قضايا أساسية في الفن
تأليف : عدنان المبارك
المحاكاة
- مانفتقده [ في الواقع ] تقدمه لنا المحاكاة [ في الشعر]. أريستوفانيس
هل الفنان يخلق واقعا جديدا أم أنه يحاكي القائم ؟ الرأي الشائع هو أنه ( يخلق ) عملا كأن يكون شعرا أو لوحة أو منحوتة. وفي عصرنا أصبحت عبادة الخلق والمخيلة والتجريد الصفات الأكثر تمييزا للفن عن سابقه الذي كان خلقا ومحاكاة في الوقت ذاته، وغايتهما تقديم عالم فعلي يسهل التعرف عليه. وفي الواقع يبدو أمرا سهلا ، لكن في الظاهر حسب، تعريف مصطلحات مثل الخلق والمخيلة والتجريد وغيرها. و كانت الخلافات في الغرب تدور منذ أكثر من ألفي سنة حول أدق التعاريف لهذه الأسماء . وكانت الميتافيزيقا ترافق هذا التأريخ الطويل حتى أنه كان هناك ما يسمى بميتافيزيقا الفن التي إعتبرت اكثر جوهرية من الأستيتيكا وفلسفة الفن أيضا .
والإشكالية الأولى التي تفرض نفسها بصورة طبيعية في هذا البحث تتعلق بمفهوم المحاكاة الذي كان قد نشأ في الثقافة اليونانية. وكان في البدء مرتبطا بطقوس العبادة ثم ألحق بالفلسفة مما كان شيئا مفيدا عند القيام بمحاولات ( إيضاح ) الواقع ، كذلك عاد بالنفع على الفن كفن. وعامة لم تكن معروفة المشكلة المسماة ب( الخلق ) لدى اليونانيين والرومان. فهم لم يتصوروا أن من ( لاشيء ) ينهض شيء كائن. ولم تصبح مشكلة الخلق ذات جوهر فلسفي بحت الا عند ظهور المسيحية. فمحاولة تحديد ماهية الفن كفعل خلقي جاءت في حقبة صياغة ( التعاليم ) اللاهوتية-الميتافيزيقية المرتبطة بنظرية الوجود .
وفي المفهوم الكلاسي ليس ثمة مكان للفن الخالق ( أي الذي لايعيد الخلق ). وهذا لايعني أن الفن هو مجرد إستنساخ . فبين الخلق والمحاكاة ( الإستنساخ أو التقليد أو إعادة الخلق ) هناك منطقة ما يسمى بالخلق وفق الطبيعة. وفي الواقع كان هناك سوء فهم كبيرعملت أجيال وقرون على ترسيخه . فكلمة المحاكاة ( mimesis ) التي غالبما ترجمت هكذا، نلقاها عادة لدى مؤلفي التراجيديات والشعراء والمؤرخين والفلاسفة من الفترات المبكرة من الثقافة اليونانية . والكلمة تعود الى قاموس اللغة الدارجة آنذاك ، وكان أمرا غير مفهوم إذا جاء إستخدام لها في فنون التشكيل عامة . فالتسمية تعود الى ما يسمى بالفن الثلاثي المرتبط بفن التمثيل ( أي الرقص والموسيقى والغناء ). وأصل هذا الفن نلقاه في الطقوس الديونيزيسية. وبعدها صارت فنونا مستقلة ومنها إنحدر مفهوم المحاكاة . وتحت تأثير الثقافة الدورية doric تطور فن التمثيل في صقلية حيث كان الممثل يؤدي في اثناء المآدب مشاهدا من حياة عامة الناس مسليا بهذه الصورة الطبقة الأرستقراطية. ومنذها سمّى اليونانيون الممثل ( المقلد mim ). وفي شتى النصوص اليونانية وغيرها ثمة إشارات كثيرة متعلقة بموضوع المحاكاة يمكن على أساسها القول بأن معنى الكلمة هو واسع. ولدى أسخيلوس ينصح أوريستس رفيقه بمحاكاة إحدى اللهجات لكي لا ينفضح أمرهم . وتقول إحدى بطلات يوربيديس لزوجها كيف أنها حاكت مشيته، وبيركيليس يشير في إحدى خطبه الى أن الممالك المجاورة تحاكي نظامه السياسي. أما ديمقريطيس فينبّه الى مسألة أن الكثير من الفنون هي محض محاكاة للمهارات التي نلحظها في الطبيعة ، ويقول إن على الإنسان أن يكون طيبا وعلى الأقل لكي يحاكي الطيبين. وبرأي أسخيلوس يمكن للتصوير أن يلجأ الى المحاكاة ، وبندار Pindar يجد أن المحاكاة تليق بالعزف على الناي. كما نعثر على تقنية المحاكاة لدى أريستوفانيس ، وفي فن النحت القديم أيضا. وهكذا فللكلمة اليونانية أكثر من تعريف ونعت : محاكاة ، تظاهر ، تعبير، لعب ، أداء دور معين ، تصنّع ، تشبّه بآخر أو آخرين ، إدعاء ، تمثل ، إقتداء إلخ . وفي الحقيقة لاتعني سيولة الكلمة أنها متعددة المعاني. فمن جميع الأمثلة المذكورة ثمة شيء مشترك يربطها جميعا. وأيّ كانت العلاقة مع مادة المحاكاة ، وفي معظم الأحوال هي مادة فعلية ( وأحيانا قد يحاكي فن فنا آخر ) ، نجد أن المواد نفسها مختلفة شأن سبيل محاكاتها.
بات معلوما اليوم أن المحاكاة ( mimesis ) ليست إستنساخا. فمفهوم الإستنساخ ظهر بعدها بقرون عديدة . ويصعب حقا العثور على كلمة معاصرة تعكس كل الإختلافات الدقيقة في معاني كلمة المحاكاة اليونانية. والكلمة المناسبة أكثر من غيرها في اللغة الإنجليزية هي كلمة السن أو الإشتراع enactment ، فهي تحوي البعد الدينامي الذي تعرض في مصطلحات الأستيتيكا المعاصرة الى الضياع .
ويكون أفلاطون الفيلسوف الذي قيل عنه بأنه من وضع علامة المساواة بين المحاكاة والإستنساخ. ففي الكتاب العاشر من ( الجمهورية ) وجد أن قيام الفن بتقليد الواقع هو محض عمل سلبي وإستنساخ أمين له . ويقول إن عالمنا هو نسخة منه ( أي عالم الأفكار ). و صار هذا المفهوم حول أن عالم الحواس هو نسخة ( غير أمينة بالطبع ) من عالم المثل ، شائعا لسبب معقول للغاية. فهو يخاطب المخيلة وليس العقل. ويبدو منطقيا السؤال : طالما أن الأفكار غير مادية ، والعالم هو مادي فبأي قدرة تتمكن المادة من أن تكون نسخة للروح ؟ وحين يستخدم المترجم الإنجليزي كلمة واحدة حسب : copy ، نجد لدى أفلاطون ثلاث كلمات : apeikazia ، afomoioma، eikona . و تعني الأولى أن تجعله مشابها ، والثانية يقصد بها الشبه ، ولكن إذا ربطت بالثالثة تعني الصورة أو الشبه أو التصوير، أي هناك إشارة الى الشبه وعلى الثانية أن تملك درجة كبيرة من التطابق في حين أن الشبه هو درجة من درجات القرب. وفي هذه الحالة من أين جاءت كلمة ( نسخة ) ؟ معلوم أن هذه الكلمة منحدرة من اللاتينية وليس اليونانية. وفي البدء لم تكن تعني( نسخة ). فكلمة ( copia ) تعني الوفرة والإحتياطي والغنى والطعام أو الثروة أوغيرها من المعاني. وفي روما قيل عن الخطيب السياسي بأنه يملك ( ثروة من الكلمات copia verborum ). وهكذا فالمقصود هوالألفاظ المتقاربة وليس المتطابقة. وفي الواقع بدأ الخطأ في مطابقة ال( copia ) بالإستنساخ ، في عصر النهضة. فإفلاطون لم يستخدم تلك الكلمات الثلاث بمعنى كلمة الإستنساخ التي نعرفها اليوم .
كانت النظرية الأفلاطونية قد تكونت في معترك النقاش بين ما يسمى بتحوّلية مابعد هيراكليت و نسبية السفسطائيين وبين جماعة بارمينيديس Parmenides الذي أعلن بأن هناك وجودا واحدا لاغير ، بسيطا وغير متبدل. وخلافا لهيراكليت إعتبر أفلاطون بأن ليس كل شيء في حالة تبدل ، فهناك العديد من التصورات الثابتة. كذلك خلافا للسفسطائيين الذين يرفضون الموضوعية وثبات الحقيقة قال افلاطون إن بمكنتنا أن نقدّم تعاريفا حقيقية من الناحية الموضوعية ، وفي الأخير خلافا لبارمينيديس إعتبر تلميذ سقراط هذا أن هناك الكثير من الكينونات الثابتة والبسيطة وغير المتبدلة أي ليس هناك كينونة واحدة . وبهذه الصورة إعتبرت أفكار أفلاطون مجرد محتو لأفكار عامة قابلة للتعريف ويمكن إستخدامها كأداة للتعرف العلمي ( episteme ) مما يميزها عن العالم المادي الذي ندركه بواسطة الحواس كشيء وليس حكما (doxa ) .
وأتاحت نظرية الأفكار الأفلاطونية فرصة ( إنقاذ ) الموضوعية وثبات الكثير من حقول الثقافة والفلسفة – في الأخلاق والسياسة والعلم والتأملات التي سميت فيما بعد بالميتافيزيقا ( وعند أفلاطون كانت هي عناصر الكوسمولوجيا والأنثولوجيا و الديالكتيك ). وفي تأملاته وتمحيصاته حول نشوء العالم تمّ ربط نظرية الأفكار ( المثل ) بها . فالأفكار هي نماذج ( paradeigma ) خلق وفقها العالم المتعرف عليه حسيا . ومن الطبيعي أن الأفكار وحدها لاتكفي ولابد من أن يكون هناك خالق ومادة غير محددة ومناطق غير مباشرة للأعداد. والخالق مالك الأفكار قد صاغ المادة بمساعدة الأعداد وبالصورة التي يكون فيها المخلوق أكثر قربا من نموذجه . ولكامل عمل الخالق كرس افلاطون أحد حواراته الذي أصبح في القرون الوسطى الى جانب العهدين القديم والجديد المرجع في تفسير نشوء العالم .
هل كان بمكنة الخالق أن ينمذج الأفكار في المادة لكي يصبح العالم نسخة منها ؟ وهل تكون المادة قادرة على التشبه لأقصى درجة ، بالأفكار ؟ كان الجواب بالنفي . فبين الأفكار وصورها المادية لا تزال هناك لفروق. إن الأفكار هي بسيطة بينما الأشياء المصنوعة مركبة ، والأفكار أبدية في حين أن الأشياء زائلة ، كذلك هي عامة بينما الأشياء ملموسة، والأفكار ثابتة بينما الأشياء متبدلة كمالايمكن إدراك الأفكاربدون مساعدة العقل ، أما الأشياء فتدركها الحواس فقط. والأفكار لم تنشأ أبدا بينما الأشياء تنشأ وتزول . إن العالم الحسي شبيه بالأفكار لكن في حدود الإمكان وحتى هنا تكون الفوارق كبيرة ، وكلها جوهرية. ولاعلينا نسيان أن نقد أرسطو لأفلاطون خص كذلك مسألة أن أستاذه قد فصل الجوهر عن الأشياء المادية الملموسة . فالأشياء تعود كلها ، سواء أكانت جوهرا أم لا ، الى عالمين مختلفين تماما بينهما الهوة الأنثولوجية . ولدى إفلاطون لا تستند المحاكاة في نظامها الكوسمولوجي أو الأنثولوجي إلا على المسبّب الهادف خلق نموذج. كذلك فالأشياء ليست الا إنعكاسا بعيدا للأفكار وهي ليست نسخة منها. إنها شأن الظل أي ليست هي بوجود حقيقي. والهوة التي تفصل عالم الأفكار عن العالم الحسي سعى أفلاطون الى ردمها بمساعدة مجاز الكهف الذي لايرى الناس المسجونون فيه الا ظلال الشخوص المتحركة خارجه ، أي أنهم لايرون الشخوص ذاتها . كذلك فالفوارق الجوهرية بين الأفكار وصورها هي واضحة أيضا في النظام التعرفي حيث تكون الحقيقة ما يتعلق مباشرة بالأفكارحسب. و إذا كان موضوع التعرف أشياءا حسية فهذا يقود ، منطقيا ، الى إطلاق الرأي واللاحقيقة.
إن الفن لايخلق أيّ عالم جديد ، فهو يقلد الأفكار أو شبيهها أي العالم الحسّي. فقد كان يصعب على الأغريق تصورأن بقدرة الإنسان ، وأيّ كان ، أن يخلق واقعا جديدا ، ولأن نتاج الإنسان هو على الدوام ذو إحالة الى شيء ما. وبهذه الصورة تقلد فنون ، مثل الموسيقى والشعر والرقص أو التصوير ، العالم الحسي في حين أنه إذا لم يكن هناك مثيل مرئي في العالم الحسي لنتاج الفن فهذا يعني أن الفن يقلد الأفكار أي الوجود خارج الحسي. ومثل هذا الفن هو النجارة وكل المهارات الحرفية . واذا لم يكن الفن مقلدا للأفكار ذاتها بل الطبيعة أو نتاجات الفنون الحرفية يكون حينها مقلدا لكن بمعنى أضيق. وفي الحقيقة يفاجئنا أفلاطون برفع مكانة الحرف على حساب الفنون التي سميت في الأزمان الحديثة بالجميلة كالشعر والموسيقى والرقص أي عناصر ذاك ( الفن الثلاثي ) والتي يجدها تقلد العادات والطبائع والمواقف والأفعال في حين أن فن التصوير يقلد الألوان و الأشكال. والأمانة للنموذج الأصلي تحققها الحرف في حين أن الفنون المقلدة تبتعد عن الحقيقة لمرات عديدة ، وإذا كانت تقلد الطبيعة فهي تبتعد مرتين ( فالطبيعة نفسها تقلد الأفكار ) ، وإذا كانت تقلد الحرف فهي تبتعد لثلاث مرات ( ولأن الحرفة هي تقليد للفكرة التي كان قد حققها ربّ ما ). ويذكر افلاطون أن هناك ثلاثة أسرّة في الحقيقة . واحد هو ، في جوهر الأمر، من صنع الرب ، والثاني من صنع النجّار ، والثالث من صنع المصوّر. والسريران الثاني والثالث ليسا بحالتي وجود حقيقيتين . فالنجّار لم يخلق فكرة السرير بل خلق ( سريرا ما ) ، وعندما يصّور الفنان هذا السرير يكون قد إبتعد أكثر عن الحقيقة. وهكذا يكون سرير النجّار هو الأقرب من الفكرة . ويجد أفلاطون أن أيّ صانع لايعمل شيئا هو في حالة وجود . فالسرير كنسخة واحدة قد ( صنع ) من قبل الرب الذي هو خالق طبيعة السرير ، أما النجّار فهو من قام بالتنفيذ بينما المصوّر هو مجرد مقلد وليس هو الأول ولا الثاني. وكما نرى فمصطلحات أفلاطون ليست بالواضحة تماما. فالخالق لم يخلق الفكرة بل العالم المادي في حين أن ربّا ما يخلق النماذج الأولية - pre لفن الحرفة. وهو من وصف بكلمة poietes اليونانية وتعني هنا خالقا ما ( بالطبع تعني الشاعر أيضا) ، أما الحرفي فكان ذلك ( الخالق demiurg ). ولم يبق افلاطون شيئا للفن عدا الحرفة التي وجدها قريبة منه. بالطبع كان قصده من الحرفة هنا هو الشعر. ولنا عودة الى هذا الموضوع .
أما المحاكاة في الموسيقى فتعتمد أولا على الإيقاع والتنغيم والهارموني ، إذ تتكشف العادات والطبائع والمواقف في أثناء العمل الذي هو حركة معينة يخدمها إيقاع مناسب يضبط في تنغيم معيّن ومحدّد بهارموني معيّن ايضا. وفي الموسيقى يكون ممكنا محاكاة إيقاع مرتبط بطابع محدد ، وبهذه الصورة يكون هذا الطابع مقلدا. ويذكر إفلاطون أن المؤلفات ذات الإيقاع وكل المؤلفات الموسيقية هي مجرد محاكاة لمواقف حياتية سواء أكانت سيئة أم جيدة . ومعلوم أن الموسيقى كانت العامل الجوهري في نظام التربية الذي تصوره أفلاطون لدولته. ويقول إن هناك ألحانا وإيقاعات لها مفعولها الجيد ( ولأنها تحاكي صفات مرغوبة مثل الشجاعة ) ، وبالطبع توجد الأخرى ذات المفعول الضار. ويذكر أن الرقص يقلد ليس الطبائع فقط بل العادات والأفعال. والشعر لا يستفيد من عناصر الموسيقى ( الإيقاع والعدد ) فقط ، بل من الكلمات التي تكون معانيها ليست بالتقليدية أي الشائعة. ولكن في كثير من الأحوال وجد أفلاطون أن الشعراء ينحون صوب خداع السامع. ويقول إنه بدءا بهوميروس يمارس كل الشعراء المحاكاة ويخلقون رؤى الشجاعة وغيرها من الأشياء التي يكتبون عنها ولكنهم لا يلمسون الحقيقة ، ونحن نقول عن الشاعر بأنه ينظم الكلمات وعدا ذلك لايعرف عمل أي شيء عدا المحاكاة. وهذا يعني أن المحاكاة ، لدى أفلاطون ، هي نقيض بيّن للحقيقة ، ومن هنا تأكيده على الفارق بين الوجود الحقيقي ومحاكاته. ويجد أن الشعراء يقلدون في أعمالهم ، الحالات الدنيا للروح ، وغرضهم هو تملق الجموع ، وتذكيرهم الدائم بأحوال المعاناة والآلام الى مالانهاية .. إنهم يحاكون المشاعر التي تبعدنا عن العقل والسيطرة على النفس. وبرأيه تكون مثل هذه المحاكاة مضرة ، إذ أن واجب الفن أن يظهر ما هو خيّر. وعندما نتعامل مع الفن علينا أن نعرف الى أيّ درجة يكون قريبا من الحقيقة ما كان قد طرح فيه ، والأكثر من ذلك هل أنه صحيح وطيّب ...
أما التصوير والنحت فتعترضهما حواجز من الصعب تخطيها . وهي فيزيقية ونفسية. فإذا كان النموذج ( الموديل ) المصوّر أو المنحوت بالغ الكبر، أو الصغر، مما يحصل في غالب الأحيان ، ينبغي تغيير التناسبات الموضوعية في العمل الفني. إذن تحصل هنا عملية تزييف من نوع خاص لايمكن في كل الاحوال تفاديها. ويكون الإبقاء على أحوال التناسب الموضوعية أمرا غير ممكن ( فالموديل بالغ الكبر أو الصغر كما قلنا ) ، أو أنه يعمل على نشوء تأثير آخر عند تلقي العمل الفني بسبب التشويهات التي لايمكن تلافيها. وبرأي افلاطون لايخلق الفنان ، في هذه الحالة ، الشبيه بل مظهرا خادعا. أما الفنان نفسه فليس هو إلا ( ساحرا ) قد نأى عن الحقيقة والحكمة معا وصارت مشاغله عملا صبيانيا ولهوا .. وعامة فمحاكاة الفن هي أكثر قربا من النماذج المثالية وليس من العالم الحسي. وأشياء الفنون المقلدة ليست الا حالة شبه بعيد. والنموذج المثالي للإستنساخ ، إذا اخذنا بعين الإعتبار الجانب العددي ( أحوال التناسب والأبعاد ) شأن الحال في التصوير ، هو في أكثر الحالات ، أمر لايمكن تحقيقه لأسباب موضوعية وذاتية أيضا. وفي الفنون العائدة الى ( الفن الثلاثي ) تكون الأشياء قد قلدت بصورة غير مباشرة مع جهل كبير بالحقيقة. ومبدأ المحاكاة الأمينة للواقع يمكن أن يحال فقط الى الأفكار التي تكون ضمانة للحقيقة والخير. إلا أنها لاتطال بالنسبة لفنون المحاكاة. ومع ذلك فالمبدأ عند الإحالة الى العالم الحسّي ، غير قابل التحقيق أو أنه لايحقق الغرض مما يعني أن المحاكاة صارت الشر أو القبح . ومن كل هذا يتبين أن المحاكاة الأفلاطونية ليست إستنساخا عند الإحالة الى الطبيعة أو الفن. إنها غير ممكنة بسبب الهوة القائمة بين ما هوحسّي وبين ماهو غيرمادي ، أو بين ما هوحقيقة أو بين ماهو الظاهرة والظل ، وبين ماهو وجود أبدي. فلا الطبيعة ولاالفن بقادرين على إستنساخ الفكرة ، وإذا كان الفن يقلد الطبيعة فهو في كل الأحوال ليس إستنساخا ولأن الطبيعة والفن مستقلان عن النموذج غير المادي. والفن نفسه ليس هو الطبيعة لكنه يقف ، وجوديا ، في موقع أوطأ . فإذا تكلم افلاطون عن المحاكاة كان يدرك طيلة الوقت بأنه على محور الفكرة – الطبيعة – الفن تنشا حالة التدهور وأن الإتكاء على مبدأ أن ما هو أوطأ يعتمد على ما هو أرفع ، وأنه أساس المحاكاة . فهذه هي حالة شبه ، والشبه ليس نسخة بل بالأحرى أثر، أي ما بقي من الظاهرة .
وفي الجزء العاشر من ( الجمهورية ) والأجزاء التالية أيضا ، يبين إفلاطون أن الفن هو إستنساخ أمين وسلبي للواقع ، أي أنه حكم على قيمة كل نشاط للإنسان، من زاوية الحقيقة ، ومن هنا هذه الذهنية الأخلاقية وهذا الحكم الصارم على الفن كتشويه للواقع ، والواقع ( الحسّي ) كتشويه للشبه بالفكرة . لقد طالب إفلاطون بأن يكون الفن حقيقيا والى جانب الخير مما لايعني أنه إعتبر الفن نسخة من الواقع. كذلك أراد من بعض الفنون أن تكون الأكثر قربا من الواقع. وفي الأخير كان يدرك أنه في التصوير أو النحت يكون الإستنساخ السلبي والأمين للموديل أمرا عقيما ولأن ( الفنتازيا ) تعيد الإعتبار الى الوهم بينما الأمانة تشوّه ، بدورها، الجهد التعرفي. ولكن على تلك الفنون التي تخدم التربية جيدا أن تنمذج ، مثاليا، المواقف ولأنها تكون في هذه الحالة مثالا نموذجيا للناشئة. وهكذا فليس على الفنون أن تقلد الواقع كما هو بل كما ينبغي أن يكون. وبهذه الصورة تصبح المحاكاة التي يقوم بها الفن خاضعة وليس للجمال ولا الحقيقة بل التربية قبل كل شيء. أما الفنان فعليه أن يبقى تحت سيطرة الدولة ، كما لامكان هنا للكلام عن حرية الخلق ( ولأن الخلق يعصى على الفنان والإنسان عامة ) ، كذلك فالدولة تقررأيّ فن يصلح للتربية ويحق له البقاء .
لقد إنتقص إفلاطون من الفن بسبب إبتعاده عن الفكرة بالدرجة الرئيسية : عن الحقيقة والخير والجمال. وعندما نبذ تلميذه أرسطو نظرية الأفكار ووجدها غير ضرورية ، قدّر للفن أن يظهر تحت ضوء جديد. فوفق أرسطو تكون تلك الأفكار الأفلاطونية محض مفاهيم أو تصورات مشّيئة وليس موقعا فعليا على الإطلاق. ومعلوم أن مفهوم أرسطو واليونان عامة يختلف جوهريا عن مفهومنا المعاصر. ففهمنا لها جاء تحت تأثيرالديكارتية التي رأت في الطبيعة مادة قابلة للإتساع و أخضعت لشتى القوى الناشطة ميكانيكيا في حين أنها لدى اليونانيين شيئا حيّا وحتى إذا لم تكن في جميع حالات الوجود حيّة في ذاتها إلا أنه يسري في جميعها ما أسموه بنفس العالم . وفي هذا التصور يلتقي افلاطون والرواقيون وإفلوطين أيضا . كذلك جاء ديكارت بالفهم المعاصر للنفس التي فصلها عن الوظائف الحيوية للجسم وطابقها بكل ما هو روحي. وقد إنتبه أرسطو الى أن ما يحدد هوية وجود معطى يحدد نشاطه في ذات الوقت. وهذا الشيء هو الشكل form أي الحق في الهوية . فالإنسان هو الإنسان وليس شجرة توت مثلا. وكان أرسطو قد تكلم طويلا عن القضايا المتصلة بفهم الشكل أي المادة ككائن يسلك وفق ( طبيعته ) التي يعرّفها في ( الميتافيزيقا ) بأنها مبدأ الحركة وسببها الداخلي . كما أنها مبدأ الحلول بالأشياء التي تكون قائمة وليس صدفة. وإذا قال هو بأن الطبيعة تنشط غائيا فليس المقصود غاية متخيلة لها وجود( في الخارج ) كما الحال مع النشاط الغائي عند الإنسان( يجمع النقود لكي يشتري بعد عشرة أشهر شيئا جديدا ). إن نشاط الطبيعة الغائي يعتمد على أنه وحتى إذا لم تكن هي وجودا عاقلا فأنه محكوم عليها بالمضي في هذا الإتجاه وليس غيره. وقد لاحظ اليونانيون التأكيد على غائية الطبيعة في حقيقة واحدة لاغيرها : تعاقب التبدلات الطبيعية التي تشمل الكونين : المايكرو والماكرو. ومعلوم أن لكلمة الكون kosmos اليونانية ثلاثة معان : النظام ، الكون ، الزينة . غير ان تعاقب التبدلات ليس بالظاهرة الدائمية. فالشجرة لاتورق ولاتثمر إذا قطع جذعها. والمقصود هنا هو أن الميل inclination الذي تكون الطبيعة مصدره باق. أما الطبيعة فلاتقدر لشتى الأسباب،على تحقيقه الدائم. وهنا يتقدم الفن لإكمال عمل الطبيعة غير المنجز. ولكن ينبغي التعرف على غاية الميل لكي يقوم الفن بهذه الوظيفة ومن ثم العثورعلى الوسائط المناسبة لسد تلك النواقص. ويقول أرسطو هنا إن الفن يكمل جزئيا ما عجزت الطبيعة عن تحقيقه كما أنه يحاكيها جزئيا. وفي هذا السياق تفهم محاكاة الفن للطبيعة بأنه ملتزم بالعملية الطبيعية التي تتكون من مراحل تتعاقب و ليس صدفة : البذرة – البرعم – الثمرة – البذرة. ولذلك يقول في (الفيزيقا ) إن هذه المراحل تبقى ذاتها في الطبيعة والفن . فإذا أراد أحدنا أن يشيد بيتا فهو يبدأ ببناء الأساس وليس الطابق الأول مثلا. ونلقى حالة خاصة فيما يتعلق بالإنسان الذي هو بطبيعته ( لم يكمل خلقه ) ، أي أنه محروم من الكثير من المهارات بالرغم من أنه يملك الميول المناسبة لتحقيقها. مثلا يملك هو الميل الى الحفاظ على الحياة ، ومعرفة الحقيقة أو العيش في المجتمع. الا أن الطبيعة نفسها قد سلحته بالقدرات التي تكفيه للحفاظ على الحياة مثلا ، وبدون الكلام ، هنا ، عن القدرة الكاملة على تحقيق ميوله البشرية. فالإنسان ، كما قال إفلاطون ، يولد عاريا حافيا. ولكان قد إختفى لولا الفن.. فالفن لاينحدر من الطبيعة ، أي الغريزة . و يروي إفلاطون أسطورة خلق ( جنس الفانين ) الذين جاءت به الآلهة ولكن أيبيميتيوس شقيق بروميثيوس كان من زوّده بالمهارات وبعدها تبين أنه لم يكن حكيما بمافيه الكفاية ( كان زوج باندورا التي فتحت علبة الشقاءات من أمراض ونكبات وغيرها ). فعندما وصل الى الإنسان لم يجد ما يعطيه بعد أن قام بتوزيع المهارات على الكائنات الأخرى. رأى بروميثيوس أن ( كل الحيوانات قد زوّدت ، بكل حرص ، عدا الإنسان العاري والحافي الذي لا يستره أي شيء ، والأعزل). ولذلك قرر سرقة النار والحكمة من هيفايستوس وأثينا وإعطاءهما للإنسان. ووفق هذه النظرة تكون جميع فنون الإنسان ذات منحدر إلهي. وأرسطو ، وقبله ديموقرطيس ، نظر الى الفن بصورة أكثر واقعية. فقد وجده مهارة تتحقق بفضل جهد الإنسان نفسه والذي يشغل تقليد الطبيعة مكانا كبيرا فيه. وطالما أن ما يميز الإنسان عن سائر الحيوانات إمتلاكه العقل nous فهذا بالذات يسمح له بإكتساب شتى المهاراات التي تسّد ، لحد كبير نواقص الطبيعة. وهذه المهارات هي ذات إتساع أكبر من الغريزة الحيوانية. والمهارة المكتسبة التي يوجهها العقل هي الفن بالذات. وبذلك يكون مفهوم الفن أوسع من مفهومنا اليوم ، كما أنه يشمل الثقافة كلها. وإذا كانت هناك نواقص في الإنسان ينبغي أن تكمل ، والإكمال هو قدرة الفن العقلي. إن الفن هو الثقافة ، والثقافة هي التربية ( paideia ) الا أن إكتسابها يعني خلق مؤهلات مناسبة. وفي الواقع يكون هذان المفهومان للفن واللذان يصعب تمييز حدود واضحة بينهما ( أي الفن كثقافة أرسيت على الفضائل، والفن كمهارة خلق أشياء يحتاجها الإنسان ) دائميين في العصرين القديم والوسيط ، غير أن الشيء المشترك بين هذين الفنين هو إكمالهما لنواقص الطبيعة ، وبعبارة أخرى تلبية تلك الميول. إذن الحاجة الى الفن هي موضوعية. فطبيعة الإنسان تملي هذه الحاجة على الدوام. والطبيعة تنشط ، في معظم الأحوال ، بصورة صحيحة. والإنسان يقدر ، عبر الفن ، على أن يقود الى الكمال العديد من الإمكانيات الموضوعة تحت تصرفه ، وبفضل ذلك نجده ( يجدّد ) طبيعته. كذلك ينبغي أن تعامل محاكاة الفن في سياق الطبيعة كظاهرة دينامية لاتعرف الثبات.
عندما يكمل الفن نواقص الطبيعة يكون قد حاكاها فيما يخص أسلوب عملها على حد تعبير توماس الإكويني : الطب يكمل نواقص الطبيعة حين يشفي الجسم ، والإسكافي يكمل ما نقص في الحذاء ، لكن عدا الفنون المكملة للطبيعة هناك (الفنون المحاكية ) التي سميت في فترة متأخرة بالجميلة. وتعود اليها الملحمة والتراجيديا والكوميديا والعزف على القيثار و الناي، والرقص والتصوير وغيره. وأيّ الأشياء تميز هذه الفنون ومن أين تنبع الحاجة اليها ؟. ليس المقصود هنا محاكاة الطبيعة من ناحية الخلق( أي ما يميز الفنون المكملة ) بل هو أن نتاجات الفنون المقلدة تقلد شيئا معينا. وإكمال الفن لنواقص الطبيعة هو بالطبع أمر مفهوم تماما ، ولكن لماذا الفن المقلد ؟. لقد إعتبر أرسطو أن الفنون المقلدة تختلف فيما بينها بثلاثة أمور : الوسائط التي تستخدمها والأشياء المقلدة وسبل التقليد أيضا. والوسائط هي الكلمة واللحن والإيقاع والرسم. والشيء الذي يقلد قد يكون الشخصية والشعورأو الفعل. والفارق في أسلوب التقليد قد يكون مرتبطا بالتقديم عن طريق الرواية ( الملحمة ) أو بالفعل المباشر ( الدراما ). ومعلوم أن ما كان موضع أكبر إهتمام لدى أرسطو هو الفنون التي تقلد الإنسان في سلوكه وتكون الطبيعة فيها محض خلفية. ومن هنا إهتمامه بفنون الشعر والموسيقى والذي فاق إهتمامه بالتصوير الذي وجده ستاتيكيا ولا يعكس الدينامية الثرة لحياة الإنسان. ووفق التقليد الراسخ آنذاك إعتبر أرسطو أن الموسيقى هي أحد الفنون الأكثر محاكاة في حين أن فن التصوير هو أقل محاكاة بكثير. ونحن اليوم نرى العكس : التصوير التقليدي هو الأكثر محاكاة بينما يصعب العثور عليها في الموسيقى.. لقد أعار اليونانيون بالغ الإهتمام في الفن للإنسان كفاعل يناسبه الفن الدينامي وليس الآخر الستاتيكي . فالفعل هو حركة معينة ، وللحركة مصدرها في طبيعة الإنسان ومشاعره. ومن هنا قول أرسطو في ( السياسة ) بأنه في الإيقاعات والألحان نلقى المحاكاة الأكثر واقعية للغضب والرقة وكذلك الجرأة والإعتدال ونقائضها.
إن نظرتنا اليوم الى المحاكاة ، أي الميميسيس ، عبر موشور الإستنساخ الذي تكون الفوتوغرافيا شكله الإستبدالي هي نظرة إيهامية . فنحن نرى على الدوام أن المحاكاة ليست إستنساخا ، والفنون البصرية – الستاتيكية ليست بديلا للفنون المحاكية. فالبديل هو، بالأحرى ، الموسيقى ، ولو أنه يصعب علينا أن نفقه اليوم هذا الأمر ، أي حين إنفصلت الموسيقى، وقبل التصوير بزمن طويل ، عن المحاكاة ومضت بإتجاه مايسمى ب( الفن النقي ). وإذا كان مصدر الحركة هو في الروح ذات الطبيعة والمشاعرالخاصة بها ، فأن الحركة تتحقق في الإيقاع المناسب. والموسيقى التي تستخدم الحركة والإيقاع ودرجات علو الأنغام قد تقلد بهذه الصورة ، شخوصا معينة لها طبيعتها ومشاعرها التي تميزها عن غيرها.
وعند أرسطو يكون الرقص مقلدا أيضا ، وليس بسبب النغمة وعلوها بل الإيقاع ذاته والحركات الإيقاعية للجسم والتي هي حركة معينة مناسبة ، وبهذه الصورة تكون مقلدة لشتى الشخصيات والمشاعر. وفي الواقع تكلم أرسطو ، هنا ، عن التقليد غير أن الترجمة أشاعت كلمة التعبير التي تستخدم في حقبتنا المعاصرة إذ أنها تجيء في سياق آخر لفهم جوهر المسألة وهدف الفن .
إن الكلمة إشارة متفق عليها لكن المفهوم ( أي معني الكلمة ) ليس كذلك. إنه أشارة طبيعية : كلمة ( إنسان ) متفق عليها، وفي كل لغة نسمع كلمة أخرى mensch ، homme ، man إلخ ) بينما يكون معنى كل هذه الكلمات واحدا. والمعنى ليس الا المفهوم الذي يتم التعرف من خلاله على شيء ما. فالكلمة تحاكي بينما معناها هو مقلد بطبيعته ولأنه يكون المناسب المقصود للشيء المتعرف عليه. إذن فمعنى الكلمة هو مناسب مقصود لشيء فعلي. ولهذا السبب تكون الفنون الشعرية مقلدة بسبب إستخدامها الكلمة التي يكون معناها مقلدا بطبيعته. وعامة تكمن المحاكاة في فعل كسب المعرفة وشتى المهارات. وخلافا لأفلاطون لم يعترف أرسطو بوجود سابق للنفس ولا بوجود الأفكار. فظهور المعرفة عند الإنسان ليس نتيجة تذكر الروح لما رأته في عالم الأفكار بل حصل هذا بسبل أخرى إحداها المحاكاة التي يتعلم عن طريقها الإنسان ، برأي أرسطو ، ويكسب شتى المهارات ( الأطفال يقلدون البالغين تلقائيا ). ويقول في ( البويطيقا ) إن غريزة المحاكاة موروثة عند الناس منذ الصغر، وبها يتميزالإنسان عن بقية الحيوانات، وكونه المخلوق الأكثر قدرة على المحاكاة التي عن طريقها يغنم أسس معرفته، تمنحه أعمال الفنون المقلدة المتعة الحقيقية.
إذن ليس المقصود ، هنا ، هو الفنية artism بل توفر إمكانية التعرف بفضل المحاكاة. وحين أتعرف على الشبه أكون قد وسعت معرفتي مما يكون المطمح الطبيعي لدى الإنسان. وليس المقصود هنا التعرف العلمي بل التعرف عامة والذي يصعب ، بدونه ، الكلام عن حياة الإنسان. فالتعرف ليس إضافة ما الى طبيعة الإنسان بل ، كما قال أرسطو ، تخرج هي منه مثل إنفلاق البذرة وخروج الزرع منها . ولذلك لابد من أن تحظى الفنون المقلدة بالإعجاب. وكما قلنا ليس المقصود هوالجانب الفني الذي قد يصاغ وفق الذائقة والموضة والعصر أو الحضارة ، بل الجانب الطبيعي أي أن كل إنسان يرغب بحكم طبيعته في كسب المعرفة. وبالإعتماد على الشبه لانتعرف على الشيء حسب بل نخلق ، بحكم طبيعتنا ، مفهومه . فمسك الشبه هو أساس تشكل المعرفة لدى الإنسان. واليوم يمكننا القول إن الطفل لاينتبه كثيرا الى الجانب الفني من الكتاب بل يركز إنتباهه على الشبه القائم بين صور كتابه والأشياء الفعلية. إن أعمال الفنون المقلدة لابد أن تنال الإعجاب بحكم الطبيعة ولسبب واحد لاغير: إنها مقلدة . وفي حالة العكس ، أي رفض مقولة ارسطو ، تنشأ حالةرفض العقل .. الا أن هذا الرفض هو عمل بالغ الصعوبة. فالإنسان يملك العقل ، وفي البدء كان صفحة بيضاء لم تسجل فيها المعرفة التي تغنم مع مرور الزمن.
بالرغم من كل هذه التمحيصات وغيرها يبقى السؤال : هل أن غرض الفنون المقلدة تعليمي– تربوي ؟ أكيد أن الجواب هو النفي. فهي تؤدي وظيفة خاصة في حياة الإنسان ، وطالما أن الغرض هو السبب الأهم يكون حينها سبب الأسباب أي الذي تظهر من أجله أسباب أخرى ( دلائلية ، مادية ، شكلية ) ، وفي هذه الحالة قد يوضح هذا الشيء مفهوم المحاكاة الأرسطوطاليسي ، وقبل كل شيء بالإعتماد على هدف الفنون المقلدة. وفي الواقع تزداد هذه الإشكالية تعقيدا. فأرسطو لم يعدّ نظرية كاملة عن الفن و( بويطقاه ) لم تتناول كل الفنون المقلدة بل التراجيديا بالدرجة الرئيسية والتي يقول عنها بأنها ( تقديم مقلد لعمل جاد منته يملك حجما ( مناسبا ) ، ويعبرعنه بلغة ذات زينة وهي تتباين في شتى أجزاء التراجيديا. إنها تقديم بشكل درامي وليس سرديا ، وتقود ، عبر إثارة العطف والخوف، الى ( تطهير) تلك المشاعر ). لاغرابة إذن في أن نظرية الفن لدى أرسطو لقيت عبرالتاريخ شتى التفسيرات. ويجدر بالذكرأن هذه النظرية وجدت في العصور الحديثة ، أي منذ عصر النهضة الأوربي ، تفسيرا لها كبرنامج ( يقيّد ) حرية الخلق. وفي كل الأحوال ينشأ السؤال : أي شيء هي المحاكاة في مثل هذا الفهم للتراجيديا ؟. وإذا كان هدف هذه التراجيديا كفن مقلد هو التطهير فإنها ليست ، بالمعنى الدقيق ، حقيقة ولا ما يسمى واقعية. ومعلوم أن أفلاطون وجد أن الحقيقة هي هدف الفن ولذلك رفضه عندما رأى فيه الكثير من أحوال الإبتعاد عنها. وكانت الحقيقة تخص عند اليونانيين العلم ، بينما العلم يخص ما هو محتمل ولذلك يصعب البحث عن الحقيقة العلمية في الفن. كذلك فإذا كان التقليد ليس إستنساخا ينبغي حينها التعامل مع الواقع كمادة ، كخامة ، للفن وليس شيئا على الفن أن يعمل نسخة منه. وفي الواقع يربط أرسطو في ( البويطيقا ) وفي أماكن كثيرة ، التقليد بالإبتعاد عن الواقع وليس الواقع كواقع حسب بل عن الاخرالذي ينبغي أن يكون له وجود . ومن هذا وذاك على الفنان أن يختار عناصرا معينة ، والإحتمال هو الدافع الى هذا الإختيار، كما ينبغي أن يكون التقديم وفق المحاكاة وليس الواقع ، بعبارة اخرى : الإمكان ، الإحتمال ، الضرورة ، الغرض ، المصداقية وليس الواقع . لكن بالرغم من كل شيء لابد من قيام المحاكاة .
إن مفهوم المحاكاة لدى أرسطو مرتبط بصورة متكاملة مع مفهوم الطبيعة وعلى الأخص الوجود. وكما يقول فالوجود لايقتصر على ما هو في حالة فعل بل حالة القدرة أيضا وإلا لما إستطعنا أن نفسر التبدل الذي ليس الا تفعيلا للقدرة. فالخشب هو في حالة إقتدار : أن يكون منضدة أو خزانة على سبيل المثال . وهنا قد تكون محاكاة الواقع أمرا يتعلق وليس فقط بما هو راهن بل بماهو مقتدر. ولكن الحال في الفنون المقلدة هي أخرى . فعندما يتكلم أرسطو عن الإقتدار الفعلي إنما يقصد ذلك الإقتدار الذي لابد أن يلقى التفعيل عاجلا أم آجلا. إلا أنه بالنسبة للنوع فهذا باق الى الأبد في حين أن الملموس ( الكونكريت) قد يتعرض الى الزوال في كل لحظة. ومن هنا قوله : الشعر ليس هو التاريخ ، فالتاريخ يروي الأحداث التي وقعت بينما الشاعر يتكلم عن الأخرى التي قد تحصل. والتأريخ يخص ما هو فردي بينما الشعر يتكرس لما هو عام وحتى لو تكلم عن الأفراد. ولهذا السبب يجد أرسطو أن الشعر أكثر فلسفة من التاريخ . وعامة تختلف المحاكاة الفنية عن التأريخ بكونها لاتكترث بالوقائع ، وعن العلم بأنها لاتستند على ما هو ضروري بل ما هو محتمل. ويحلل أرسطو المحاكاة الدرامية أي المرتبطة بسلوك الإنسان والتي قد تنفذ بشتى ( السيناريوهات ). عدا ذلك فإذا كان الموضوع هو السلوك البشري فإن واقعا معينا ، أي أنشطة ما ، ليس محتملا فقط بل ( يفترض ) أن يحدث ، وإذا تحقق الإفتراض فإن شيئا آخر عليه أن يكون ضروريا ( وهي الضرورة الشرطية ). وعن هذه الضرورة يتكلم أرسطو في ( الفيزيقا ) : لماذا يكون المنشار بهذه الصورة ؟. لأنه بهذه الصورة يؤدي وظيفة من أجل تحقيق غرض ما. وهذا الغرض لايحققه إذا لم يكن هو من حديد ، وعليه أن يكون من هذا المعدن إذا اراد أن يؤدي وظيفة المنشار. والضرورة هنا شرطية لكنها ليست هي الغرض. أي أن الضرورة هي في المادة ، والغائية في المفهوم. والحال شبيهة في التراجيديا. فإذا أردنا أن نحقق غرضا ما عليه أن تكون هذه المادة وليست الأخرى ، وهي مشروطة بالغرض الذي عليها أن تخدم . وفي هذه الحالة لايمكن خلط الضرورة المشروطة بالأخرى المطلقة ، أي لا يمكن إضفاء الإطلاقية على المادة نفسها وبمعزل عن الغرض .
وإذا كان على التراجيديا أن تطهرنا من مشاعر سواء أكانت إيجابية أو سلبية ، فعليها في البدء أن تثيرها. وينبهنا أرسطو ، بالطبع ، الى أن الشيء ذا المصداقية وحتى لو كان غير مقنع هو أفضل من الممكن ولكن المقنع. وفي هذه الحالة يصعب القول إن المحاكاة ليست إستنساخا. ومنذ إفلاطون تفتقد في احوال كثيرة القدرة على مسك الفوارق بين العلم والتأريخ والفن. وإذا كان هدف المحاكاة هو ( التطهير) فإن الفن لايحل محل العلم ولا الأخلاق.
أما إفلوطين بمنهجه القائم على الإنبعاث emanation فكان آخر صوت في الثقافة الهيلينية كشف عن تركيب فلسفي أصيل. وهو أمر لايحتمل النقاش بأنه إنتهل فيه عناصرا من أديان الشرق. وكان العنصر الأول الذي صهر تلك الرؤيا للواقع في كل واحد هو ذلك الإنبعاث المفهوم المميز لما يسمى بالأديان الشمسية مثل المازدائية المنحدرة من الزرادشتية التي تعرف إفلوطين عليها عندما إشترك في حملة الإمبراطور غورديان على فارس. وهذه المرة أخضعت ميثولوجيات غير يونانية ، وكانت شرقية صرفة، لعقلانية من طراز خاص، ملأت بدورها ثغرات ملموسة في المناهج الفلسفية لكبار اليونانيين( إفلاطون وأرسطو والرواقيين). والنظرية الأفلاطونية عن نشوء العالم كانت ميثولوجية أكثر منها فلسفية الأمر الذي إعترف هو به. وكانت نظرية أرسطو قد إفترضت ، عامة ، لاتكرارية العالم في حين أن نظرية الرواقيين إنغرزت في مبدأ من الحلولية المادية الذي وجد الكون جزءا من الرب أي أن الرب هو اكبر من الكون وليس كما في الحلولية (pantheism ) التي إفترضت تطابق الإثنين. كذلك لايزال لغاية اليوم تأثير معين لنظرية إفلوطين التي أخذت الكثير من الفكر الهندوسي أيضا. فهي تقول إنه من المصدر الأولي ، كما الحال مع الشمس ، تنبعث ( أي تشع ) على التوالي شتى الماهيات لغاية النفاد ، وبعدها يحصل رجوع كبير الى المصادر. فكل ما نشأ يعود الى منشئه إذ أن هناك طريقا الى الأسفل وآخر الى الأعلى. إنه إنبعاث متعاقب وعودة متعاقبة أيضا. وفي ميتافيزيقا أرسطو كانت المحاكاة لاتشغل الا حيّزا بسيطا بالرغم من أنها لعبت دورا معينا، غير أن هذا الدور في المنهج الإفلاطوني هو حاضر في كل مكان. فالإنبعاث يشمل الوجود كله : كل ماهية هي محاكاة لمصدرها. ولذلك لاغرابة في ضخامة معجم الألفاظ الإفلوطيني ( هناك كلمات يصعب التحديد الدقيق لمعناها مثل الشبه و الصورة و المظهر و الشكل و المخيلة و المشخص figure و الأثر و الظل وغيرها. وتوجد مؤلفات كرست لهذه الكلمات فقط ..). ويجد إفلوطين أن الإختلاف القائم بين طرز المحاكاة متأت من أن لكل ماهية طريقها الخاص الباديء بالمصدر الأعلى. وخلافا لإفلاطون (أو بالأحرى لكامل الفلسفة اليونانية ) يرى إفلوطين أن المادة نفسها هي مشتقة أيضا شان الشكل الأرسطوطاليسي. ففي القمة ذاتها توجد الوحدة الأولية ( unity-pre ) التي ليست بمادية ولا روحية وحتى أنها ليست وجودا. إنها فوق الوجود. ومن الفكر نبعت الروح التي خرجت من العالم المادي. وكل ماهية تحوي أثرا ، شبها ، هيئة ، صورة لماإنبعثت منه أي من الماهية العليا. وبهذه الصورة يكون الفكر شبيها بالوحدة الأولية. والنفس شبيهة بالفكر في حين أن العالم شبيه بالنفس .
وكما ذكرنا إنتقص إفلاطون من معظم الفنون المقلدة لأسباب أنثولوجية وأبستمولوجية وتربوية أيضا . إلا أن حجته الأولى والأخيرة هي أن الفنون محاكاة لشيء هو بدوره محاكاة. فالفنون هي الوجود الأضعف والبعيد عن الحقيقة. إنها وجود يتوجه الى الأدنى في الإنسان. وكانت الإمكانية الوحيدة لرد الإعتبار للفن تتمثل فيما يسمى بالجنون الرباني. إلا أن هذا الجنون نلقاه في النظام الميثولوجي وليس الفلسفي. والظاهر أن إفلاطون لم يأخذ بعين الإعتبار إمكانية أخرى : الفنان يتعرف على الأفكار وفي ضوئها يخلق أعمال الفنون المقلدة. وهذه الإمكانية التي عدّت نقطة إنعطاف مهمة في تأريخ الفن بل الثقافة لم يعلنها إلا إفلوطين الذي رأى أن الفنان قادرعلى تأمل النماذج الأولية لكل الأشياء. ومنذها أصبح الفن محاكاة للأفكار نفسها وليس عالم الطبيعة. ويقول إفلوطين في مؤلفه المعروف ( التسعية Eneads ) : ... لاتحاكي الفنون الأشياء المرئية بل تطال المباديء التي تكون مصدر الطبيعة ). وفي موقع آخر : ( لم ينحت فيدياس، مثلا ، زيوس وفق النموذج الحسي بل لأنه أدرك كيف يبدو زيوس إذا ظهر أمامه) . وفي كل الأحوال فزيوس فيدياس ليس نتيجة جمع افضل الخصال البشرية بل كانت النتيجة المجسّدة في المرمر لتأمل فكرة الرب اليوناني. الا أن إفلاطون لم يقدر على إعلان مثل هذا الرأي ولأن النفس ( العقل ) على الأرض لاتتعرف على الأفكار بل تتذكرها حسب ، فالنفس( العقل ) رأت الأفكار قبل التقمص في الجسد ، ولربما ترى بعض النفوس الأفكار بعد إنفصالها عن الجسد. ولكن في الحالة الراهنة تكون الأفكار محض تذكر ( anamnesis ). ولنا أن نسأل : لكن أي تعديلات قد طرأت على منهج إفلوطين حين كف التعرف عن أن يكون تذكرا والروح ، وروح الفنان أيضا ، قادرة على تأمل النموذج الأولي - pre ؟. يرى إفلوطين أن تأمل الأفكار يقدرعليه الحكيم ، أي الفيلسوف ، والفنان على السواء. الا أن الحكماء قلة ، وعملية التأمل النقي هي نادرة للغاية ، فأكثرية الناس تحيا حياة حسية. وفي هذا الوضع يصبح الفن ضروريا لكي تتذكر الجموع بأننا لسنا من هذا العالم الذي هو محض تذكر للعالم الأسمى. وهكذا فالتذكر الفني لجمال الأفكار هو ( موضوعيا ) أضعف من التأمل الفلسفي ( أي الفكري الصرف )، وكما يقول إفلوطين فأن الفحص البصري هو محض معوّض أو بديل بسبب (عجز الروح ) . وعندما يتأمل الفنان النماذج الربانية الأولية - pre التي هي نماذج لعالم الطبيعة كله، يمكنه أن يخلق جمالا أعلى من جمال الطبيعة ، ويكون نتاجه ، حينها، ليس جمال الطبيعة. وفي ( التسعية ) يقول إفلوطين : الفن هو شيء ثانوي أزاء الطبيعة ، فحين يحاكيها لايعطي غير صورها الضعيفة والمبهمة.
إن محاكاة الجمال الأعلى ، سواء من جانب الفن أو الطبيعة ، ليس إستنساخا ولاخلقا. وهذه النماذج المسبقة هي نموذج paradigm للوجود والجمال، وكل نبذ له يكون علامة تدهور بينما الإقتراب منه يزيد من كبر الوجود والجمال.. ويلعب الإنسجام والتناسق ( الهارموني) دورا خاصا هنا. وكان إفلوطين قد وجده في بساطة الشكل واللون. وهذا الإنسجام هو خصيصة لحقول من الفنون المحاكية مثل التصوير والنحت والرقص والبانتوميم. وهذه كلها تخرج من النموذج الحسي وليس الأفكار. غير أن هذا الإنسجام هو محاكاة لبساطة الأفكار( أي إنعدام التعقيد ) ولذلك قد تقودنا الى ( العالم الاخر). ويقول إفلوطين إن الفنان غير قادرعلى أن ( يخلق) شيئا جديدا. وكل ما يقدرعليه هو أن يسمو صوب الافكار. و سلّم الجمال يبدأ بالأفكار، عبر عقل الفنان ، وينتهي بالعمل الفني ، وينتج عن ذلك بأن الجمال الكائن في عقل الفنان هو أعلى من الآخر الذي كسب ماديته في الفن...
إلا أنه بالرغم من القول الإفلوطيني بأن أصل كل وجود هو تلك الوحدة الأولية نجد أن هذا الفيلسوف لم ينتقص من العالم الحسي وكما فعل أفلاطون. ففي المحاكاة هناك تأكيد على الشبه وصلات القربى بين الماهيات وأصولها. وقد وجد أن الفن وليس العالم هو محاكاة إلا أن الأفكار هي أوطأ من الفلسفة لكنها ضرورية لجميع غير– الفلاسفة. فهي تذكر بأن الإنسان ليس من هذا العالم. وتقوم بفعل التذكر محاكية الجمال الأعلى وإن كان ذلك بواسطة الصورالحسيّة.
ولكن إذا كان هدف الفن إستجلاب الجمال الأعلى فإفلوطين يرى بأن على هذا الجمال أن يرتبط بالخير. ولهذا سببان: بدون الخير قد يكون الجمال أقل جذبا أو مبالغا فيه. والخيرهو الدافع الى الإستجلاب ، وعليه أن يضع حدا معقولا لتأثير الجمال. وبدون الخير يكون العمل الفني مشدودا بالحسّية ولايسمو بالروح بمافيه الكفاية. وكما تبين فنظام الإنبعاث الإفلوطيني هو في ذات الوقت النظام الذي يأخذ بالمحاكاة الأكبر، إذ أن كل شيء ينشأ عن طريق الإنبعاث. كما أنه ، بسبب المحاكاة ، شبيه بمصدره ، ودرجة الشبه هي بالكبرالذي يردّه الى مصدره. من ناحية أخرى يكون هذا النظام أكبر تكوين فني للفكر الملهم ( بفتح الهاء). وطالما أن الإنبعاث ضروري فالمحاكاة ضرورية أيضا : الإنبعاث يحمل القدرالزائد من الخير ، والمحاكاة تريد العودة الى كل ماهو نابع من هذا الخير. ويؤكد إفلوطين على أن المحاكاة الفنية هي الجزء الجوهري ، وليست محض إضافة ثانوية ، من العملية المذكورة. وعن غير قصد تفتح اإأفلاطونية الجديدة ( أي الإفلوطينية ) للفن الذي كما قال تكون مادته المجاز metaphor ، الطريق المؤدي الى ( المبدأ الأول للكون ) والذي هو أعلى من الفلسفة. لقد مهد هذا الفيلسوف الطريق، أما الخطوات الأولى فقام بها من جاءوا بعده. و بهذه الصورة نصل الى الأشكالية الجوهرية : العلاقة بين الخلق والمحاكاة. و كلمة الخلق هي الأكثر تعقيدا في هذا السياق. فنحن نقول ( خلق الرب العالم ) كما نقول ( خلق الفنان عمله الفني ) ، فأن تخلق تعني أن تحيل الى شيء لم يكن موجودا من قبل ، أي الى ( لاشيء ). وفي التقاليد اليونانية ، والرومانية بعدها ، يكون أمرا مغلقا على الفهم أن ينشأ شيء من لاشيء. وقد عومل هذا الأمر كتناقض أكيد ولأن من اللاشيء لاينشأ شيء (tex nihilo nihil fi ). فلقد كان على النشوء أن يكون دائما من شيء. وهذا الشيء إما المادة الأبدية ( لدى إفلاطون ) وإما العالم الشبيه بها ( لدى أرسطو ) وإما ذلك المبدأ الأعلى نفسه أي الوحدة الأولية التي خرجت منها بالتعاقب أشكال الوجود الجديدة ( لدى إفلوطين ).
ومعلوم ان المفهوم الجديد لنشوء العالم قد دخل الثقافة الغربية سوية مع صعود المسيحية. وحينها كان موضوع النقاشات الفلسفية واللاهوتية تلك الفقرات من (العهد القديم ) التي تتكلم عن ( الخلق ) : في البدء خلق الرب السماء والأرض ( سفر التكوين ) . أي أنها كانت ( خلقا creation ) وليست إنبعاثا emanation وتبدو كلمة ( الخلق ) في لغتنا مطابقة للكلمة اللاتينية ( creatio ) الا انها تعني باليونانية البناء أو التنفيذ.. وهناك لغات لاتسمح مفرداتها بالتفريق بين خلق الرب وأفعال الإنسان ( مثلا في الإنجليزية ليس هناك من فعل وسط بين أن تخلقto create وأن تعمل to make ولذلك يستخدم الفعل الأول للتفرقة بين عملين – عمل الفنان وعمل الحرفي ). والجملة المذكورة من ( سفر التكوين ) تملك صفة الدوغمات الذي يكون الإيمان جوهره. وأكيد أن للفلسفة دورا في إيضاح مفردة الإيمان ، الا أن هذه إشكالية لايربطها الكثير بموضوع هذا البحث. ولكن الجدير بالتسجيل هنا أن هذا الدوغمات جاء به ( العهد القديم ) الذي خرج من التقاليد اليهودية وهذه كانت تحت التأثير الهيليني كما هو معروف. كذلك لم يفسر الدوغمات عملية الخلق بل لم يك