الفن في الشمولية الطليعة الروسية نموذجا

المحرر موضوع: الفن في الشمولية الطليعة الروسية نموذجا  (زيارة 2264 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
 
الفن في الشمولية
الطليعة الروسية نموذجا
عدنان المبارك


المصدر / القصة العراقية
http://www.iraqstory.com/

في ذكرى أرداش كاكافيان




- 1 -



يعتبر تأريخ الطليعة الروسية قبل الثورة البلشفية وبعدها من أكبر تجارب فن القرن العشرين . فالفنان المتمرد إستخلص النتائج من تمرده والواقع المحيط به ، وبهذه الصورة أصبح ثوريا. وكان ألبير كامي قد فرّق بين المتمرد والثوري. فالتمرد محض وعد بتحقيق الحلم ، أما الثورة فتأتي له بفرص التحقيق. كما أن الثورة ذاتها خلقت له الفرصة كي يكون عملاقا. فالخروج من المنطقة التي كان ( الفنان المتمرد ) يتمتع فيها بالحرية المترفة ( وهي هكذا ، فهو لم يكن مرغما على طرح السؤال عن علاقة هذه الحرية بالعدالة سواء أكانت إجتماعية أم غيرها ) ، إذ فتحت أمام الفن آفاقا لاسابق لها ، وإمكانيات إستغلها الخلق الفني كاملة. إلا أن لكل شيء ثمنه. والثمن الذي دفعه الفنانون الروس على تجربتهم ، كان مفجعا. وكان الزيف والكذب ثمن تلك الفاجعة. إذ هل كان بمكنة فنان مثل ألكسندر رودتشينكو A. Rodtchenko أن يعمل صورا فوتوغرافية بدون أن يزيف واقع معسكرات العمل العبودي أو أن ُتحرَّر مانفستات فكرية بلغة الماركسية – اللينينية بدون أن يصبح الفنان بعدها ( مهندسا للنفس ) ؟
لقد كتب الكثير عن تأريخ الطليعة الروسية إلا أن الجديد منذ أكثر من عقد واحد هو أن الضوء قد سلط على الإرشيفات السرّية التي نقلتنا الى عالم ( غرائبي ) يتعارض كليا مع الآخر الذي كانت قد عوّدتنا عليه الدعاية السوفيتية. فعلى سبيل المثال نشرت صحيفة ( ليبراسيون ) الفرنسية في نهاية تموز 1991 وثائق البوليس السياسي المتعلقة بالتحقيقات والإجراءات ضد ثلاثة أدباء : إسحق بابل وميخائيل بولهاكوف ( بولغاكوف ) وبوريس باسترناك . ليس الغرض من هذا الكتاب التوثيق التأريخي بل تحديد سمات النموذج الأخلاقي لفنان الثورة وبالضبط للجماعة المسماة بالفنانين اليساريين الذين كانوا ملتزمين بالثورة البروليتارية في روسيا ، وبصورة أدق : إلتزموا بمهمة بناء البلاشفة لنظام الحكم السوفيتي. بالطبع كان هؤلاء الفنانون يحددون هويتهم بتقاليد ما قبل الثورة . ومعلوم أن وعي الفن الحديث والراديكالي سياسيا قد بلغ نضوجه مع تصاعد النزاعات الإجتماعية في أوربا كلها. ويكفي القول هنا إن الإسم الذي إختارته أوائل التجمعات الطلائعية في روسيا كان ذا رائحة سياسية : ( الأعرج الديناري Bubnovy Valet ). وورقة اللعب هذه كانت شارة في لباس نزلاء السجون القيصرية.. وهذا التجمع إرتبط بالحركة المستقبلية الروسية من أعوام 1909 - 1917 ، والتي كانت قد إهتمت بالتصوير الفرنسي والتكعيبية المبكرة بشكل خاص ، وإنتمى إليها كبار التشكيليين أمثال كازمير ماليفتش والأخوين دافيد وفلاديمير بورلوك وميخائيل واريونوف وبيوتر كونتشاوفسكي وغيرهم .
كان مركز الجذب والتلاحم لليسارهو الثورة بالطبع سواء أكانت ثورة شباط أو ثورة تشرين أول / أكتوبر. وكانت الثورة قد عوملت كثمرة للجهود المكرسة لثيمتي لغة الفن وثقافته أيضا. فالفنانون خامرهم الشعور بأنهم سبقوا الثورة عندما قاموا بتفعيل عدد من شعاراتها. وفيما يخص ثورة البلاشفة كان صعود هؤلاء الفنانين وتحقيقهم الشهرة يرتبطان وليس فقط بعمق إيمانهم بالمستقبل الشيوعي أو الشبه القائم بين الشعارات الماركسية – اللينينية وبين مساعيهم بل في ذلك الوضع التأريخي بعد أشهر من الثورة. ومعلوم أن المؤسسة السياسية لم تهضم الطليعة ولم تتقبلها. وأناتولي وُناتشارسكي الذي عينته اللجنة المركزية للحزب قوميسار الشعب لشؤون التعليم كان يمارس لعبة مزدوجة أزاء أوساط الطليعة. وفي كل الأحوال ففي الوضع الذي أدارت أكثرية الأوساط الفنية والأدبية ظهرها فيه للسلطة وإتخذت موقف الصمت ، كان فنانو الطليعة ، أي الأقلية ، يمارسون الحوار وصمموا على المشاركة في عملية بناء دولة ومجتمع جديدين وتحمّل المسؤولية عن ذلك أيضاً. ويذكر فلاديمير تاتلين : ( أن تقبلَ أم لا تقبلَ ثورة أكتوبر. لم يكن لدي مثل هذا السؤال. لقد إلتحقتُ عضويا بالعمل الخلاق والإجتماعي والتربوي ). وألكسندر رودتشينكو قال الشيء نفسه : ( لقد سجلت إسمي كاملا في الثورة وبكل ما أملك من قوة ). والأمر المميّز أن من إستجاب للدعوة التي وجهها البلاشفة ببضعة أيام بعد الثورة ، الى الإنتلجنسيا في بيوتروغراد من أجل التشاور والنقاش حول الشكل القادم للتعاون بين الحكومة الجديدة والوسط الفني كان خمسة فقط من الفنانين والشعراء : فلاديمير ماياكوفسكي وألكسندر بلوك ( بووك) وفسيفولود ميرهولد وكوجكا بييتروف – فودكين وناتان آلتمان. بالطبع يمكن النظر الى المسألة من زاوية أخرى ليست أيدولوجية بل هي بالأحرى تاكتيكية. فلقد كانت الطليعة ، عامة ، من الناحية العملية الجماعةَ الوحيدة من الفنانين والأدباء التي لم تكن تملك أي شيء لفقدانه لكن كل شيء لنيله ...
كان وُناتشارسكي يدرك جيدا صعوبة الحالة وتعقدها. كما كان يعرف بأنه ستكون ( مأساة ) إذا حصل المستقبليون – التكعيبيون ، أي أكبر التجمعات الفنية آنذاك ، على الفرصة كي يعتبروا أنفسهم خالقين لمدرسة الدولة ، الفنية وممثلين للفن الرسمي وإذا لم يكن الثوري. بإختصار كان هامش المناورة عند هذا القوميسارضيقا. فقد إستمرت مقاطعة الفنانين والكتاب للسلطة الجديدة ، وفي أحسن الأحوال كانوا يتخذون موقف الترقب. إلا أن القوميسار كان على إقتناع تام بأن السلطة هي بحاجة الى الفن الذي هو ، كما كتب ، ( كحقل للأيدولوجيا يكون سلاحا بالغ القوة في الدعاية والتحريك ). وهكذا لايمكن لوُناتشارسكي إتخاذ موقف اللامبالاة أوالتخلي عن الإمكانيات السياسية المتوفرة في الفن. ويكشف في كتاباته عن قلقه العميق من أن تفقد السلطة الجديدة متعاونين ومنفذين لسياستها من الاوساط الفنية والثقافية عامة. وكان قد عثر على عدد من الفنانين الحديثين الذين وفر لهم المناصب في مديرية الفنون الجميلة وغيرها من الأقسام التابعة لقوميسارية التعليم. وعلى سبيل المثال وقف دافيد شتيرنبيرغ على رأس ( الهيئة العليا ) للقوميسارية في بيوترغراد ، وفواديمير تاتلين في موسكو. وكانت مجلة ( فن الكومونة ) التي اشرف على تحريرها آلتمان وبريك وبونين أداة الدعاية لسياسة هذه المؤسسة. وأمثال هؤلاء الفنانين تسنموا مراكزا إدارية مهمة أخرى في دولة ما بعد أكتوبر. ومن أولى قرارات تلك المديرية تأسيس ( مكتب المتاحف وصندوق المشتريات ) الذي كان رودتشينكو مديره. وكانت معه هناك زوجته الفنانة فارفارا ستييبانوفا. ومهمة المكتب كانت شراء الأعمال الفنية. وفي الأعوام 1918 – 1920 تم شراء 1826 عملا ل415 فنانا. كذلك أُنشئت هيئات كثيرة مهمتها تحسين نشاط القوميسارية والسيطرة على كامل الحياة الثقافية في الدولة الجديدة. مثلا أنشئت هيئة وظيفتها تسجيل المنظمات الفنية الجديدة وتنظيم معارض الدولة. وتأسست أيضا ( مديرية الفن الصناعي ) التي أدارتها الفنانة أولغا روزونوفا ، و( مديرية المتاحف وصيانة الآثار الفنية ) والكثير من ( الخلايا التنظيمية ). كذلك تأسس ما يسمى بمتاحف الثقافة الفنية التي صاغ الفنان إيفان بوني ( جان بوني ) فكرتها : أن تكون أداة للتربية الفنية بروح اليسار بالطبع. وقد ُفسّر إغلاق ( أكاديمية بطرسبرغ ) و( مدرسة ستروغونوف للفنون التزيينية ) و( أكاديمية التصوير والنحت والعمارة ) في موسكو ، بإقرار نظام تعليمي جديد وإشتراكي. وهكذا أُسس ( المشغل الفني – التقني العالي ) في بيتروغراد نتيجة دمج مدرسة الفنون التشكيلية ومدرسة الصناعة الفنية ، وشبيهه في موسكو ، كذلك أُنشيء معهد أبحاث الثقافة الفنية الذي أصبح فيمابعد ، ساحة نزاعات بين شتى تيارات الفن الطلائعي. وكان فاسيلي كاندينسكي أول مدير فيه. إلا أنه سرعان ما تركه بعد الهجوم الشديد على برنامجه والذي قاده اليسار االراديكالي وأنصار ما يسمى ( فن الإنتاجية ).
لقد كان الإلتزام التام بالثورة ومحاولات السيطرة على معاهد الدولة في الحقل الثقافي ، وإخضاع الحياة الفنية لنوع من ( دكتاتورية الأقلية ) ، قد إرتبط في أذهان معاصري الثورة والمؤرخين بمرئيات الثورة آنذاك. وكما ذكرنا رفضت أكثرية الفنانين (75%) التعاون مع وُناتشارسكي. وفي الحقيقة كانت أحوال التوتر قد ظهرت قبلها بل يمكن القول إنه منذ البداية ظهرت التناقضات بين فناني اليسار والسلطة السوفيتية. فمن جهة كان السعي الى التحالف ومن أخرى إنعدام الثقة المتبادلة ونشوء موقف التحفظ. وعندما طرح لينين شعار ( الدعاية الكبرى ) أي القرار من 13 نيسان 1918 كان رد فعل فناني اليسار هو التحفظ بالرغم من إلتزامه بالقرار، وفي الحقيقة بفضله. فتشييد أنصاب للأسلاف من تأريخ الثورات ليس من المهام التي تقف أمام الطليعة. وفي الواقع لم يلق مشروع ( الدعاية الكبرى ) أصداء ملموسة في وسط الطليعة الفنية لا في بيوترغراد ولا في موسكو البعيدة عن المركز آنذاك. وقد تكون الثمرة الفورية للحملة هو عمل بارز واحد من بين قليل من الأعمال وهو مشروع نصب الأممية الثالثة الذي صممه فواديمير تاتلين رئيس شعبة موسكو لمديرية الفنون الجميلة والذي وجد من واجبه التجاوب مع نداء السلطة. وحتى هذا المشروع لقي الفتور من جانب أصحاب القرار. وكتب وُناتشارسكي حينها : ( الرفيق تاتلين صنع تشييدا مليئا بالمفارقة .. ومن الممكن إرتكاب الخطأ عند تقييم هذا العمل لكن إذا كان موباسان مستعدا للهروب من باريس كي لايرى ذلك الغرائبي الحديدي برج إيفل ، أجد أن هذا البرج هو تجسيد للجمال بالمقارنة مع هذا النتاج الأعوج للرفيق تاتلين. وأرى أني سوف لن أكون الوحيد الذي سيصيبه الغم إذا زينت موسكو أو بيوترغراد بهذا النتاج لواحد من أبرز ممثلي اليسار الفني ).
كان فنانو الطليعة مدركين لضعف موقعهم وظهور شتى النزاعات الفكرية حولهم وكون السلطة تداور متظاهرة ًبالتفهم لتلك الأوساط التي تقاطع النظام ، وخاصة الفنانين والكتاب الملتفين حول شخصيات من نوع الرموز للأخلاقيات الإشتراكية مثل مكسيم غوركي ، لايخفون نفورهم من النظام الجديد. فالشيوعيون كانوا بحاجة الى أمثال هؤلاء ، وخاصة غوركي الذي زار بعدها معسكرات الإعتقال والعمل العبودي السوفيتية في إطار سفرة ُنظمت بكل عناية ، وأَطلق المديح الحار للسلطة على مثل هذا التنظيم ( الباهر ) لعملية ( إعادة التربية ) الإجتماعية ...
وكان أمرا متوقعاً أن الموقف الأيدولوجي الصارم وعدم التسامح وتلك السياسة الهجومية واللامهادنة التي تميز بها اليسارالفني قد حرمته من الأصدقاء وزادت من الأعداء العلنيين خاصة. وكان هناك الوضع المتأزم بسبب برامج النشاط المتعارضة وسنوات ( شيوعية الحرب ) عندما كان الفنان معتمدا في كل شيء على الدولة وفق مباديء الراعي الإشتراكي ، والفقدان الدائم لوسائل العيش والعمل بدءاً بالورق والأصباغ والطبع والقماش ثم إحتكار وكالات ذلك الراعي فيما يتعلق بالأموال المخصصة لشراء الأعمال الفنية أو لدور النشر وغيرها. وسبّب كل هذا رد فعل سلبياً إنداح خارج ( رعاية الدولة ) بالطبع ، بعبارة أخرى كان الحل الوسط أمرا غير ممكن ، والنزاع كان أمرا محتوما. ومن المفهوم أن أحد مستويات النزاع كان ذا طبيعة فنية. ففنانو النظام القديم وأعداء البلاشفة السياسيون رفضوا بصورة قاطعة التجارب البصرية والتصويرغير التشخيصي وتلك البلاغة الضاجة للمانفستات النظرية التي كان يطلقها المستقبليون – التكعيبيون بشكل خاص. لكنه من ناحية أخرى حين رفضوا عروض وُناتشارسكي حول التعاون مع تلك المديرية كان هؤلاء الفنانون يلقون التجاهل أذا خص الأمر تنظيم معارض لهم وشراء أعمالهم وغير ذلك. وفي هذا الوضع لم يكن ممكنا إستمرار المقاطعة الى الأبد خاصة أن الإغراءات كانت تتزايد. وكان هؤلاء المنبوذون و( المحاصرون ) يدافعون عن أنفسهم بإتهام الطليعة وليس بالميول ( الدكتاتورية ) فقط بل ( إنعدام الفهم ) و( النزوع التدميري ) والأكثر من ذلك ب( التدهور البورجوازي ) أي بأشنع تهمة آنذاك ...
لم يكن جوهر الأمر في أن الإتهامات المتبادلة وبلاغة الدفاعات قد اقنعت جهة القرار بل كان في الأهداف التي رسمتها لنفسها ( ناركومبروس Narkompros: قوميسارية التعليم الشعبية ) ومعها نخبة البلاشفة. وفي مؤلفه المعنون ( الدولة السوفييتية والفن ) كتب قوميسارها وًناتشارسكي الذي كان في عيون معاصريه والباحثين مناصرا للطليعة ( أكيد أنه كان مناصرا لكن لدرجة معينة وبحكم التاكتيك المرسوم ) : [ الثوريون الحقيقيون وليس اللبراليون محبو الكلام الفارغ ، هم الذين لم يخفوا أبدا بأنه بعد الإستحواذ على السلطة سوف لن ُيبقوا لأعدائهم حرية النشاط . وكان ماركس الشاب قد كتب مرة : " سنكون نحن أنفسنا صارمين ، وكذلك لا تطلبوا منا أن نكون متساهلين ، فبعد غنم السلطة سننتقل الى أساليب إرهابية في الكفاح ، ولن نسترها بدافع الرياء ". والشيء نفسه قاله بلانكي Blanqui الذي كان يلقى قبول ماركس عامة : "حالما ترفع الكمامة عن أفواه البروليتاريا سنضعها على أفواه الرأسماليين". إن حزم ووضوح هذه الأقوال لايتركان أيّ مجال للشك. والإشتراكيون الساعون ، في النهاية ، الى حرية الفن التامة هم مرغمون في ذات الوقت على الكفاح ضد التحريض العدائي بشكل فني، وهم يسعون ، بحكم طبيعة الأشياء ، الى العثور على الوسيلة النموذجية القائمة بين الرقابة الفظة ولامبالاة الجماليين. هم يريدون العثور على الوسيلة النموذجية بين الرقابة الفظة التي قد تخلق روح الكراهية والأضطهاد في الأدب حاصدة معاً الزهور السامة للتحريض العدائي وكذلك الكثير من الأعمال المحايدة والمفيدة نسبيا، وبين تلك اللامبالاة لدى الجماليين الذين يكون لديهم كل شيء رائعا إذا حمل إسم الفنيّة التي يهرّبون تحت رايتها كل ما هو ظلامي وسيء . وإذا لم يكن بإمكان الدولة البروليتارية الإعتراف بمبدأ ( دعه يمر.. laissez faire, laissez aller ) في حقل الفن ، بالمعنى السلبي ، فعليها أن تضع سدّاً أمام هذه الظواهر التي قد تكون بالغة الضررعلى الثورة ، فمن ناحية أخرى لايمكن التستر بهذا المبدأ في سياستها الإيجابية ] . وتجدر الإشارة هنا الى أن لويس بلانكي (1808 – 1881 ) كان من الشيوعيين اليوتوبيين الفرنسيين وُيعدّ خالق العقيدة التي تحمل إسمه ( البلانكية ) الداعية االى الكفاح المسلح وتغيير النظام الإجتماعي وحتى عن طريق التآمر أي بدون إستنفار الجماهير الشعبية.
وبهذه الصورة كانت المهمة الأساسية للسسلطة السوفيتية بسط السيطرة على كامل الوسط الفني إن امكن ، أي السيطرة على المتحمسين للثورة ومعارضيها أيضا. وفي إطار المؤسسة الحزبية كان الجميع على إتفاق بهذا الشأن. ومرة قال لينين لكلارا زيتكين C. Zetkin : نحن شيوعيون بالطبع. ولايمكن أن نقف مكتوفي الأيدي ونسمح للفوضى أن تفعل ما تشاء. علينا أن نحاول ، بوعي ، تطوير الفن وتشكيله وتحديد نتائجه.
كما قلنا كانت أكثرية الوسط الفني التي قاطعت البلاشفة قد أصبحت خارج تنظيمات الحياة الفنية الرسمية ، أي أنها كانت خارج السيطرة المباشرة للسلطة بصورة ما. وبطبيعة الحال كان هناك خيار التصفية إلا أن السلطة كانت بحاجة الى الفن عامة مما أكدت عليه أقوال وُناتشارسكي الآنفة الذكر. ومن الواضح أن المواقف الحدية التي إتخذتها الطليعة ونزعتها الهجومية العنيفة قد زادت من مخاوف الفنانين المقاطِعين والصامتين والمترقبين على السواء .. فالطلائعيون لم يخفوا أبدا نزوعهم صوب ( الدكتاتورية ) وسعيهم الى أن يكون فنهم معترفا به كفن رسمي للدولة. وكانوا على إيمان بنجاعة دكتاتورية الأقلية في قضايا الثقافة ، كأمر شبيه بدكتاتورية البلاشفة في الحكم. وكتب بونين Punin : ( نحن نريد أن نرى تحقيق أكتوبرنا ، نريد أن نحقق دكتاتورية الأقلية إذ أن الأقلية لاغيرها تقررالقوة الخلاقة القادرة على المضي جنبا الى جنب مع الطبقة العاملة ). الا أن للسلطة تاكتيكها وكان لابد من تخفيف حدة مثل هذه التصريحات كي لاتجرح مشاعر المتعاونين مع قوميسارية التعليم كذلك من أجل جذب الآخرين الذين ( يعرفون التلوين والرسم ) ...
ولتحقيق هذه السياسة جازف القوميسار وُناتشارسكي بأسمه كشيوعي جيّد. وكانت محاولته التالية ، أي الثانية ، هي تأسيس شعبة الأدب في القوميسارية في مطلع عام 1919 وجرّ عدد من الكتاب المعروفين أمثال بيوي وتشوكوف وغوركي للعمل فيها. إلا أن هذه المحاولة هوجمت فورا على صفحات جريدة الإزفييستا التي وجهت الإتهام بأن الإنتلجنسيا المعادية للسوفييت تسعى الى خلق بيروقراطية جديدة ! وبعبارة أخرى كان الهجوم موّجها ضد وُناتشارسكي وموقفه المزدوج من الطليعة. ومن المحتمل أنه قد ثمّن ميلها ( الفكري ) وإلتزامها لكنه رفض راديكاليتها الأستيتيكية والأخرى المتعلقة بالتاكتيك. فشعار ماياكوفسكي ( إعدموا الراستريليين ) أي التقاليد وبالضبط المعمارية ( راستريللي Rastrelli 1700 - 1771 معماري روسي من أصل إيطالي بنى قصر الشتاء في بطرسبرغ وكنيسة أندري في كييف وغيرهما ) علق وُناتشارسكي عليه بهذه الصورة : ( مما لاشك فيه انه شعار بوروجوازي – فوضوي وليس بروليتارياً. إنه شعار إنسان ضيق الأفق ومتمرد قابع في حانته البوهيمية والبورجوازية الصغيرة وتجذبه دائما أشكال التدمير المحمومة ، ويبدو له أنها تحرره من منافسين غير لطفاء وبذلك يرغم الشعب ذا الخلق القويم على أن يعتبر العصر الثقافي الجديد قد بدأ مع ولادة هذا الشخص. إن هذه الهستيريا الطائشة وشتى أشكال الأنانية غريبة على البروليتاريا ). وفي مكان آخر كتب : ( .. عندما يمجد اليسار الفني الحالي الشكلانية يكون عاجزا عن القيام بالخلق الثوري بالمعنى الفكري ومثلما يعجز الأبكم عن إلقاء خطب ثورية. فهذا اليسار ينبذ ، مبدأياً ، المضامين الفكرية والبصرية للوحات والتماثيل وإلخ . والأكثر من ذلك فهو قد مضى بعيدا في تشويه المادة المستمدة من الطبيعة لدرجة أن العمال والفلاحين الذين ، كما عظام الفنانين من جميع العصور، يطلبون قبل كل شيء الوضوح في الفن ، يقفون حائرين أمام مثل هذه النتاجات لأفول الثقافة في أوربا الغربية ).
وصارت واضحة للغاية الإستنتاجات فيما يتعلق بالدعاية البصرية لدى وُناتشارسكي: ( إذا خص الأمر الملصق فعليه أن يكون نصبيا monumental ومفهوما لدى الجميع أي واقعيا لأكبر درجة ).
كانت إشكالية الموقف من التقاليد قد جاءت بفارق جوهري بين المستقبليين والجزء الأكبر من المؤسسة السوفيتية وعلى رأسه لينين بالذات. إذ أن شعار ( إحرقوا رافائيل ) كان غريبا على البلاشفة. فهؤلاء وجدوا في التقاليد إحتياطا ضخما للنجاحات الدعائية. ولم يجدوا هناك أسبابا تحول دون عدم وضع وسائط الفن القديم تحت تصرف الماكنة الدعائية. وشعار ( إحرقوا رافائيل ) كان نوعا من التهديد المادي للبلاشفة. فالتطبيق الحرفي لمثل هذا الشعار يعتبرضياعا لثروة كبيرة هي تلك الأعمال الفنية التي صارت الآن ملكا للدولة...
كان للنزاع الآخذ بالإشتداد بين الطليعة والقوميسار أساسه النظري بالطبع. فمفهوم القوميسار كوريث لأيدولوجيا وليم موريس حول الصناعة الفنية كان يخص قبل كل شيء أنشطة الحرفيين والهواة. وكانت الطليعة قد توجهت الى الطبقة العاملة ( القوة الطلائعية للثورة ) مطالبة بفرص التأثيرعلى الإنتاج بل تشكيله. فبرأيها كان العامل البروليتاري بمثابة ( إطالة ) للفنان ، وخالق للشيء بكامل الوعي. أما وُناتشارسكي فكان يقول إن الفن لايمكن إختصاره الى الإنتاج الصناعي. كما رفض تلك الضغوط الهادفة تحقيق إستقلالية القيم المهنية الصرفة التي أكدت عليها الطليعة. فلقد كانت غريبة على وُناتشارسكي ( الطريقة الشكلانية ) لفكتور شكلوفسكي التي ترفض أيّ خطاب يريد أدلجة الفن ، كما كان هناك سعي بونين الى ( التوفيق بين الشكل المستقل والتأريخ الديالكتيكي ).
ومن بين أعضاء قيادة السلطة كان ليف تروتسكي الذي إعتبروه ، وبعد تركه البلاد بالطبع ، الأكثر لبرالية في مجال الفن. إلا أنها محض شائعة ولربما يجد بعضهم صحتها في أن تروتسكي صار صديقا للسورياليين والمصورين التجريديين الأمريكان. الا أنه حين كان في قمة السلطة أبدى بالغ التحفظ أزاء الطليعة التي أسموها ، آنذاك ب( المستقبلية ). أما موقف لينين السلبي بل إحتقاره للطليعة فكان معروفا. وعندما كان يتكلم عنها كان يلجأ الى وصفها ب( الفن المنحط ) وبذلك سبق هتلر في مثل هذا الحكم على الفن الحديث عامة. وفي الواقع هناك محاولات من جانب بعض الباحثين المتخصصين بشخصية لينين وأعماله وتركته ، تهدف إثبات موقف آخر لزعيم الثورة أزاء الفن يكشف عن إهتمامه بالثقافة المحدّثة .. وهؤلاء يرون مثل هذه الأدلة في إتصالاته المزعومة مع الدادائيين أثناء إقامته في زوريخ. وعموما كان إهتمام لينين بالفنون التشكيلية ضعيفا. وتشهد على ذلك كتاباته الكثيرة حيث عدا الفلسفة والسياسة والإقتصاد وغيرها أعار إهتماما للأدب بينما لم يكترث كثيرا بالفن التشكيلي المعاصر. وينتج من المجلد الضخم الصادر في موسكو في عام 1977 أن إهتمام لينين إنصب على الفن القومي المحافظ. وهو أمر أكيد بأنه كان معنيا جدا بالفنانين المسمين ب( البيرييدفيجنيين ) . وهؤلاء كانوا اعضاء ( جمعية المعارض الفنية المتنقلة ) التي تأسست في عام 1870 وواصلت تقاليد الواقعية التي كان من أكبرفنانيها رييبين Riepin وسوريكوف وفاسنييتسوف ، ودعاتها بييلينسكي وتشيرنيشيفسكي اللذين أعجبت لينين كثيرا نزعتهما النقدية. كذلك فتصريحه لكلارا زيتكين الآنف الذكر يبين بصورة واضحة نفوره من التجديد في الفن. ومن ضمن أقواله حينها : ( أنا أملك الجرأة على أن أظهر نفسي ( بربريا ) الا أنني لاأستطيع تقدير أعمال التعبيرية والمستقبلية والتكعيبية وبقية ال( إزم )ات كأسمى تعبير للعبقرية الفنية. أنا لا أفهمهم. وهم لا يمنحوني المسرة ). وكان قد أثار سخطه خبر إصدار قصيدة ماياكوفسكي المعنونة ( 150 مليونا ) بخمسة آلاف نسخة. وعندما قرأ النسخة التي أهداها الشاعر اليه قال : ( هل تعرفون بأن هذا أدب مثير للإهتمام جدا. إنه نوع خاص من الشيوعية . إنها شيوعية " شقاوات " ). وكتب الى وُناتشارسكي وبوكروفسكي المسؤول من طرف الحزب عن النشر : ( ياله من أمر مخجل التصويت لإصدار ( 150 مليونا ) لماياكوفسكي في خمسة الآف نسخة. عبث وغباء ، غباء عبثي وإدعاء وتصنع. برأيي أنه كان يجب طبع مثل هذه الأشياء بنسبة العشر وليس أكثر من 1500 نسخة ، تخصص للمكتبات وغريبي الأطوار. أما وُناتشارسكي فينبغي جلده عقابا على المستقبلية ). وفي مذكرة أخرى نقرأ : ( أيها الرفيق بوكروفسكي ! أرجوكم مرة أخرى أن تقدموا المساعدة في مكافحة المستقبلية وما شاكلها.
أولاً - وُناتشارسكي نجح في الهيئة المقررة ، وللأسف ، في مسألة طبع ال(150 مليونا ) لماياكوفسكي.
ثانيا - كيشيليتس الذي ، كما يقولون ، تشكيلي ( واقعي ) ركله وُناتشارسكي وشجّع الآخر المستقبلي جهراً وبصورة غير مباشرة أيضاً. ألا يمكن العثور على مناوئين للمستقبليين يمكن الإعتماد عليهم. )
وكما سبق القول لم تنظرالسلطة منذ البدء بعين الرضا لحلفائها الفكريين من اليسار الفني ، وكان نفورها من الطليعة يتعمق يوما بعد يوم. وبحثت بصورة سافرة عن وسيلة أخرى غير وسيلة الطليعة في التعبير عن ( الثقافة الإشتراكية ). ومن الطبيعي أن مثل هذا الموقف قد عمّق شعور اليسار الفني بالخيبة والخطر.



- 2 -


في بداية عام 1919 تصاعد الهجوم على هذا اليسار. مثلاً قررت اللجنة التنفيذية لمجلس بيوتروغراد ، في الأول من نيسان أن الإحتفالات القادمة بأول أيار لاينبغي أن تنظم بإملاء ٍ من المستقبليين العاملين في مديرية الفنون الجميلة. كذلك لفت ( إتحاد شغيلة العلم والفن والثقافة IZO ) إنتباه قوميسار التعليم الى ضرورة ( الحد من هيمنة المستقبلية والتكعيبية والصورية إلخ ، في الجمهورية الإشتراكية السوفيتية ) ، وطالب ب( فن بروليتاري عن حق ، ومتفق مع العقيدة الشيوعية ). وكان معلوما أن النفور بل الإطلاقات الأولى للنارعلى الطليعة كانت خلفيتها الصراع القائم بين هذه الطليعة ومنظمة ( الثقافة البروليتارية – بروليتكولت Proletkult ). وهذه كانت منظمة جماهيرية ثقافية – أدبية نشطت في الأعوام مابين 1917 و 1932 وأعلنت برنامجها حول ( الثقافة النقية ) البروليتارية المنفصلة عن التقاليد ، وكان مُنظرها الرئيسي ألكسندر بوغدانوف A. Bogdanov. وتلك الإطلاقات زادت المشهد الثقافي والسياسي السوفيتي تعقيدا. ومنذها أخذت تتضاعف متاعب الطبع لمجلة ( فن الكومونة Iskusstvo Kommuny) اللسان الصحفي لمديرية الفنون الجميلة التي كانت تحت سيطرة المستقبليين. وردّا على موقف السلطة قامت الطليعة بهجوم مضاد تمثل بتشكيل منظمة سياسية لفناني اليسار مستقلة عن حزب البلاشفة و( بروليتكولت ). وسمّيت هذه المنظمة الجديدة ب(كومفوت Komfut: الشيوعيون - المستقبليون ). وقد سعت الى أن تكون منظمة داخل الحزب الشيوعي مهمتها الضغط على السلطة كي تمارس سياسة أكثر تشدداً ولامهادنة ً أزاء ( بقايا الثقافة البوروجوازية ). وكان شرط الإنتماء اليها عضوية الحزب. ولقد كان تشكيل ( كومفوت ) التي لم تسجل رسميا لدى السلطة بمثابة محاولة ربط المستقبلية بالشيوعية وكردّ على توّجه المستقبلية الإيطالية صوب الفاشية.. وكانت بيانات الجماعة حدّية وذات معنى واحد لاغير: ( النظام الشيوعي يتطلب وعيا شيوعيا ) هكذا كتب ( الشيوعيون _ المستقبليون ) في بيانهم البرنامجي. ونقرأ فيه أيضاً :
( إن جميع أشكال الوجود والأخلاق والفلسفة والفن ينبغي إعادة بنائها على أسس الشيوعية. وبدون ذلك يكون من غير الممكن التطور التالي للثورة الشيوعية .
إن أجهزة الثقافة والتعليم العائدة الى السلطة السوفيتية تكشف في نشاطها عن الإنعدام التام لفهم واجبات الثورة والمناطة بها. فأيدولوجيا الإشتراكية الدمقراطية والتي ُلصِقت على عجل ، لا تقدر على مجابهة تجربة أمدها قرون طويلة حصل عليها الأيدولوجيون البورجوازيون الذين يستغلون اليوم لمصلحتهم المنظمات الثقافية - التعليمية البروليتارية.
وتحت غطاء الحقائق الأكيدة يطعمون الجماهير نظريات زائفة عن حكم السادة.
وتحت غطاء الحقيقة عموم الإنسانية يطعمونها أخلاقيات المستغلين.
وتحت غطاء حقائق الجمال الأبدية يطعمونها أذواق المالكين الفاسدة.
ينبغي، بدون إبطاء، البدء بخلق أيدولوجيا شيوعية خاصة بنا.
ينبغي البدء بالكفاح الحازم ضد كل الأيدولوجيات البورجوازية الزائفة التي تعود الى الماضي.
ينبغي إستنفار الجماهير من أجل حركة أعمال الهواة الخلاقة ... )
وهذا البيان رعاه وطوّره أوسيب بريك Osip Brik أحد خالقي ومنظري الفن اليساري ومنظماته ، وفيما بعد عيّن مديرا للمعهد المتفرغ للفن المرتبط بالإنتاج والمسمى عامة ب( فن الإنتاجية ). كذلك كان بريك كاتبا أفلح في كتاباته الصحفية وخطاباته النظرية في الربط بين الشكلانية والماركسية وهي الصفة المميزة أكثرمن غيرها لتطور الطليعة الروسية. و كان أحد مقالاته في مجلة ( فن الكومونة ) يحمل عنوانا قتاليا معهودا لدى بريك : ( كفى مهادنة وتبعية ). وهذه بعض مقاطعه :
[ إن حد النصل للمرحلة الحالية من الثورة هو كفاح الدكتاتورية البروليتارية ضد المهادنة البوروجوازية – الدمقراطية. ولحد كاف أوضح لينين ذلك في كراسه ( الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي ). وليس علينا نحن خالقي الثقافة البروليتارية إلا إستخلاص الإستنتاجات العملية والمناسبة والعمل من أجل تحقيق دكتاتورية الأيدولوجيا البروليتارية في جميع حقول الحياة والمعرفة والخلق.
وقد يبدو أنه ليس من الممكن وجود شكوك في هذه القضية. في كل الأحوال لاينبغي على كل شيوعي واع أن يمتلكها . لكن تبين أنه من بين مائة من مناصري الدكتاتورية السياسية هناك 99 مهادنا عندما يحتك بتحولات الثقافة.
وتثبت صحة كلمات ماركس عن تقاليد أمدها قرون طويلة هي مثل كابوس مطبق على وعي الناس المعاصرين. وهي لا تزال حيّة ، وخيّل أنه قد أزيلت من القاموس الماركسي مفاهيم مثل ( الحقيقة المطلقة ) و( الثقافة الإنسانية العامة ) و( الفن المقدّس ) و( الجمال الخالد ) وغيرها من الكلمات الجوفاء التي تعود الى ترسانة الأكاذيب والخدع البوروجوازية .
وخاصة في الفن !
إن البروليتاريا لم يسعفها الوقت لخلق أستيتيكاها. ومشاكل الفن لم تخضعها البروليتاريا للنقد الثوري بعد. والآن عندما حان الوقت لكي تفرض البروليتاريا دكتاتوريتها في حقل الثقافة ، إفتقدت بعض الأسس الأيدولوجية اللازمة. وتبين أنها عزلاء أمام ضغوط المهادنين البوروجوازيين – الديمقراطيين.
إن المحاولات الضعيفة التي قامت بها ( بروليتكولت ) للدفاع عن إستقلال الثقافة البروليتارية لم تأت بثمار ، وكان السبب عدم التهيؤ الأيدولوجي للعاملين في ( بروليتكولت ) وجهلهم التام بما يخص القضايا الأساسية للفن. ولقد بقيت الشعارات البروليتارية معلقة في الهواء ولم تسبب ولو أبسط إهتزازة في أسس الفن الحالية. إن مزج مفاهيم الثقافة ( العمالية ) ب( البروليتارية ) قد قاد أولئك العاملين الى أشكال للرومانسية المدينية بعبادتها للبطولة الرخيصة والشعبية المزيفة والسوقية. إن هذه الأشكال هي غير راهنة منذ أمد طويل.
وعلى أيّ حال فقد حرّكت ( بروليتكولت ) قضية تمايز الثقافة البروليتارية. ولم تثر الأجهزة الثقافية – التعليمية الأخرى للسلطة السوفيتية هذه القضية. إننا شهود إبتعاد تام عن الخط البروليتاري وأيّ كان. إننا شهود ( دمقرطة ) تامة ومهادنة لايمكن تفاديها في هذا الوضع ، مع جميع الأيدولوجيات نصف الحيّة الآن ، أيدولوجيات الثقافة البورجوازية الزائلة (...)
ومعلوم أيّ مصير لقيته الإتفاقات المهادنة في أثناء الثورة. فهي لاترضي أية جهة. وإنهاؤها هو أمر لايمكن تفاديه. وكلما حصل هذا الشيء بصورة أسرع كان أفضل.
وفي كل الأحوال نحن نبذل أقصى الجهد هنا مطالبين بالتحقيق الكامل لدكتاتورية البروليتاريا في جميع ميادين الثقافة ].
مفهومٌ أنه لا يمكن عزل هذا البيان عن زمكانه. فحينها كان التنافس على أشده بين مختلف المراكز الأيدولوجية و السلطوية. وفي البيانات من هذا النوع نلقى قبل كل شيء روح الخلاف مع منظمة ( بروليتكولت ) التي كان فنانو اليسار على إرتباط معين بها. وفي بيانات بوغدانوف كان هناك الكثير من الصياغات القريبة من الطليعة مثل منح الفن مرتبة ذات أهمية أكبر وقوةً في عملية بناء الواقع الجديد. فهو يقول : ( إن الفن هو أقوى سلاح في تنظيم قوى الجماعية في المجتمع الطبقي ، أي القوى الطبقية ) وأن البروليتاري يحتاج الى " فن جديد طبقي " معرّفا إياه بكلمتين: (الجماعية ) و( العمل ).
ثمة شبه واضح بين (بروليتكولت ) والداعين الى ( فن الإنتاجية ) من تجمع ( كومفوت ). فكلا التجمعين يسعى الى الإستقلال عن الشيوعيين ، وإحتكار السيطرة على قضايا الثقافة أيضا. وكان التجمع الأول منافسا خطرا للثاني على الصعيد التنظيمي خاصة ، فقد كان يضم 400 ألف عضو و80 ألفا من الناشطين وأكثر من 300 مسرح و15 مجلة إضافة الى مدارس ونواد ودور للثقافة وغيرها ، بينما يكون التجمع الثاني مجرد مجموعة ليست بالكبيرة من المثقفين والفنانين. وفي حقيقة الأمر كان يتصادم هنا مفهومان ثقافيان متعارضان في الجوهر رغم العديد من أحوال الشبه. فبوغدانوف وجد أن العمال أنفسهم يقررون أيّ شيء ستكونه ثقافتهم. ووفقه تكون الثقافة البروليتارية ثقافة خلقها العمال وللعمال وما واجب الدولة الإشتراكية الجديدة إلا رعاية مواهب الطبقة العاملة وتنظيم حركة الهواة في وسط البروليتاريا وبذلك بناء وعيها الطبقي.. وكان قائما الإتفاق بأنه لايمكن للفن أن ينحدر من التقاليد ( البورجوازية ) الا أن بوغدانوف أكد على أن الخلق يجب أن يكون هنا مستقلا وأصيلا ، عماليا ومتحررا من أيّ تحكم سياسي وأيدولوجي بل من أية مهام تخص ( الكفاح الطبقي ).
من الواضح أن مثل هذا المفهوم ( الجماهيري ) كان يصعب على الطليعة تقبله. فهي قد وافقت فقط على الرأي القائل بأن البروليتاريا هي من يحدد شكل الثقافة القادمة وأن البرليتاريا ( الحقيقية ) ستعبّر بأشكال لامثيل لها في فن الماضي . وكانت مفارقة أنه تمت ، هنا ، صياغة مفهوم ل( الطليعة ) قريب من الآخر اللينيني. وكان أمرا مفهوما أن الحزب الشيوعي هو ( أفضل ) من يعرف بأيّ إتجاه سياسي يقود الطبقة العاملة ، ف( طليعته ) هي الحرس الأمامي للعملية التأريخية. وبهذه الصورة أراد الشيوعيون - المستقبليون من ( كومفوت ) أن يكونوا ( طليعة ) حقيقية للثقافة البروليتارية . فهم من تقمصوا دور المتفوقين والأدلاء الفنيين للطبقة العاملة. كانوا مؤمنين بأن البروليتاريا تتقبل فن المستقبل وتكتشفه كثقافة خاصة بها. ولم تثن عزيمتهم حقيقة أن الفنانين لم يكونوا أعضاء فعليين لهذه الطبقة العاملة. وكانت هذه إحدى التهم التي كررتها ( بروليتكولت ). أما إذا لم يكن ماركس وأنغلز من أفراد هذه الطبقة بل الأخرى البورجوازية فهذا ليس بالأمر المهم .. فالإثنان عبّرا ، بدقة ، كما قال بريك ، عن أيدولوجيا البروليتاريا. والحال نفسها مع الفنانين. فهم يرون من موقعهم ( المهني ) ثقافة المستقبل. إنهم يملكون المهارات والحرفية والمشغل الفني ، وكلها مكرسة للطبقة العاملة وأيدولوجيتها ومطامحها. والغرض هنا صيرورة أفراد هذه الطبقة خالقين حقيقيين. ومن المفهوم أنه كان من الصعب على بوغدانوف تقبل هذه الصيغة.
لقد كانت ضعيفة ً ًالثقة المتبادلة بين الطليعة و ( بروليتكولت ). فرغم التعاطف النسبي للفنانين اليساريين مع منظمة بوغدانوف لكن هذه لم تمنحهم كامل ثقتها. ويعود بعض الأسباب الى أن الطليعة كانت تتعاون مع المؤسسات الرسمية التي كانت تشكك ( بروليتكولت ) بها وتتهمها بالتعاطف مع نزعة ( التدهور البورجوازي ). والأكثر من ذلك فرجال بوغدانوف كانوا مدركين قوتهم بالرغم من أن آراء زعيمهم كانت منذ أمد طويل موضع إنتقادات لينين. وبين نخبة السلطة الشيوعية كان هناك من يتعاطف مع ( بروليتكولت ) رغم أن أبرز رجالها لم يكونوا اعضاء في الحزب. ومعلوم أن جريدة ( البرافدا ) الحزبية التي كان يديرها نيقولاي بوخارين قد نشرت لمرات عديدة نصوصا لرجال هذه المنظمة. وهو أمر لايتطرق اليه الشك بأن المنظمة كانت قوية ومتنفذة ومستقلة عن الحزب. وكان بوغدانوف يرى أن هناك ثلاث مناطق للثورة مستقلة الواحدة عن الأخرى وتمثلها شتى المنظمات. فمنظمته هي منظمة البروليتاريا الطبقية الثقافية – الفنية ومثلما يكون الحزب العمالي منظمتها السياسية ، والنقابات منظمتها الإقتصادية. ومن المفهوم أن التشكيك بأولوية الحزب المطلقة أمر لايمكن التساهل معه لأمد طويل. وفي لحظة معينة كان في نية لينين القيام بخطوات أكثر حزما ضد ( بروليتكولت ). الا أنها حصلت بعد وفاته. ففي عام 1925 كفت هذه المنظمة عن أن تكون ذات هيكل مستقل إذ ألحقت بالنقابات.. وفي عام 1932 أي في الحقبة الستالينية تمَّ تصفيتها. وهو أمر مفهوم أن السبب الرئيسي كان سياسيا. فالمنظمة كانت قوة إجتماعية منافسة. وكما قلنا إعتبرت الطليعة سياسة البلاشفة في الميدان الثقافي ( مهادنة ) بصورة عامة ، ولم تكن سوى حل وسط أزاء التركة ( البوروجوازية ). كذلك كانت هناك خشية الطليعة من أن تدير السلطة في لحظة ما ظهرها لها وتتوجه صوب أعدائها. ومن هنا تلك اللهجات الأيدولوجية القوية في بياناتها. كذلك كان تاكتيك الطليعة خلق جماعة ضاغطة ( لوبي ) أو نخبة ثقافية في صلب الحزب وليس خارجه كما كان الحال مع ( بروليتكولت ) ، تكون جهة َالقرار فيما يخص الشؤون الفنية. بالطبع كانت هناك فكرة خلق دكتاتورية أولئك ( الشيوعيون - المستقبليون ). إلا أن محاولات فرض مثل هذه الرؤية على البلاشفة لم يكتب لها النجاح. والأسباب هنا لم تكن نفس أسباب هزيمة المنظمة المذكورة. فمنظمة ( الشيوعيون - المستقبليون ) لم تكن منافسا للحزب ذا شأن على الصعيدين الأيدولوجي والسياسي. وأعضاء هذه المنظمة لم يكونوا نافعين للحزب بالرغم من أنهم التحقوا ، بهمة وحماس ، بعملية بناء ( الجديد ). وكانوا في أعين ( الفنانين الصامتين ) من إحتكروا رسم صورة الثورة ساعين الى منح أعمالهم تسميات مثل ( الفن الرسمي ) و( فن الدولة ) و ( الفن الثوري ) بل ( فن أكتوبر ). كذلك فالواقع كان آخذا بالتبدل ، فقد ولى زمن ( شيوعية الحرب ) وإقترب عهد ( الخطة الإقتصادية الجديدة - نيب NEP ) الذي جاء لفناني الطليعة بمشاكل وتحديّات جديدة.



- 3 -


في عام 1920 كانت الصعوبات الإقتصادية لدولة ( شيوعية الحرب ) تقترب من حالة الحريق الأمر الذي دفع السلطة الى إتخاذ قرارات بدت ، ظاهريا وفعليا أيضا ، مناقضة لمفهومها الخاص عن ( الإشتراكية العلمية ). فالشحة المزمنة للغذاء كانت عاقبة نظام التوزيع السلطوي والمعتمد على الإستيلاء أي مصادرة المواد وتوزيعها بشكل حصص. وكانت هناك الحرب الأهلية والأخرى مع بولندا ثم الحصار والإرهاب الدموي العنيف. ومعلوم أن لينين كان قد تردد طويلا فيما يخص التخلي عن نظرية ( القفزة الفورية الى الشيوعية ) الا أن ما أقنعه نهائيا كانت إنتفاضة بحارة كرونشتاد التي قمعها بصورة وحشية. ففي الخامس عشر من أذار 1921 إتخذ المؤتمر العاشر للحزب البلشفي قرارا ، بإقتراح من زعيمه ، يتعلق ببرنامج السياسة الإقتصادية الجديدة والتخلي عن أكبر عناصر إقتصاد ( شيوعية الحرب ) وفي مقدمتها تسليم الفلاحين الإجباري للمحاصيل الزراعية ، وإحتكار الدولة للتجارة. بالطبع كان العنصر الاساسي في ذلك البرنامج هو الأخذ بإقتصاد السوق أي البورجوازي. وكل هذا كان يعني إنهيارا لتاكتيك الفنانين اليساريين وإنعدام الفرص لخلق إحتكار مؤسساتي وتحقيق الدكتاتورية الثقافية. لكنهم بقوا على إيمانهم بأن شريكهم الطبيعي هو الدولة البروليتارية ولذلك أبدلوا بلاغتهم تحت ضغط الظروف الجديدة وكلهم أمل بأن هذا هو تغيير وقتي وأن عليهم البحث عن مستو للنشاط يبررحضورهم في الجمهورية السوفيتية ( المتطورة بصورة ديالكتيكية ) ، و يضمن لهم بالطبع الحفاظ على النقاء العقائدي والفني في إطار الماركسية – اللينينية. وكان رهانهم ذات الرهان الذي جاهدوا للفوز به في الأشهر الأولى من ثورة أكتوبر. الا أن الوضع أزداد صعوبة. وإذا إستثنينا نفورالدولة من فناني اليسار ، فإن إمكانياتها كراعية للثقافة قد تقلصت لحد بالغ بسبب الوضع الإقتصادي الصعب الذي ألغى شتى الخطط ( الطموحة ) في مجالات النشر خاصة. وفي الحقيقة كانت هذه المجالات قد إنتعشت في عام 1922 عندما سمح الحزب لدور النشر والمطابع من القطاع الخاص بالعمل تمشيا مع مباديء الخطة الإقتصادية الجديدة.
وفي جو الأزمة الإقتصادية المتفاقمة وإعادة رسم التاكتيك الأيدولوجي كان على فناني اليسار البحث عن شكل آخر للنشاط الفني غير التقليدي. وهكذا نبذوا الأستيتيكا التقليدية وأقنعوا أنفسهم بأن مهام المرحلة الراهنة تدفع الفن الى تغيير الأولويات. وبهذه الصورة ظهرت فكرة الفن المكرس للإنتاج أي ربط الفن بالواقع المادي والحاجات الإجتماعية وصيرورته فنا ظرفيا لاغير. وهكذا كان ( فن الإنتاجية ) رد الفنانين على نداء السلطة من أجل فن ( عملي ونافع ) وإستجابة لنفورها من ( الشكل النقي ) أيضا ، بعبارة أخرى لم يكن هو فنا برز نتيجة ( عملية منطقية ) للطليعة السوفيتية بل حصيلة ( مناورات ظرفية ).
الا أنه قبلها أي في نهاية عام 1920 كان قد أعدّ للنشر بأشراف ( المجلس الفني – الإنتاجي ) التابع لمديرية الفنون الجميلة كتاب صدر في العام التالي بعنوان ( الفن في الإنتاج ) يحوي نصوصا تؤكد على الخط الفكري لفناني اليسار: جرّ الفنانين الى الواقع المادي أي الإنتاجي. ونجد هنا مقالة أوسيب بريك الذي سبق أن دعا الى مثل هذا الأسلوب في التفكير. وقبل كل شيء كان بريك قد شكك بالبنية الهرمية للمجتمع إذ رأى أن على الفنان أن يكون في قمتها مما يعني الإعتراض الواضح على تصورات كاندينسكي الذي خاض اليسار معارك حامية الوطيس معه متهما إياه ب( الروحانية ) و( البسيكولوجية ) أي القيم المميزة للبورجوازية.. وكان بريك يعرّي مثل هذا النظام للمجتمع في مراتب أيدولوجية كانت تعني في المحصلة أخرى سياسية . وكتب : ( لقد إحتقرت البورجوازية العمل الإنتاجي ولذلك إعتبرت العمال والفنانين العاملين في الإنتاج ناسا ذوي ثقافة أوطأ (...) ونحن ننظر الى المسألة بصورة مغايرة كما نعرف أن ما يسمى بالفن النقي هو صنعة مثل البقية. ولكننا لانفهم لماذا يكون من يلون اللوحة أعلى روحيا من الآخر الذي يصنع القماش. نحن نعتبر أن ليس نوع العمل ما يقرر المستوى الروحي للإنسان بل درجة موهبته ( ...) ونقول إن المعماريين والنحاتين والمصورين هم عمال مثل المهندسين وشغيلة التعدين والنسيج والنجارين وغيرهم ). وفي مكان آخر يقول بريك إن على العامل والفنان أن يخلقا جماعية ، و هما من مجموعة أناس يعملون سوية من أجل تشكيل المادة. والغرض هنا تفادي إغتراب العامل الذي سيصبح بهذه الصورة مشاركا في الخلق ، كذلك تفادي إغتراب الفنان الذي هو ملزَم بتصميم المواد في عملية إنتاج ملموسة. وكانت حجة بريك أحد دوغماءات الماركسية حول إخضاع الفرد للمجموع. فالجماعية ككل هي مجموع المواهب وهي تملك إمكانيات أكبر من إمكانية الفرد. وبهذه الصورة حددت المسألة في صيغة البلاغة الإيدولوجية أيضا. ويكتب بريك : ( إعتبرت البوروجوازية أن الفرد النكرة وحده قادر على الخلق وأن الخلق الجماعي هو عبث ولذلك لم يكن هناك مكان للخلق المصنعي. فالمصانع إستثنت إمكانية أيّ إنجاز خلقي وفني (...) ونحن نعرف بأن هذا ليس حقيقة. نحن نعرف بأن قوة الجماعية هي أكبر بكثير من جهود الأفراد في مجال الخلق. وإذا كان الأفراد هم الخالقون لغاية الآن وليس الجماعة فإن السبب يعود الى أن الثورة الشيوعية هي من حرر قوى الخلق لدى الجماعية ، من إستغلال الأفراد ). وكان من المفروض أن تتطور نزعة ( فن الإننتاجية ) سوية مع تقدم الثورة الشيوعية. ولهذه الإعتبارات الأيدولوجية كان من المقرر أن تملك هي الأولوية في السياسة الثقافية للدولة وخاصة بالمقارنة مع الفن ( الفردي ) الذي هو عموما ليس متفقا مع الشيوعية.
كانت الحجة المقنعة الأخرى في تقبل ( فن الإنتاجية ) هي أن العمال أنفسهم أرادوه ، وطالما أنهم ( محرّك ) التأريخ فمثل هذا التقبل ، أو الإختيار ، هو الأكثر صحة. فالبروليتاريا لم تكن مدركة تماما دورها ولذلك كان ينبغي اللجوء الى مفهوم الطليعة القريبة من السلطة السوفيتية أيضا. وقبلها سعى اليسار الى إقناع العمال بأنه يمكن التعبير بلغة المستقبلية والتشييدية عن المهام التأريخية التي تقف أمامها الطبقة العاملة. وهذه المهام صارت ملموسة لدرجة أكبر. فالدولة بحاجة الى الإنتاج. ويكتب بريك في الختام : ( علينا أن نثبت للعمال بأن العمل الإنتاجي يصبح قوة ثقافية كبيرة .. ينبغي علينا أن نقود الفنانين الى الإنتاج كمصدرلاينضب للخلق ، وإقناعهم كي يكرسوا له كل قواهم الخلاقة. علينا أن نفتح عيون الجميع ونظهر لهم بأن ما هو قيّم ليس بالجميل أوالمُجمَّل بل الشيء المصنوع عن وعي ). وبالطبع ُفتحت العيون عن طريق الدعاية التي وجدها بريك ( مهمتنا الأقرب ).
وكان هناك مايسمى ( برنامج جماعة الإنتاجيين ) الذي وضعه رودتشينكو وزوجته ستييبانوفا في منعطف عامي 1920 و1921. أكدا فيه على بعد آخر ، عدا الإنتاجي ، قد لا نجانب الحقيقة كثيرا إذا أسميناه ب( الفني ). وكان سعي الإثنين العثور على طريقة للإستفادة من نتائج التجارب المختبرية في عمل إنتاجي محدد. ونقرا في البرنامج : ( إن مهمة التشييديين / أي الإنتاجيين - ملاحظة المترجم / هي بمثابة تعبير شيوعي للعمل المادي - التشييدي ) . وهذا يعني ( تجسيد ) البحوث التحليلية والشكلية التي قام بها التشييديون في واقع ملموس. وجرى التأكيد ، من ناحية ، على عمل المختبرات المكرس للجوانب التقنية ، ومن ناحية أخرى على ( القاعدة العلمية ) التي كانت هي ( الشيوعية العلمية ) المستندة على ( المادية التأريخية ). وهذا الربط لنظرية الفن بنظرية التأريخ ، أي وصل العناصر الشكلية ( وهي فنية صرفة ) بالأخرى الأيدولوجية كان أساس ذلك التعبير الشيوعي للهيكل المادي. وهو أمر واضح أن الدقة كانت تعوز هذا البرنامج . فهو خصّ الجميع بدءاًً بفناني ( التفوقية ) و إنتهاءا بكاندينسكي.. وفي الواقع كان لهذا البرنامج أن يكون بديلا للآخر الذي كان يعدّه كاندينسكي. كذلك وقفت ضده ( جماعة العمل من أجل التحليل الموضوعي ) التي تشكلت خصيصا لمناوءة كاندينسكي و ( روحانيته ) و( بسيكولوجيته ) وطرحت برنامجها ( الموضوعي ) و( العلمي ). ومن الواضح أن هذا التحليل ( الموضوعي ) كان أول رد فعل أزاء موقف كاندينسكي ونقطة

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
- 5 -


من المعلوم أن النزعات الهادفة ( تنقية ) الصورة كانت تملك في أوربا نطاقا أبعد من فن الطليعة الروسية. وعموما يمكن الإشارة هنا الى النقاشات النظرية في الحقل الفني التي جرت في فرنسا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر في أوساط الطليعة ، وبينها الروسية ، حول إشكالية ( الصورة النقية ). وكان ألبير أورييه A. Auruer وموريس دينس M. Denis قد قاما بأكثر المحاولات نضجا لتحديد ماهية الصورة والتي وجداها في البعد البصري حسب. بالطبع لم تكن هذه تعاريفا للعمل الفني ك( صورة نقية ). فبالنسبة للمصورين والمنظرين والنقاد الفرنسيين من الرمزية بمعناها الواسع لم تكن الصورة ك( سطح مستو مغطى بالأصباغ في نظام معين ) وفق تعريف دينيس الشهير ، عملا مستقلا تماما ، بل وجدوه يملك طابعا نسبيا ، وأن تحريرالعمل الفني من وظيفة المحاكاة mimesis عومل كمطابقة لإحالته الى جهة المطلق. ومما لاشك فيه أن المسألة ربطت ببعد أوسع للنظر الى ( الشيء ) كإنعكاس ل( الفكرة ) وفق التقاليد الأفلاطونية والأخرى من الأفلاطونية الجديدة. وكان أورييه يؤكد بأن ( كل شيء في الطبيعة ليس الا إشارة الى الفكرة ). وفي هذا السياق كان الفن يعمل كنوع خاص من ( الإشارة ) التي نصل من خلالها الى ( الفكرة ). والمقصود هنا هو ، بالتاكيد ، ما يسمى بالفن الحقيقي الذي يؤدي مهمته وهي الوصول الى ( الجوهر ) ، وليس كما كان الحال في الخلق الطبيعي حيث يتم وصف ( السطح ) فقط. وهذا الفن ُمنح آنذاك ، أي في نهاية القرن التاسع عشر، صفة ( الرمزي ). وكان ( الرمز ) في النظام التشكيلي كائناً في الطبقة الأساسية من الصورة وليس في منطقتها الإيكونوغرافية التي صارت ثانوية بهذه الطريقة. وكان الإبقاء على مثل هذا التدرّج في القيم بعدا ضروريا للعمل الفني ، وقلب مثل هذه العلاقة قد يؤدي الى التشويش على الوظيفة ( الرمزية ) للصورة. وكان أورييه يتكلم عن الفن ( الرمزي ) كفن مكرس ل( الفكرة ) ولأن النموذج المثالي للعمل الفني هو( التعبير عن الفكرة ).
لقد كانت إستقلالية الصورة تتحقق في نهاية القرن التاسع عشرعلى ثلاثة مستويات هي الصنف والشعرية والخامة. وخلخلخة الرباط القائم بين الصورة والتقديم كانت ثمرة النقاشات حول إعطاء الفن مرتبة التعبير الجوهري والمستقل ، والتاكيد على إستقلالية الفنان ودوره الإجتماعي في المجتمع البوروجوازي المتغير بوتائر سريعة. وقد وجدت كنوع من الجواب على إغتراب الفنان. وكانت الطليعة مدركة تماما أخطار هذا الإغتراب ، وجزء منها إقتفى خطوات الرمزيين بالتوجه صوب ( تجاوزية الشكل النقي ) أي ( تنقية ) الصورة وفي ذات الوقت الإبقاء على وظيفتها الرمزية. ومثل هذا الموقف ، أي الإختيار ، سمّي بالقطب الميتافيزيقي للطليعة. وفنانون آخرون رفضوا حتى أيّ علاقات خارجية للفن. فإستقلالية الصورة ، على ضوء نظرياتهم وممارساتهم ، كفت عن أن تكون مسألة نسبية بل أصبحت مطلقة. والصورة لم تعد ( تعبيرا عن الفكرة ) بل هي ، ببساطة ، شيء مادي. ومصادر هذه التخريجات كانت مشتركة إلا أن النتائج كانت مختلفة.
إن جميع حالات التوتر على الصعيدين النظري والعملي قد تكشفت بالشكل المؤثر في تأريخ الطليعة الروسية. فلوحة ( الأبيض على الأبيض ) الشهيرة لكازمير ماليفتش K. Malevich الذي قرر المضي أبعد من غيره عندما تكلم عن ( تسامي التحسس النقي ) والرمز ( النقي تماما ) والراديكالي ، رمز العالم ، واجهه رودتشينكو بلوحة ( الأسود على الأسود ) ك(عدوى ) راديكالية للفن. فلوحته هذه كانت سطحا غطي باللون الأسود وحده. وكان ماليفتش وكادينسكي يمثلان طرفا واحدا من أطراف النقاش حول إستقلالية الفن ، وكان هو القطب الميتافيزيقي بالطبع. وفي الحقيقة لم يكن الدافع في طرح ماليفتش لمفهوم ( الصورة النقية ) صرفَ النظر عن الواقع الشيئي بل خفض قيمته ومكانته. فالواقع هو السطح الوحيد والصورة المرتجلة لجوهرالعالم. والواقع المدرك حسيّا هو ( محدود ) و( منته ) ، فجوهر العالم تحدده تصورات متناقضة : ( اللامحدود ) و( اللامنتهى ) و( تعددية الجهات ) و( اللاحدود ). ورأى ماليفتش أن معجزة ( الطبيعة ) أو الوجود تعتمد على أن الكل تحويه بذرة صغيرة. إلا أن هذا ( الكل ) لايمكن تحديده في الوقت نفسه. فعندما يحمل الإنسان البذرة بيده إنما يحمل العالم ، وبهذه الصورة لايملك الكون نظاما معينا. وأساس وجوده هو ( الطاقة ) وقوانينها. فالعالم هو ( كون تسيطرعليه الطاقة ) وعمله يتبين من خلال ما يسمى بالقوى التي هي بدورها تنشط على أساس قوانين الإقتصاد بالمعنى النظري بالطبع . فهي تحدد المساعي الهادفة الى توفير الطاقة وحل مشاكل الأنظمة المعقدة وخلق اشكال أبسط فأبسط ولغاية تحقيق السكون التام وتفريغ التوترات.
وجد ماليفتش إن التوتر الناشب بين ( السطح ) و( الجوهر ) يعتمد على مسألة أنه نتيجة تشتيت النموذج الطاقوي يصبح العالم مقسّما ومتعارضا. وهذا هو ( السطح ) فيه أي ما يمكن إدراكه بمساعدة الحواس والعقل معا. وفي ذات الوقت تبدأ عملية تهدف التكامل من جديد ووصول ( الطبيعة ) أي الواقع المجرّب ، الى الطابع ( الجوهري ) و ( الإقتصادي ) لنظام القوى ومعناه الإستثناء التام للتوترات. فالمطلق هو ( العدم ) ، حالة الصفر ، و( كل شيء ) كما يقول ماليفتش يساوي ( اللاشيء ) ، و( المربع الأبيض على الأبيض ) يكشف عن هذا التوتر. وعنصر ( المربع الأبيض ) أي ( كل شيء ) طوبق مع الخلفية ( البيضاء ) أي ( اللاشيء ).. وبسبب طبيعته ( اللاإستمرارية واللامنطقية ) لايمكن التعرف على جوهر الواقع. وقد يحصل هذا التعرف عن طريق الحدس حسب : أنا أحدس إذن أنا موجود. ومثل هذا التخريج يبدو كأنه صياغة أخرى لموقف ماليفتش الوجودي. وهكذا فعلى الفن الجديد الساعي الى ( الجوهر ) أن يعتمد على الحدس ولأن وظيفة العقل هي تقسيم العالم وتصنيفه ، وهنا لا يلعب ( الحدس ) أيّ دور. إن شهادة العقل هي التصوير القائم على مباديء المنظور بينما في الصورة ( التفوقية suprematic) الجديدة ليس هناك من تقسيم الى أعلى وأسفل أوشمال ويمين بل هناك الوحدة حسب. ومن الطبيعي أن هناك توترات نفسية معينة بين منطقة ( العقل ) و منطقة ( الحدس ) تقرر شدّتها أوضاع الفنان نفسه. الا أن الهدف الذي يسعى اليه ، ومعه ( الفن الجديد ) كله أي ( التفوقية Suprematism) ، هو ( الحدس النقي ) ، أما تظاهراته البصرية فهي التنقية القصوى للصورة.
ورغم الإختلافات توجهت أفكار كاندينسكي صوب الهدف نفسه : الصورة النقية. فوفقه يكون هدف التصوير الوصول الى ( صوت الكون ) ، وبعبارة أخرى : الى هيكله. وإمكانية التعبير عن الواقع الجوهري المختفي تحت سطح ( الأشياء المادية ) ، تعني ( الفن النقي ) لاغيره. ومعلوم أن كاندينسكي لم يضع حدودا فاصلة بين الخلقين الممثِل وغير الممثِل. وقد أسماهما ( التجريد العظيم ) و( الفعلية العظيمة ). فقد وجد أنهما توفران إمكانية الإلتفات الى (صوت الكون ) .. غير أن الشرط هو إخضاع التركيب في فن التصوير الى التركيب الكوني. وفيما يتعلق بالثانية فعلى ضوء ( مبدأ الضرورة الداخلية ) الكاندينسكي على الصورة أن تتكون وليس وفق نظام الطبيعة المجرّب حسيا ، بل ، وكما هو الحال عند إختبار ( التجريد العظيم ) ، وفق مبدأ ( الضرورة الداخلية ) الذي يحدد معايير إختيار الأشكال البصرية. وهذا المبدأ يتكون من ثلاثة عناصر هي شخصية الفنان والأسلوب أي ( روح العصر) والعنصر الفني الذي هو ثابت ، وعلى العكس من العنصرين السابقين ، ويخص وضع الفن نفسه. وهذا العنصر الثالث إكتسب في سعيه صوب ( الفن النقي ) ، أهمية هي الأكبر ، ممايعني أنه في جوهر الفن ذاته تكمن إمكانية مسك جوهر الكون. وكلما إزدادت ( تنقية ) الفن من العناصر المتبدلة ، أي الطارئة ، تضاعفت إمكانية التعبير عن ( صوت الكون ). ومن هنا كان سعي كاندينسكي الى منح مباديء لغة التصوير ، أي اللون والشكل ، نظاما معينا صاغه في كتابه المعروف ( النقطة والخط على السطح ).
معلوم ان ممثلي القطب الميتافيزيقي في الطليعة بحثوا عن فرص لتطبيق أفكارهم في المجتمع رغم إدراكهم بأن هذا ( الفن النقي ) هو محض مختبر من مختبرات المستقبل. ولكنهم إعتبروا ( المربع الأسود ) لماليفتش صورة اليوم الحاضر الملغوم بالتوترات في حين أن ذلك ( المربع الأبيض ) هو رؤيا للمستقبل وإتحاد يوتوبي للتناقضات.. غير أن موقعها في اليوم الحاضر تبرّره العمارة المشيّدة وفق القانون الكوني أي اللامحدود واللامنتهى واللاشيئية ...
أما يوتوبيا كاندينسكي فكانت تملك طابعا آخر. ف( عصر الروحانية العظيمة ) كان عليه أن يحل وليس من خلال الماديات وتلك العمارة بل النشاط الفني ( التصوير ) البسيكولوجي المباشر. وما قرّب الخلق الفني من إمكانية صيرورته أداة لصوغ النفس وفق ( صوت الكون ) أي إيقاع العالم المثالي والواقعي معا ، هو إستثناء العناصر الطارئة ،المتبدلة والناتجة من شخصية الفنان أو ( روح الزمن ) كذلك إبراز العامل الأبدي والدائم المرتبط بجوهر الفن. والتأثير النفسي لمثل هذا الفن من خلال نظام الألوان والأشكال كان ، في النتيجة ، يهدف بناء مجتمع جديد تعمل آلياته بفضل قوانين الكون النموذجية ...
لقد بدا النشاط النظري المكثف الذي قام به كاندينسكي في فترة ما بعد الثورة البلشفية وإلتزامه الإجتماعي بالواقع الروسي الجديد كأنه جهد من أجل البحث عن مكان لمفهومه حول ( الصورة النقية ) وليس فقط في البعد العام ليوتوبيا ( عصر الروحانية العظيمة ) وما تحقق قبلها بكثير بل في منظور المحيط الأيدولوجي والسياسي الفعلي لروسيا السوفييتية . وأيّ شيء كانته وتكونه ( الصورة النقية ) في سياق العملية التأريخية الجارية آنذاك ؟ كان هذا سؤال الكثيرين من فناني الطليعة. بالطبع لم يستخلص كاندينسكي من الواقع الفعلي الإستنتاجات ( المناسبة ) وكما فعل غرماؤه ، ولذلك كان موقفه دفاعيا صرفا : عدم الإلتفات الى الملابسات الظرفية ولأن ل( الصورة النقية ) طبيعتها الدائمة. كذلك لم يكترث للنقد الموّجه الى برنامجه الذي وضعه ل( المشغل الفني – التقني العالي ) وأعلنه كأول مدير لهذه المؤسسة. وكان قد فضّل الإستغناء عن منصبه وترك البلاد على التخلي عن مفهوم التجربة النقية. وعن أهمية الثورة إقتصر هو على القول : ( ثورة أكتوبر رأيتها من نافذتي. وبعدها لوّنتُ بطريقة مغايرة تماما. شعرتُ بهدوء نفسي كبير رغم تلك التراجيديا ، بشيء ساكن ومنتظم. إن الألوان في أعمالي أصبحت ناصعة أكثر وأشد جذبا وحلت محل تلك الظلال المعتمة والعميقة ).
كان ماليفتش قد كرس إهتماما أكبر لمسألة أدلجة ( الصورة النقية ). كذلك كان له موقف آخر من علاقات الفن بالعمليات التأريخية الجارية حينها في روسيا. وكان قد عبّر مجازا عن واقع الثورة في لوحته المسماة ب( المربع الأحمر) . وهكذا كان ( المربع الأسود ) لرودتشينكو علامة إقتصادية أما ( الأبيض ) فتعبير عن ( النشاط النقي ). ووفق هذا المنحى كانت الثورة مجرد حلقة إنتقالية في العملية التأريخية التي تربط حالة توتر تلك القوى الإقتصادية وإستقطابها ، ب( النشاط النقي ) وعامل ( التوفير ) الأقصى للحركة أي ( اللاحركة ) و( الهارموني ). وهذا يعني نظاما يخلو من أحوال التناقض والتنافر اي الخالي من أحوال التوتر.
إلا أن ( الفن النقي ) ليس تعبيرا عن مثل هذه العملية حسب ، بل هو مركزها. وحينها بدا الأمر كأنه رد فعل لما يجرى في حلبة الفن المعاصر. فهذا الفن أرسي على مباديء شمولية تقلص الفردية ، وبعبارة أخرى تخضع كل ماهو فردي لما هو عام. ويجد ماليفتش أنه غير مسموح للإنسان أن يستخدم حريته بمعزل عن مصلحة العموم ، ويعيش وفق هواه و( عندما يخلق حياته الخاصة عليه أن يراعي المصالح المشتركة ويخضع الحقوق الفردية للأخرى المشتركة ، والحرية الفردية لحرية المجموع ).. ويكتب ايضا : ( لاتشبُّ المدينة الشيوعية من فوضى المباني الخصوصية بل من خطة شاملة ، وينبغي أن يخرج شكل كل مبنى من تلك الخطة وليس وفق أمزجة أفراد ). وهكذا فالفن القديم لايخدم خلق مثل هذه المواقف وبالتالي الهياكل الإجتماعية ، أي على حد قوله هو فن يملك طابع ( الثورة المضادة ). أما الفن الجديد فهو ( ثوري ) أي أنه مرتبط بصورة وثيقة بالشيوعية أي برؤيا النجاح ( الإقتصادي ) للبشرية...
وكان الجناح المناويء لنظريات كاندينسكي وماليفتش الميتافيزيقية قد وصل الى إستنتاجات راديكالية من النقاشات التي دارت حول إستقلالية الصورة أو بالأحرى إستقلاليتهاالنسبية. ومن الممكن تسمية هؤلاء بقطب المادية في الطليعة. وفي واقع الأمر لم تكن هناك حدود واضحة على الصعيد النظري بالطبع بين ممارسات القطبين.
كان ايل ليستزكي قد نشط تحت تأثير قوي لماليفتش سواء فيما يتعلق بنظريته عن ( الصورة النقية ) أو رؤياه الخاصة بالمباديء الكونية – التشكيلية وضرورة تطبيقها في العمارة. الا أنه مسح طابعها الميتافيزيقي وبذلك صار حلقة وصل بين التفوقية التي كان قد أعلن إنتماءه اليها وبين التشييدية constructivism . أما رودتشينكو فقد نبذ الإحالة الى الكون ، وبالضبط ( صوت الكون ) الكاندينسكي ، حين طوّر نظرية ومنهج العناصر النقية للصورة. بيد أن تأثير كاندينسكي على هذا الفنان الشاب كان كبيرا. وفي الحقيقة كانت العلاقات بينهما ذات طابع شخصي. ورودتشينكو سكن سوية مع زوجته فارفارا ستييبانوفا في بيت كاندينسكي في موسكو لفترة من الوقت. أما علاقة رودتشينكو بماليفتش فلم تكن ذات طابع شخصي بحت بل كانت علاقة مليئة بالتحدي. ومعلوم أن أول لقاء بينهما حصل في موسكو في عام 1916 أثناء معرض ( ماغازين Magazin ) الذي عرض فيه ماليفتش لوحتين من فنه غير التشخيصي. ويكتب رودتشينكو فيمابعد : ( تقدم ماليفتش اليّ وقال : أنت المصور الوحيد هنا. وهل تعرف ماتفعله ؟ أجبته : كلا ، لا أعرف. واصل كلامه قائلا : إن كل ما يفعله هؤلاء الفنانون هنا سبق أن كان موجودا. إن كل هذا غير راهن. والآن هناك شيء جديد معلق في الهواء. شيء هو أقرب منا والأكثر روسية. وهذا ما أعمل فيه الآن وما أستطيع ان ألحظه في عملك (...) أنا أشعر بأنه هناك ). ولكن بعدها بثلاث سنوات كان واضحا بأنه كان شيئا آخر بالرغم من إرتباطه بمنجز ماليفتش. وهناك رأي يفيد بأن رودتشينكو خرج من معطف ماليفتش فيما يخص إستخدام الأشكال الهندسية وتكريس تحليلاته وليس فقط للإشكالية التصويرية الصرفة بل لقضايا الثقافة عامة. و( المربع الأسود ) الذي ردَّ رودتشينكو به في عام 1919 على ( المربع الأبيض ) لماليفتش لم يكن مجرد رفض لغيبية هذا الفنان بل جاء شهادة أيضا على وصية ماليفتش...
صارت فكرة الزمكان أساس المفهوم الفني لدى ليستزكي والذي أسماه ( برون Proun ) وهو مختصر الإسم الروسي : ( مشروع القبول الجديد ). وكانت لديه أربعة سبل للتعامل مع المكان ، في السياق التاريخي. ويرى بعض النقاد أن تأثير هيغل واضح هنا على ليستزكي والطليعة الروسية عامة. في السبيل الأول روعي السطح ببعديه في التصوير لكن إذا تراكمت أو تداخلت الأشكال ينشأ المكان بأبعاده الثلاثة. والثاني هو ( المكان المنظوري ) الذي أشاعه عصر النهضة ، والمعتمد على الهندسة الإقليديسية أي المكان الستاتيكي بأبعاده الثلاثة. والثالث هو ( المكان اللاعقلاني ) حيث يتم تعريفه وفق شدة الألوان وموقعها بين الأشكال. أما الرابع فجاءت به ( التفوقية ) وقطباها ماليفتش وليستزكي وسمّي ب( المكان التخيلي ) الذي دخله البعد الرابع ( الزمان ) المعتمد على النظريات الفلسفية والعلمية وبشكل خاص الرياضيات المعاصرة ومفاهيم آينشتاين وهندسة لوباتشيفسكي Lobachevsky . وطبيعي أن ينبذ الفنان ، آلياً ، أيّ مقارنة بين الفن والرياضيات. وبهذا الصدد يكتب ليستزكي : ( علينا أن لاننسى ولو للحظة واحدة أن الفن يخلق بدون إستخدام الأرقام ولأنه يخلق ماهو حيّ بينما تعني الأرقام كل ماهو محروم من الحركة (...)، وتطور الرياضيات والفن نعامله كخطين منحنين لايجريان دائما على مستويات متوازية الا أنهما يتشكلان ، دائما ، في ذات الوسط الثقافي للعصر). ويلاحظ ليستزكي إلتقاء الرياضيات والفن في العصور القديمة. كما يقارن أوضاعهما المعاصرة بالقول : ( من التعارض الأساسي بين الأرقام في العصر القديم والعصور الحديثة ينتج التضاد بين علاقاتهما المتبادلة. إن العلاقة بين حالات الكِبر تعني حالات التناسب في حين أن الإعتماد أي حالة التبعية هو جوهر الوظيفة. وبالإمكان تقليص العلاقة أو توسيعها أما الوظيفة فلايمكن الا صياغتها. وهذا هو جوهر التعارض بين العالمين القديم والجديد ، بين الأشكال البلاستيكية القديمة والجديدة. إن أية حالة تناسب تفترض ثبات العناصر ( وهذا هو النظام الكلاسي ) وأي صياغة تحويلية تتطلب التغيير. إن العمل الفني القديم يمكن تصغيره أو تكبيره ، أما الجديد فينبغي تحويله ). كما يذكر أن الرياضيات الجديدة ومعها الفن تدمر السكون والمطلقية من خلال ما جاءت به نظرية النسبية الآينشتاينية أي إدخال العنصر الدينامي : الزمن ، ف( العالم يعيش في الزمن ). ويذكر ليستزكي أن هذه الإشكالية قد تناولها ماليفتش وتفوقيته. الا أن مشروع ( برون ) كان الجهة التي طوّرتها. ومفهوم ماليفتش لم يخرج عن إطار الصورة في حين أن الثاني، وكان قد إستفاد من تجربة تاتلين Tatlin قد خرج عن إطار الصورة ( وحتى لو أنها ما زالت معلقة على الجدار ). ويشير ليستزكي الى أن ( برون ) يبدأ من السطح ببعدين ويسعى الى بناء الموديل بثلاثة أبعاد وبعدها يقترب من كل متطلبات الحياة الإجتماعية. وهذا هو الهدف. والوصول اليه أمر ممكن من خلال التحليل البنيوي للصورة التي ُتعامَل في منظور البعد الرابع أي منظور الزمكان.
وفي الأساس كان هذا هدف رودتشينكو أيضا. فقد بدأ بالصورة وعناصرها الأساسية التي تحدد القوانين الرئيسية للغة البصرية وفي النتيجة يصل الى مشكلة المستوى المشترك لبنية الواقع التصويري و( نقل ) الصورة المستقلة في فضاء الواقع.
وما كان يميّز رودتشينكو عن بقية فناني الطليعة الروسية هو أن فنه وعلى النقيض من أعمال ماتيوشين Matiushin وماليفتش وليستزكي وتاتلين وغيرهم ، كان منذ البداية غير تشخيصي وعلى العكس من الفنانتين بوبوفا Popova و أيستر Ester لم تثر إهتمامه القضايا التقليدية في التكعيبية أوالمستقبلية بل أهتم بالعناصر الأساسية كاللون والخط ، وفي النهاية تكرس للثاني تماما. وكتب آنذاك : ( تفرّغ الإنطباعيون للأشباح ولكنهم كيفوها لنقل الإنطباعات والهواء والضوء إلخ. والتعبيريون إستغلوا اللون كلعبٍ للبقع ، كزينة. واللاتشخيصية عبدت اللون كلونٍ وتفرغت لكشفه كاملا ولما ُيعمل منه ولحالته عندما منحته العمق والشدة والكثافة والإستمرارية وما شاكل ذلك (...) أما الخط فهو البداية والنهاية في التصوير كما في جميع البنى ). ويرى رودتشينكو أن الأمر الأكثر أهمية تحديد العلاقة بين العمل النقي أي التجربة البصرية وبين محيطه التأريخي والوضع الإجتماعي – السياسي الذي اعقب الثورة في روسيا أي محاولة وصف وتفسير ظاهرة أدلجة الشكل النقي ، وهذا يعني أن العمل الفني هو بالنسبة لمثل هذا الوعي الإشتراكي مجرد شيء. أما التعامل الأيدولوجي مع النزعة الشكلية فقد تمثل بموقف نيقولاي بونين N. Punin الذي قال إن الشكلية مشروطة بعدد لايحصى من الأسباب ، بالواقع كله - الواقع المحيط بالفنان وفيه أيضا. ويستند هنا على المقولة الماركسية المعروفةعن الوجود الذي يحدد الوعي. وبهذه الصورة يكون الشكل معادِلاً للوجود. ويقول بونين : ( إن الشكل – الوجود يحدد الوعي أي المضمون. وهذا هو خطاب الفن الجديد والمتفق مع الخطاب الماركسي الأساسي الذي أرسيت عليه المادية الأحدية. نحن أحديون. نحن ماديون ولذلك يكون فننا فن الشكل ). وفي المحصلة قاد هذا المفهوم الى تعزيز مكانة ( فن الإنتاجية ) التي يصلح لها الفن اللاتشخيصي أكثر من غيره. ويكتب بوريس آرفاتوف B. Arvatov أنه لاحاجة هناك الى إيضاح أن اللاتشخيصية هي مرحلة مباشرة تقود الى فن الإنتاجية. والإنفصال التام عن النزعة التزيينية وتصميم النقوش و( إستخدام ) الفن في حقل التكنيك هو أمر ممكن من خلال الحد من ربط عملية الإنتاج بعملية صياغة الأشكال الفنية. وبرأيه أن لامكان في المصنع للفنان الذي لايعرف السيطرة على المادة النقية أي المستخدمة لاتشخيصيا .. وما نستنتجه هنا أن للفن النقي الحق في الوجود وإن كانت الأسباب نفعية. وهذه الطروحات جاءت متأخرة نسبيا ، فالإنتاجية كانت في طورها الدينامي. وكانت تلك البراغماتية لافتة ، إذ أومات الى بعد ملموس من أبعاد كينونة ( الفن النقي ) الذي كان عند كاندينسكي ، مثلا ، ذا طابع أداتي صرف.
كان ليستزكي قد إستقبل الثورة بحماس بالغ . ويكفي الإشارة الى صورته ( النقية ) وكانت ملصقا من عام 1919 أسماه ( بوتدٍ أحمر أُضربْ البيض ) ، كما يمكن متابعة مفهومه الذي عبّر عنه بلغة ( الفن النقي ) وفحواه إنتصار الثورة على ( العالم القديم ) ، في ذلك الكتيب المخصص ، كما كتب ، ل( جميع الأطفال ) وبعنوان ( حول مربعين ) أحدهما المربع الأحمر وهو الرمز الأكيد للثورة ، وكان قد أخذه من ماليفتش شأن كامل مفهوم العلاقة بين ( الحمرة ) و( السواد ) والذي يقرر ( النظام الأحمر ).. وأهم ما جاء في الكتيب الذي حوى بضع صور فقط هو وصول مربعين محلقين من بعيد. الأول أسود والثاني أحمر ، وتعقب ذلك ( عاصفة سوداء ) و( ضربة حمراء – صاعقة ) تهشمان النظام القائم بطريقة تسمح ببناء هيكل أحمر على خلفية هي المربع الأسود.. وصدر الكتيب في عام 1922. ولاحاجة الى إيضاح الغرض الدعائي من كل هذا. بالطبع لم يكن الغرض عابرا. فبعدها أصبح شائعا طرح مفهوم الثورة بلغة ( الفن النقي ) وربط الأشكال النقية بالمغزى السياسي أي إقحام الدوافع الأيدولوجية وحدها على ( الشكلانية ) التي كتب عنها بونين. الا أن هذا ليس أداة للإنتاج الصناعي كما عند آرفاتوف ، أو تمرينات مختبرية. وليستزكي قام بربط الصورة النقية بوظيفتها ( الإشتراكية ) التحريضية. والمثال الاخر هنا هو ملصقه المذكور حيث يضرب الوتد الأحمر بحقلٍ مدوّرأبيض ُقطِعَ من سطح غامق اللون. وتجدر الإشارة الى أن الضغط السياسي في منطقة رمزية اللون كان مرتفعا لدرجة أنه كان على ماليفتش في لحظة معينة أن يوضح بأنه عندما يتكلم عن ( البياض ) فهو لايربطه بأيّ مضمون سياسي راهن !
كان ليستزكي قد عامل الثورة ( وتداً ) يفصل في معركة حاسمة بين ( الأمس ) و( الغد ). وكان إعتقاده أن التشييدية في الفن والشيوعية في السياسة ( تقودان العالم الى حالة للكمال نقية ). ويكتب : ( لايمكننا تصور مسألة خلق أشكال جديدة في الفن بدون ربطها بالتبدل الجاري في الأشكال الإجتماعية ). وهو لم ينزع الى ( التعبير ) عن الثورة حسب بل دفع الفن النقي فى طريق الإسهام الفعال فيها. وهناك من يجد أن الصلات القوية لليستزكي بفكرة الشيوعية ورؤاها ومثلها ويوتوبيتها قد إنعكست في ثلاثة مستويات : رضوخ هذا الفنان لضغوط الشيوعيين من أجل نفعية الفن ، فالفن ( البوروجوازي )عومل كفن ميت وفق المعايير المتحفية ، ولذلك لابد من أن يحل محله خلقٌ مكرس لبناء مجتمع شيوعي. والمستوى الثاني هو أن جهة الإلهام لمثل هذا الفن هي ( الماكنة ) كنتاج للمجتمع الصناعي ( جنة المستقبل ). وهذه العلاقة تجسدت وليس فقط على صعيد الإختيار ، إختيار الأشكال الهندسية الدقيقة التي صيغت نتيجة الحساسية المناوئة للرومانسية لدى المهندس– الفنان ، بل كذلك في التعامل مع اللون كتعبير عن ( المادة – الخامة ) وليس ( الأحاسيس ). فعلى اللون أن يكون ( بارومترا للمواد ) كما أعلن ليستزكي. والمستوى الثالث هو أن على ( الدينامية ) التي يستخدمها ويحللها الفنان ، أن تكون إنعكاسا للمجتمع الحديث المتطور، والإعداد المختبري للنماذج التي يعمل الفنان وفقها .
إن هذا الرؤيا ( المثالية ) التي يتمكن الفن على أساسها من صوغ مجتمع جديد قد لقي الدعم من جانب ( برون ). ويبدأ النص الذي كتبه ليستزكي في عامي 1920 –1921 بهذه الكلمات : ( نسمّي ( برون ) المحطةَ في طريق بناء شكل جديد ، وتكون بؤرة ثقافة فن التصوير والثقافة المادية في الشكل الأكثر نموذجية : المربّع ). وفي عام 1924 أعيد نشر النص في مجلة ( دي ستيل ) الهولندية المعروفة لكن بصيغة أخرى كثف فيها هذا الفنان أفكاره لدرجة أكبر : ( لقد تحطمت الصورة سوية مع الكنيسة والرب الذي خدمته الصورة كإعلان ، ومع القصر والملك الذي خدمته الصورة كعرش ، ومع المقعد الوثير والمحسن الدعي الذي كان إيقونة السعادة ( ... ) لقد ترك الفنان دور المقلد وتوجّه صوب دور مشّيد عالم جديد للأشياء. سوف لن يبنى بالتنافس مع التكنولوجيا. فدروب الفن والعلم لم تتقاطع بعد. و( برون ) هو بالضبط خلق شكل ( التحكم بالمكان ) بمساعدة وسائط التشييد الإقتصادي للمادة والذي يحدد قيما جديدة. (...) ويبدأ ( برون ) من السطح كي لا يصبح نموذجا للمكان ذي الأبعاد الثلاثة ، وبفضل ذلك يسعى الى تشييد جميع أشياء الحياة اليومية ). ومعروفة هنا تصاميم ليستزكي المعمارية ( موديل مبنى صحيفة البرافدا من عام 1925 ، وتصميم منشآت لحديقة الثقافة والإستراحة التي تحمل إسم مكسيم غوركي من عام 1925 أيضا ) وتصميماته لمعارض في روسيا وخارجها مما لايشهد الإنتقال من السطح الى الفضاء على إلتزام هذا الفنان بتشكيل الحياة اليومية وطموحه الفني فقط، بل هناك مبتكراته الطباعية وأغلفة الكتب والكثير من الملصقات. وأبرز مثال على إستغلال تجارب ( التشييدية ) كان تصميم منصّة لينين المشهورة من عام 1924 والذي أعدته جماعة محيطة بليستزكي تصرفت بعناصر تكوينية أساسية مثل الخط والمربع. فهناك التكوين المنحرف لهيكل المنصة التي وضعت على قاعدة بشكل مكعب وركبّت فيها لوحات مربعة الشكل ، وفي القمة عند المنصة نفسها نشاهد لوحة تحمل صورة لينين بوقفته الخطابية المعروفة ، وتتوج التصميم كله لوحة كبيرة كتبت عليها كلمة ( البروليتاريا ). ويسهل ملاحظة أن صورة لينين أصبحت ذلك العنصر القوي الذي يحّرك ثبات التكوين بكامله. كما يلاحظ أن الأشكال المقتصدة والمبسّطة هي ما يشيّد مثل هذا التكوين الدينامي. ومعلوم أن التشييدية كانت قد إعتبرت المربع هو الشكل النموذجي. وليستزكي طبّق هذا المفهوم في تصميم المنصة.
وفي أعمال ليستزكي الأخيرة نلمس ذات التوتر البصري الذي يبدو كأنه أعدّ في فضاء مختبري لتلك ( الصورة النقية ). وهذا التوتر ينتقل الى المنطقة السيميائية مما نلاحظه في أعماله من منعطف العشرينات والثلاثينات من ملصقات وغيرها من الأعمال التي تخص تنظيم الفضاء. ولنا عودة الى هذا الموضوع.
إن الإنتقال من الفن النقي الى الواقع قد قرّب ليستزكي من فن الإنتاجية بالرغم من أنه لم يكن أبدا عضوا في الجماعة الممثلة لهذه النزعة. كذلك فهي قد أبعدته في ذات الوقت عن ماليفتش الذي رغم تعاطفه مع الثورة وتأكيده على الربط بين الفن الجديد ( النقي ) والواقع الجديد ، لم يتخط أبدا الحدود الفاصلة بين الأثنين. وتشييداته ذات الروح المعمارية كانت محض رؤيا وليس واقعا. كان يؤكد على أن التاثير المباشرعلى الفن من جانب الظواهر الإقتصادية والسياسية كذلك الخطاب الداعي الى نفعية الخلق الفني لا تعنيان الا الكارثة .. فعلى الفن أن يحافظ على بون معين في العلاقة مع الواقع ، أوبالأحرى عليه أن يتهيأ للمستقبل وليس تلبية حاجات اليوم. وبهذه الصورة كان ماليفتش يحدد وظيفة الفن. وفي عام 1921 لاحظ أن ( كل ما ُعمِل في الفنون البصرية في أثناء بناء الشيوعية لايساوي فلسا واحدا من ناحية القيم الفنية إذ أن منفذي تلك الأعمال لم يكونوا الفنانين (...) ولهؤلاء كان الملصق الدعائي قد إرتبط بقيم ظرفية وليس فنية ).



- 6 -


كان موقف كاندينسكي أكثر جذرية وحدّية من الباقين في ساحة الفن. فهو لم يقبل بأيّ حل وسط في هذه القضية. فلكي يحقق الفن رسالته ويبني (عصر الروحانية الكبرى ) عليه أن يعمّق طبيعته النقية. وعلى هذا الأمر كان من المقرر أن يرسى عمل ( معهد الثقافة الفنية ) ومتاحف الثقافة الفنية وكل ما أسماه ب( اليوتوبيا الكبرى ). إلا أن برنامجه الخاص بذلك المعهد لقي رد فعل بالغ العنف من جانب الفنانين الشباب الساعين الى الربط الوثيق للفن بالعمليات الاجتماعية والسياسية ، كذلك دفعهم الى موقف أكثر راديكالية. وفي المحصلة أرغم هذا كله كاندينسكي على التخلي عن منصبه ونشاطه ومغادرة البلاد.
أكيد أن لهذا النزاع بين كاندينسكي ( ومعه التفوقيين ) والتشييديين بعدا فلسفيا أيضا. فهؤلاء لم يقدروا على قبول ما سمّي بالأساس ( البسيكولوجي – الروحاني ) ل( ألف باء التشكيل ) ، واللغة الفنية التي كان إعدادها الغرض الرئيسي من نشاط المعهد المذكور. فبالنسبة لهؤلاء يملك اللون والخط والسطح و( النسيج ) وغيره قيمة مستقلة نابعة من العلاقات النظامية والمادية ( مواد العمل الفني ) وليس من الموقف من القابليات الإنفعالية لدى الإنسان. وفي برنامج ما سمّي ب ( جماعة العمل للتحليل الموضوعي ) التي كان منطلقها تحقيق حالة التوازي بين الأساليب العلمية والأخرى الفنية كأساليب ل( التعرف على الشيء ) ، جاء أن الصفات الإنفعالية و( الأخلاقية ) كعلل ذاتية لمختلف الظواهر في الفن يمكن ربطها بموضوع الأبحاث رغم أنها صفات ثانوية.
وهو أمر واضح بأن الخلاف كان يخص قضايا جوهرية. والفوارق لم تتعلق فقط بالمباديء التي تحدد مكان الفن النقي بل كذلك إستغلاله في منطقة الواقع. وقوة الفن ، وفقا لمباديء ( اليوتوبيا الكبرى ) تعتمد على ( نقائه ) ، أما لدى التشييديين فكانت تكمن في أمكانيات تكييف هذا الفن الى الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية. ويمكن القول إنه في الأساس عامل كلا الطرفين الفن كأداةٍ : كاندينسكي وجده أداة لتحقيق ( الروحانية ) ، والتشييديون أرادوه عنصرا لبناء ( مادية ) جديدة . إلا أن كاندينسكي لم يقدر على الإستغناء عن ( الفن النقي ) بينما وجد الطرف الآخر ذلك ضرورة ًلابد منها.
كان فن الإنتاجية الذي قوي عوده في سياق الخلاف حول أهداف وسبل نشاط المعهد المذكور قد قام بنقلة عنيفة من الفن النقي الى الواقع ( الخام ) أي اللافن. وهذا الدرب تحددت تضاريسه عند تأسيس هذا المعهد وإستغلال فرص خلق ( فن شيوعي ) على يد ( كومفوت ) في أضعف الأحوال . وفي ( برنامج جماعة الإنتاجيين ) من عام 1920 والذي كتبه رودتشينكو وستييبانوفا ( ولربما تاتلين أيضا ) نقرأ في المستهل : ( إن مهمة جماعة التشييديين صوغ تعبير شيوعي يخص العمل المادي – التشييدي ). وتبدو المباديء والمهام كالآتي :
( أولا : المنطلق الأساسي للبرنامج هو الشيوعية العلمية المرساة على نظرية المادية التاريخية.
ثانيا : قادت معرفة التجارب التي قامت بها السلطة السوفيتية جماعة الإنتاجيين الى نقل الأنشطة التجريبية ( الفنية ) من حقل التجريد الى منطقة الواقع (...).
والمهام المقبلة هي الاتية : أ- الكشف عن عدم تكيف النشاط الفني والفكري للإنتاج بالكلمة والفعل. ب – الإسهام الفعلي في الإنتاج الفكري كعنصر في بناء الثقافة الشيوعية لايقل أهمية عن العناصر الأخرى.
ثالثا : في التطبيق العملي : أ- التحريض في الصحافة. ب - رسم الخطط .ج- تنظيم المعارض. د – عقد الصلات مع جميع المراكز الإنتاجية والمؤسسات الرئيسية للآلية السوفيتية الموحّدة التي تنفذ الاشكال الشيوعية للحياة في التطبيق العملي.
رابعا : على مستوى التحريض : أ- تتخذ جماعتنا موقف خوض حرب ضارية مع الفن. ب - تشهد الجماعة بأن الإنتقال التطوري من ثقافة الماضي الفنية صوب الاشكال الشيوعية المبنية هيكليا هو أمر غير ممكن.
إن شعارات التشيييديين هي :
أولا : ليسقط الفن. ليعش التكنيك.
ثانيا : الدين هو أكذوبة. الفن هو أكذوبة.
ثالثا : تدمير ما بقي من الروابط التي تشد فكر الإنسان بالفن.
رابعا : تباًً للحرص على التقاليد الفنية.
خامسا : ليسقط الفن الذي يستر العنه البشري حسب.
سادسا : الفن الجماعي الحالي هو الحياة التشييدية ).
وكان أمرا منطقيا أن كاندينسكي الذي شاهد الثورة ( من نوافذ مشغله ) ونتيجة لها إستخدم ( الالوان المشرقة ) لم يجد أمرا ممكنا قبول مثل هذا ( الحرب ). وما زاد المسألة تعقيدا انه كان يصعب البرهنة على أن التطور من التشييدية التحليلية الى فن الإنتاجية أي من الفن النقي الى الواقع الحرفي ، كان تطورا حتميا. ففي أضعف الأحوال كانت تلك الإنتاجية عاقبة المباديء الأيدولوجية للتشييدية ول(الفنانين اليساريين ) على الضغوط التي مارسها جهاز السلطة البلشفية الذي إنتقد الفن النقي وأعلن للجميع أن عليه أن يزول. ومعلوم أن التشييديين كانوا لأسباب عقائدية وسياسية ذوي مقاومة ضعيفة أزاء شعارات الإلتزام. وكانت مبررات وجود اللوحة النقية في ظرف العمليات الثورية معدومة التأثيرعلى وجه التقريب.
وفي الحقيقة كان رودتشينكو قد واصل تحليلاته البصرية في نطاق الشكل، والخط بشكل خاص ، الى النهاية. إلا أن النتائج التي حققها قام بنقلها الى ذلك الواقع. فهو قد إستخلص الإستنتاج ( المناسب ) من التوتر القائم آنذاك بين الموقف الأيدولوجي والسياسي وبين التجربة الشكلية المتقدمة.. وما أومأ بشكل واضح الى ذلك الموقف المعرض المسّمى ( 5×5=25 ) الذي نظم في موسكو في عام 1921. وعرضت هناك تلك اللوحات ذات اللون الواحد ( أحمر ، أصفر ، أزرق ) التي بدت كأنها ( ملتحمة ) بالجدار. وبعدها بسنوات يتذكر رودتشينكو هذا المعرض : (...) لقد إختصرتُ التصوير الى نتيجة منطقية وعرضتُ ثلاث قماشات – حمراء وزرقاء وصفراء. وقلتُ : كل شيء قد إنتهى ، فهناك الألوان الأساسية. وكل سطح هو محض سطح ولايمكن أن يكون هناك أيّ وصف ). وبمناسبة ( معرض الدولة التاسع عشر ) الذي أقيم في موسكو في عام 1920 كتب رودتشينكو : ( لقد تركتْ اللوحة غير التشخيصية المتحف ، فهي الشارع والمنتزه والمدن والعالم كله. إن فن المستقبل سوف لن يكون ديكورا مريحا لبيت عائلي. سيكون ضروريا مثل ناطحة السحاب ذات الطوابق الثمانية والأربعين ، والجسور الضخمة ومحطات الإذاعة والطائرات والغواصات التي ستحوّل الى فن ). وعليه فذلك ( الجدار ) الذي يحمل ألوان رودتشينكو كان هشاً إنهار تحت ثقلها وكشف عن أفق واسع للواقع...
معلوم أن إلتزام رودتشينكو كفنان بالواقع البصري لروسيا السوفيتية في العشرينات كان كبيرا للغاية. ويكفي الإشارة الى ربطه ، شأن ليستزكي ، بين ( البحوث المختبرية ) للغة التشكيلية وبين إعداد تصاميم مواد الإستخدام العام والدعاية البصرية والأخرى العادية. وفي الواقع كانت هذه كلها قائمة قبل ذلك. ولنقارن هنا بين تصميمه لكشك الصحف من عام 1919 و ( التكوينات الخطية ) من عامي 1918 و 1919 أو غيرها من عام 1920 حيث إستغل فيها تكويناته التحليلية المبكرة ، كذلك هناك تجاربه مع الكولاج والفوتومونتاج من جهة والدعاية التجارية والتحريض السياسي من جهة أخرى. بالطبع كانت هذه كلها خارجة من مشغل التشييدية. وما يلفت النظر في تصاميمه من هذا الطراز تحقيق حالة التوتر بين الخطوط المنحرفة والأخرى الريازية ، كذلك هناك التعارض بين المستويات والتأكيد على إنتظام النهج التشكيلي وإيقاعه اللذين حددا كامل البنية. وهذا ما هيمن فيما بعد على لغة الدعاية البصرية. والمثال الآخر كان الغلاف الذي صممه رودتشينكو لكتاب ( صوب إيليتش الحيّ ) من عام 1924 : شخص لينين الذي تضاعف لمرات عدة يبدو كما لو أنه خلق الإطار للكرة الأرضية التي ُمهرت بالمطرقة والمنجل. ورودتشينكو أفلح ، في الحقيقة ، في خلق إيقاعات لهذه الشخصية مما يتبين في الذراع المرفوعة والحروف ( القوّية ) لعنوان الكتاب التي دعمت المغزى الرمزي والأيدولوجي لشعار بلد السوفيت. و نلقى ذات التقنية لدى الكثيرين من الفنانين المرتبطين بفن الإنتاجية أي النزوع صوب التدرجية الأيدولوجية للصورة والمركزية والأخذ بمبدأ التناظر ثم التاكيد على شخص لينين بشكل خاص. وبين هؤلاء كانت ستييبانوفا وغوستاف كلوتشيس الذي صنع سلسلة من أعمال الفوتومونتاج بعنوان ( لينين والأطفال ).
إن هذه الإشكالية ، أي ربط الخلق التجريبي بالتحريض السياسي اوالأيدولوجي لقيت إستمرارية لها في العهد الستاليني في حقلي ( خطة السنوات الخمس ) و( الثورة الثقافية ) مما يعني ، بالطبع ، خاتمة فصل الطليعة الروسية ( الجامحة ). فالعهد الجديد كان يعني ترويضها بشتى السبل أي أنه لم يجعل الحدود بالغة الصرامة بين زمن الطليعة والحقبة الستالينية. فالكثيرون من الفنانين الحديثين أمثال رودتشينكو وليستزكي و ستييبانوفا وكلوتشيس كانوا ملتزمين بمهام الدعاية البصرية للستالينية. وقسم منهم لبى عروضا مغرية قدمتها السلطة كانت مخصصة للمتلقي في الخارج الأمر الذي إعتبر على ضوء ستراتيجية جهة القرار الثقافي والدعائي محاولة لكسب المصداقية للنظام لدى اليسار الفكري والفني في الغرب بشكل خاص. ومعلوم أن السلطة السوفيتية كانت قد علقت منذ حكم لينين أهمية كبيرة على البعد العالمي لسياستها. والثقافة كانت قد ُربطت جيدا بالعملية الدعائية سواء في الداخل أو الخارج. وفي نهاية عام 1918 كان قد تأسس لدى مديرية الفنون الجميلة مكتب إنضم الى ( الأممية الحمراء للفنانين المبدعين ) ، وهذه كانت منظمة عالمية للفنانين الثوريين. وكانت المانيا البلد الذي علق عليه البلاشفة وخاصة لينين ، بالغ الأهمية. وفي برلين بالذات كان ليستزكي يلعب دور السفير الثقافي نظرا لمكانته في أوساط الطليعة الأوربية. لقد سعى الى إشاعة الدعاية الشيوعية في أوساط المهاجرين اليساريين الروس في برلين والذين أيدوا الثورة لكنهم رفضوا حكم البلاشفة. أكيد أن دورا دعائيا أكبر لهذا الحكم قامت به مجلة ( الطارق Viest ) التي أشرف عليها كل من ليستزكي وإيليا أيرنبورغ وبتمويل من السلطات الموسكوفية. ومعلوم أن أيرنبورغ لم يكتب الكثير عن نشاطه هذا الا أن مهمته كسفير ثقافي في الغرب كانت معروفة. و الشخص الذي كسب نفوذا لسلطة موسكو في الأوساط الثقافية الغربية كان فيللي منتسنبرغ W. Munzenberg ناشر المجلة المذكورة ومنظم المعارض السوفيتية في المانيا وبضمنها المعرض الشهير في عام 1922 في برلين. وفي نهاية العشرينات ومطلع الثلاثينات كان أكبر نموذج للدعاية السوفيتية الموجهة الى الغرب مجلة ( الإتحاد السوفيتي يبني ) التي أسهم في إصدارها أبرز الفنانين أمثال رودتشينكو و ستييبانوفا وليستزكي وكلوتشيس. وكانت مجلة شهرية تصدر بأربع لغات هي الأنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية ، وكرست لتمجيد ( الناس السوفييت في كفاحهم من أجل غد أفضل ) حيث نشرت الريبورتاجات عن ( العمل البطولي في تشييد المنشئات الإشتراكية ) وتنامي المدن والريف الإشتراكي والمكاسب الإجتماعية والثقافية للإتحاد السوفيتي والتطور ( المذهل ) للصناعة و( الأرقام القياسية ) التي يحققها قطاع الكولخوزات. بالطبع لم تكن ريبورتاجات حقيقية. ف( عمالها ) و( فلاحوها ) لم يكونوا عمالا وفلاحين بل عبيدا وسجناء معسكرات العمل الإجباري ، شأن الإحصاءات المعلنة التي لم تكن لها صلة وثيقة بالواقع. وتلك الصياغة التي كانت مطبقة في الإتحاد السوفيتي والمسماة ( فن الواقعة ) كانت صياغة ، كما قلنا ، لواقع مختلق وذات أغراض سياسية. وفي مطلع التسعينات بعد إنهيار كامل البناء السوفييتي وتسليط أضواء أخرى على تأريخ هذه الدولة الشمولية يبدو مثل هذا الحكم السلبي على هذه المجلة موضوعيا لحد كبير.



- 7 -


لقد تخلت الطليعة آنذاك عن ممارساتها الكشفية ، وكان كل ما قامت به تطويع تقنيتين للأغراض الدعائية. ونقصد هنا الفوتومونتاج والفوتوكولاج ، أي أنها ربطت الحداثة من خلال التأكيد على بنية الصورة ، بالتوجه المضموني في إطار الثقافة الجماعية. وهكذا تحولت الخامة، أو ( النسيج ) ، من خلال تركيبها الى ( تسجيل الواقعة ) وفق صياغة محددة مسبقا. وكان نقل الصورة الى صورة الواقع والذي كان محور نقاشات ( الإنتاجيين ) قد سهّل تكييف الفوتومونتاج للأغراض الدعائية. فالفوتوغرافيا كأداة للتسجيل الأمين للواقع تعرضت للأسطرة التي عملت على توظيف الأداة ، فنياً أي من خلال المونتاج ، ل( خلق ) الصورة. وهذا الفوتومونتاج شبيه بالعجينة التي يمكن إعطاؤها أيّ شكل للواقع يقصده الفنان. وفي عام 1931 كتب كلوتشيس : ( إن جوهر الفوتومونتاج يعتمد على القوة الفيزيقية – الميكانيكية الكامنة في جهاز التصوير كذلك إستغلال الكيمياء للأغراض التحريكية – الدعائية من خلال التصرف بالصور الفوتوغرافية كترتيبها أو إبراز أهمية بعضها في أحجام مختلفة كما أن هناك التأكيد على ملموسية العلاقات بين الألوان والذي يمكنه أن يعبر عن الموضوع المختار ودفع الصورة الفوتوغرافية والشعارواللون لخدمة مهام الصراع الطبقي ). وبهذا الشكل تحوّل الفوتومونتاج الى أداة سياسية نموذجية. وهذا الأمر كان يعيه فنانو الطليعة الروسية. كذلك كانوا مدركين بأن التكنيك لا يحجب ، بالضرورة ، رؤيتهم للواقع. الا أن هذا التكنيك تحوّل على يد الطليعة الى فتيّش حجب الواقع الفعلي. وهو أمر مفهوم أن لهذه القضية بعدها الأخلاقي أيضا. ولنا عودة اليه.
كانت جارية النقاشات حول موضوع العلاقات البصرية بين الدعاية الستالينية ، وفي اضعف الأحوال جزء منها ، والتقاليد الطلائعية ، وحول قضية إلتزام فناني الطليعة القديمة ، وبالضبط اليسار الفني ، بخلق المنطقة الصورية للستالينية. وقد لوحظ أن أعمال فنانين معينين للطليعة القديمة في أثناء ( الخطة الخمسية الاولى ) كانت ذات اسلوب مميز للواقعية الإشتراكية اليافعة آنذاك. فهناك ذلك الطراز من تكوين الفضاء والنظرة الضفدعية ( الرؤية من أسفل الى أعلى ) في تضخيم الشخوص والتشويه المقصود لقواعد المنظورالخطي. وفيما يتعلق بالتفاصيل جاءت أحوال التقديم خاضعة بدقة فوتوغرافية لمبدأ التماثل وخلق التوازن للتوترات في حين أن الشخوص قدمّت نصبية ً كما لو أنها قد قطعت من المرمر.
كان تارابوكين قد دعا الى الأخذ بأسلوب أسماه ( الشكلي – الإنتاجي ). وكما معلوم فالعمل الفني تخلقه العناصر الشكلية مثل الألوان و( النسيج ) وهو يخضع لمنطق معيّن للتشكيل سمّي ( التشييد التكويني ) ، وهذه التسمية الثنائية للنظام الشكلي الأساسي للعمل الفني تكون ، برأيه ، أمرا بالغ الأهمية. فالعناصر التصويرية لاتخضع لمباديء التكوين و الاّ لكان الأمر يعني بأنه قد ُفرضت من الخارج أو مسبقا ، أفكار معينة للتكوين : التماثل ( التناظر ) ، الهارموني ، المبدأ المعماري. كذلك فالمبدأ الوحيد لصحة ( الجسم الصوري ) ينبغي أن يكون داخليا يخص التنظيم. ويرى تارابوكين أن القانون الآخر الذي ينظم ذلك ( التشييد التكويني ) هو الإيقاع أي ما ينبع من داخل العمل : من الألوان والأنسجة. وعلى العكس من فكرة الهارموني والتناظر المفروضة من الخارج يكون الإيقاع جوهرذاك الجسم الصوري. وهو كمبدأ داخلي يخص إخضاع القيم البصرية إنما يوجّه التعبير في العمل الفني. وكلمة ( التعبير ) كان يؤكد عليها تارابوكين. فبرأيه يرتبط موضوع العمل الفني بصورة وثيقة بشكله. إذن يخضع الموضوع المطروح في شكل معين، لمبدأ الإيقاع الذي يقوم بصياغته. كذلك فالإيقاع يقررآلية تشييد دلالات الموضوع وأهميته. وبهذه الصورة يجتمع العنصر ( الموتيف ) الإيكونوغرافي مثل شعارات السلطة السوفيتية وشخوصها وغيرها ، في إيقاع ذلك التشييد للتكوين . ولعل أفضل مَن جسّد مثل هذه التخريجات كان غوستاف كلوتشيس أحد ابرز فناني ( الإنتاجية ) من العشرينات و تلك الحملة التضليلية الستالينية المسماة ب( الكذبة الكبرى ). فلديه نلقى جميع المواضيع والموتيفات الأساسية بالنسبة للدعاية البصرية من نهاية العشرينات والنصف الأول من الثلاثينات مثل تأليه الصناعة بل كامل الإقتصاد السوفيتي ، والإسراع في تنفيذ الخطة الخمسية ( كما ذكرنا كان الشعار : الخمسية في أربع سنوات ) ، وإبراز العنصر البطولي لدى الشغيلة و( عسكرة ) الكفاح من أجل السلام وإسباغ الطابع العقائدي على الرياضة وتحويل صورة القائد الى نوع من الإيقونات الدينية وغير ذلك. ونلقى هنا المخطط البصري التقليدي للدعاية الستالينية من تلك الفترة : التعارض بين صورة الشخصية الملتقطة من الأسفل وبين المشهد الطبيعي المعالج من أعلى ، أو التعارض في الحجوم بين الشخص الذي كرس له العمل الفني ( لينين مثلا ) أو الرمز( شعار الدولة ) وبين حجم الجموع أو المشهد الطبيعي. وهو أمر لايحتمل النقاش أن هذا الفنان قد مارس أقصى إستغلال لإمكانيات هذا الصنف الفنية. وفي الحقيقة نجد أن في ملصقات هذا الفنان يتكرر تكوين أساسي معتمد على ( تصادم ) الخطوط الشاقولية بالأخرى المنحرفة ، والعناية الفائقة بخلق إيقاع كلمات الملصق الذي منح عن هذا السبيل الدينامية والبساطة في الوقت ذاته. ولايكشف الإلتزام الأيدولوجي عن كنهه مباشرة. فهو يتكشف للمتلقي عبر السياق : الرياضة بالنسبة للسلطة السوفيتية كانت ذات أهمية إستنفارية أي أن الرياضة هي تنافس سليم يوّفر إمكانيات للتسلية

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي


- 8 -


في كتابيه الشهيرين ( بؤس التأريخانية ) و( المجتمع المفتوح وأعداؤه ) بيبن كارل بوبير K. Popper أن التأريخانية هي مفهوم يفترض موضوعية القوانين التاريخية وحتمية عملياتها أي أنه إيمان بأن التاريخ ذا المنطق الخاص به يصبح نقطة الإنطلاق في نشاط الإنسان. فمثل هذا التأريخ لايملك معنى فقط بل غاية يغذ السير صوبها. وفي نهايته يتم تحقيق المثال وتتجسد اليوتوبيا في الحياة . إذن يعتمد نشاط الفرد والمجموعات الإجتماعية على التأريخ وهو خاضع ل( الضرورة التأريخية ). إن قرارونشاط الإنسان الأكثر عقلانية ، وفق هذا المفهوم ، يعتمدان على فهم إتجاه ( التطور التأريخي ) وإخضاع غاياته وسبله لهذا الإتجاه أي أن فهم ( الجبرية التأريخية ) هو الشرط اللازم للنشاط العقلاني عند الإنسان ، وهكذا يعتمد معنى حياة الإنسان على قبول اليوتوبيا كضرورة تأريخية والعمل من أجل تحقيقها. ويعني كل هذا أن قيمة عمله خاضعة لمعيار الهدف النهائي. وهذا البعد الأكسيولوجي أسماه بوبير ب( النسبية التأريخانية ) التي هي بعيدة عن الثانية ( النسبية التأريخية ). فهذه طريقة لتقييم الأوضاع والأنشطة الجارية في زمنٍ ما وفق ( معيار العصر ) في حين أن الأخرى تعتمد على التقييم وفق ( معيار الهدف النهائي ) بالعلاقة مع اليوتوبيا. الأولى هي أداة ملموسة في عمل المؤرخ أما الثانية فهي بالأساس ذات طابع أيدولوجي وفوق تأريخية.
وفي كتابه المعروف (الإنسان المتمرد ) يذكر ألبير كامي أن المنتصر يملك الحق دائما ، وهذا هو أحد دروس أكبر نظام فلسفي ألماني في القرن التاسع عشر. ويقصد هنا تأريخانية هيغل. والمنتصر هو من يوجد عند نهاية التأريخ ومعه الحق دائما إذ أن القيمة نقلت الى نهاية التاريخ ، وقبلها لم يكن هناك أيّ معيار يسمح بتكوين حكم تقديري. كذلك ينبغي العمل والعيش بالعلاقة مع المستقبل. وكل أخلاقيات تصبح وقتية. ويرى كامي أن إلغاء كل قيمة أخلاقية ومباديء وإحلال حقيقة وقتية قد لايقود إلا الى الكلبية السياسية. وهذا يحصل حينما لاتكون نهاية للتاريخ في الواقع. فنهايته هي يوتوبيا ، وكل يوتوبيا هي على الدوام قهر وإستبداد. والتأريخانية هي فلسفة توفيقية. إذ أن المنتصر هو من يملك السلطة وحينها يطلق نبوءته عن نهاية التاريخ ...
يجد كامي أن تلك الكلبية السياسية والتوفيقية النابعتين من تعليق التأريخانية للأخلاق هما في الجوهر عدمية أخلاقية تقود الى خيارين : إستثناء كل حالات التوكيد الملزمة أوالتوكيد على كل ما يملك في التأريخ فرصة النجاح وبالدرجة الرئيسية القوة بشتى معانيها.
وعلى ضوء التأريخانية ينشط الإنسان المدرك لهيئة المستقبل وفق إتجاه ( الضرورة التاريخية ). وهذا الإدراك يحرر فيه الطاقة ويدعوه الى النشاط. ومثل هذا العمل ، أي العمل من أجل تحقيق اليوتوبيا ، والذي يكون المعني التأريخاني لحياة الإنسان ، يسميّه بوبير ( الهندسة اليوتوبية ). فالفلاسفة التأريخانيون يرون أن المستقبل سيكون ( جميلا ) ، وتحقيق اليوتوبيا والمثال يعني السعي صوب الجمال المطلق. والسياسة التي تقود الى هذا الهدف هي بمثابة تكوين للمستقبل من موقع الجمال. وبهذا المعنى تتطابق مع الفن. ونقرأ في كتاب ( المجتمع المفتوح وأعداؤه ) أن أفلاطون رأى في السياسة فنا ملوكيا. إنها فن وليس بالمعنى المجازي الذي نطلقه عند الكلام عن فن توجيه الناس أو فن تحويل القول الى فعل ، بل بالمعنى الأكثر حرفية : إنها فن التكوين كما الموسيقى والتصوير والعمارة. و أفلاطون السياسي يقوم بعمل تكوين للدولة من موقع الجمال. وهذا الربط للراديكالية بالنزعة الجمالية يكون الصفة المميزة للتأريخانية. ويسمّيه هذا الفيلسوف النمساوي ب( الحلم بيوتوبيا أستيتيكية ) . ولم يكن أفلاطون الوحيد في هذا الحلم. فماركس لحق به في القرن التاسع عشر...
كما يبدو كان وعي الطليعة متجذرا عميقا في طريقة التفكير التأريخانية. وليس فيما يتعلق ببناء اليوتوبيا فقط بل في صياغة شكلها وإستخدام ذات الحجج التأريخانية. وعموما يمكن ملاحظة ثلاثة عناصر للوعي التأريخاني في تفكير الطليعة : الأول هو الفهم الثيليولوجي theleological ( الغائي ) للرسالة التاريخية ( قال أرسطو إن كل شيء في الطبيعة يتحرك نحو غاية ) والثاني هو البحث عن علاقة إنسجام بين الفرد والمجتمع، والثالث تلك الراديكالية في الرأي المعلن.
في وعي الفنان من تلك الفترة كان التأريخ قد حل محل الطبيعة. والفنان الحديث إستند إلى التأريخ وعملياته المنطقية واجدا فيها صعيدا جوهريا لتحديد مواقفه. فأمام التأريخ شعر بأنه مسؤول عن عمله الفني ، ولأنه قد حدد واجب العمل من أجل صوغ المستقبل. ولقد دفعت مقولة نبذ الطبيعة والتأكيد على التأريخ فنانَ الطليعة الى قرن عمله باليوتوبيا. وهناك صلة للطليعة بمفهوم ماركس حول ( جعل العمل أستيتيكيا ً ) والتي جوبهت بمفهوم ( إغتراب العمل ). وهكذا ف( عملية تكوين الدولة من موقع الجمال ) أي تحقيق اليوتوبيا التي تملك ، وفق التأريخانية ، جزءا من طبيعة الشيء ذي الخاصية الأستيتيكية ، لم تشمل الفنان المحترف بل بالدرجة الأولى ( الفرد الخالق ) و( الهاوي الذي ُحرِّر) و( الإنسان النموذجي ).. وتجدر الإشارة هنا الى أن رؤيا ( الهاوي الخالق ) بقيت في روسيا السوفيتية حلما ومثالا لم يتحقق بالطبع . وكان قد بادر بها ألكسي بوغدانوف أيدولوجيُ منظمة ( الثقافة البروليتارية - بروليتكولت ) والتي جابهها لينين بنظرية ( الطليعة ). فقد وجد زعيم البلاشفة أن على الحزب الشيوعي ( طليعة الطبقة العاملة ) أن يأخذ على عاتقه واجب تحقيق مصالح العمال وهدف التأريخ واليوتوبيا. فالوعي والمستوى التعليمي للعمال يعفيانهم من القيام بهذه المهمة.
وكما أشرنا كان موقف الأوساط الفنية الراديكالية من هذه الإشكاليات غير واضح تماما. فهي قد تقبلت على الصعيد النظري وحده فرضيات بوغدانوف الأيدولوجية.
وإذا كان على ( الثقافة البروليتارية ) أن تتبلور ، وفق فرضيات بوغدانوف ، وماركس أيضا ، من خلال العمل وجد الفنانون أنه نظرا للمستوى الفعلي والراهن لوعي العمال ينبغي أن ُتفرض على الطبقة العاملة لغة المستقبل أي اللغة المتفقة مع ( الضرورة التأريخية الموضوعية ). وهؤلاء جابهوا نظرية ثقافة الهواة البروليتارية بمفهوم ( المستقبلية ) الذي كان مفهوم ( الطليعة ) بالطبع ، أي يكون المقصود هو الفن السابق لزمنه وما يثبت أهليته للخضوع ل( معيار الهدف النهائي ). وقد لا تخلو المسألة من المفارقة. فلينين المؤمن بالطليعة ، لكن على أصعدة أخرى ، كان يرفض مفهوم ( الطليعة ) الذي طرحه المستقبليون خاصة ، كما رفض العواقب الفنية لنظريات الفن الراديكالية.
كان محور الخلاف الموقف من المستقبل. وفيما يخص الفن كانت تأريخانية المؤسسة السوفيتية غير حازمة. فموقف لينين ومعه وُناتشارسكي من التراث الثقافي وبالضبط الفن القديم ( غير الطلائعي ) كان إيجابيا للغاية الأمر الذي أثار حنق المستقبليين وفي مقدمتهم ماياكوفسكي الذي سبق أن طالب بحرق المتاحف. ومعلوم ان السلطة السوفيتية أرادت أن تكسرعزلتها في حقبة ما بعد الثورة ولذلك وجدت أن ما يطرحه المستقبليون بشكل خاص يحمل (جرثومة النهلستية ). ولكن مع مرور الوقت خضع موقف الطليعة من هذه القضية الى التعديل. والتشييديون ،على العكس من المستقبليين ، إستهجنوا شعار حرق المتاحف وأبدلوه بآخر : ( لنبن متاحف الثقافة الفنية ). وكان على المعرفة بالفن القديم ، وفق طريقة التفكير التأريخانية ، أن تكون ضرورية لفهم الفن الجديد الذي نشأ ، منطقيا ، من القديم . كذلك كان من الضروري الإنتقال ، عبر فترات من التطور الإجتماعي ، الى الهيكل اللاطبقي أي الشيوعية.
إن مثل هذه الرؤيا للثقافة الفنية كانت مقبولة ، عموما ، في وسط الفنانين الحديثين بغض النظرعن مطالبة المستقبليين بإستثناء شهادة الماضي بأسم ( تنقية ) الثقافة أو كون هذه الثقافة ، كما الحال لدى التشييديين ، مجرد أداة تعليمية تساعد على فهم الثقافة الفنية في المتحف والكتاب المدرسي لاغير. ولاحاجة الى القول بأن هذا يعني ، في الجوهر ، نبذ هذه الثقافة بالمعنى الوظائفي وليس الفيزيقي. فهذا الموقف هو من مظاهر سعي شمولي الى إخضاع الثقافة الفنية لرؤيا معينة إعتبرت الصحيحة وحدها. وبهذه الصورة أصبح تأريخ الفن ، هنا ، أداة للمذهب التأريخاني...
وفيما يتعلق بشيوع فهم أن الخلق الفني هو عملية منطقية وثيليولوغية للإنتقال من الفن القديم الى الجديد وفقا لإيقاع التبدلات الإجتماعية نلقى موقفين يمثلهما فنانان لايجمعهما الكثير : ميخائيل واريونوف وكازمير ماليفتش. الأول يقول بأن الأسلوب هو تعبير للعصر وأن كل زمن يكشف عن حضوره من خلال أسلوبية معينة. وهذه الهوية البصرية قد ربطت بشروط حياة المجموعات الإجتماعية في هذا الزمن أو ذاك. والتبدلات التي تطرأ عليها تجر وراءها تبدل أشكال التعبير. فكما توجد إستمرارية التبدلات في الحقل المادي توجد هي أيضا في حقل الأسلوب. وكما لاحظ واريونوف فهذه نزعة هادفة الى تحرير قوانين تشكيل الصورة من فروض المحاكاة ، كما أنها تنحو صوب إستقلالية التصوير مما يكون نتيجة منطقية للعملية التأريخية - الفنية ، ولكن تحقيق هذه الإستقلالية للعمل الفني لايعني وضعه خارج العصر بل على العكس فهو التعبيرعنه. ثمة مؤرخون يفسرون مثل هذه المواقف بأنها متجذرة في التقاليد الهيغلية أي السعي الى ( التجريد ) والبحث عن ( جوهر ) الفن والكشف عن مبادئه الداخلية وإنتهال ( خلاصته ). وفي ذات السياق يمكن تفسير ( لاشيئية ) ماليفتش التي نعثر فيها أيضا على هيكل الجدلية الهيغلية وتلك الثلاثية التي أعيدت صياغتها : ( الشيء – اللاشيئية – الخلق ). وهناك الكثير الذي يشير الى أن ماليفتش قد قرأ هيغل جيدا. كذلك رأى تعقد الآلة الحضارية التي إستثنت معظم ( ألوان الطبيعة ) ولم يبق هناك الا الأبيض والأسود. وكما يقول حلت المدن الدينامية والحياة المعقلنة محل الطبيعة. والفن الذي هو التعبير عن الظروف المتبدلة يصبح وحيد اللون ومبسَّطا ، أي ضد الفرضية لدى هيغل. وعامة بقي ، كما ذكرنا ، لونان متعارضان تماما ، والمدينة وجدت أن الأشكال الهندسية أكثر إقتصادية من الأخرى الطبيعية. والمرحلة التالية هي صوغ فن المستقبل ( الفرضية ) ، الأبيض المحروم من التوترات الطاقوية ، الفن المناسب للمجتمع المنسجم ( الخالي من أحوال العداء والتناقض ). وعامة فالعناصر التأريخانية في مفهوم ماليفتش مضفورة ببعد فلسفي آخر يجعله مخالفا لممارسات فناني ( الإنتاجية ).
معلوم أن موقف اليسار كان قريبا لدرجة أكبر من الصياغة المادية للتأريخانية وليس الأخرى الميتافيزيقية ، الا أن هذا لايعني بأنه كان محروما من المثالية. وهناك من يجد أن الطليعة كلها كانت تعتمد على التقاليد ( المثالية ) الهيغلية الأمر الذي ميّزها عن المؤسسة السياسية ( وخاصة لينين وتروتسكي ) التي تمسكت بالتقاليد ( المادية ).
من المؤكد أن جوهر الإشكالية ، وكانت الرئيسية آنذاك ، هو الخلاف بين فريقين. الأول إعتبر أن البرليتاريا لاتملك الصلة المشتركة مع الفن وأنه ينبغي إعتبار المسألة منتهية عامة. والثاني وجد أنه على الفن البروليتاري أن ينهض على الأرث التأريخي. وهناك من رأى ، وبينهم نيقولاي بونين ، أن مثل هذا الموقف لايتفق مع المادية التأريخية. ويكتب هذا الفنان أنه لأسباب دياليكتيكية ينبغي تحرير البرليتاريا التي تملك تعبيرها الفني الخاص والذي يختلف عن ( البوروجوازي ). وكان إعتقاده أن الثقافة القديمة ، أي البوروجوازية ، قليلة النفع، فهي قد أرسيت على أسس أخرى ( روحانية ) في حين أن البروليتاريا تبحث عن ثقافة نابعة من العقيدة المادية ، وبذلك يكون كامل ( الإرث الفني ) معدوم القيم .. والإنسانية التي تقودها طبقتها الطلائعية قد وصلت درجة من التطور تتطلب تبدلا راديكاليا للنموذج الثقافي...
كانت مدرسة الإنطباعية على خط النار الأول هنا. ويكتب بونين : ( ليس السبب الوحيد في كون الإنطباعيين هم بوروجوازيون قدّموا حياة وطرز البوروجوازية وعبدوا المشاعر الأستيتيكية ، بل لأن أساليبهم في بحث مادة التصوير كانت مشروطة بحالة وعيهم الطبقي والبوروجوازية .. والإنطباعي هو بوروجوازي دائما وحتى لو أخذنا في أضعف الأحوال طريقته في العمل ، إذ يفضحه هنا التحسس نفسه بالتصوير والموقف من المادة ( أي الخامة ) وقبل كل شيء لحظة التقديم نفسها ( أي المحاكاة ). وهي لحظة تقليدية للفهم البوروجوازي للفن الذي هو تعرف على المادة وليس إستخدام الوسائط الفنية للكفاح الطبقي. ولذلك ليس هناك أيّ فرض ملزم بأن يقدم أيّ شيء .. وفن البروليتاريا يوجد في الجهة الأخرى من المتاريس. إنه ليس ضد الإيقونات الكنسية وبورتريهات السادة فقط بل ضد كل تصويروتقديم. والبروليتاريا هي الطبقة الوحيدة التي تتحسس، بكل حدة وتفهم ، المادة وبالدرجة التي يلزم بها الفن ). وهكذا فإن الكشف ( أي التعرف ) عن مادة الفن والذي هو مهمة ( الفن الثوري والجديد ) إنما يكون المحك لطابعها البروليتاري. فالبروليتاريا تتحرك في المادة ولها صلة مباشرة ب( مادية الشيء ) ولذلك تملك الفهم الصحيح لفن الطليعة. والفن غير التشخيصي ، أي غير المقدّم ، الذي يكتشف ( مادته ) هو فن البروليتاريا.. وعلى هذا الأمر تعتمد صلة الفن التأريخية ( وهي هنا التأريخانية ) بالعملية الساعية صوب هدف التأريخ وتحريرالبروليتاريا وإلى آخره...
ويمكن تلخيص مساعي الطليعة الروسية في العشرينات بإثنين : التجديد بالروح المعمارية وفن الإنتاجية. وكلاهما يعمل ، في الحقيقة ، على ذات المستوى. فالإثنان يرفضان ( لوحة الصالون ) المعلقة على الجدار وكذلك ( الشيء ) المستقل ، وفي الوقت نفسه يرفض الإثنان قصر العمل الفني على الوظيفة النفعية. فالفن لايمكنه أن يعني خلق أشياء ( غير نافعة ) ولا إنتاج أشياء تلبي الحاجات الإجتماعية. فمهمة الفنان صوغ حاجات المجتمع وبناء مجتمع جديد. ومثل هذا الفن سوف لن يكون ( فناً ) بالمعنى التقليدي لهذه الكلمة ، بل هو ( خلق واقع جديد ). وعلى هذا الضوء يرى الفنانون أنفسهم ك( مهندسين ) لعالم جديد ، وبناة يوتوبيا. وهذا النشاط الفني الجديد يؤدي وظيفة دينامية وهي خلق عالم جديد وليس تلبية حاجاته.
وأحد الأمثلة التقليدية على تلك ( اليوتوبيا المعمارية ) في روسيا الثورة كان مفهوم الفن والذي دعا إليه إيل ليستزكي. ووفقه كان المعمار يمثل ذروة العملية الفنية وبداية خلق واقع جديد. فمن خلال فرض علاقات مكانية محددة على الناس جاءت ثمرة لأبحاث علمية ورياضية ، يتم صوغ حياة جديدة. ومنطلق هذا الفنان هو التأريخانية بالطبع ، كذلك الإيمان ب( موضوعية العمليات التأريخية ) التي تكون نتيجتها المنطقية تحقيق اليوتوبيا. وكان هناك دور معين في نشوء هذا المفهوم لدى ليستزكي يتمثل بفلسفة التأريخ لدى أوزفالد شبنغلر O.Spengler الذي كان ، في البدء ، متحمسا للثورة البلشفية ولغاية قيام لينين بمنع مؤلفاته ! كذلك إستثنى ليستزكي إحالاته الى الفيلسوف الألماني الذي كانت سمعته سيئة أيضا في أوساط الطليعة الفنية الروسية.
لقد كانت الرؤية التأريخانية للعالم واضحة في إحدى كتابات ليستزكي الرئيسية في مطلع العشرينات. وكانت بعنوان ( مدرسة التفوقية في تحوّل العالم ) حيث طرح مفهوم تطورالفن المرتبط بالتطورالإجتماعي : من الخلق القديم المكرس لوصف الواقع عبرالتكعيبيبة والمستقبلية الى التفوقية التي تمثل تتويجا لهذه العملية. ومحرّك العملية هو ، من جهة ، التطور التكنولوجي ، ومن أخرى رابطته بتحرير الإنسان والذي يعتمد على نبذ الفردية لمصلحة الجماعية. وفكرة ( العمل الفني ) المدرَكة كمظهر لشخصية الفرد وإستقلاليته ينبغي أن تكون مرفوضة كعمل من أعمال ( الثورة المضادة ).. فعلى الفرد أن يكون مرتبطا ، أو بالأحرى مربوطا ، في ( الجسم ) الإجتماعي الجماعي بصورة شبيهة ب( عمل القلب والأجهزة العصبية المركزية ) الذي يكون الجزء الوظائفي لبيولوجية الإنسان. وهذه المهام تتناولها ، بالطبع ، ( التفوقية ) التي يقود معمارها الدينامي الى مسرح جديد للحياة. ولقد طرحت الشيوعية قضية عمل الإنسان محررّة إياه ، في ذات الوقت من الفردية الضيقة ولكي يمتلك الشعور بالمنظومة ، كذلك فالتفوقية تمضي أبعد : إنها المحرّر الحقيقي، فهي تحرر البشرية من هيمنة العمل وإمتاع الحواس أيضا.. ويستنتج ليستزكي : بعد ( العهد القديم ) جاء الآخر ( الجديد ) وبعده ( الشيوعي ) ، وفي الأخير أعقب ( الشيوعي ) ( عهد التفوقية ).
وفي نص برنامجي آخر شبيه بنص ليستزكي القديم يريد ( برون) أي الحركة التي أسسها هذا الفنان ، أن تجعل هذه الرؤيا أكثر ملموسية. وهذا النص يبدأ في صيغته الأولية بالإستشهاد بكتابات شبنغلر وماليفتش. أما الصيغة التالية( وقد طبعت في هولندا ) فقد ُحذفت منها تلك الإستشهادات.. وفي الحقيقة كان تأثير شبنغلر هنا سطحيا وعلى العكس من تأثير ماليفتش وخاصة أفكاره عن تلك المعماريات. ووفق ليستزكي تكون حركته ( برون ) هي ( محطة في طريق بناء شكل جديد ) ، وهي مشروع يخص إعداد بنى ذات أبعاد ثلاثة على مستوى ذي بعدين. والتصوير المرتبط تأريخيا بمناطق أخرى من الثقافة الفكرية والمادية يعيش الآن نهايته. ولقد طوّر منذ عصور ما قبل الميلاد في أطر العلاقة مع الهندسة والرياضيات. وفي المرحلة الراهنة يجد التصوير إحالة له الى الهندسة غيرالإقليديسية ونظرية النسبية الآينشتاينية ، وهو يقوم بوظيفة أداتية واحدة لاغير، وهي إعداد الفن لمهمة عظيمة هي تغيير بناء العالم وهي مهمة يقوم بها المعمار. ويكتب ليستزكي : ( ولكن إذا كنا نواصل التلوين بالفرشاة فعلينا التذكر بأننا نعمل حينها من أجل تدمير الصورة. ونحن قد أدركنا بأن سطح القماشة كف عن أن يكون صورة ، فقد أصبح موضوع البناء ( ..). لقد أسسنا ( برون ) من أجل خلق بناء للأشكال ( أي السيطرة على المكان ) بمساعدة الهيكل الإقتصادي للمادة التي أعيد تقييمها. وبات واضحا أن (برون ) يدفع الفنان صوب مهمة جديدة وهي مهمة المهندس الباني لليوتوبيا ) .
كان فنانو ( الإنتاجية ) قد إتخذوا موقفا أشد راديكالية. وأراد تارابوكين بأقواله عن عدم إمكانية تطور التصوير الذي بلغ نهايته بصيغته كمنتج لوحات معلقة على الجدار ، أن يفتح آفاقا جديدة تماما تخص تعريف دور الفنان في المجتمع ، ولأن مواصلة خلق اللوحات أمر غير ممكن. ف( الفن ) شأن كل نتاج تأريخي ، قرب أجله في روسيا السوفيتية تماما مثلما إنتهت مرحلة من التطور الإجتماعيى كان ل( الفن ) ما يناسبه تأريخيا. وكان الواقع الجديد يتطلب التعبير في مراتب ونماذج مغايرة تماما. وهذا النشاط الفني الجديد لم يكن حتى ( ضد الفن ) الدادائي تماما كما لم تكن الشيوعية ( ضد الرأسمالية ) بل شيئا آخر جديدا في ذات الوقت ، كما أن الإنتاجية والشيوعية كانتا نتيجة تأريخية للعملية ، وبهذه الصورة مهدت لوحات رودتشينكو الأحادية اللون وتنظيرات تارابوكين التي إستنبطها بالإستناد على تلك الللوحات ، الطريق لنشوء مفاهيم أكثر راديكالية.
معلوم أن فن الإنتاجية كان في صميم تجارب الفن الطلائعي الراديكالي. ولما كانت صياغاته قائمة لو لم تكن هناك التجارب حول الصورغير التشخيصية. ونلقى مثل هذه الملاحظات لدى منظر آخر هو بوريس آرفاتوف B.Arvatov الذي كتب : ( قد لاتكون هناك حاجة الى إيضاح أن اللاشيئية هي درجة مباشرة تقود الى فن الإنتاجية. فالإنفصال الحازم عن التزيينية وخلق النماذج الرقشية للأشياء وإستخدام الفن في حقل التكنيك هو أمر ممكن في حالة واحدة فقط وهي الصهر العضوي لعملية الإنتاجية بعملية صوغ الأشكال الفنية. إلا أنه في عملية الإنتاج ثمة ثلاث لحظات هي المادة ( أي الخامة ) الصرفة وطريقة الصنع والغرض من المنتوج. لذلك فالفنان الذي لايعرف السيطرة على تلك المادة أي المادة المستخدمة بصورة مباشرة ، لا مكان له في المصنع. وحتى لو ظهر هناك فالنتيجة الوحيدة لخلقه ستكون نسيجا مصنوعا وفق وصفة الإنطباعيين أو فنجانا تكعيبيا أو صحنا مستقبليا ..). بالرغم من ذلك كانت مهام فناني الإنتاجية غير محددة بالوضوح الكافي دائما. وتارابوكين إعترف بأن ( الفنان هو من يدّنس حقل الإنتاج ) لكنه قال أيضا إن الفنان ليس لديه ( ما يقوله للمهندس على المستوى المهني الصرف ) ، فهو ( طرائقي ) للإنتاج. إنه يعمل في الخامة ، أي المادة ، وفي الشكل والغرض من ( الشيء ) أيضا ، كما أنه يوّجه وعي العامل صوب ( الإعداد الأستاذي للخامة ). وبالنسبة للفن النقي تكون هذه ( الأستاذية ) هدفا بحد ذاته ، بينما هي بالنسبة لفن الإنتاجية وسيطة لتحقيق الغرض.
معلوم أن رودتشينكو وستييبانوفا في مانفستهما الخاص بفن الإنتاجية أعلنا عن تطابق فن التشييدية مع أهداف الشيوعية ونظرية المادية التاريخية. وكان غرضهما خلق أطر الثقافة الشيوعية من خلال ما أسموه بالإنتاج الفكري ، وفي التطبييق العملي كان ذلك يعني المزيد من نشاط الداعين الى فن الإنتاجية في الصحافة وتنظيم المعارض الدعائية وخلق خطط التطور للصناعة والحياة الإجتماعية. وكانت شعاراتهم : ( ليسقط الفن .. إنه كذب . ليسقط الحرص على التقاليد الفنية. ليعش الفن التشييدي ... الفن الجماعي المعاصر هو تشييد للحياة ) . وهكذا كان( مهندس اليوتوبيا) يملك مهاما محددة بدقة : التحريك في الصحافة وإعداد الخطط وتنظيم المعارض إلخ .
وكما أشرنا كان ألكسي غان قد اصدر كتيبا بعنوان ( التشييدية ) هاجم فيه خصوم الرؤيا الماركسية للثقافة ( أي الفن المرتبط بالشروط الأيدولوجية والمادية المتبدلة وبأسباب ونتائج الثورة البروليتارية ). وكان الخلاف يتعلق قبل كل شيء بالمؤسسات السوفيتية الإدارية التي وجدها غان لاتحترم الثورة وبالتالي دكتاتورية البروليتاريا بسبب تذبذبها الفكري الذي يدفعها ، كما يقول ، صوب موقع ( أيتام الثقافة البوروجوازية ). ويكتب : ( عبر سنوات طويلة كانت الرأسمالية تضطهد التشييدية في الخفاء. ولم يحررها الا الثورة البروليتارية ..). ويمكن القول أن كتيب غان صار التعبير الأكثر نضجا للتأريخانية فيما يخص الطليعة السوفيتية وبمعزل عن مسألة تورطها في النزاعات السياسية آنذاك ، ولربما بسببها. بالطبع يأخذ غان كامل متاعه الفكري من الدوغمات الماركسي ، حيث وجد أن تطور الثقافة الفنية مرتبط بتطور ما يسمى بالقاعدة المادية وبنائها الفوقي الأيدولوجي. ويتناول غان تأريخ الفن بنوع من الماركسية السوقية المعروفة بلهجتها الهجومية وبلاغتها المتشجنة التي تكشف عن الكثير من الإستعلاء العقائدي. بالطبع كان هذا اسلوب الثورة. وكما تبين فقد أبقوا ، لأمد طويل، على نبرة هذا الأسلوب وحديّته.
يطرح غان تصوراته لمستقبل الثقافة البروليتارية التي يربطها بالتشييدية أي فن الإنتاجية. وفي الواقع لايبتعد هنا عن تقاليد فن اليسار التي صاغها ( كومفوت : الشيوعيون – المستقبليون ) وغيرهم. ويقول إن المهمة الاولى للنتاج الفكري – المادي في حقل التشييدية هي ( العثور على وسائط التعبير الشيوعي للتشييدات المادية أي البرهنة العلمية على حلول إنشاء المباني الجديدة والخدمات التي تناسب الثقافة الشيوعية في المرحلة الإنتقالية ). والمهمة الثانية هي ( البرهنة العلمية على طريقة البدء بتنظيم وترسيخ الأعمال والحركات الجماعية في كامل الإنتاج الإجتماعي أي خلق أول نموذج جماعي للنشاط الإنساني الحي والجماعي ). وكل ماهو ليس في خدمة الشيوعية التي هي هدف التاريخ ، يجب نبذه بل تصفيته. والنزاع بين الثقافة البروليتارية ( أي فن الإنتاجية ) والأخرى البوروجوازية قد رسمت سماته بكل وضوح. وليس هناك من توفيقية بين الأثنتين. فالأولى هي ، برأي غان ، الصيغة الفنية الوحيدة الصالحة للبقاء إذ أنها قد أرسيت على ( العقيدة الصحيحة الوحيدة ) : المادية التأريخية .. بالطبع رافق مثل هذا الإعلان العقائدي الهجوم ( الكاسح ) على الثقافة ( البوروجوازية ) : ( في الوقت الذي كان البوروجوازيون والجماليون وبالقرب منهم جوقة الإنتلجنسيا ، يحلمون بأنهم بفنهم المموسّق سيصيبون بالطرش ، هارمونيا العالم كله ويوجهون روحه التجارية ضد النظام السوفيتي ، وبمساعدة صورهم الصغيرة الرمزية – الواقعية يوضحون لروسيا الجاهلة والبدائية أهمية الثورة الإجتماعية ، وعن طريق مسارحهم المهنية يمسرحون ،على الفور، الشيوعية ، جاءت المبادرات الأولى لمشيعي الفن اليساري الى جانب الثورة (..) و( الفنان ) التشييدي ينضم الى صفوف العمال لكي يكافح الماضي ومن أجل مستقبل بلا فن ، وبواسطة الإنتاج الفكري – المادي ).
سبق أن ذكرنا أن معظم أوساط الإنتلجنسيا وبينهم الفنانون ، إتخذ موقف التحفظ من الإنقلاب البلشفي حتى أن كتابا بينهم مكسيم غوركي الذي إرتبط فيما بعد بسياسة الحزب لم يكونوا مقتنعين بثورة أكتوبر. ولم تشجعهم هنا ممارسات الشيوعيين الذين هدفوا منذ البدء الى السيطرة على جميع قطاعات الحياة العامة ، ولاشخص وُناتشارسكي وقوميساريته للتعليم . ويكفي الإشارة الى فرض الرقابة على العروض المسرحية والفلمية ، والخلافات حول تأسيس جمعيات الفن ثم تأميم دورالنشر ومؤسسات الإنتاج السينمائي وإخضاعها لرقابة الدولة ثم الهجوم الدعائي على الإنتلجنسيا كعنصر بورجوازي – رجعي مرتبط بقوى الثورة المضادة. كما كانت هناك الخطوات القمعية مثل القرار حول الصحافة والذي يحجب صحافة التجمعات المعارضة ، وحل لينين للجمعية الوطنية ( البرلمان ) في أثناء جلستها الأولى ، والتصفية الإدارية والفعلية للأحزاب وقادتها والتوجه الصارم صوب إحتكار السلطة. ومن ( الذنوب ) الأخرى كان الحد من صلاحيات ( المجالس العمالية ) وذلك القمع الدموي للإنتفاضة في كرونشتاد. بالطبع لاحاجة الى التأكيد على الأرهاب اليومي لمنظمة ( تشيكا ) ذات السلطة شبه المطلقة.
كان الفنانون اليساريون الوحيدين الذين إلتحقوا بالبلاشفة. ولم يلب دعوة اللجنة المركزية للحزب من أجل عقد إجتماع في سمولني مكرس لمستقبل العلاقات بين الحكومة السوفيتية والوسط الفني ، الا خمسة فنانين هم ماياكوفسكي وآلتمانAltman و بلوك ( بووك ) Blok وميرهولد Meyerhold وبييتروف – فودكين Pietrov - Vodkin. و قد وجد هؤلاء في ثورة أكتوبر ثورتهم ( المستقبلية ). وبدا تحالفهم مع النظام الجديد أمرا طبيعيا. فاليسار الفني يتحالف هنا مع اليسار السياسي. وكان هؤلاء الفنانون مؤمنين بأنهم هم أصحاب ( الثورة الحقيقية ) أما ( إنقلاب أكتوبر ) فكان مجرد مواصلة لعملهم .. ولهذا كان شهر العسل بين الجهتين قصيرا وحتى أن ( عقد القران ) قد تم رغم نفورالقيادة الحزبية وعلى رأسها لينين ، من أستيتيكا المستقبليين. كذلك لم يكن وُناتشارسكي راضيا. فقد كان يفضل أن يرى الى جانبه ما يسمّون بالكتاب البروليتاريين وليس تلك الطليعة. ولكن لم يكن لديه خيار آخر. فالفنانون اليساريون كانوا الوحيدين الذين تحمسوا ، ولدرجة الغليان، للتعاون مع السلطة. وفيما بعد تغيرت الحال : ظهر فنانو ( الواقعية البطولية ) . ولكن وُناتسارسكي كان يعرف جيدا أن تظاهرات الطليعة ذات الطابع الهجومي والمتعصب والتي تبدو كأنها ( دكتاتورية الأقلية ) لاتشجع بقية المرشحين للتعاون معه ، كما لايساعد ذلك على بسط سيطرته على مساحات أكبر من الأوساط الفنية. وتبدو ستراتيجية الطليعة في هذا الواقع الجديد شبيهة ، لحد ما ، بستراتيجية الشيوعيين. فهي قد إعتمدت على إحتكار الحياة الفنية والحط من قيمة الخصوم. بالطبع كانت المناصب الكبيرة في مؤسسات القطاع الثقافي من نصيبهم. ولقد إستخدمت هذه الستراتيجية هذا الصنف من البلاغة في سياق إجتماعي معين. فتأميم قنوات النشر ، وأزمة الورق وبقية المواد الضرورية لتمشية أمور الحياة الثقافية ، والرقابة الرسمية قد حرم الكثيرين من فرص الخلق والتعبير التي وفرّت للمقرّبين من السلطة أي الفنانين اليساريين ، وخاصة في السنوات الأولى من الثورة والحرب الأهلية. ومعلوم أن ما سمّي ب (القرار رقم واحد. حول دمقرطة الفن . أدب الأسوار وتصوير الشارع ) الذي وقعه كل من ماياكوفسكي وكامينسكي وبورلوك ونشر في جريدة المستقبليين في آذار 1918 قد ظهر مع قرارات أخرى لاتملك أيّ صلة ، بالطبع ، بالديمقراطية. وهذا نصه : ( أيها الرفاق والمواطنون . نحن قادة المستقبلية الروسية - فن الشباب ، الثوري ، نعلن :
أولا : منذ هذه اللحظة ومع الإطاحة بالنظام القيصري كف الفن عن الإختفاء في الخزانات التي تحجب أعمال العبقرية البشرية - في القصور والصالونات والمكتبات والمسارح.
ثانيا : بأسم التقدم العظيم - مساواة الجميع في الثقافة ، لتنطلق كمة الفرد الخلاق الحرة ، في أركان البيوت والأسوار والسطوح والحافلات والعربات والتراموايات وعلى اللباس أيضا.
ثالثا : لتنطلق اللوحات في الشوارع والساحات ، من بيت الى آخر ، بأقواس قزح كثيرة الألوان، مشيعة الفرح في نفوس المارة ومكرمة أبصارهم.
على المصورين والكتاب أن يهرعوا بلا إبطاء الى الأدوات والأصباغ ، بمساعدة الفرشاة الملزمة لمهنتهم ، مضيئين كل مكان بالألوان ، مغطين بالرسوم جوانب ورؤوس وأثداء المدن والمحطات وقطيع عربات السكك المارقة بلانهاية.
وليمتع المواطنون نفوسهم منذ هذه اللحظة وبلا إنقطاع ، وهم يعبرون الشارع ، بعمق أفكار المعاصرين العظام وليبصروا الألوان الباهرة للفرحة الجميلة ، فرحة اليوم الحاضر ، وليستمعوا في كل مكان الى الموسيقى – الألحان والرعود والضجيج – موسيقى المؤلفين الكبار. وليصبح الشارع عيدا. وإذا جرت الأمور وفق رغباتنا فكل إنسان يخرج من بيته يزداد حكمة ويكبر حين يشاهد الجمال بدل الشارع الحالي – هذا السجل الحديدي ( اللافتات ) الذي كتبه صفحة بعد صفحة وبإشاراته ، الطمع والتهتك والنذالة المباعة والعمى الوضيع الذي يلوث الروح ويؤذي العين ( كل الفن للشعب كله ) .
سيجري في موسكو لصق الشعار وتعليق الصور على الجدران في يوم صدور صحيفتنا ).

إن هذا النص يبدو كأنه قرار سلطوي كتب باللغة نفسها وبذات البلاغة التي نلقاها في البيانات الرسمية الأخرى حول المحظور والمأمور من تلك الأعوام. فذلك الهجوم الشرس على ( الثقافة البوروجوازية ) الذي يتكرر كل يوم في نشريات الطليعة قد رافق الإرهاب الجسدي ضد ( العناصر البوروجوازية ) و( أعداء الشعب ) ، وفي ذلك الجو الخانق من الإحتقارلحقوق الإنسان والذي تشيعه كل ديكتاتورية وفي مجتمع تخطى حاجز الفاقة والجوع. وعندما طالبت الطليعة ب( الدكتاتورية في الفن ) والتقيد بطروحات المادية التاريخية ، في الثقافة الفنية بإسم ( دكتاتورية البروليتاريا ) كانت تجري الإعتقالات وتنفذ أحكام الموت التي لم تكن لها أيّ صلة بمصالح البروليتاريا إلا أنها كانت تبرر بذات اللغة ، لغة المادية التأريخية. بالطبع لاينبغي التخلي عن الموضوعية عند الكلام عن هذه الطليعة التي كانت قد أزيحت جانبا في أثناء ( الخطة الإقتصادية الجديدة ) التي كانت موضع الإنتقاد الشديد من جانب فناني الإنتاجية. فقد وجدوها بعثا للنماذج البوروجوازية في الإقتصاد والثقافة وتراجعا عن النقاء العقائدي للشيوعية. وفي الواقع كان النموذج القريب من هذه الطليعة هو موديل ( شيوعية الحرب ) وليس الفكرة ( الرجعية ) التي أرهصت ( الخطة الإقتصادية الجديدة ).



- 9 -


ليس هناك مبالغة في القول إن اليسار الفني كان له إسهامه في خلق النظام الشمولي في الإتحاد السوفيتي وخاصة في ميدان الثقافة. فبالرغم من تجاهل السلطة لفنانيها وفيما بعد محاربتها لهم ، كانوا هم المبادرين بالتظاهرات الأكثر عنفا وذات الطبيعة الشمولية المبالغ فيها مماعمل على تغذية أجواء التعصب والعدوانية كما زادت من بلاغة تلك القرارات الحزبيةوالصحف الرئيسية بل بيانات أجهزة الأمن. وهم عندماوقفوا بذلك العنف ضد ( الثقافة البوروجوازية ) و( الفنانين البوروجوازيين ) وقفوا ، عمليا ، الى جانب الذين صفوا ( العناصر البوروجوازية ) في قطاعات الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية. وهناك من يجدهم مسؤولين بالصورة المباشرة عن الإرهاب. ومن الواضح أن تعاونهم مع الستالينية وأنشطتهم الدعائية لصالح خطة السنوات الخمس ، وكانت بديل تلك ( الخطة الجديدة NEP ) ، قد ثبّت الشكوك بأستقلالية هذه الطليعة عن السلطة التي صعّدت الإرهاب في الثلاثينات خاصة. ولعل المثال المكدر أكثر من غيره تلك الفوتوغرافيا التي صممها رودتشينكو في عام 1933 ونشرتها مجلة ( الإتحاد السوفيتي يبني ) تحت عنوان ( بناء قنال البحر الأبيض ). وفي الصورة نرى ( عمالا ) منهمكين في بناء سد مائي. وصوّروا بأسلوب دينامي إعتمد على حركة العناصر العمودية والأفقية. وفي الواقع يكشف التحسس بالتكوين عن قدرة فنية ملموسة ، الا أن كل هذه الأستيتيكيا وضعت في خدمة الكذب الدعائي. فتزييف الواقع يبدأ من توزيع عناصر الصورة : في المقدمة تعزف الأوركسترا ووراءها يجري العمل ( بكل حماس ). ولكي يتم تزويق الكذب نقرأ في الجهة اليسرى من أعلى الصورة : ( في أثناء عشرين شهرا كان عشرون ألفا من العمال قد درّبوا للحصول على أربعين مهنة ، وكانوا في السابق لصوصا وقطاع طرق وإقطاعيين ومارقين وقتلة. للمرة الأولى في حياتهم أدركوا شاعرية العمل ورومانسية البناء حين رافقتهم في العمل موسيقى أوركستراهم الخاصة ). وبهذه الطريقة أظهرت فوتوغرافيا رودتشينكو دور أرخبيل غولاغ الشهير في ( إعادة التربية ).. وعامة كان هناك سؤال طرح بإستمرار : أكيد أن تحالف الطليعة مع الثورة البلشفية كان نتيجة منطقية لموقفها القائم على رفض واقع ما قبل الثورة ومن ثم قبول الأيدولوجيا الشيوعية ، ولكن لماذا لم ينه واقع أعوام ما بعد الثورة – واقع الإرهاب والظلم والعبودية ذلك التحالف ؟ مما لاشك فيه أنه كان هناك أكثر من سبب لمثل هذا التحالف شأن الحال عندما حصل طلاق هذه الزيجة التي لم تكن في كل الأحوال قائمة على الحب المتبادل. والأسباب هنا كثيرة ، أولها سوسيولوجي : السلطة كانت بحاجة الى فن يصل الى الجموع غير المتعلمة ، والثاني سياسي : الإنتلجنسيا التي تعتبر المتلقي الطبيعي للفن الحديث بدت كأنها معلقة في فراغ سياسي وليس في سياسة ( دكتاتورية البروليتاريا ) ، والثالث أنثروبولوجي – فلسفي : الطليعة وجدت أن الواقع يكتنفه الظلام والفوضى ولذلك بدت لها هيئة المستقبل غير شفافة بالرغم من تلك الحمى اليوتوبية ، والرابع أستيتيكي : الطليعة نبذت الفن ( السهل ) وبالدرجة الأولى الفن الذي قد يطوّر تجارب الإرث التأريخي– الفني بينما كانت السلطة ، وكما قلنا ، بحاجة الى من ( ينوّر) الجموع ويصفي الأمية والتخلف ، فن يرسى على تقليد خاص وهو ربط الواقعية بالوعظية. بالطبع كانت هذه كلها أسبابا خارجية. أما الداخلية فمنها أن الطليعة بدت كأنها تريد أن تبني هي الشيوعية بدل الحزب الذي كانت قد شككت بدوره القيادي. وكما هو معلوم فهذا أمر لايمكن التساهل معه. ولذلك كان الحزب في منتهى القسوة. فإحتكار السلطة كان دوغمات الشيوعيين الأول. وجرّب هذا الواقع المناشفة والإشتراكيون الديمقراطيون وشتى المنظمات الثقافية وغيرها. بإختصار تبين أن التكافل بين الطليعة و( الدولة الإشتراكية ) أمرغير ممكن.
من كل هذا يتبين أن الدولة رفضت التعاون مع الطليعة وليس العكس. وكما معلوم فالطليعة الروسية خرجت من رحم الفلسفة الفوضوية عامة. وفنانو اليسار كان عليهم أن يتوقعوا مثل هذه النهاية للحب الذي شدّهم الى الشيوعية. فهم لم يستمعوا الى تحذيرات ميخائيل باكونين وإنخرطوا في خدمة الدولة والسلطة المركزية العدوين اللدودين للفوضويين. وباكونين دخل في نزاع مع الماركسيين حول هذه الإشكالية بالذات قبل ثورة أكتوبر بعقود طويلة. حينها إتهمهم بالسعي الى بناء دولة ذات سلطة مركزية قوية ومؤسسات هي بحكم طبيعة الأشياء ، معادية لأفكار الحرية. فالسلطة والحرية مفهومان ينفي أحدهما الآخر. ووجد منظر الفوضوية الروسي أن الدولة تخلق بنى تهدف منها تقوية كيانها حسب. ومن السذاجة إدعاء الماركسين أن السلطة في المجتمع المقبل أي اللاطبقي ستختفي. إنها باقية وأيّ كانت الجهة التي قدِمت منها ، وهي تسعى الى المركزية. وبهذه الصورة تكون الدولة عدوة للحرية. وهذه لايمكن تحقيقها الا في المجتمع الذي يخلق محيطها الطبيعي أي أنه مصدرها ومقيّدها في الوقت ذاته. و( الحرية المطلقة ) هي حرية في المجتمع وللمجتمع. إذن المجتمع وليس الدولة كما أراد ماركس وأنغلز ، يكون ضمانة حرية الفرد وحدودها أيضا.
لم تكن تحذيرات باكونين ذات وقع شديد في نفوس الفنانين الطلائعيين أثناء بناء ( الدولة الجديدة ) ، ولو أن الطليعة بقيت صامدة في موقع الفوضوية وفق صيغة باكونين لما بقيت ذلك ( الحرس الأمامي ). والخطأ الذي إرتكبته الطليعة هو أنها أخذت المجتمع كنقطة إنطلاق لها إلا أنها لم تأبه بحالة وعي تلك البروليتاريا بل كان شاغلها الصيرورة حرسا أماميا لهذه الطبقة. بدت وكأنها قد تقوقعت في دون كيشوتيتها ، فالحزب هو ذلك الحرس الأمامي.. وفنانو اليسار ، أي ذلك الجزء الصاخب من الطليعة ، أرادوا ، شأن الحزب اللينيني ، أن يمثلوا مصالح الطبقة العاملة وليس الإكتفاء بتمجيدها. كذلك فهذه الطليعة ، شأن الحزب ، كانت تعرف المصالح ( الحقيقية ) للبروليتاريا وأحسن من هذه نفسها. فالبروليتاريا لاتعي بصورة كاملة رسالتها. وفي النتيجة كانت المسألة تعني ضرورة أن تفرض على البروليتاريا لغة خاصة وتخلق أستيتيكا خاصة بها أيضا ، وليس الخضوع لمحدودياتها التي شخصها باكونين في مفهومه عن ( الثورة الإجتماعية ).
كان الخيار يبدو آنذاك هكذا : أما أن تكون الحرية خلقاً للعفوية في أطر تحددها ( الغريزة الإجتماعية ) وأما أن يكون أساس هذه الحرية قرارات من الدولة أي السلطة التي تفرض على المجتمع غريزة أخرى هي غريزة الإنتماء الى الدولة. وإذا أخذنا بمصطلحات باكونين ف( غريزة الطليعة ) الأنانية ، أي مفهوم الفن ، لايمكن جمعه ب( الغريزة الإجتماعية ) أي حالة وعي البروليتاريا الأستيتيكي ، ولذلك كان ينبغي الأخذ بالخيار الثاني : إندماج الطليعة بهياكل السلطة.
في كتابه القيّم ( الفنانون في الثورة . بورتريهات الطليعة الروسية ) يقول روبرت وليامز R. Williams إن الفنانين الروس الذين وجهوا إبداعهم صوب السياسة عليهم أن يتحملوا جزءا من المسؤولية عن تدمير الفن والحياة على يد الثورة الروسية في السنوات التالية. فإيمانهم بالخلود الفني والثوري قد سهّل صياغة تقنيات وفلسفات بإمكانها أن تكون سندا ل( قانون ) الثورة في تدمير أعدائها ، وبضمنهم الفنانين أنفسهم. ويؤكد وليامز على عواقب تسييس الفن وفي مقدمتها زرع بذرة تدمير المثل العليا لدى الفنان والثوري في الواقع الستاليني. كذلك لاحظ ذلك المنطق الخاص بالثورة وآليتها الداخلية الهادفة الى التدمير الذاتي.
وفي الحقيقة ليس السبب في هزيمة الطليعة كان ( تسييسها ) للفن بل في إختيارها للحليف. بالطبع تبدو غيرمعقولة الفرضية القائلة بأن الطليعة قد مهدت الطريق للشمولية إلا أن هذا لايعني البتة بأن الطليعة لم يكن لها دور في خلق الأيدولوجيا الفنية للشمولية. وهناك من يرى العكس : فطليعة العقود الأولى من القرن العشرين قد أعدّت ما أسماه مؤرخ الفن الروسي إيغور غوومشتوك ب( الأيدولوجيا الشمولية للثقافة ). فالتوتر الناشيء بين الدوافع الأخلاقية لدى الطليعة للإلتحاق بالبلاشفة ، والمشاركة في المسؤولية عن تقوية النظام الشمولي في روسيا كانا قائمين في طبيعة الطليعة نفسها. ويتابع غوومشتوك في كتابه ( الفن الشمولي في الإتحاد السوفييتي والرايخ الثالث وإيطاليا الفاشية وجمهورية الصين الشعبية ) مساعي الطليعة في فرض ( دكتاتورية الذائقة الطلائعية ) على المجتمع ، وإستغلال فناني اليسار للإمكانيات الإدارية من أجل تطبيق هذه الدكتاتورية حيث ُيظهر هذا المؤرخ الإتفاق بين رؤيا الفن المدرَكة ك(هندسة إجتماعية ) صاغها كل من ألكسي غاستيف A. Gastev وسيرغي ترييتياكوف S. Trietiakov من جهة ، ومن جهة أخرى ستالين الذي أعجبه كثيرا تعريف الكاتب ك(مهندس للنفس البشرية ). وفي كلتى الحالتين عومل الفن كأداة تخدم تحقيق مباديء عقائدية متقاربة ، وأسباب هذا ( الحب الأفلاطوني ) الذي كانت الطليعة تكنه للنظام تعود الى إتفاق في الطبيعة الأيدولوجية. بالطبع لا يمكن تجاهل الفوارق بل الهوة التي فصلت لغة العمل الفني الطلائعي عن الواقعية الإشتراكية أوالمثالية النازية.
معلوم أن الطليعة رأت فنها ك( فن رسمي ) للدولة بالرغم من أن هذه الدولة كانت تقمع معارضيها وكانت واضحة طبيعتها الشمولية. كذلك لا يمكن نكران ستراتيجيتها القائمة على مبدأ محق العدو والخصم والمحايد أيضا. والمثال البارز هنا موقفها من كاندينسكي وشاغال وغيرهما. وهناك أبحاث كثيرة كرست للعلاقة بين الطليعة والواقعية الإشتراكية التي تسمى أيضا بالستالينية ( حينها أسموا ستالين بالفنان الكبير أيضا ...) .
لقد أبدت الطليعة حماسا في بناء الثقافة الشمولية في سني الثورة وبعدها. والفنان الطلائعي لم يتسامح مع المنافسة الفنية والتعددية. وفي مطاليبه كان أكثر يسارية من المؤسسة البلشفية. فالفنانون المنحدرون من المستقبلية كانوا قد طرحوا تصوراتهم فيما يخص الثقافة الشيوعية بدقة أكبر مما فعله الشيوعيون أنفسهم. وكان هؤلاء يخشون من التطلعات الدكتاتورية لدى الطليعة. وكان بناء الأساس للستالينية يعتمد على مسألة أن الطليعة قد تخلت في لحظة معينة عن رؤاها السابقة عن دور الفنان وحلت محلها أخرى أبدلت الفنان بالإختصاصي القريب عقلا وروحا من تكنوقراطي الحاضر. وعلى هذا الأمر إعتمدت قضية التطور: من المستقبلية الى فن الإنتاجية. فالفنان أصبح إختصاصيا في تنفيذ المهام التي ترسمها القيادة الحزبية. ومعروف هنا قول فنان من معسكر ( الواقعية البطولية ) بأن على الفن أن يخدم الحزب وقبل أن يصبح حياة جديدة . فالفنان كان جنديا وعليه إنتظار أوامر ( القائد العظيم )...




من المصادر الرئيسية :



K. Malevich: Essays on Art, Copenhagen , 1971
A. Rodchenko : The Complete works , London ,1986
V. Kandinsky :Complete Writings on Art , Boston Mass. 1982
Varavara Stiepanova : The Complete Works, Cambridge, 1988
R.A. Williams : Artists in Revolution, Bloomington, 1977
I. Golomstock : Totalitarian Art in the Soviet Union , the Third Reich ,Fascist Italy and the Peoples Republic of China , New York ,1990
C. Zetkin : Reminiscences of Lenin , New York ,1934
L. Trotsky: On Literature and Art , New York ,1970
C.Gray: the Russian Experiments in Art , London, 1986
A. Lunaczarski : Pisma Wybrane , Warszawa, 1963