريبة ( مما يكون اليوم مناسبا أكثر للفلم التسلوي المسلسل التلفزيوني أو القصص المصورة comics ) يجابهها كاتب أزمان الأزمة بكتب قلائل تحيا شخصياتها بشكل عادي في محيط القاريء، وأحيانا في الشارع نفسه ، إلا أنها تخلق عوالما سرّية. وفي أسرارها يعثر القاري – الجار على نواة كوابيسه وأهوائه المقموعة والمخفية . ومثل هذا الكاتب هو بالأحرى فاحص أو مكتشِف أكثرمنه مخترِع. أكيد أكيد أنه من السهل في هذه الظروف البحث عن ( الموضوعية ) في الروايات التسلوية و ليس في الأخرى المشكلاتية ، إذ يمكن توقع الحياد واللاإكتراث التامين أزاء البرنامج التلفزيوني في حين أنه من الصعب الحفاظ على الموضوعية في حالة الكاتب الذي يعبّر، و كله ألم ، عن دراما الإنسان المعاصر. ويكون المشهد الطبيعي الخارجي وجاذبية العادات واللغة أو الملبس أمرا جوهريا لتلك الرواية ، فهنا تفقد أهميتها ، إذ أنها ليست هدفا بحد ذاته ، فالعالم الخارجي قائم لسبب واحد لاغير : مرافقة الدراما الشخصية كإسقاط للعالم الذاتي. فالثلج هو حاضر إذا كانت له صلة بالدراما ، أما السلالم فهي للتعبير عن تردد البطل وحالة التوقع لديه ، أو حين يوجد في الطابق العلوي شخص ما يعثر على مصيره.
نقاء الفن
يقول بعضهم إن في الشعر النقي لاينبغي أن تكون هناك إحالات فلسفية أو سياسية ، وآخر يتخلى عن القص ذي المغزى ، وفي الأخير هناك من ينبذ الإيقاع والقيمة الموسيقيية. ولو حصل الخضوع لهذه النواهي عند كتابة الشعر لما بقي شيء ، أي اللاشيء ، وهو الشكل الأنقى للنقاء.
وعامة كلما يجري الحديث في الفن عن النقاء ، نكون على ثقة بأن فترة العقم قد جاءت. وطالما أن مثل هذا الهوس هو أمر خطر او ببساطة هو مضحك بالنسبة للتصوير أو الشعر ، فماذا علينا قوله في حالة الرواية التي هي عمل غير نقي شأن التأريخ الذي هو صنوها المخبول والكدِر؟
الليل والنهار
الإنسان ربّ حين يحلم ، وشحاذ حين يفكر . هيلدرين Holdrin
الأعمال التالية
تكون الإعمال التالية للروائي مثل المدن المشيَّدة على أنقاض السابقة، رغم أنها جديدة فهي تجسّد الخلود و تلقى توكيدها في وجود حكايات ناس وأحوال أفولٍ وأهواء ونظرات ووجوه عائدة بإستمرار.
الخطط والأعمال
كان في نية دوستويفسكي كتابة مقال تعليمي يحارب الإدمان على الكحول في روسيا ، تحت إسم : السكيرون ، لكن بدل ذلك جاءت ( الجريمة والعقاب).
أما أبطاله فبقدرتنا الإفتراض أن الشخصيات الرئيسية لاتعبّر عنه بالصورة الأكثر عمقا ، و أن المثقف راسكولنكوف هو الناطق بإسم المؤلف المتمزق مثله ، كذلك فهو إنسان الأفكار إلا أنه في اللحظة الأخيرة خلق ، وكما يبدو ، سفيدريغابلوف الذي يجسّد ، بلاشك ، الجزء الأكثر قتامة للمؤلف والذي يكون القاتل راسكولنكوف ، عند المقارنة به ، إنسانا وديعا كالحمل.
أزمة الفن أم فن الأزمة ؟
في هذه الفترة الحرجة من التأريخ نلقى ظاهرة غريبة : إتهام الفن بأنه يمر بأزمة و ينساق الى نزعة ( اللاإنسنة dehumanization ) ويحرق وراءه كل الجسور التي تربطه بعالم البشر . لكن العكس هو الصحيح تماما. فما يسّمونه بأزمة الفن هو ، في الواقع ، فن الأزمة ، والخطأ يكمن في تحريك براهين زائفة. فبالنسبة لأورتيغا ي خاسيت Ortega Y Gasset تكون الهوّة القائمة بين الفنان والجمهور هي الدليل على لا أنسنة الفن. و يلاحظ هو إحتمال نشوء الحالة العكسية ، أي أن الجمهور خضع للاإنسنة و ليس الفنان. و أكيد أن البشرية شيء و شيء آخر هو الجمهور كجمع mass ومجموع كائنات كفت عن أن تكون بشرا بل مواد نمطية خلقها التعليم القياسي standard ومحشورة في المكاتب والمصانع ، وتثيرها كل يوم الأخبار المعلنة بالإجماع و التي تبثها في العالم المراكز الألكترونية ، كائنات شوّهتها وشيّأتها مصانع القصص والروايات الإذاعية ، وأعمدة الصحف ونجوم الفن السوقي. أما الفنان فهو وحيد بحكم الواقع ومن خلال عجزه عن التكيّف ونزعته التمردية وجنونه ، قد حافظ ، ويالها من مفارقة ! على الخصلة الإنسانية الأكثر قيمة. وهو ليس بالشيء المضّر إذا بالغ أحيانا وقطع أذنه. حتى أنه يكون حينها أكثر قربا من الإنسان الحيّ وليس من الآخر الشبيه بالموظف اليقظ وراء مكتبه الوزاري . وهي حقيقة أن الفنان المحاصر واليائس يهرب في النهاية الى أفريقيا ، الى الإدمان وفردوس المخدرات – الى الموت. لكن هل هذا يعني أنه خضع لعملية اللاأنسنة ؟
( إذا كانت حياتنا مريضة - كتب غوغان الى سترندبرغ – فلابد أن يكون الفن مريضا أيضا. ونحن نعيد له الصحة حين نبداأمن جديد ، شأن الأطفال والناس المتوحشين .. إن حضارتكم هي مرضكم ).
وليس الفن يعاني من الأزمة بل المفهوم البالي المديني ل( الواقع ) ، وذلك الإيمان الساذج بالواقع الخارجي. لذلك يكون أمرا غير معقول تقدير تصوير فان غوغ من موقع الرؤية هذا حسب. و إذا لم يتغير هذا الموقع ، وهو أمر يحدث على الغالب ، من الصعب أن لا يقتنع المرء بأن لوحات هذا الفنان تظهِر له هيئة اللاواقع ، أما الشخوص و الأشياء فهي من عالم وهمي ونتاج إنسان معتوه داخل الوحدة و العذاب.
و يعكس فن كل عصر ، بأمانة ، رؤية العالم وتصوّر هذا العصر أو ذاك للواقع الحقيقي ، وهذان ( التصوّر والرؤية ) مشيّدان بشكل يناسب الميتافيزيقيا والنفسية العامة للعصر. مثلا لايمكن أن يكون العالم لدى قدماء المصريين الذين شغلتهم الحياة الأبدية ، واقعا حقيقيا ، ومن هنا تلك الكهنوتية المتسامية hieratism للتماثيل الكبيرة ، والهندسية التي هي علامة الأبدية ، والإنعدام التام للعناصر الطبيعية والأرضية. فالهندسية خاضعة لمفهوم عميق لم يأت ، كما يظن بعضهم ، نتيجة للخراقة الشكلية ، فالمصريون كان عليهم أن يكونوا طبيعيين متمسكين بالدقة حين نحتوا ولوّ نوا العبيد المحتقَرِين. ولننتقل الآن الى حضارة أكثر دنيوية ، مثلا حضارة أثينا عصر بيركليس: في الفن سادت آنذاك الطبيعية حتى أنه جرى تقديم الآلهة بهيئات ( واقعية ) ، فهذا الطراز من الثقافة غير الدينية يُُعنى أولا بالحياة الدنيا ، بهذا الواقع ( الحقيقي ) الذي تمثله الحياة الأرضية المنتهية ، وللأسباب نفسها يعود مع المسيحية الفن الكهنوتي الذي يكون أمرا غريبا عليه زماننا ومكاننا. ولقد أعاد إنفجار الحضارة المدينية بطبقتها العملية والمؤمنة بهذا العالم فقط وخيراته المادية ، الطبيعية للفن. والآن في حقبة أفولها ( أي الطبيعية ) نحن شهود رد فعل عنيف للفنانين أزاء الحضارة المدينية ومذهبها و فلسفتها الحياتية Weltanschauung . وعلى الغالب يتبين مرة تلو الأخرى أن تلك الرؤية للواقع قد نضب معينها ، وهي لاتعبّر اليوم عن أحوال القلق الأكثرعمقا لدى الإنسان.
ولقد كانت الموضوعية والطبيعية في الرواية مظهرا آخر ، وكله مفارقة لتلك الروح المدينية . ويمثل فلوبير وبلزاك ، وخاصة زولا ، ذروة تلك الأستيتيكا والفلسفة في النثر. فنحن نتعرف بفضلهم ليس فقط على أفكار وذنوب العصر ، بل على ورق الجدران الذي كان شائعا حينها. وزولا الذي بلغ العبث بهذا الأسلوب من الكتابة كان يضع سكتشات حتى لأبطاله مسجلا كل شيء بدءا بألوان عيونهم وإنتهاءا بألبستهم حسب فصول السنة. وغوركي ضيّع ، جزئيا ، موهبته النثرية الكبيرة حين مجّد الأستيتيكا البوجوازية ( وكان على إعتقاد بأنها بروليتارية ) ذاكرا أن من أجل وصف شخص حانوتي واحد ينبغي معرفة مائة منهم كي يمكن إستخلاص الصفات المشتركة. وهكذا فالوسيلة العلمية التي تسمح بالتعميم وتجاوز ما هو فردي هي طريق الكائن وليس الكينونة. و إذا كان الكاتب لايقدّم بيادقا بل الناس الأحياء فهو مدين لنفسه وليس لأستيتيكاه ، فما ينقذه هو غريزته ككاتب و ليس الفلسفة غيرالحكيمة.
وقبل مفهوم غوركي بعقود كثيرة كان دوستويفسكي قد دمّره ومهّد الطريق لكامل أدب اليوم بمؤلفه ( ملاحظات من تحت الأرض ). وهو لم يتمرد فقط على واقع المديني العادي والموضوعي بل إكتشف ، حين غرق في هاوية أناه المظلمة ، أن العالم الروحي للإنسان لاعلاقة له بالعقل والمنطق والعلم ولا بعجائب التكنيك.
إن هذا التحول صوب الأنا العميقة صار أمرا عاما في كامل الأدب العظيم لقرننا سواء في ( جدارية ) مارسيل بروست الشاسعة أم في العمل الموضوعي ، ظاهريا فقط ، لكافكا.
رغم ذلك يذكر فلاديمير فييدله V. Viedle في مقالة مشهورة أننا شهود أفول الرواية ، ففنان اليوم ( غير قادر تماما على الرضوخ لمخيلة الخلق ) ، إنه مشغول بصورة مهووسة ، بأناه التي يجابه بها كتاب القرن التاسع عشر الكبار ، ونجده يقول : بالمقارنة مع الكتاب أمثال بلزاك والذين خلقوا العالم ، وأظهروا من الخارج الكائنات التي تحيا فيه ، كذلك الآخرين من أمثال تولستوي الذين خلقوا الإنطباع بأنهم الرب ذاته ، نرى أن كتاب القرن العشرين لايعرفون كيف يتجاوزون أناهم ، فهم مسحورون بأحوال قلقهم وتعاستهم ، ويتحاورون الى ما نهاية في عالم الأشباح ).
ماركس و الأدب المديني
كان هناك ثوري معروف إسمه كارل ماركس، وليس بمقدور أحد أن يتهمه بميول ذات صبغة بوروجوازية صغيرة ، حفظ عن ظهر قلب شكسبير وأعجب ببايرون وشيللي و إمتدح هاينه و إعتبر الرجعي بلزاك عبقريا يستحق الإعجاب. وكان يأسف ، ومعه انغلز ، على أن عبقريا من طراز غيته أهان نفسه وطمع بمنصب وزير في إحدى الإمارات. ولم تكن غريبة عليهما التناقضات الإنسانية والفلسفية ، كما عرفا جيدا الى أيّ درجة كان غيته فنانا للطبقات الرجعية إلا أنهما أحباه وإعتبراه أحد الذين أغنوا الثقافة العالمية.
وهذا درس رائع لبعض ثوريينا الهواة.
وبإعتقادي فإن المعيار الأكثر دقة لنضوج المجتمع وتحولاته العميقة هو هل أن ثورييه يعرفون كيف يفهموا ويقبلوا التركة الروحية لفئات المجتمع الغاربة. وإذا لم يعرفوا فهذا يعني أن الثورة لم تنضج بعد.
قوة الأدب ومحدودياته
تكفي بضع نوتات كي يخلق ديبيسي Debussy مزاجا رقيقا لايقدر كل مؤلف على تحقيقه ومهما كان عدد الصفحات الموسيقية المدوَّنة. وكل كاتب يعرف ويعي محدوديات فنه وماذا يعني الإحباط و الكدر. وقد يكون هذا المعنى هو السبب في أن يبحث الكتاب ، عبر العصور ، عن سبل الإقتراب من الموسيقى أو التصوير أو كما يفعل الجميع اليوم حين يقلدون ، بكل رغبة ، السينما ، وإذا وجدوا أن حقلا آخر من الفن يتمتع بالتقدير الإعتراف.
ومثل هذا الجهد يكون مضحكا لولا طابعه الإنتحاري. فمحاولة كتابة رواية مقلدة للفلم تبدو كما لو أن غواصة معجبة بالطائرة أرادت القفز الى الماء بمساعدة مروحتها وزوج من الأجنحة. لكننا نبتسم ساخرين عند رؤية هذه الأعمال الخرقاء ، فبدل الغوص في أعماق المحيط والصيرورة ملكة هناك تحاول الغواصة ، عبثا ، تقليد مكائن أخرى شيّدت لأغراض أخرى ، وهي ذات إمكانيات أخرى رغم أنها لاتخلو من المحدوديات أيضا.
إن لكل فرع في الفن أهدافه وحدوده . وهو أمر غريب أن هذه المحدوديات ليست بعلائم ضعف بل قوة. والمحدودية الأساسية للمسرح التي تدفع الى تقديم المسرحيات بين ثلاثة جدران هي السبب في شدته أيضا. ودفع المسرح صوب السينما التي تتمتع اليوم بمثل هذا الإعتراف الكبيرهو أمر ساذج وسيء ، تماما كما قلد الفلم المسرح عندما كان فنا وليدا.
ويريد ، مؤخرا ، الكتاب المسحورون بالتقنية الفلمية أن ينقلوها الى كتبهم. وبعضهم يفكر، وهو في طور الكتابة ، بالمنافع المتأتية من نقل الكتاب المقبل الى السينما، وأمثال هؤلاء الكتاب بالإمكان إهمالهم ، أما الآخرون ( وهم من نعنيهم ) فيعتبرون أن الفلم هو فن وأسلوب أزماننا لذلك ينبغي الأخذ بهذا الأسلوب في السرد. وإذا أخذ المرء بمثل هذا المعيار فسيكون مرغما ، في اللمستقبل ،على التبرؤ من أعمال بروست وفرجينيا وولف أو فولكنر والتي هي أدبية في جوهرها ولايمكن إدراجها ضمن وسائل التعبير الأخرى عدا صفحات الرواية ، الأمر الذي تشهد عليه المحاولات الفاشلة بإستمرار من أجل نقلها الى الشاشة.