
- 1 -
يعتبر تأريخ الطليعة الروسية قبل الثورة البلشفية وبعدها من أكبر تجارب فن القرن العشرين . فالفنان المتمرد إستخلص النتائج من تمرده والواقع المحيط به ، وبهذه الصورة أصبح ثوريا. وكان ألبير كامي قد فرّق بين المتمرد والثوري. فالتمرد محض وعد بتحقيق الحلم ، أما الثورة فتأتي له بفرص التحقيق. كما أن الثورة ذاتها خلقت له الفرصة كي يكون عملاقا. فالخروج من المنطقة التي كان ( الفنان المتمرد ) يتمتع فيها بالحرية المترفة ( وهي هكذا ، فهو لم يكن مرغما على طرح السؤال عن علاقة هذه الحرية بالعدالة سواء أكانت إجتماعية أم غيرها ) ، إذ فتحت أمام الفن آفاقا لاسابق لها ، وإمكانيات إستغلها الخلق الفني كاملة. إلا أن لكل شيء ثمنه. والثمن الذي دفعه الفنانون الروس على تجربتهم ، كان مفجعا. وكان الزيف والكذب ثمن تلك الفاجعة. إذ هل كان بمكنة فنان مثل ألكسندر رودتشينكو A. Rodtchenko أن يعمل صورا فوتوغرافية بدون أن يزيف واقع معسكرات العمل العبودي أو أن ُتحرَّر مانفستات فكرية بلغة الماركسية – اللينينية بدون أن يصبح الفنان بعدها ( مهندسا للنفس ) ؟
لقد كتب الكثير عن تأريخ الطليعة الروسية إلا أن الجديد منذ أكثر من عقد واحد هو أن الضوء قد سلط على الإرشيفات السرّية التي نقلتنا الى عالم ( غرائبي ) يتعارض كليا مع الآخر الذي كانت قد عوّدتنا عليه الدعاية السوفيتية. فعلى سبيل المثال نشرت صحيفة ( ليبراسيون ) الفرنسية في نهاية تموز 1991 وثائق البوليس السياسي المتعلقة بالتحقيقات والإجراءات ضد ثلاثة أدباء : إسحق بابل وميخائيل بولهاكوف ( بولغاكوف ) وبوريس باسترناك . ليس الغرض من هذا الكتاب التوثيق التأريخي بل تحديد سمات النموذج الأخلاقي لفنان الثورة وبالضبط للجماعة المسماة بالفنانين اليساريين الذين كانوا ملتزمين بالثورة البروليتارية في روسيا ، وبصورة أدق : إلتزموا بمهمة بناء البلاشفة لنظام الحكم السوفيتي. بالطبع كان هؤلاء الفنانون يحددون هويتهم بتقاليد ما قبل الثورة . ومعلوم أن وعي الفن الحديث والراديكالي سياسيا قد بلغ نضوجه مع تصاعد النزاعات الإجتماعية في أوربا كلها. ويكفي القول هنا إن الإسم الذي إختارته أوائل التجمعات الطلائعية في روسيا كان ذا رائحة سياسية : ( الأعرج الديناري Bubnovy Valet ). وورقة اللعب هذه كانت شارة في لباس نزلاء السجون القيصرية.. وهذا التجمع إرتبط بالحركة المستقبلية الروسية من أعوام 1909 - 1917 ، والتي كانت قد إهتمت بالتصوير الفرنسي والتكعيبية المبكرة بشكل خاص ، وإنتمى إليها كبار التشكيليين أمثال كازمير ماليفتش والأخوين دافيد وفلاديمير بورلوك وميخائيل واريونوف وبيوتر كونتشاوفسكي وغيرهم .
كان مركز الجذب والتلاحم لليسارهو الثورة بالطبع سواء أكانت ثورة شباط أو ثورة تشرين أول / أكتوبر. وكانت الثورة قد عوملت كثمرة للجهود المكرسة لثيمتي لغة الفن وثقافته أيضا. فالفنانون خامرهم الشعور بأنهم سبقوا الثورة عندما قاموا بتفعيل عدد من شعاراتها. وفيما يخص ثورة البلاشفة كان صعود هؤلاء الفنانين وتحقيقهم الشهرة يرتبطان وليس فقط بعمق إيمانهم بالمستقبل الشيوعي أو الشبه القائم بين الشعارات الماركسية – اللينينية وبين مساعيهم بل في ذلك الوضع التأريخي بعد أشهر من الثورة. ومعلوم أن المؤسسة السياسية لم تهضم الطليعة ولم تتقبلها. وأناتولي وُناتشارسكي الذي عينته اللجنة المركزية للحزب قوميسار الشعب لشؤون التعليم كان يمارس لعبة مزدوجة أزاء أوساط الطليعة. وفي كل الأحوال ففي الوضع الذي أدارت أكثرية الأوساط الفنية والأدبية ظهرها فيه للسلطة وإتخذت موقف الصمت ، كان فنانو الطليعة ، أي الأقلية ، يمارسون الحوار وصمموا على المشاركة في عملية بناء دولة ومجتمع جديدين وتحمّل المسؤولية عن ذلك أيضاً. ويذكر فلاديمير تاتلين : ( أن تقبلَ أم لا تقبلَ ثورة أكتوبر. لم يكن لدي مثل هذا السؤال. لقد إلتحقتُ عضويا بالعمل الخلاق والإجتماعي والتربوي ). وألكسندر رودتشينكو قال الشيء نفسه : ( لقد سجلت إسمي كاملا في الثورة وبكل ما أملك من قوة ). والأمر المميّز أن من إستجاب للدعوة التي وجهها البلاشفة ببضعة أيام بعد الثورة ، الى الإنتلجنسيا في بيوتروغراد من أجل التشاور والنقاش حول الشكل القادم للتعاون بين الحكومة الجديدة والوسط الفني كان خمسة فقط من الفنانين والشعراء : فلاديمير ماياكوفسكي وألكسندر بلوك ( بووك) وفسيفولود ميرهولد وكوجكا بييتروف – فودكين وناتان آلتمان. بالطبع يمكن النظر الى المسألة من زاوية أخرى ليست أيدولوجية بل هي بالأحرى تاكتيكية. فلقد كانت الطليعة ، عامة ، من الناحية العملية الجماعةَ الوحيدة من الفنانين والأدباء التي لم تكن تملك أي شيء لفقدانه لكن كل شيء لنيله ...
كان وُناتشارسكي يدرك جيدا صعوبة الحالة وتعقدها. كما كان يعرف بأنه ستكون ( مأساة ) إذا حصل المستقبليون – التكعيبيون ، أي أكبر التجمعات الفنية آنذاك ، على الفرصة كي يعتبروا أنفسهم خالقين لمدرسة الدولة ، الفنية وممثلين للفن الرسمي وإذا لم يكن الثوري. بإختصار كان هامش المناورة عند هذا القوميسارضيقا. فقد إستمرت مقاطعة الفنانين والكتاب للسلطة الجديدة ، وفي أحسن الأحوال كانوا يتخذون موقف الترقب. إلا أن القوميسار كان على إقتناع تام بأن السلطة هي بحاجة الى الفن الذي هو ، كما كتب ، ( كحقل للأيدولوجيا يكون سلاحا بالغ القوة في الدعاية والتحريك ). وهكذا لايمكن لوُناتشارسكي إتخاذ موقف اللامبالاة أوالتخلي عن الإمكانيات السياسية المتوفرة في الفن. ويكشف في كتاباته عن قلقه العميق من أن تفقد السلطة الجديدة متعاونين ومنفذين لسياستها من الاوساط الفنية والثقافية عامة. وكان قد عثر على عدد من الفنانين الحديثين الذين وفر لهم المناصب في مديرية الفنون الجميلة وغيرها من الأقسام التابعة لقوميسارية التعليم. وعلى سبيل المثال وقف دافيد شتيرنبيرغ على رأس ( الهيئة العليا ) للقوميسارية في بيوترغراد ، وفواديمير تاتلين في موسكو. وكانت مجلة ( فن الكومونة ) التي اشرف على تحريرها آلتمان وبريك وبونين أداة الدعاية لسياسة هذه المؤسسة. وأمثال هؤلاء الفنانين تسنموا مراكزا إدارية مهمة أخرى في دولة ما بعد أكتوبر. ومن أولى قرارات تلك المديرية تأسيس ( مكتب المتاحف وصندوق المشتريات ) الذي كان رودتشينكو مديره. وكانت معه هناك زوجته الفنانة فارفارا ستييبانوفا. ومهمة المكتب كانت شراء الأعمال الفنية. وفي الأعوام 1918 – 1920 تم شراء 1826 عملا ل415 فنانا. كذلك أُنشئت هيئات كثيرة مهمتها تحسين نشاط القوميسارية والسيطرة على كامل الحياة الثقافية في الدولة الجديدة. مثلا أنشئت هيئة وظيفتها تسجيل المنظمات الفنية الجديدة وتنظيم معارض الدولة. وتأسست أيضا ( مديرية الفن الصناعي ) التي أدارتها الفنانة أولغا روزونوفا ، و( مديرية المتاحف وصيانة الآثار الفنية ) والكثير من ( الخلايا التنظيمية ). كذلك تأسس ما يسمى بمتاحف الثقافة الفنية التي صاغ الفنان إيفان بوني ( جان بوني ) فكرتها : أن تكون أداة للتربية الفنية بروح اليسار بالطبع. وقد ُفسّر إغلاق ( أكاديمية بطرسبرغ ) و( مدرسة ستروغونوف للفنون التزيينية ) و( أكاديمية التصوير والنحت والعمارة ) في موسكو ، بإقرار نظام تعليمي جديد وإشتراكي. وهكذا أُسس ( المشغل الفني – التقني العالي ) في بيتروغراد نتيجة دمج مدرسة الفنون التشكيلية ومدرسة الصناعة الفنية ، وشبيهه في موسكو ، كذلك أُنشيء معهد أبحاث الثقافة الفنية الذي أصبح فيمابعد ، ساحة نزاعات بين شتى تيارات الفن الطلائعي. وكان فاسيلي كاندينسكي أول مدير فيه. إلا أنه سرعان ما تركه بعد الهجوم الشديد على برنامجه والذي قاده اليسار االراديكالي وأنصار ما يسمى ( فن الإنتاجية ).
لقد كان الإلتزام التام بالثورة ومحاولات السيطرة على معاهد الدولة في الحقل الثقافي ، وإخضاع الحياة الفنية لنوع من ( دكتاتورية الأقلية ) ، قد إرتبط في أذهان معاصري الثورة والمؤرخين بمرئيات الثورة آنذاك. وكما ذكرنا رفضت أكثرية الفنانين (75%) التعاون مع وُناتشارسكي. وفي الحقيقة كانت أحوال التوتر قد ظهرت قبلها بل يمكن القول إنه منذ البداية ظهرت التناقضات بين فناني اليسار والسلطة السوفيتية. فمن جهة كان السعي الى التحالف ومن أخرى إنعدام الثقة المتبادلة ونشوء موقف التحفظ. وعندما طرح لينين شعار ( الدعاية الكبرى ) أي القرار من 13 نيسان 1918 كان رد فعل فناني اليسار هو التحفظ بالرغم من إلتزامه بالقرار، وفي الحقيقة بفضله. فتشييد أنصاب للأسلاف من تأريخ الثورات ليس من المهام التي تقف أمام الطليعة. وفي الواقع لم يلق مشروع ( الدعاية الكبرى ) أصداء ملموسة في وسط الطليعة الفنية لا في بيوترغراد ولا في موسكو البعيدة عن المركز آنذاك. وقد تكون الثمرة الفورية للحملة هو عمل بارز واحد من بين قليل من الأعمال وهو مشروع نصب الأممية الثالثة الذي صممه فواديمير تاتلين رئيس شعبة موسكو لمديرية الفنون الجميلة والذي وجد من واجبه التجاوب مع نداء السلطة. وحتى هذا المشروع لقي الفتور من جانب أصحاب القرار. وكتب وُناتشارسكي حينها : ( الرفيق تاتلين صنع تشييدا مليئا بالمفارقة .. ومن الممكن إرتكاب الخطأ عند تقييم هذا العمل لكن إذا كان موباسان مستعدا للهروب من باريس كي لايرى ذلك الغرائبي الحديدي برج إيفل ، أجد أن هذا البرج هو تجسيد للجمال بالمقارنة مع هذا النتاج الأعوج للرفيق تاتلين. وأرى أني سوف لن أكون الوحيد الذي سيصيبه الغم إذا زينت موسكو أو بيوترغراد بهذا النتاج لواحد من أبرز ممثلي اليسار الفني ).
كان فنانو الطليعة مدركين لضعف موقعهم وظهور شتى النزاعات الفكرية حولهم وكون السلطة تداور متظاهرة ًبالتفهم لتلك الأوساط التي تقاطع النظام ، وخاصة الفنانين والكتاب الملتفين حول شخصيات من نوع الرموز للأخلاقيات الإشتراكية مثل مكسيم غوركي ، لايخفون نفورهم من النظام الجديد. فالشيوعيون كانوا بحاجة الى أمثال هؤلاء ، وخاصة غوركي الذي زار بعدها معسكرات الإعتقال والعمل العبودي السوفيتية في إطار سفرة ُنظمت بكل عناية ، وأَطلق المديح الحار للسلطة على مثل هذا التنظيم ( الباهر ) لعملية ( إعادة التربية ) الإجتماعية ...
وكان أمرا متوقعاً أن الموقف الأيدولوجي الصارم وعدم التسامح وتلك السياسة الهجومية واللامهادنة التي تميز بها اليسارالفني قد حرمته من الأصدقاء وزادت من الأعداء العلنيين خاصة. وكان هناك الوضع المتأزم بسبب برامج النشاط المتعارضة وسنوات ( شيوعية الحرب ) عندما كان الفنان معتمدا في كل شيء على الدولة وفق مباديء الراعي الإشتراكي ، والفقدان الدائم لوسائل العيش والعمل بدءاً بالورق والأصباغ والطبع والقماش ثم إحتكار وكالات ذلك الراعي فيما يتعلق بالأموال المخصصة لشراء الأعمال الفنية أو لدور النشر وغيرها. وسبّب كل هذا رد فعل سلبياً إنداح خارج ( رعاية الدولة ) بالطبع ، بعبارة أخرى كان الحل الوسط أمرا غير ممكن ، والنزاع كان أمرا محتوما. ومن المفهوم أن أحد مستويات النزاع كان ذا طبيعة فنية. ففنانو النظام القديم وأعداء البلاشفة السياسيون رفضوا بصورة قاطعة التجارب البصرية والتصويرغير التشخيصي وتلك البلاغة الضاجة للمانفستات النظرية التي كان يطلقها المستقبليون – التكعيبيون بشكل خاص. لكنه من ناحية أخرى حين رفضوا عروض وُناتشارسكي حول التعاون مع تلك المديرية كان هؤلاء الفنانون يلقون التجاهل أذا خص الأمر تنظيم معارض لهم وشراء أعمالهم وغير ذلك. وفي هذا الوضع لم يكن ممكنا إستمرار المقاطعة الى الأبد خاصة أن الإغراءات كانت تتزايد. وكان هؤلاء المنبوذون و( المحاصرون ) يدافعون عن أنفسهم بإتهام الطليعة وليس بالميول ( الدكتاتورية ) فقط بل ( إنعدام الفهم ) و( النزوع التدميري ) والأكثر من ذلك ب( التدهور البورجوازي ) أي بأشنع تهمة آنذاك ...
لم يكن جوهر الأمر في أن الإتهامات المتبادلة وبلاغة الدفاعات قد اقنعت جهة القرار بل كان في الأهداف التي رسمتها لنفسها ( ناركومبروس Narkompros: قوميسارية التعليم الشعبية ) ومعها نخبة البلاشفة. وفي مؤلفه المعنون ( الدولة السوفييتية والفن ) كتب قوميسارها وًناتشارسكي الذي كان في عيون معاصريه والباحثين مناصرا للطليعة ( أكيد أنه كان مناصرا لكن لدرجة معينة وبحكم التاكتيك المرسوم ) : [ الثوريون الحقيقيون وليس اللبراليون محبو الكلام الفارغ ، هم الذين لم يخفوا أبدا بأنه بعد الإستحواذ على السلطة سوف لن ُيبقوا لأعدائهم حرية النشاط . وكان ماركس الشاب قد كتب مرة : " سنكون نحن أنفسنا صارمين ، وكذلك لا تطلبوا منا أن نكون متساهلين ، فبعد غنم السلطة سننتقل الى أساليب إرهابية في الكفاح ، ولن نسترها بدافع الرياء ". والشيء نفسه قاله بلانكي Blanqui الذي كان يلقى قبول ماركس عامة : "حالما ترفع الكمامة عن أفواه البروليتاريا سنضعها على أفواه الرأسماليين". إن حزم ووضوح هذه الأقوال لايتركان أيّ مجال للشك. والإشتراكيون الساعون ، في النهاية ، الى حرية الفن التامة هم مرغمون في ذات الوقت على الكفاح ضد التحريض العدائي بشكل فني، وهم يسعون ، بحكم طبيعة الأشياء ، الى العثور على الوسيلة النموذجية القائمة بين الرقابة الفظة ولامبالاة الجماليين. هم يريدون العثور على الوسيلة النموذجية بين الرقابة الفظة التي قد تخلق روح الكراهية والأضطهاد في الأدب حاصدة معاً الزهور السامة للتحريض العدائي وكذلك الكثير من الأعمال المحايدة والمفيدة نسبيا، وبين تلك اللامبالاة لدى الجماليين الذين يكون لديهم كل شيء رائعا إذا حمل إسم الفنيّة التي يهرّبون تحت رايتها كل ما هو ظلامي وسيء . وإذا لم يكن بإمكان الدولة البروليتارية الإعتراف بمبدأ ( دعه يمر.. laissez faire, laissez aller ) في حقل الفن ، بالمعنى السلبي ، فعليها أن تضع سدّاً أمام هذه الظواهر التي قد تكون بالغة الضررعلى الثورة ، فمن ناحية أخرى لايمكن التستر بهذا المبدأ في سياستها الإيجابية ] . وتجدر الإشارة هنا الى أن لويس بلانكي (1808 – 1881 ) كان من الشيوعيين اليوتوبيين الفرنسيين وُيعدّ خالق العقيدة التي تحمل إسمه ( البلانكية ) الداعية االى الكفاح المسلح وتغيير النظام الإجتماعي وحتى عن طريق التآمر أي بدون إستنفار الجماهير الشعبية.
وبهذه الصورة كانت المهمة الأساسية للسسلطة السوفيتية بسط السيطرة على كامل الوسط الفني إن امكن ، أي السيطرة على المتحمسين للثورة ومعارضيها أيضا. وفي إطار المؤسسة الحزبية كان الجميع على إتفاق بهذا الشأن. ومرة قال لينين لكلارا زيتكين C. Zetkin : نحن شيوعيون بالطبع. ولايمكن أن نقف مكتوفي الأيدي ونسمح للفوضى أن تفعل ما تشاء. علينا أن نحاول ، بوعي ، تطوير الفن وتشكيله وتحديد نتائجه.
كما قلنا كانت أكثرية الوسط الفني التي قاطعت البلاشفة قد أصبحت خارج تنظيمات الحياة الفنية الرسمية ، أي أنها كانت خارج السيطرة المباشرة للسلطة بصورة ما. وبطبيعة الحال كان هناك خيار التصفية إلا أن السلطة كانت بحاجة الى الفن عامة مما أكدت عليه أقوال وُناتشارسكي الآنفة الذكر. ومن الواضح أن المواقف الحدية التي إتخذتها الطليعة ونزعتها الهجومية العنيفة قد زادت من مخاوف الفنانين المقاطِعين والصامتين والمترقبين على السواء .. فالطلائعيون لم يخفوا أبدا نزوعهم صوب ( الدكتاتورية ) وسعيهم الى أن يكون فنهم معترفا به كفن رسمي للدولة. وكانوا على إيمان بنجاعة دكتاتورية الأقلية في قضايا الثقافة ، كأمر شبيه بدكتاتورية البلاشفة في الحكم. وكتب بونين Punin : ( نحن نريد أن نرى تحقيق أكتوبرنا ، نريد أن نحقق دكتاتورية الأقلية إذ أن الأقلية لاغيرها تقررالقوة الخلاقة القادرة على المضي جنبا الى جنب مع الطبقة العاملة ). الا أن للسلطة تاكتيكها وكان لابد من تخفيف حدة مثل هذه التصريحات كي لاتجرح مشاعر المتعاونين مع قوميسارية التعليم كذلك من أجل جذب الآخرين الذين ( يعرفون التلوين والرسم ) ...
ولتحقيق هذه السياسة جازف القوميسار وُناتشارسكي بأسمه كشيوعي جيّد. وكانت محاولته التالية ، أي الثانية ، هي تأسيس شعبة الأدب في القوميسارية في مطلع عام 1919 وجرّ عدد من الكتاب المعروفين أمثال بيوي وتشوكوف وغوركي للعمل فيها. إلا أن هذه المحاولة هوجمت فورا على صفحات جريدة الإزفييستا التي وجهت الإتهام بأن الإنتلجنسيا المعادية للسوفييت تسعى الى خلق بيروقراطية جديدة ! وبعبارة أخرى كان الهجوم موّجها ضد وُناتشارسكي وموقفه المزدوج من الطليعة. ومن المحتمل أنه قد ثمّن ميلها ( الفكري ) وإلتزامها لكنه رفض راديكاليتها الأستيتيكية والأخرى المتعلقة بالتاكتيك. فشعار ماياكوفسكي ( إعدموا الراستريليين ) أي التقاليد وبالضبط المعمارية ( راستريللي Rastrelli 1700 - 1771 معماري روسي من أصل إيطالي بنى قصر الشتاء في بطرسبرغ وكنيسة أندري في كييف وغيرهما ) علق وُناتشارسكي عليه بهذه الصورة : ( مما لاشك فيه انه شعار بوروجوازي – فوضوي وليس بروليتارياً. إنه شعار إنسان ضيق الأفق ومتمرد قابع في حانته البوهيمية والبورجوازية الصغيرة وتجذبه دائما أشكال التدمير المحمومة ، ويبدو له أنها تحرره من منافسين غير لطفاء وبذلك يرغم الشعب ذا الخلق القويم على أن يعتبر العصر الثقافي الجديد قد بدأ مع ولادة هذا الشخص. إن هذه الهستيريا الطائشة وشتى أشكال الأنانية غريبة على البروليتاريا ). وفي مكان آخر كتب : ( .. عندما يمجد اليسار الفني الحالي الشكلانية يكون عاجزا عن القيام بالخلق الثوري بالمعنى الفكري ومثلما يعجز الأبكم عن إلقاء خطب ثورية. فهذا اليسار ينبذ ، مبدأياً ، المضامين الفكرية والبصرية للوحات والتماثيل وإلخ . والأكثر من ذلك فهو قد مضى بعيدا في تشويه المادة المستمدة من الطبيعة لدرجة أن العمال والفلاحين الذين ، كما عظام الفنانين من جميع العصور، يطلبون قبل كل شيء الوضوح في الفن ، يقفون حائرين أمام مثل هذه النتاجات لأفول الثقافة في أوربا الغربية ).
وصارت واضحة للغاية الإستنتاجات فيما يتعلق بالدعاية البصرية لدى وُناتشارسكي: ( إذا خص الأمر الملصق فعليه أن يكون نصبيا monumental ومفهوما لدى الجميع أي واقعيا لأكبر درجة ).
كانت إشكالية الموقف من التقاليد قد جاءت بفارق جوهري بين المستقبليين والجزء الأكبر من المؤسسة السوفيتية وعلى رأسه لينين بالذات. إذ أن شعار ( إحرقوا رافائيل ) كان غريبا على البلاشفة. فهؤلاء وجدوا في التقاليد إحتياطا ضخما للنجاحات الدعائية. ولم يجدوا هناك أسبابا تحول دون عدم وضع وسائط الفن القديم تحت تصرف الماكنة الدعائية. وشعار ( إحرقوا رافائيل ) كان نوعا من التهديد المادي للبلاشفة. فالتطبيق الحرفي لمثل هذا الشعار يعتبرضياعا لثروة كبيرة هي تلك الأعمال الفنية التي صارت الآن ملكا للدولة...
كان للنزاع الآخذ بالإشتداد بين الطليعة والقوميسار أساسه النظري بالطبع. فمفهوم القوميسار كوريث لأيدولوجيا وليم موريس حول الصناعة الفنية كان يخص قبل كل شيء أنشطة الحرفيين والهواة. وكانت الطليعة قد توجهت الى الطبقة العاملة ( القوة الطلائعية للثورة ) مطالبة بفرص التأثيرعلى الإنتاج بل تشكيله. فبرأيها كان العامل البروليتاري بمثابة ( إطالة ) للفنان ، وخالق للشيء بكامل الوعي. أما وُناتشارسكي فكان يقول إن الفن لايمكن إختصاره الى الإنتاج الصناعي. كما رفض تلك الضغوط الهادفة تحقيق إستقلالية القيم المهنية الصرفة التي أكدت عليها الطليعة. فلقد كانت غريبة على وُناتشارسكي ( الطريقة الشكلانية ) لفكتور شكلوفسكي التي ترفض أيّ خطاب يريد أدلجة الفن ، كما كان هناك سعي بونين الى ( التوفيق بين الشكل المستقل والتأريخ الديالكتيكي ).
ومن بين أعضاء قيادة السلطة كان ليف تروتسكي الذي إعتبروه ، وبعد تركه البلاد بالطبع ، الأكثر لبرالية في مجال الفن. إلا أنها محض شائعة ولربما يجد بعضهم صحتها في أن تروتسكي صار صديقا للسورياليين والمصورين التجريديين الأمريكان. الا أنه حين كان في قمة السلطة أبدى بالغ التحفظ أزاء الطليعة التي أسموها ، آنذاك ب( المستقبلية ). أما موقف لينين السلبي بل إحتقاره للطليعة فكان معروفا. وعندما كان يتكلم عنها كان يلجأ الى وصفها ب( الفن المنحط ) وبذلك سبق هتلر في مثل هذا الحكم على الفن الحديث عامة. وفي الواقع هناك محاولات من جانب بعض الباحثين المتخصصين بشخصية لينين وأعماله وتركته ، تهدف إثبات موقف آخر لزعيم الثورة أزاء الفن يكشف عن إهتمامه بالثقافة المحدّثة .. وهؤلاء يرون مثل هذه الأدلة في إتصالاته المزعومة مع الدادائيين أثناء إقامته في زوريخ. وعموما كان إهتمام لينين بالفنون التشكيلية ضعيفا. وتشهد على ذلك كتاباته الكثيرة حيث عدا الفلسفة والسياسة والإقتصاد وغيرها أعار إهتماما للأدب بينما لم يكترث كثيرا بالفن التشكيلي المعاصر. وينتج من المجلد الضخم الصادر في موسكو في عام 1977 أن إهتمام لينين إنصب على الفن القومي المحافظ. وهو أمر أكيد بأنه كان معنيا جدا بالفنانين المسمين ب( البيرييدفيجنيين ) . وهؤلاء كانوا اعضاء ( جمعية المعارض الفنية المتنقلة ) التي تأسست في عام 1870 وواصلت تقاليد الواقعية التي كان من أكبرفنانيها رييبين Riepin وسوريكوف وفاسنييتسوف ، ودعاتها بييلينسكي وتشيرنيشيفسكي اللذين أعجبت لينين كثيرا نزعتهما النقدية. كذلك فتصريحه لكلارا زيتكين الآنف الذكر يبين بصورة واضحة نفوره من التجديد في الفن. ومن ضمن أقواله حينها : ( أنا أملك الجرأة على أن أظهر نفسي ( بربريا ) الا أنني لاأستطيع تقدير أعمال التعبيرية والمستقبلية والتكعيبية وبقية ال( إزم )ات كأسمى تعبير للعبقرية الفنية. أنا لا أفهمهم. وهم لا يمنحوني المسرة ). وكان قد أثار سخطه خبر إصدار قصيدة ماياكوفسكي المعنونة ( 150 مليونا ) بخمسة آلاف نسخة. وعندما قرأ النسخة التي أهداها الشاعر اليه قال : ( هل تعرفون بأن هذا أدب مثير للإهتمام جدا. إنه نوع خاص من الشيوعية . إنها شيوعية " شقاوات " ). وكتب الى وُناتشارسكي وبوكروفسكي المسؤول من طرف الحزب عن النشر : ( ياله من أمر مخجل التصويت لإصدار ( 150 مليونا ) لماياكوفسكي في خمسة الآف نسخة. عبث وغباء ، غباء عبثي وإدعاء وتصنع. برأيي أنه كان يجب طبع مثل هذه الأشياء بنسبة العشر وليس أكثر من 1500 نسخة ، تخصص للمكتبات وغريبي الأطوار. أما وُناتشارسكي فينبغي جلده عقابا على المستقبلية ). وفي مذكرة أخرى نقرأ : ( أيها الرفيق بوكروفسكي ! أرجوكم مرة أخرى أن تقدموا المساعدة في مكافحة المستقبلية وما شاكلها.
أولاً - وُناتشارسكي نجح في الهيئة المقررة ، وللأسف ، في مسألة طبع ال(150 مليونا ) لماياكوفسكي.
ثانيا - كيشيليتس الذي ، كما يقولون ، تشكيلي ( واقعي ) ركله وُناتشارسكي وشجّع الآخر المستقبلي جهراً وبصورة غير مباشرة أيضاً. ألا يمكن العثور على مناوئين للمستقبليين يمكن الإعتماد عليهم. )
وكما سبق القول لم تنظرالسلطة منذ البدء بعين الرضا لحلفائها الفكريين من اليسار الفني ، وكان نفورها من الطليعة يتعمق يوما بعد يوم. وبحثت بصورة سافرة عن وسيلة أخرى غير وسيلة الطليعة في التعبير عن ( الثقافة الإشتراكية ). ومن الطبيعي أن مثل هذا الموقف قد عمّق شعور اليسار الفني بالخيبة والخطر.
- 2 -
في بداية عام 1919 تصاعد الهجوم على هذا اليسار. مثلاً قررت اللجنة التنفيذية لمجلس بيوتروغراد ، في الأول من نيسان أن الإحتفالات القادمة بأول أيار لاينبغي أن تنظم بإملاء ٍ من المستقبليين العاملين في مديرية الفنون الجميلة. كذلك لفت ( إتحاد شغيلة العلم والفن والثقافة IZO ) إنتباه قوميسار التعليم الى ضرورة ( الحد من هيمنة المستقبلية والتكعيبية والصورية إلخ ، في الجمهورية الإشتراكية السوفيتية ) ، وطالب ب( فن بروليتاري عن حق ، ومتفق مع العقيدة الشيوعية ). وكان معلوما أن النفور بل الإطلاقات الأولى للنارعلى الطليعة كانت خلفيتها الصراع القائم بين هذه الطليعة ومنظمة ( الثقافة البروليتارية – بروليتكولت Proletkult ). وهذه كانت منظمة جماهيرية ثقافية – أدبية نشطت في الأعوام مابين 1917 و 1932 وأعلنت برنامجها حول ( الثقافة النقية ) البروليتارية المنفصلة عن التقاليد ، وكان مُنظرها الرئيسي ألكسندر بوغدانوف A. Bogdanov. وتلك الإطلاقات زادت المشهد الثقافي والسياسي السوفيتي تعقيدا. ومنذها أخذت تتضاعف متاعب الطبع لمجلة ( فن الكومونة Iskusstvo Kommuny) اللسان الصحفي لمديرية الفنون الجميلة التي كانت تحت سيطرة المستقبليين. وردّا على موقف السلطة قامت الطليعة بهجوم مضاد تمثل بتشكيل منظمة سياسية لفناني اليسار مستقلة عن حزب البلاشفة و( بروليتكولت ). وسمّيت هذه المنظمة الجديدة ب(كومفوت Komfut: الشيوعيون - المستقبليون ). وقد سعت الى أن تكون منظمة داخل الحزب الشيوعي مهمتها الضغط على السلطة كي تمارس سياسة أكثر تشدداً ولامهادنة ً أزاء ( بقايا الثقافة البوروجوازية ). وكان شرط الإنتماء اليها عضوية الحزب. ولقد كان تشكيل ( كومفوت ) التي لم تسجل رسميا لدى السلطة بمثابة محاولة ربط المستقبلية بالشيوعية وكردّ على توّجه المستقبلية الإيطالية صوب الفاشية.. وكانت بيانات الجماعة حدّية وذات معنى واحد لاغير: ( النظام الشيوعي يتطلب وعيا شيوعيا ) هكذا كتب ( الشيوعيون _ المستقبليون ) في بيانهم البرنامجي. ونقرأ فيه أيضاً :
( إن جميع أشكال الوجود والأخلاق والفلسفة والفن ينبغي إعادة بنائها على أسس الشيوعية. وبدون ذلك يكون من غير الممكن التطور التالي للثورة الشيوعية .
إن أجهزة الثقافة والتعليم العائدة الى السلطة السوفيتية تكشف في نشاطها عن الإنعدام التام لفهم واجبات الثورة والمناطة بها. فأيدولوجيا الإشتراكية الدمقراطية والتي ُلصِقت على عجل ، لا تقدر على مجابهة تجربة أمدها قرون طويلة حصل عليها الأيدولوجيون البورجوازيون الذين يستغلون اليوم لمصلحتهم المنظمات الثقافية - التعليمية البروليتارية.
وتحت غطاء الحقائق الأكيدة يطعمون الجماهير نظريات زائفة عن حكم السادة.
وتحت غطاء الحقيقة عموم الإنسانية يطعمونها أخلاقيات المستغلين.
وتحت غطاء حقائق الجمال الأبدية يطعمونها أذواق المالكين الفاسدة.
ينبغي، بدون إبطاء، البدء بخلق أيدولوجيا شيوعية خاصة بنا.
ينبغي البدء بالكفاح الحازم ضد كل الأيدولوجيات البورجوازية الزائفة التي تعود الى الماضي.
ينبغي إستنفار الجماهير من أجل حركة أعمال الهواة الخلاقة ... )
وهذا البيان رعاه وطوّره أوسيب بريك Osip Brik أحد خالقي ومنظري الفن اليساري ومنظماته ، وفيما بعد عيّن مديرا للمعهد المتفرغ للفن المرتبط بالإنتاج والمسمى عامة ب( فن الإنتاجية ). كذلك كان بريك كاتبا أفلح في كتاباته الصحفية وخطاباته النظرية في الربط بين الشكلانية والماركسية وهي الصفة المميزة أكثرمن غيرها لتطور الطليعة الروسية. و كان أحد مقالاته في مجلة ( فن الكومونة ) يحمل عنوانا قتاليا معهودا لدى بريك : ( كفى مهادنة وتبعية ). وهذه بعض مقاطعه :
[ إن حد النصل للمرحلة الحالية من الثورة هو كفاح الدكتاتورية البروليتارية ضد المهادنة البوروجوازية – الدمقراطية. ولحد كاف أوضح لينين ذلك في كراسه ( الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي ). وليس علينا نحن خالقي الثقافة البروليتارية إلا إستخلاص الإستنتاجات العملية والمناسبة والعمل من أجل تحقيق دكتاتورية الأيدولوجيا البروليتارية في جميع حقول الحياة والمعرفة والخلق.
وقد يبدو أنه ليس من الممكن وجود شكوك في هذه القضية. في كل الأحوال لاينبغي على كل شيوعي واع أن يمتلكها . لكن تبين أنه من بين مائة من مناصري الدكتاتورية السياسية هناك 99 مهادنا عندما يحتك بتحولات الثقافة.
وتثبت صحة كلمات ماركس عن تقاليد أمدها قرون طويلة هي مثل كابوس مطبق على وعي الناس المعاصرين. وهي لا تزال حيّة ، وخيّل أنه قد أزيلت من القاموس الماركسي مفاهيم مثل ( الحقيقة المطلقة ) و( الثقافة الإنسانية العامة ) و( الفن المقدّس ) و( الجمال الخالد ) وغيرها من الكلمات الجوفاء التي تعود الى ترسانة الأكاذيب والخدع البوروجوازية .
وخاصة في الفن !
إن البروليتاريا لم يسعفها الوقت لخلق أستيتيكاها. ومشاكل الفن لم تخضعها البروليتاريا للنقد الثوري بعد. والآن عندما حان الوقت لكي تفرض البروليتاريا دكتاتوريتها في حقل الثقافة ، إفتقدت بعض الأسس الأيدولوجية اللازمة. وتبين أنها عزلاء أمام ضغوط المهادنين البوروجوازيين – الديمقراطيين.
إن المحاولات الضعيفة التي قامت بها ( بروليتكولت ) للدفاع عن إستقلال الثقافة البروليتارية لم تأت بثمار ، وكان السبب عدم التهيؤ الأيدولوجي للعاملين في ( بروليتكولت ) وجهلهم التام بما يخص القضايا الأساسية للفن. ولقد بقيت الشعارات البروليتارية معلقة في الهواء ولم تسبب ولو أبسط إهتزازة في أسس الفن الحالية. إن مزج مفاهيم الثقافة ( العمالية ) ب( البروليتارية ) قد قاد أولئك العاملين الى أشكال للرومانسية المدينية بعبادتها للبطولة الرخيصة والشعبية المزيفة والسوقية. إن هذه الأشكال هي غير راهنة منذ أمد طويل.
وعلى أيّ حال فقد حرّكت ( بروليتكولت ) قضية تمايز الثقافة البروليتارية. ولم تثر الأجهزة الثقافية – التعليمية الأخرى للسلطة السوفيتية هذه القضية. إننا شهود إبتعاد تام عن الخط البروليتاري وأيّ كان. إننا شهود ( دمقرطة ) تامة ومهادنة لايمكن تفاديها في هذا الوضع ، مع جميع الأيدولوجيات نصف الحيّة الآن ، أيدولوجيات الثقافة البورجوازية الزائلة (...)
ومعلوم أيّ مصير لقيته الإتفاقات المهادنة في أثناء الثورة. فهي لاترضي أية جهة. وإنهاؤها هو أمر لايمكن تفاديه. وكلما حصل هذا الشيء بصورة أسرع كان أفضل.
وفي كل الأحوال نحن نبذل أقصى الجهد هنا مطالبين بالتحقيق الكامل لدكتاتورية البروليتاريا في جميع ميادين الثقافة ].
مفهومٌ أنه لا يمكن عزل هذا البيان عن زمكانه. فحينها كان التنافس على أشده بين مختلف المراكز الأيدولوجية و السلطوية. وفي البيانات من هذا النوع نلقى قبل كل شيء روح الخلاف مع منظمة ( بروليتكولت ) التي كان فنانو اليسار على إرتباط معين بها. وفي بيانات بوغدانوف كان هناك الكثير من الصياغات القريبة من الطليعة مثل منح الفن مرتبة ذات أهمية أكبر وقوةً في عملية بناء الواقع الجديد. فهو يقول : ( إن الفن هو أقوى سلاح في تنظيم قوى الجماعية في المجتمع الطبقي ، أي القوى الطبقية ) وأن البروليتاري يحتاج الى " فن جديد طبقي " معرّفا إياه بكلمتين: (الجماعية ) و( العمل ).
ثمة شبه واضح بين (بروليتكولت ) والداعين الى ( فن الإنتاجية ) من تجمع ( كومفوت ). فكلا التجمعين يسعى الى الإستقلال عن الشيوعيين ، وإحتكار السيطرة على قضايا الثقافة أيضا. وكان التجمع الأول منافسا خطرا للثاني على الصعيد التنظيمي خاصة ، فقد كان يضم 400 ألف عضو و80 ألفا من الناشطين وأكثر من 300 مسرح و15 مجلة إضافة الى مدارس ونواد ودور للثقافة وغيرها ، بينما يكون التجمع الثاني مجرد مجموعة ليست بالكبيرة من المثقفين والفنانين. وفي حقيقة الأمر كان يتصادم هنا مفهومان ثقافيان متعارضان في الجوهر رغم العديد من أحوال الشبه. فبوغدانوف وجد أن العمال أنفسهم يقررون أيّ شيء ستكونه ثقافتهم. ووفقه تكون الثقافة البروليتارية ثقافة خلقها العمال وللعمال وما واجب الدولة الإشتراكية الجديدة إلا رعاية مواهب الطبقة العاملة وتنظيم حركة الهواة في وسط البروليتاريا وبذلك بناء وعيها الطبقي.. وكان قائما الإتفاق بأنه لايمكن للفن أن ينحدر من التقاليد ( البورجوازية ) الا أن بوغدانوف أكد على أن الخلق يجب أن يكون هنا مستقلا وأصيلا ، عماليا ومتحررا من أيّ تحكم سياسي وأيدولوجي بل من أية مهام تخص ( الكفاح الطبقي ).
من الواضح أن مثل هذا المفهوم ( الجماهيري ) كان يصعب على الطليعة تقبله. فهي قد وافقت فقط على الرأي القائل بأن البروليتاريا هي من يحدد شكل الثقافة القادمة وأن البرليتاريا ( الحقيقية ) ستعبّر بأشكال لامثيل لها في فن الماضي . وكانت مفارقة أنه تمت ، هنا ، صياغة مفهوم ل( الطليعة ) قريب من الآخر اللينيني. وكان أمرا مفهوما أن الحزب الشيوعي هو ( أفضل ) من يعرف بأيّ إتجاه سياسي يقود الطبقة العاملة ، ف( طليعته ) هي الحرس الأمامي للعملية التأريخية. وبهذه الصورة أراد الشيوعيون - المستقبليون من ( كومفوت ) أن يكونوا ( طليعة ) حقيقية للثقافة البروليتارية . فهم من تقمصوا دور المتفوقين والأدلاء الفنيين للطبقة العاملة. كانوا مؤمنين بأن البروليتاريا تتقبل فن المستقبل وتكتشفه كثقافة خاصة بها. ولم تثن عزيمتهم حقيقة أن الفنانين لم يكونوا أعضاء فعليين لهذه الطبقة العاملة. وكانت هذه إحدى التهم التي كررتها ( بروليتكولت ). أما إذا لم يكن ماركس وأنغلز من أفراد هذه الطبقة بل الأخرى البورجوازية فهذا ليس بالأمر المهم .. فالإثنان عبّرا ، بدقة ، كما قال بريك ، عن أيدولوجيا البروليتاريا. والحال نفسها مع الفنانين. فهم يرون من موقعهم ( المهني ) ثقافة المستقبل. إنهم يملكون المهارات والحرفية والمشغل الفني ، وكلها مكرسة للطبقة العاملة وأيدولوجيتها ومطامحها. والغرض هنا صيرورة أفراد هذه الطبقة خالقين حقيقيين. ومن المفهوم أنه كان من الصعب على بوغدانوف تقبل هذه الصيغة.
لقد كانت ضعيفة ً ًالثقة المتبادلة بين الطليعة و ( بروليتكولت ). فرغم التعاطف النسبي للفنانين اليساريين مع منظمة بوغدانوف لكن هذه لم تمنحهم كامل ثقتها. ويعود بعض الأسباب الى أن الطليعة كانت تتعاون مع المؤسسات الرسمية التي كانت تشكك ( بروليتكولت ) بها وتتهمها بالتعاطف مع نزعة ( التدهور البورجوازي ). والأكثر من ذلك فرجال بوغدانوف كانوا مدركين قوتهم بالرغم من أن آراء زعيمهم كانت منذ أمد طويل موضع إنتقادات لينين. وبين نخبة السلطة الشيوعية كان هناك من يتعاطف مع ( بروليتكولت ) رغم أن أبرز رجالها لم يكونوا اعضاء في الحزب. ومعلوم أن جريدة ( البرافدا ) الحزبية التي كان يديرها نيقولاي بوخارين قد نشرت لمرات عديدة نصوصا لرجال هذه المنظمة. وهو أمر لايتطرق اليه الشك بأن المنظمة كانت قوية ومتنفذة ومستقلة عن الحزب. وكان بوغدانوف يرى أن هناك ثلاث مناطق للثورة مستقلة الواحدة عن الأخرى وتمثلها شتى المنظمات. فمنظمته هي منظمة البروليتاريا الطبقية الثقافية – الفنية ومثلما يكون الحزب العمالي منظمتها السياسية ، والنقابات منظمتها الإقتصادية. ومن المفهوم أن التشكيك بأولوية الحزب المطلقة أمر لايمكن التساهل معه لأمد طويل. وفي لحظة معينة كان في نية لينين القيام بخطوات أكثر حزما ضد ( بروليتكولت ). الا أنها حصلت بعد وفاته. ففي عام 1925 كفت هذه المنظمة عن أن تكون ذات هيكل مستقل إذ ألحقت بالنقابات.. وفي عام 1932 أي في الحقبة الستالينية تمَّ تصفيتها. وهو أمر مفهوم أن السبب الرئيسي كان سياسيا. فالمنظمة كانت قوة إجتماعية منافسة. وكما قلنا إعتبرت الطليعة سياسة البلاشفة في الميدان الثقافي ( مهادنة ) بصورة عامة ، ولم تكن سوى حل وسط أزاء التركة ( البوروجوازية ). كذلك كانت هناك خشية الطليعة من أن تدير السلطة في لحظة ما ظهرها لها وتتوجه صوب أعدائها. ومن هنا تلك اللهجات الأيدولوجية القوية في بياناتها. كذلك كان تاكتيك الطليعة خلق جماعة ضاغطة ( لوبي ) أو نخبة ثقافية في صلب الحزب وليس خارجه كما كان الحال مع ( بروليتكولت ) ، تكون جهة َالقرار فيما يخص الشؤون الفنية. بالطبع كانت هناك فكرة خلق دكتاتورية أولئك ( الشيوعيون - المستقبليون ). إلا أن محاولات فرض مثل هذه الرؤية على البلاشفة لم يكتب لها النجاح. والأسباب هنا لم تكن نفس أسباب هزيمة المنظمة المذكورة. فمنظمة ( الشيوعيون - المستقبليون ) لم تكن منافسا للحزب ذا شأن على الصعيدين الأيدولوجي والسياسي. وأعضاء هذه المنظمة لم يكونوا نافعين للحزب بالرغم من أنهم التحقوا ، بهمة وحماس ، بعملية بناء ( الجديد ). وكانوا في أعين ( الفنانين الصامتين ) من إحتكروا رسم صورة الثورة ساعين الى منح أعمالهم تسميات مثل ( الفن الرسمي ) و( فن الدولة ) و ( الفن الثوري ) بل ( فن أكتوبر ). كذلك فالواقع كان آخذا بالتبدل ، فقد ولى زمن ( شيوعية الحرب ) وإقترب عهد ( الخطة الإقتصادية الجديدة - نيب NEP ) الذي جاء لفناني الطليعة بمشاكل وتحديّات جديدة.
- 3 -
في عام 1920 كانت الصعوبات الإقتصادية لدولة ( شيوعية الحرب ) تقترب من حالة الحريق الأمر الذي دفع السلطة الى إتخاذ قرارات بدت ، ظاهريا وفعليا أيضا ، مناقضة لمفهومها الخاص عن ( الإشتراكية العلمية ). فالشحة المزمنة للغذاء كانت عاقبة نظام التوزيع السلطوي والمعتمد على الإستيلاء أي مصادرة المواد وتوزيعها بشكل حصص. وكانت هناك الحرب الأهلية والأخرى مع بولندا ثم الحصار والإرهاب الدموي العنيف. ومعلوم أن لينين كان قد تردد طويلا فيما يخص التخلي عن نظرية ( القفزة الفورية الى الشيوعية ) الا أن ما أقنعه نهائيا كانت إنتفاضة بحارة كرونشتاد التي قمعها بصورة وحشية. ففي الخامس عشر من أذار 1921 إتخذ المؤتمر العاشر للحزب البلشفي قرارا ، بإقتراح من زعيمه ، يتعلق ببرنامج السياسة الإقتصادية الجديدة والتخلي عن أكبر عناصر إقتصاد ( شيوعية الحرب ) وفي مقدمتها تسليم الفلاحين الإجباري للمحاصيل الزراعية ، وإحتكار الدولة للتجارة. بالطبع كان العنصر الاساسي في ذلك البرنامج هو الأخذ بإقتصاد السوق أي البورجوازي. وكل هذا كان يعني إنهيارا لتاكتيك الفنانين اليساريين وإنعدام الفرص لخلق إحتكار مؤسساتي وتحقيق الدكتاتورية الثقافية. لكنهم بقوا على إيمانهم بأن شريكهم الطبيعي هو الدولة البروليتارية ولذلك أبدلوا بلاغتهم تحت ضغط الظروف الجديدة وكلهم أمل بأن هذا هو تغيير وقتي وأن عليهم البحث عن مستو للنشاط يبررحضورهم في الجمهورية السوفيتية ( المتطورة بصورة ديالكتيكية ) ، و يضمن لهم بالطبع الحفاظ على النقاء العقائدي والفني في إطار الماركسية – اللينينية. وكان رهانهم ذات الرهان الذي جاهدوا للفوز به في الأشهر الأولى من ثورة أكتوبر. الا أن الوضع أزداد صعوبة. وإذا إستثنينا نفورالدولة من فناني اليسار ، فإن إمكانياتها كراعية للثقافة قد تقلصت لحد بالغ بسبب الوضع الإقتصادي الصعب الذي ألغى شتى الخطط ( الطموحة ) في مجالات النشر خاصة. وفي الحقيقة كانت هذه المجالات قد إنتعشت في عام 1922 عندما سمح الحزب لدور النشر والمطابع من القطاع الخاص بالعمل تمشيا مع مباديء الخطة الإقتصادية الجديدة.
وفي جو الأزمة الإقتصادية المتفاقمة وإعادة رسم التاكتيك الأيدولوجي كان على فناني اليسار البحث عن شكل آخر للنشاط الفني غير التقليدي. وهكذا نبذوا الأستيتيكا التقليدية وأقنعوا أنفسهم بأن مهام المرحلة الراهنة تدفع الفن الى تغيير الأولويات. وبهذه الصورة ظهرت فكرة الفن المكرس للإنتاج أي ربط الفن بالواقع المادي والحاجات الإجتماعية وصيرورته فنا ظرفيا لاغير. وهكذا كان ( فن الإنتاجية ) رد الفنانين على نداء السلطة من أجل فن ( عملي ونافع ) وإستجابة لنفورها من ( الشكل النقي ) أيضا ، بعبارة أخرى لم يكن هو فنا برز نتيجة ( عملية منطقية ) للطليعة السوفيتية بل حصيلة ( مناورات ظرفية ).
الا أنه قبلها أي في نهاية عام 1920 كان قد أعدّ للنشر بأشراف ( المجلس الفني – الإنتاجي ) التابع لمديرية الفنون الجميلة كتاب صدر في العام التالي بعنوان ( الفن في الإنتاج ) يحوي نصوصا تؤكد على الخط الفكري لفناني اليسار: جرّ الفنانين الى الواقع المادي أي الإنتاجي. ونجد هنا مقالة أوسيب بريك الذي سبق أن دعا الى مثل هذا الأسلوب في التفكير. وقبل كل شيء كان بريك قد شكك بالبنية الهرمية للمجتمع إذ رأى أن على الفنان أن يكون في قمتها مما يعني الإعتراض الواضح على تصورات كاندينسكي الذي خاض اليسار معارك حامية الوطيس معه متهما إياه ب( الروحانية ) و( البسيكولوجية ) أي القيم المميزة للبورجوازية.. وكان بريك يعرّي مثل هذا النظام للمجتمع في مراتب أيدولوجية كانت تعني في المحصلة أخرى سياسية . وكتب : ( لقد إحتقرت البورجوازية العمل الإنتاجي ولذلك إعتبرت العمال والفنانين العاملين في الإنتاج ناسا ذوي ثقافة أوطأ (...) ونحن ننظر الى المسألة بصورة مغايرة كما نعرف أن ما يسمى بالفن النقي هو صنعة مثل البقية. ولكننا لانفهم لماذا يكون من يلون اللوحة أعلى روحيا من الآخر الذي يصنع القماش. نحن نعتبر أن ليس نوع العمل ما يقرر المستوى الروحي للإنسان بل درجة موهبته ( ...) ونقول إن المعماريين والنحاتين والمصورين هم عمال مثل المهندسين وشغيلة التعدين والنسيج والنجارين وغيرهم ). وفي مكان آخر يقول بريك إن على العامل والفنان أن يخلقا جماعية ، و هما من مجموعة أناس يعملون سوية من أجل تشكيل المادة. والغرض هنا تفادي إغتراب العامل الذي سيصبح بهذه الصورة مشاركا في الخلق ، كذلك تفادي إغتراب الفنان الذي هو ملزَم بتصميم المواد في عملية إنتاج ملموسة. وكانت حجة بريك أحد دوغماءات الماركسية حول إخضاع الفرد للمجموع. فالجماعية ككل هي مجموع المواهب وهي تملك إمكانيات أكبر من إمكانية الفرد. وبهذه الصورة حددت المسألة في صيغة البلاغة الإيدولوجية أيضا. ويكتب بريك : ( إعتبرت البوروجوازية أن الفرد النكرة وحده قادر على الخلق وأن الخلق الجماعي هو عبث ولذلك لم يكن هناك مكان للخلق المصنعي. فالمصانع إستثنت إمكانية أيّ إنجاز خلقي وفني (...) ونحن نعرف بأن هذا ليس حقيقة. نحن نعرف بأن قوة الجماعية هي أكبر بكثير من جهود الأفراد في مجال الخلق. وإذا كان الأفراد هم الخالقون لغاية الآن وليس الجماعة فإن السبب يعود الى أن الثورة الشيوعية هي من حرر قوى الخلق لدى الجماعية ، من إستغلال الأفراد ). وكان من المفروض أن تتطور نزعة ( فن الإننتاجية ) سوية مع تقدم الثورة الشيوعية. ولهذه الإعتبارات الأيدولوجية كان من المقرر أن تملك هي الأولوية في السياسة الثقافية للدولة وخاصة بالمقارنة مع الفن ( الفردي ) الذي هو عموما ليس متفقا مع الشيوعية.
كانت الحجة المقنعة الأخرى في تقبل ( فن الإنتاجية ) هي أن العمال أنفسهم أرادوه ، وطالما أنهم ( محرّك ) التأريخ فمثل هذا التقبل ، أو الإختيار ، هو الأكثر صحة. فالبروليتاريا لم تكن مدركة تماما دورها ولذلك كان ينبغي اللجوء الى مفهوم الطليعة القريبة من السلطة السوفيتية أيضا. وقبلها سعى اليسار الى إقناع العمال بأنه يمكن التعبير بلغة المستقبلية والتشييدية عن المهام التأريخية التي تقف أمامها الطبقة العاملة. وهذه المهام صارت ملموسة لدرجة أكبر. فالدولة بحاجة الى الإنتاج. ويكتب بريك في الختام : ( علينا أن نثبت للعمال بأن العمل الإنتاجي يصبح قوة ثقافية كبيرة .. ينبغي علينا أن نقود الفنانين الى الإنتاج كمصدرلاينضب للخلق ، وإقناعهم كي يكرسوا له كل قواهم الخلاقة. علينا أن نفتح عيون الجميع ونظهر لهم بأن ما هو قيّم ليس بالجميل أوالمُجمَّل بل الشيء المصنوع عن وعي ). وبالطبع ُفتحت العيون عن طريق الدعاية التي وجدها بريك ( مهمتنا الأقرب ).
وكان هناك مايسمى ( برنامج جماعة الإنتاجيين ) الذي وضعه رودتشينكو وزوجته ستييبانوفا في منعطف عامي 1920 و1921. أكدا فيه على بعد آخر ، عدا الإنتاجي ، قد لا نجانب الحقيقة كثيرا إذا أسميناه ب( الفني ). وكان سعي الإثنين العثور على طريقة للإستفادة من نتائج التجارب المختبرية في عمل إنتاجي محدد. ونقرا في البرنامج : ( إن مهمة التشييديين / أي الإنتاجيين - ملاحظة المترجم / هي بمثابة تعبير شيوعي للعمل المادي - التشييدي ) . وهذا يعني ( تجسيد ) البحوث التحليلية والشكلية التي قام بها التشييديون في واقع ملموس. وجرى التأكيد ، من ناحية ، على عمل المختبرات المكرس للجوانب التقنية ، ومن ناحية أخرى على ( القاعدة العلمية ) التي كانت هي ( الشيوعية العلمية ) المستندة على ( المادية التأريخية ). وهذا الربط لنظرية الفن بنظرية التأريخ ، أي وصل العناصر الشكلية ( وهي فنية صرفة ) بالأخرى الأيدولوجية كان أساس ذلك التعبير الشيوعي للهيكل المادي. وهو أمر واضح أن الدقة كانت تعوز هذا البرنامج . فهو خصّ الجميع بدءاًً بفناني ( التفوقية ) و إنتهاءا بكاندينسكي.. وفي الواقع كان لهذا البرنامج أن يكون بديلا للآخر الذي كان يعدّه كاندينسكي. كذلك وقفت ضده ( جماعة العمل من أجل التحليل الموضوعي ) التي تشكلت خصيصا لمناوءة كاندينسكي و ( روحانيته ) و( بسيكولوجيته ) وطرحت برنامجها ( الموضوعي ) و( العلمي ). ومن الواضح أن هذا التحليل ( الموضوعي ) كان أول رد فعل أزاء موقف كاندينسكي ونقطة