قضايا أساسية في الفن تأليف : عدنان المبارك

المحرر موضوع: قضايا أساسية في الفن تأليف : عدنان المبارك  (زيارة 1930 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
قضايا أساسية في الفن
 
تأليف : عدنان المبارك


المحاكاة
 
- مانفتقده [ في الواقع ] تقدمه لنا المحاكاة [ في الشعر]. أريستوفانيس
 

هل الفنان يخلق واقعا جديدا أم أنه يحاكي القائم ؟ الرأي الشائع هو أنه ( يخلق ) عملا كأن يكون شعرا أو لوحة أو منحوتة. وفي عصرنا أصبحت عبادة الخلق والمخيلة والتجريد الصفات الأكثر تمييزا للفن عن سابقه الذي كان خلقا ومحاكاة في الوقت ذاته، وغايتهما تقديم عالم فعلي يسهل التعرف عليه. وفي الواقع يبدو أمرا سهلا ، لكن في الظاهر حسب، تعريف مصطلحات مثل الخلق والمخيلة والتجريد وغيرها. و كانت الخلافات في الغرب تدور منذ أكثر من ألفي سنة حول أدق التعاريف لهذه الأسماء . وكانت الميتافيزيقا ترافق هذا التأريخ الطويل حتى أنه كان هناك ما يسمى بميتافيزيقا الفن التي إعتبرت اكثر جوهرية من الأستيتيكا وفلسفة الفن أيضا .
والإشكالية الأولى التي تفرض نفسها بصورة طبيعية في هذا البحث تتعلق بمفهوم المحاكاة الذي كان قد نشأ في الثقافة اليونانية. وكان في البدء مرتبطا بطقوس العبادة ثم ألحق بالفلسفة مما كان شيئا مفيدا عند القيام بمحاولات ( إيضاح ) الواقع ، كذلك عاد بالنفع على الفن كفن. وعامة لم تكن معروفة المشكلة المسماة ب( الخلق ) لدى اليونانيين والرومان. فهم لم يتصوروا أن من ( لاشيء ) ينهض شيء كائن. ولم تصبح مشكلة الخلق ذات جوهر فلسفي بحت الا عند ظهور المسيحية. فمحاولة تحديد ماهية الفن كفعل خلقي جاءت في حقبة صياغة ( التعاليم ) اللاهوتية-الميتافيزيقية المرتبطة بنظرية الوجود .
وفي المفهوم الكلاسي ليس ثمة مكان للفن الخالق ( أي الذي لايعيد الخلق ). وهذا لايعني أن الفن هو مجرد إستنساخ . فبين الخلق والمحاكاة ( الإستنساخ أو التقليد أو إعادة الخلق ) هناك منطقة ما يسمى بالخلق وفق الطبيعة. وفي الواقع كان هناك سوء فهم كبيرعملت أجيال وقرون على ترسيخه . فكلمة المحاكاة ( mimesis ) التي غالبما ترجمت هكذا، نلقاها عادة لدى مؤلفي التراجيديات والشعراء والمؤرخين والفلاسفة من الفترات المبكرة من الثقافة اليونانية . والكلمة تعود الى قاموس اللغة الدارجة آنذاك ، وكان أمرا غير مفهوم إذا جاء إستخدام لها في فنون التشكيل عامة . فالتسمية تعود الى ما يسمى بالفن الثلاثي المرتبط بفن التمثيل ( أي الرقص والموسيقى والغناء ). وأصل هذا الفن نلقاه في الطقوس الديونيزيسية. وبعدها صارت فنونا مستقلة ومنها إنحدر مفهوم المحاكاة . وتحت تأثير الثقافة الدورية doric تطور فن التمثيل في صقلية حيث كان الممثل يؤدي في اثناء المآدب مشاهدا من حياة عامة الناس مسليا بهذه الصورة الطبقة الأرستقراطية. ومنذها سمّى اليونانيون الممثل ( المقلد mim ). وفي شتى النصوص اليونانية وغيرها ثمة إشارات كثيرة متعلقة بموضوع المحاكاة يمكن على أساسها القول بأن معنى الكلمة هو واسع. ولدى أسخيلوس ينصح أوريستس رفيقه بمحاكاة إحدى اللهجات لكي لا ينفضح أمرهم . وتقول إحدى بطلات يوربيديس لزوجها كيف أنها حاكت مشيته، وبيركيليس يشير في إحدى خطبه الى أن الممالك المجاورة تحاكي نظامه السياسي. أما ديمقريطيس فينبّه الى مسألة أن الكثير من الفنون هي محض محاكاة للمهارات التي نلحظها في الطبيعة ، ويقول إن على الإنسان أن يكون طيبا وعلى الأقل لكي يحاكي الطيبين. وبرأي أسخيلوس يمكن للتصوير أن يلجأ الى المحاكاة ، وبندار Pindar يجد أن المحاكاة تليق بالعزف على الناي. كما نعثر على تقنية المحاكاة لدى أريستوفانيس ، وفي فن النحت القديم أيضا. وهكذا فللكلمة اليونانية أكثر من تعريف ونعت : محاكاة ، تظاهر ، تعبير، لعب ، أداء دور معين ، تصنّع ، تشبّه بآخر أو آخرين ، إدعاء ، تمثل ، إقتداء إلخ . وفي الحقيقة لاتعني سيولة الكلمة أنها متعددة المعاني. فمن جميع الأمثلة المذكورة ثمة شيء مشترك يربطها جميعا. وأيّ كانت العلاقة مع مادة المحاكاة ، وفي معظم الأحوال هي مادة فعلية ( وأحيانا قد يحاكي فن فنا آخر ) ، نجد أن المواد نفسها مختلفة شأن سبيل محاكاتها.
بات معلوما اليوم أن المحاكاة ( mimesis ) ليست إستنساخا. فمفهوم الإستنساخ ظهر بعدها بقرون عديدة . ويصعب حقا العثور على كلمة معاصرة تعكس كل الإختلافات الدقيقة في معاني كلمة المحاكاة اليونانية. والكلمة المناسبة أكثر من غيرها في اللغة الإنجليزية هي كلمة السن أو الإشتراع enactment ، فهي تحوي البعد الدينامي الذي تعرض في مصطلحات الأستيتيكا المعاصرة الى الضياع .
ويكون أفلاطون الفيلسوف الذي قيل عنه بأنه من وضع علامة المساواة بين المحاكاة والإستنساخ. ففي الكتاب العاشر من ( الجمهورية ) وجد أن قيام الفن بتقليد الواقع هو محض عمل سلبي وإستنساخ أمين له . ويقول إن عالمنا هو نسخة منه ( أي عالم الأفكار ). و صار هذا المفهوم حول أن عالم الحواس هو نسخة ( غير أمينة بالطبع ) من عالم المثل ، شائعا لسبب معقول للغاية. فهو يخاطب المخيلة وليس العقل. ويبدو منطقيا السؤال : طالما أن الأفكار غير مادية ، والعالم هو مادي فبأي قدرة تتمكن المادة من أن تكون نسخة للروح ؟ وحين يستخدم المترجم الإنجليزي كلمة واحدة حسب : copy ، نجد لدى أفلاطون ثلاث كلمات : apeikazia ، afomoioma، eikona . و تعني الأولى أن تجعله مشابها ، والثانية يقصد بها الشبه ، ولكن إذا ربطت بالثالثة تعني الصورة أو الشبه أو التصوير، أي هناك إشارة الى الشبه وعلى الثانية أن تملك درجة كبيرة من التطابق في حين أن الشبه هو درجة من درجات القرب. وفي هذه الحالة من أين جاءت كلمة ( نسخة ) ؟ معلوم أن هذه الكلمة منحدرة من اللاتينية وليس اليونانية. وفي البدء لم تكن تعني( نسخة ). فكلمة ( copia ) تعني الوفرة والإحتياطي والغنى والطعام أو الثروة أوغيرها من المعاني. وفي روما قيل عن الخطيب السياسي بأنه يملك ( ثروة من الكلمات copia verborum ). وهكذا فالمقصود هوالألفاظ المتقاربة وليس المتطابقة. وفي الواقع بدأ الخطأ في مطابقة ال( copia ) بالإستنساخ ، في عصر النهضة. فإفلاطون لم يستخدم تلك الكلمات الثلاث بمعنى كلمة الإستنساخ التي نعرفها اليوم .
كانت النظرية الأفلاطونية قد تكونت في معترك النقاش بين ما يسمى بتحوّلية مابعد هيراكليت و نسبية السفسطائيين وبين جماعة بارمينيديس Parmenides الذي أعلن بأن هناك وجودا واحدا لاغير ، بسيطا وغير متبدل. وخلافا لهيراكليت إعتبر أفلاطون بأن ليس كل شيء في حالة تبدل ، فهناك العديد من التصورات الثابتة. كذلك خلافا للسفسطائيين الذين يرفضون الموضوعية وثبات الحقيقة قال افلاطون إن بمكنتنا أن نقدّم تعاريفا حقيقية من الناحية الموضوعية ، وفي الأخير خلافا لبارمينيديس إعتبر تلميذ سقراط هذا أن هناك الكثير من الكينونات الثابتة والبسيطة وغير المتبدلة أي ليس هناك كينونة واحدة . وبهذه الصورة إعتبرت أفكار أفلاطون مجرد محتو لأفكار عامة قابلة للتعريف ويمكن إستخدامها كأداة للتعرف العلمي ( episteme ) مما يميزها عن العالم المادي الذي ندركه بواسطة الحواس كشيء وليس حكما (doxa ) .
وأتاحت نظرية الأفكار الأفلاطونية فرصة ( إنقاذ ) الموضوعية وثبات الكثير من حقول الثقافة والفلسفة – في الأخلاق والسياسة والعلم والتأملات التي سميت فيما بعد بالميتافيزيقا ( وعند أفلاطون كانت هي عناصر الكوسمولوجيا والأنثولوجيا و الديالكتيك ). وفي تأملاته وتمحيصاته حول نشوء العالم تمّ ربط نظرية الأفكار ( المثل ) بها . فالأفكار هي نماذج ( paradeigma ) خلق وفقها العالم المتعرف عليه حسيا . ومن الطبيعي أن الأفكار وحدها لاتكفي ولابد من أن يكون هناك خالق ومادة غير محددة ومناطق غير مباشرة للأعداد. والخالق مالك الأفكار قد صاغ المادة بمساعدة الأعداد وبالصورة التي يكون فيها المخلوق أكثر قربا من نموذجه . ولكامل عمل الخالق كرس افلاطون أحد حواراته الذي أصبح في القرون الوسطى الى جانب العهدين القديم والجديد المرجع في تفسير نشوء العالم .
هل كان بمكنة الخالق أن ينمذج الأفكار في المادة لكي يصبح العالم نسخة منها ؟ وهل تكون المادة قادرة على التشبه لأقصى درجة ، بالأفكار ؟ كان الجواب بالنفي . فبين الأفكار وصورها المادية لا تزال هناك لفروق. إن الأفكار هي بسيطة بينما الأشياء المصنوعة مركبة ، والأفكار أبدية في حين أن الأشياء زائلة ، كذلك هي عامة بينما الأشياء ملموسة، والأفكار ثابتة بينما الأشياء متبدلة كمالايمكن إدراك الأفكاربدون مساعدة العقل ، أما الأشياء فتدركها الحواس فقط. والأفكار لم تنشأ أبدا بينما الأشياء تنشأ وتزول . إن العالم الحسي شبيه بالأفكار لكن في حدود الإمكان وحتى هنا تكون الفوارق كبيرة ، وكلها جوهرية. ولاعلينا نسيان أن نقد أرسطو لأفلاطون خص كذلك مسألة أن أستاذه قد فصل الجوهر عن الأشياء المادية الملموسة . فالأشياء تعود كلها ، سواء أكانت جوهرا أم لا ، الى عالمين مختلفين تماما بينهما الهوة الأنثولوجية . ولدى إفلاطون لا تستند المحاكاة في نظامها الكوسمولوجي أو الأنثولوجي إلا على المسبّب الهادف خلق نموذج. كذلك فالأشياء ليست الا إنعكاسا بعيدا للأفكار وهي ليست نسخة منها. إنها شأن الظل أي ليست هي بوجود حقيقي. والهوة التي تفصل عالم الأفكار عن العالم الحسي سعى أفلاطون الى ردمها بمساعدة مجاز الكهف الذي لايرى الناس المسجونون فيه الا ظلال الشخوص المتحركة خارجه ، أي أنهم لايرون الشخوص ذاتها . كذلك فالفوارق الجوهرية بين الأفكار وصورها هي واضحة أيضا في النظام التعرفي حيث تكون الحقيقة ما يتعلق مباشرة بالأفكارحسب. و إذا كان موضوع التعرف أشياءا حسية فهذا يقود ، منطقيا ، الى إطلاق الرأي واللاحقيقة.
إن الفن لايخلق أيّ عالم جديد ، فهو يقلد الأفكار أو شبيهها أي العالم الحسّي. فقد كان يصعب على الأغريق تصورأن بقدرة الإنسان ، وأيّ كان ، أن يخلق واقعا جديدا ، ولأن نتاج الإنسان هو على الدوام ذو إحالة الى شيء ما. وبهذه الصورة تقلد فنون ، مثل الموسيقى والشعر والرقص أو التصوير ، العالم الحسي في حين أنه إذا لم يكن هناك مثيل مرئي في العالم الحسي لنتاج الفن فهذا يعني أن الفن يقلد الأفكار أي الوجود خارج الحسي. ومثل هذا الفن هو النجارة وكل المهارات الحرفية . واذا لم يكن الفن مقلدا للأفكار ذاتها بل الطبيعة أو نتاجات الفنون الحرفية يكون حينها مقلدا لكن بمعنى أضيق. وفي الحقيقة يفاجئنا أفلاطون برفع مكانة الحرف على حساب الفنون التي سميت في الأزمان الحديثة بالجميلة كالشعر والموسيقى والرقص أي عناصر ذاك ( الفن الثلاثي ) والتي يجدها تقلد العادات والطبائع والمواقف والأفعال في حين أن فن التصوير يقلد الألوان و الأشكال. والأمانة للنموذج الأصلي تحققها الحرف في حين أن الفنون المقلدة تبتعد عن الحقيقة لمرات عديدة ، وإذا كانت تقلد الطبيعة فهي تبتعد مرتين ( فالطبيعة نفسها تقلد الأفكار ) ، وإذا كانت تقلد الحرف فهي تبتعد لثلاث مرات ( ولأن الحرفة هي تقليد للفكرة التي كان قد حققها ربّ ما ). ويذكر افلاطون أن هناك ثلاثة أسرّة في الحقيقة . واحد هو ، في جوهر الأمر، من صنع الرب ، والثاني من صنع النجّار ، والثالث من صنع المصوّر. والسريران الثاني والثالث ليسا بحالتي وجود حقيقيتين . فالنجّار لم يخلق فكرة السرير بل خلق ( سريرا ما ) ، وعندما يصّور الفنان هذا السرير يكون قد إبتعد أكثر عن الحقيقة. وهكذا يكون سرير النجّار هو الأقرب من الفكرة . ويجد أفلاطون أن أيّ صانع لايعمل شيئا هو في حالة وجود . فالسرير كنسخة واحدة قد ( صنع ) من قبل الرب الذي هو خالق طبيعة السرير ، أما النجّار فهو من قام بالتنفيذ بينما المصوّر هو مجرد مقلد وليس هو الأول ولا الثاني. وكما نرى فمصطلحات أفلاطون ليست بالواضحة تماما. فالخالق لم يخلق الفكرة بل العالم المادي في حين أن ربّا ما يخلق النماذج الأولية - pre لفن الحرفة. وهو من وصف بكلمة poietes اليونانية وتعني هنا خالقا ما ( بالطبع تعني الشاعر أيضا) ، أما الحرفي فكان ذلك ( الخالق demiurg ). ولم يبق افلاطون شيئا للفن عدا الحرفة التي وجدها قريبة منه. بالطبع كان قصده من الحرفة هنا هو الشعر. ولنا عودة الى هذا الموضوع .
أما المحاكاة في الموسيقى فتعتمد أولا على الإيقاع والتنغيم والهارموني ، إذ تتكشف العادات والطبائع والمواقف في أثناء العمل الذي هو حركة معينة يخدمها إيقاع مناسب يضبط في تنغيم معيّن ومحدّد بهارموني معيّن ايضا. وفي الموسيقى يكون ممكنا محاكاة إيقاع مرتبط بطابع محدد ، وبهذه الصورة يكون هذا الطابع مقلدا. ويذكر إفلاطون أن المؤلفات ذات الإيقاع وكل المؤلفات الموسيقية هي مجرد محاكاة لمواقف حياتية سواء أكانت سيئة أم جيدة . ومعلوم أن الموسيقى كانت العامل الجوهري في نظام التربية الذي تصوره أفلاطون لدولته. ويقول إن هناك ألحانا وإيقاعات لها مفعولها الجيد ( ولأنها تحاكي صفات مرغوبة مثل الشجاعة ) ، وبالطبع توجد الأخرى ذات المفعول الضار. ويذكر أن الرقص يقلد ليس الطبائع فقط بل العادات والأفعال. والشعر لا يستفيد من عناصر الموسيقى ( الإيقاع والعدد ) فقط ، بل من الكلمات التي تكون معانيها ليست بالتقليدية أي الشائعة. ولكن في كثير من الأحوال وجد أفلاطون أن الشعراء ينحون صوب خداع السامع. ويقول إنه بدءا بهوميروس يمارس كل الشعراء المحاكاة ويخلقون رؤى الشجاعة وغيرها من الأشياء التي يكتبون عنها ولكنهم لا يلمسون الحقيقة ، ونحن نقول عن الشاعر بأنه ينظم الكلمات وعدا ذلك لايعرف عمل أي شيء عدا المحاكاة. وهذا يعني أن المحاكاة ، لدى أفلاطون ، هي نقيض بيّن للحقيقة ، ومن هنا تأكيده على الفارق بين الوجود الحقيقي ومحاكاته. ويجد أن الشعراء يقلدون في أعمالهم ، الحالات الدنيا للروح ، وغرضهم هو تملق الجموع ، وتذكيرهم الدائم بأحوال المعاناة والآلام الى مالانهاية .. إنهم يحاكون المشاعر التي تبعدنا عن العقل والسيطرة على النفس. وبرأيه تكون مثل هذه المحاكاة مضرة ، إذ أن واجب الفن أن يظهر ما هو خيّر. وعندما نتعامل مع الفن علينا أن نعرف الى أيّ درجة يكون قريبا من الحقيقة ما كان قد طرح فيه ، والأكثر من ذلك هل أنه صحيح وطيّب ...
أما التصوير والنحت فتعترضهما حواجز من الصعب تخطيها . وهي فيزيقية ونفسية. فإذا كان النموذج ( الموديل ) المصوّر أو المنحوت بالغ الكبر، أو الصغر، مما يحصل في غالب الأحيان ، ينبغي تغيير التناسبات الموضوعية في العمل الفني. إذن تحصل هنا عملية تزييف من نوع خاص لايمكن في كل الاحوال تفاديها. ويكون الإبقاء على أحوال التناسب الموضوعية أمرا غير ممكن ( فالموديل بالغ الكبر أو الصغر كما قلنا ) ، أو أنه يعمل على نشوء تأثير آخر عند تلقي العمل الفني بسبب التشويهات التي لايمكن تلافيها. وبرأي افلاطون لايخلق الفنان ، في هذه الحالة ، الشبيه بل مظهرا خادعا. أما الفنان نفسه فليس هو إلا ( ساحرا ) قد نأى عن الحقيقة والحكمة معا وصارت مشاغله عملا صبيانيا ولهوا .. وعامة فمحاكاة الفن هي أكثر قربا من النماذج المثالية وليس من العالم الحسي. وأشياء الفنون المقلدة ليست الا حالة شبه بعيد. والنموذج المثالي للإستنساخ ، إذا اخذنا بعين الإعتبار الجانب العددي ( أحوال التناسب والأبعاد ) شأن الحال في التصوير ، هو في أكثر الحالات ، أمر لايمكن تحقيقه لأسباب موضوعية وذاتية أيضا. وفي الفنون العائدة الى ( الفن الثلاثي ) تكون الأشياء قد قلدت بصورة غير مباشرة مع جهل كبير بالحقيقة. ومبدأ المحاكاة الأمينة للواقع يمكن أن يحال فقط الى الأفكار التي تكون ضمانة للحقيقة والخير. إلا أنها لاتطال بالنسبة لفنون المحاكاة. ومع ذلك فالمبدأ عند الإحالة الى العالم الحسّي ، غير قابل التحقيق أو أنه لايحقق الغرض مما يعني أن المحاكاة صارت الشر أو القبح . ومن كل هذا يتبين أن المحاكاة الأفلاطونية ليست إستنساخا عند الإحالة الى الطبيعة أو الفن. إنها غير ممكنة بسبب الهوة القائمة بين ما هوحسّي وبين ماهو غيرمادي ، أو بين ما هوحقيقة أو بين ماهو الظاهرة والظل ، وبين ماهو وجود أبدي. فلا الطبيعة ولاالفن بقادرين على إستنساخ الفكرة ، وإذا كان الفن يقلد الطبيعة فهو في كل الأحوال ليس إستنساخا ولأن الطبيعة والفن مستقلان عن النموذج غير المادي. والفن نفسه ليس هو الطبيعة لكنه يقف ، وجوديا ، في موقع أوطأ . فإذا تكلم افلاطون عن المحاكاة كان يدرك طيلة الوقت بأنه على محور الفكرة – الطبيعة – الفن تنشا حالة التدهور وأن الإتكاء على مبدأ أن ما هو أوطأ يعتمد على ما هو أرفع ، وأنه أساس المحاكاة . فهذه هي حالة شبه ، والشبه ليس نسخة بل بالأحرى أثر، أي ما بقي من الظاهرة .
وفي الجزء العاشر من ( الجمهورية ) والأجزاء التالية أيضا ، يبين إفلاطون أن الفن هو إستنساخ أمين وسلبي للواقع ، أي أنه حكم على قيمة كل نشاط للإنسان، من زاوية الحقيقة ، ومن هنا هذه الذهنية الأخلاقية وهذا الحكم الصارم على الفن كتشويه للواقع ، والواقع ( الحسّي ) كتشويه للشبه بالفكرة . لقد طالب إفلاطون بأن يكون الفن حقيقيا والى جانب الخير مما لايعني أنه إعتبر الفن نسخة من الواقع. كذلك أراد من بعض الفنون أن تكون الأكثر قربا من الواقع. وفي الأخير كان يدرك أنه في التصوير أو النحت يكون الإستنساخ السلبي والأمين للموديل أمرا عقيما ولأن ( الفنتازيا ) تعيد الإعتبار الى الوهم بينما الأمانة تشوّه ، بدورها، الجهد التعرفي. ولكن على تلك الفنون التي تخدم التربية جيدا أن تنمذج ، مثاليا، المواقف ولأنها تكون في هذه الحالة مثالا نموذجيا للناشئة. وهكذا فليس على الفنون أن تقلد الواقع كما هو بل كما ينبغي أن يكون. وبهذه الصورة تصبح المحاكاة التي يقوم بها الفن خاضعة وليس للجمال ولا الحقيقة بل التربية قبل كل شيء. أما الفنان فعليه أن يبقى تحت سيطرة الدولة ، كما لامكان هنا للكلام عن حرية الخلق ( ولأن الخلق يعصى على الفنان والإنسان عامة ) ، كذلك فالدولة تقررأيّ فن يصلح للتربية ويحق له البقاء .
لقد إنتقص إفلاطون من الفن بسبب إبتعاده عن الفكرة بالدرجة الرئيسية : عن الحقيقة والخير والجمال. وعندما نبذ تلميذه أرسطو نظرية الأفكار ووجدها غير ضرورية ، قدّر للفن أن يظهر تحت ضوء جديد. فوفق أرسطو تكون تلك الأفكار الأفلاطونية محض مفاهيم أو تصورات مشّيئة وليس موقعا فعليا على الإطلاق. ومعلوم أن مفهوم أرسطو واليونان عامة يختلف جوهريا عن مفهومنا المعاصر. ففهمنا لها جاء تحت تأثيرالديكارتية التي رأت في الطبيعة مادة قابلة للإتساع و أخضعت لشتى القوى الناشطة ميكانيكيا في حين أنها لدى اليونانيين شيئا حيّا وحتى إذا لم تكن في جميع حالات الوجود حيّة في ذاتها إلا أنه يسري في جميعها ما أسموه بنفس العالم . وفي هذا التصور يلتقي افلاطون والرواقيون وإفلوطين أيضا . كذلك جاء ديكارت بالفهم المعاصر للنفس التي فصلها عن الوظائف الحيوية للجسم وطابقها بكل ما هو روحي. وقد إنتبه أرسطو الى أن ما يحدد هوية وجود معطى يحدد نشاطه في ذات الوقت. وهذا الشيء هو الشكل form أي الحق في الهوية . فالإنسان هو الإنسان وليس شجرة توت مثلا. وكان أرسطو قد تكلم طويلا عن القضايا المتصلة بفهم الشكل أي المادة ككائن يسلك وفق ( طبيعته ) التي يعرّفها في ( الميتافيزيقا ) بأنها مبدأ الحركة وسببها الداخلي . كما أنها مبدأ الحلول بالأشياء التي تكون قائمة وليس صدفة. وإذا قال هو بأن الطبيعة تنشط غائيا فليس المقصود غاية متخيلة لها وجود( في الخارج ) كما الحال مع النشاط الغائي عند الإنسان( يجمع النقود لكي يشتري بعد عشرة أشهر شيئا جديدا ). إن نشاط الطبيعة الغائي يعتمد على أنه وحتى إذا لم تكن هي وجودا عاقلا فأنه محكوم عليها بالمضي في هذا الإتجاه وليس غيره. وقد لاحظ اليونانيون التأكيد على غائية الطبيعة في حقيقة واحدة لاغيرها : تعاقب التبدلات الطبيعية التي تشمل الكونين : المايكرو والماكرو. ومعلوم أن لكلمة الكون kosmos اليونانية ثلاثة معان : النظام ، الكون ، الزينة . غير ان تعاقب التبدلات ليس بالظاهرة الدائمية. فالشجرة لاتورق ولاتثمر إذا قطع جذعها. والمقصود هنا هو أن الميل inclination الذي تكون الطبيعة مصدره باق. أما الطبيعة فلاتقدر لشتى الأسباب،على تحقيقه الدائم. وهنا يتقدم الفن لإكمال عمل الطبيعة غير المنجز. ولكن ينبغي التعرف على غاية الميل لكي يقوم الفن بهذه الوظيفة ومن ثم العثورعلى الوسائط المناسبة لسد تلك النواقص. ويقول أرسطو هنا إن الفن يكمل جزئيا ما عجزت الطبيعة عن تحقيقه كما أنه يحاكيها جزئيا. وفي هذا السياق تفهم محاكاة الفن للطبيعة بأنه ملتزم بالعملية الطبيعية التي تتكون من مراحل تتعاقب و ليس صدفة : البذرة – البرعم – الثمرة – البذرة. ولذلك يقول في (الفيزيقا ) إن هذه المراحل تبقى ذاتها في الطبيعة والفن . فإذا أراد أحدنا أن يشيد بيتا فهو يبدأ ببناء الأساس وليس الطابق الأول مثلا. ونلقى حالة خاصة فيما يتعلق بالإنسان الذي هو بطبيعته ( لم يكمل خلقه ) ، أي أنه محروم من الكثير من المهارات بالرغم من أنه يملك الميول المناسبة لتحقيقها. مثلا يملك هو الميل الى الحفاظ على الحياة ، ومعرفة الحقيقة أو العيش في المجتمع. الا أن الطبيعة نفسها قد سلحته بالقدرات التي تكفيه للحفاظ على الحياة مثلا ، وبدون الكلام ، هنا ، عن القدرة الكاملة على تحقيق ميوله البشرية. فالإنسان ، كما قال إفلاطون ، يولد عاريا حافيا. ولكان قد إختفى لولا الفن.. فالفن لاينحدر من الطبيعة ، أي الغريزة . و يروي إفلاطون أسطورة خلق ( جنس الفانين ) الذين جاءت به الآلهة ولكن أيبيميتيوس شقيق بروميثيوس كان من زوّده بالمهارات وبعدها تبين أنه لم يكن حكيما بمافيه الكفاية ( كان زوج باندورا التي فتحت علبة الشقاءات من أمراض ونكبات وغيرها ). فعندما وصل الى الإنسان لم يجد ما يعطيه بعد أن قام بتوزيع المهارات على الكائنات الأخرى. رأى بروميثيوس أن ( كل الحيوانات قد زوّدت ، بكل حرص ، عدا الإنسان العاري والحافي الذي لا يستره أي شيء ، والأعزل). ولذلك قرر سرقة النار والحكمة من هيفايستوس وأثينا وإعطاءهما للإنسان. ووفق هذه النظرة تكون جميع فنون الإنسان ذات منحدر إلهي. وأرسطو ، وقبله ديموقرطيس ، نظر الى الفن بصورة أكثر واقعية. فقد وجده مهارة تتحقق بفضل جهد الإنسان نفسه والذي يشغل تقليد الطبيعة مكانا كبيرا فيه. وطالما أن ما يميز الإنسان عن سائر الحيوانات إمتلاكه العقل nous فهذا بالذات يسمح له بإكتساب شتى المهاراات التي تسّد ، لحد كبير نواقص الطبيعة. وهذه المهارات هي ذات إتساع أكبر من الغريزة الحيوانية. والمهارة المكتسبة التي يوجهها العقل هي الفن بالذات. وبذلك يكون مفهوم الفن أوسع من مفهومنا اليوم ، كما أنه يشمل الثقافة كلها. وإذا كانت هناك نواقص في الإنسان ينبغي أن تكمل ، والإكمال هو قدرة الفن العقلي. إن الفن هو الثقافة ، والثقافة هي التربية ( paideia ) الا أن إكتسابها يعني خلق مؤهلات مناسبة. وفي الواقع يكون هذان المفهومان للفن واللذان يصعب تمييز حدود واضحة بينهما ( أي الفن كثقافة أرسيت على الفضائل، والفن كمهارة خلق أشياء يحتاجها الإنسان ) دائميين في العصرين القديم والوسيط ، غير أن الشيء المشترك بين هذين الفنين هو إكمالهما لنواقص الطبيعة ، وبعبارة أخرى تلبية تلك الميول. إذن الحاجة الى الفن هي موضوعية. فطبيعة الإنسان تملي هذه الحاجة على الدوام. والطبيعة تنشط ، في معظم الأحوال ، بصورة صحيحة. والإنسان يقدر ، عبر الفن ، على أن يقود الى الكمال العديد من الإمكانيات الموضوعة تحت تصرفه ، وبفضل ذلك نجده ( يجدّد ) طبيعته. كذلك ينبغي أن تعامل محاكاة الفن في سياق الطبيعة كظاهرة دينامية لاتعرف الثبات.
عندما يكمل الفن نواقص الطبيعة يكون قد حاكاها فيما يخص أسلوب عملها على حد تعبير توماس الإكويني : الطب يكمل نواقص الطبيعة حين يشفي الجسم ، والإسكافي يكمل ما نقص في الحذاء ، لكن عدا الفنون المكملة للطبيعة هناك (الفنون المحاكية ) التي سميت في فترة متأخرة بالجميلة. وتعود اليها الملحمة والتراجيديا والكوميديا والعزف على القيثار و الناي، والرقص والتصوير وغيره. وأيّ الأشياء تميز هذه الفنون ومن أين تنبع الحاجة اليها ؟. ليس المقصود هنا محاكاة الطبيعة من ناحية الخلق( أي ما يميز الفنون المكملة ) بل هو أن نتاجات الفنون المقلدة تقلد شيئا معينا. وإكمال الفن لنواقص الطبيعة هو بالطبع أمر مفهوم تماما ، ولكن لماذا الفن المقلد ؟. لقد إعتبر أرسطو أن الفنون المقلدة تختلف فيما بينها بثلاثة أمور : الوسائط التي تستخدمها والأشياء المقلدة وسبل التقليد أيضا. والوسائط هي الكلمة واللحن والإيقاع والرسم. والشيء الذي يقلد قد يكون الشخصية والشعورأو الفعل. والفارق في أسلوب التقليد قد يكون مرتبطا بالتقديم عن طريق الرواية ( الملحمة ) أو بالفعل المباشر ( الدراما ). ومعلوم أن ما كان موضع أكبر إهتمام لدى أرسطو هو الفنون التي تقلد الإنسان في سلوكه وتكون الطبيعة فيها محض خلفية. ومن هنا إهتمامه بفنون الشعر والموسيقى والذي فاق إهتمامه بالتصوير الذي وجده ستاتيكيا ولا يعكس الدينامية الثرة لحياة الإنسان. ووفق التقليد الراسخ آنذاك إعتبر أرسطو أن الموسيقى هي أحد الفنون الأكثر محاكاة في حين أن فن التصوير هو أقل محاكاة بكثير. ونحن اليوم نرى العكس : التصوير التقليدي هو الأكثر محاكاة بينما يصعب العثور عليها في الموسيقى.. لقد أعار اليونانيون بالغ الإهتمام في الفن للإنسان كفاعل يناسبه الفن الدينامي وليس الآخر الستاتيكي . فالفعل هو حركة معينة ، وللحركة مصدرها في طبيعة الإنسان ومشاعره. ومن هنا قول أرسطو في ( السياسة ) بأنه في الإيقاعات والألحان نلقى المحاكاة الأكثر واقعية للغضب والرقة وكذلك الجرأة والإعتدال ونقائضها.
إن نظرتنا اليوم الى المحاكاة ، أي الميميسيس ، عبر موشور الإستنساخ الذي تكون الفوتوغرافيا شكله الإستبدالي هي نظرة إيهامية . فنحن نرى على الدوام أن المحاكاة ليست إستنساخا ، والفنون البصرية – الستاتيكية ليست بديلا للفنون المحاكية. فالبديل هو، بالأحرى ، الموسيقى ، ولو أنه يصعب علينا أن نفقه اليوم هذا الأمر ، أي حين إنفصلت الموسيقى، وقبل التصوير بزمن طويل ، عن المحاكاة ومضت بإتجاه مايسمى ب( الفن النقي ). وإذا كان مصدر الحركة هو في الروح ذات الطبيعة والمشاعرالخاصة بها ، فأن الحركة تتحقق في الإيقاع المناسب. والموسيقى التي تستخدم الحركة والإيقاع ودرجات علو الأنغام قد تقلد بهذه الصورة ، شخوصا معينة لها طبيعتها ومشاعرها التي تميزها عن غيرها.
وعند أرسطو يكون الرقص مقلدا أيضا ، وليس بسبب النغمة وعلوها بل الإيقاع ذاته والحركات الإيقاعية للجسم والتي هي حركة معينة مناسبة ، وبهذه الصورة تكون مقلدة لشتى الشخصيات والمشاعر. وفي الواقع تكلم أرسطو ، هنا ، عن التقليد غير أن الترجمة أشاعت كلمة التعبير التي تستخدم في حقبتنا المعاصرة إذ أنها تجيء في سياق آخر لفهم جوهر المسألة وهدف الفن .
إن الكلمة إشارة متفق عليها لكن المفهوم ( أي معني الكلمة ) ليس كذلك. إنه أشارة طبيعية : كلمة ( إنسان ) متفق عليها، وفي كل لغة نسمع كلمة أخرى mensch ، homme ، man إلخ ) بينما يكون معنى كل هذه الكلمات واحدا. والمعنى ليس الا المفهوم الذي يتم التعرف من خلاله على شيء ما. فالكلمة تحاكي بينما معناها هو مقلد بطبيعته ولأنه يكون المناسب المقصود للشيء المتعرف عليه. إذن فمعنى الكلمة هو مناسب مقصود لشيء فعلي. ولهذا السبب تكون الفنون الشعرية مقلدة بسبب إستخدامها الكلمة التي يكون معناها مقلدا بطبيعته. وعامة تكمن المحاكاة في فعل كسب المعرفة وشتى المهارات. وخلافا لأفلاطون لم يعترف أرسطو بوجود سابق للنفس ولا بوجود الأفكار. فظهور المعرفة عند الإنسان ليس نتيجة تذكر الروح لما رأته في عالم الأفكار بل حصل هذا بسبل أخرى إحداها المحاكاة التي يتعلم عن طريقها الإنسان ، برأي أرسطو ، ويكسب شتى المهارات ( الأطفال يقلدون البالغين تلقائيا ). ويقول في ( البويطيقا ) إن غريزة المحاكاة موروثة عند الناس منذ الصغر، وبها يتميزالإنسان عن بقية الحيوانات، وكونه المخلوق الأكثر قدرة على المحاكاة التي عن طريقها يغنم أسس معرفته، تمنحه أعمال الفنون المقلدة المتعة الحقيقية.
إذن ليس المقصود ، هنا ، هو الفنية artism بل توفر إمكانية التعرف بفضل المحاكاة. وحين أتعرف على الشبه أكون قد وسعت معرفتي مما يكون المطمح الطبيعي لدى الإنسان. وليس المقصود هنا التعرف العلمي بل التعرف عامة والذي يصعب ، بدونه ، الكلام عن حياة الإنسان. فالتعرف ليس إضافة ما الى طبيعة الإنسان بل ، كما قال أرسطو ، تخرج هي منه مثل إنفلاق البذرة وخروج الزرع منها . ولذلك لابد من أن تحظى الفنون المقلدة بالإعجاب. وكما قلنا ليس المقصود هوالجانب الفني الذي قد يصاغ وفق الذائقة والموضة والعصر أو الحضارة ، بل الجانب الطبيعي أي أن كل إنسان يرغب بحكم طبيعته في كسب المعرفة. وبالإعتماد على الشبه لانتعرف على الشيء حسب بل نخلق ، بحكم طبيعتنا ، مفهومه . فمسك الشبه هو أساس تشكل المعرفة لدى الإنسان. واليوم يمكننا القول إن الطفل لاينتبه كثيرا الى الجانب الفني من الكتاب بل يركز إنتباهه على الشبه القائم بين صور كتابه والأشياء الفعلية. إن أعمال الفنون المقلدة لابد أن تنال الإعجاب بحكم الطبيعة ولسبب واحد لاغير: إنها مقلدة . وفي حالة العكس ، أي رفض مقولة ارسطو ، تنشأ حالةرفض العقل .. الا أن هذا الرفض هو عمل بالغ الصعوبة. فالإنسان يملك العقل ، وفي البدء كان صفحة بيضاء لم تسجل فيها المعرفة التي تغنم مع مرور الزمن.
بالرغم من كل هذه التمحيصات وغيرها يبقى السؤال : هل أن غرض الفنون المقلدة تعليمي– تربوي ؟ أكيد أن الجواب هو النفي. فهي تؤدي وظيفة خاصة في حياة الإنسان ، وطالما أن الغرض هو السبب الأهم يكون حينها سبب الأسباب أي الذي تظهر من أجله أسباب أخرى ( دلائلية ، مادية ، شكلية ) ، وفي هذه الحالة قد يوضح هذا الشيء مفهوم المحاكاة الأرسطوطاليسي ، وقبل كل شيء بالإعتماد على هدف الفنون المقلدة. وفي الواقع تزداد هذه الإشكالية تعقيدا. فأرسطو لم يعدّ نظرية كاملة عن الفن و( بويطقاه ) لم تتناول كل الفنون المقلدة بل التراجيديا بالدرجة الرئيسية والتي يقول عنها بأنها ( تقديم مقلد لعمل جاد منته يملك حجما ( مناسبا ) ، ويعبرعنه بلغة ذات زينة وهي تتباين في شتى أجزاء التراجيديا. إنها تقديم بشكل درامي وليس سرديا ، وتقود ، عبر إثارة العطف والخوف، الى ( تطهير) تلك المشاعر ). لاغرابة إذن في أن نظرية الفن لدى أرسطو لقيت عبرالتاريخ شتى التفسيرات. ويجدر بالذكرأن هذه النظرية وجدت في العصور الحديثة ، أي منذ عصر النهضة الأوربي ، تفسيرا لها كبرنامج ( يقيّد ) حرية الخلق. وفي كل الأحوال ينشأ السؤال : أي شيء هي المحاكاة في مثل هذا الفهم للتراجيديا ؟. وإذا كان هدف هذه التراجيديا كفن مقلد هو التطهير فإنها ليست ، بالمعنى الدقيق ، حقيقة ولا ما يسمى واقعية. ومعلوم أن أفلاطون وجد أن الحقيقة هي هدف الفن ولذلك رفضه عندما رأى فيه الكثير من أحوال الإبتعاد عنها. وكانت الحقيقة تخص عند اليونانيين العلم ، بينما العلم يخص ما هو محتمل ولذلك يصعب البحث عن الحقيقة العلمية في الفن. كذلك فإذا كان التقليد ليس إستنساخا ينبغي حينها التعامل مع الواقع كمادة ، كخامة ، للفن وليس شيئا على الفن أن يعمل نسخة منه. وفي الواقع يربط أرسطو في ( البويطيقا ) وفي أماكن كثيرة ، التقليد بالإبتعاد عن الواقع وليس الواقع كواقع حسب بل عن الاخرالذي ينبغي أن يكون له وجود . ومن هذا وذاك على الفنان أن يختار عناصرا معينة ، والإحتمال هو الدافع الى هذا الإختيار، كما ينبغي أن يكون التقديم وفق المحاكاة وليس الواقع ، بعبارة اخرى : الإمكان ، الإحتمال ، الضرورة ، الغرض ، المصداقية وليس الواقع . لكن بالرغم من كل شيء لابد من قيام المحاكاة .
إن مفهوم المحاكاة لدى أرسطو مرتبط بصورة متكاملة مع مفهوم الطبيعة وعلى الأخص الوجود. وكما يقول فالوجود لايقتصر على ما هو في حالة فعل بل حالة القدرة أيضا وإلا لما إستطعنا أن نفسر التبدل الذي ليس الا تفعيلا للقدرة. فالخشب هو في حالة إقتدار : أن يكون منضدة أو خزانة على سبيل المثال . وهنا قد تكون محاكاة الواقع أمرا يتعلق وليس فقط بما هو راهن بل بماهو مقتدر. ولكن الحال في الفنون المقلدة هي أخرى . فعندما يتكلم أرسطو عن الإقتدار الفعلي إنما يقصد ذلك الإقتدار الذي لابد أن يلقى التفعيل عاجلا أم آجلا. إلا أنه بالنسبة للنوع فهذا باق الى الأبد في حين أن الملموس ( الكونكريت) قد يتعرض الى الزوال في كل لحظة. ومن هنا قوله : الشعر ليس هو التاريخ ، فالتاريخ يروي الأحداث التي وقعت بينما الشاعر يتكلم عن الأخرى التي قد تحصل. والتأريخ يخص ما هو فردي بينما الشعر يتكرس لما هو عام وحتى لو تكلم عن الأفراد. ولهذا السبب يجد أرسطو أن الشعر أكثر فلسفة من التاريخ . وعامة تختلف المحاكاة الفنية عن التأريخ بكونها لاتكترث بالوقائع ، وعن العلم بأنها لاتستند على ما هو ضروري بل ما هو محتمل. ويحلل أرسطو المحاكاة الدرامية أي المرتبطة بسلوك الإنسان والتي قد تنفذ بشتى ( السيناريوهات ). عدا ذلك فإذا كان الموضوع هو السلوك البشري فإن واقعا معينا ، أي أنشطة ما ، ليس محتملا فقط بل ( يفترض ) أن يحدث ، وإذا تحقق الإفتراض فإن شيئا آخر عليه أن يكون ضروريا ( وهي الضرورة الشرطية ). وعن هذه الضرورة يتكلم أرسطو في ( الفيزيقا ) : لماذا يكون المنشار بهذه الصورة ؟. لأنه بهذه الصورة يؤدي وظيفة من أجل تحقيق غرض ما. وهذا الغرض لايحققه إذا لم يكن هو من حديد ، وعليه أن يكون من هذا المعدن إذا اراد أن يؤدي وظيفة المنشار. والضرورة هنا شرطية لكنها ليست هي الغرض. أي أن الضرورة هي في المادة ، والغائية في المفهوم. والحال شبيهة في التراجيديا. فإذا أردنا أن نحقق غرضا ما عليه أن تكون هذه المادة وليست الأخرى ، وهي مشروطة بالغرض الذي عليها أن تخدم . وفي هذه الحالة لايمكن خلط الضرورة المشروطة بالأخرى المطلقة ، أي لا يمكن إضفاء الإطلاقية على المادة نفسها وبمعزل عن الغرض .
وإذا كان على التراجيديا أن تطهرنا من مشاعر سواء أكانت إيجابية أو سلبية ، فعليها في البدء أن تثيرها. وينبهنا أرسطو ، بالطبع ، الى أن الشيء ذا المصداقية وحتى لو كان غير مقنع هو أفضل من الممكن ولكن المقنع. وفي هذه الحالة يصعب القول إن المحاكاة ليست إستنساخا. ومنذ إفلاطون تفتقد في احوال كثيرة القدرة على مسك الفوارق بين العلم والتأريخ والفن. وإذا كان هدف المحاكاة هو ( التطهير) فإن الفن لايحل محل العلم ولا الأخلاق.
أما إفلوطين بمنهجه القائم على الإنبعاث emanation فكان آخر صوت في الثقافة الهيلينية كشف عن تركيب فلسفي أصيل. وهو أمر لايحتمل النقاش بأنه إنتهل فيه عناصرا من أديان الشرق. وكان العنصر الأول الذي صهر تلك الرؤيا للواقع في كل واحد هو ذلك الإنبعاث المفهوم المميز لما يسمى بالأديان الشمسية مثل المازدائية المنحدرة من الزرادشتية التي تعرف إفلوطين عليها عندما إشترك في حملة الإمبراطور غورديان على فارس. وهذه المرة أخضعت ميثولوجيات غير يونانية ، وكانت شرقية صرفة، لعقلانية من طراز خاص، ملأت بدورها ثغرات ملموسة في المناهج الفلسفية لكبار اليونانيين( إفلاطون وأرسطو والرواقيين). والنظرية الأفلاطونية عن نشوء العالم كانت ميثولوجية أكثر منها فلسفية الأمر الذي إعترف هو به. وكانت نظرية أرسطو قد إفترضت ، عامة ، لاتكرارية العالم في حين أن نظرية الرواقيين إنغرزت في مبدأ من الحلولية المادية الذي وجد الكون جزءا من الرب أي أن الرب هو اكبر من الكون وليس كما في الحلولية (pantheism ) التي إفترضت تطابق الإثنين. كذلك لايزال لغاية اليوم تأثير معين لنظرية إفلوطين التي أخذت الكثير من الفكر الهندوسي أيضا. فهي تقول إنه من المصدر الأولي ، كما الحال مع الشمس ، تنبعث ( أي تشع ) على التوالي شتى الماهيات لغاية النفاد ، وبعدها يحصل رجوع كبير الى المصادر. فكل ما نشأ يعود الى منشئه إذ أن هناك طريقا الى الأسفل وآخر الى الأعلى. إنه إنبعاث متعاقب وعودة متعاقبة أيضا. وفي ميتافيزيقا أرسطو كانت المحاكاة لاتشغل الا حيّزا بسيطا بالرغم من أنها لعبت دورا معينا، غير أن هذا الدور في المنهج الإفلاطوني هو حاضر في كل مكان. فالإنبعاث يشمل الوجود كله : كل ماهية هي محاكاة لمصدرها. ولذلك لاغرابة في ضخامة معجم الألفاظ الإفلوطيني ( هناك كلمات يصعب التحديد الدقيق لمعناها مثل الشبه و الصورة و المظهر و الشكل و المخيلة و المشخص figure و الأثر و الظل وغيرها. وتوجد مؤلفات كرست لهذه الكلمات فقط ..). ويجد إفلوطين أن الإختلاف القائم بين طرز المحاكاة متأت من أن لكل ماهية طريقها الخاص الباديء بالمصدر الأعلى. وخلافا لإفلاطون (أو بالأحرى لكامل الفلسفة اليونانية ) يرى إفلوطين أن المادة نفسها هي مشتقة أيضا شان الشكل الأرسطوطاليسي. ففي القمة ذاتها توجد الوحدة الأولية ( unity-pre ) التي ليست بمادية ولا روحية وحتى أنها ليست وجودا. إنها فوق الوجود. ومن الفكر نبعت الروح التي خرجت من العالم المادي. وكل ماهية تحوي أثرا ، شبها ، هيئة ، صورة لماإنبعثت منه أي من الماهية العليا. وبهذه الصورة يكون الفكر شبيها بالوحدة الأولية. والنفس شبيهة بالفكر في حين أن العالم شبيه بالنفس .
وكما ذكرنا إنتقص إفلاطون من معظم الفنون المقلدة لأسباب أنثولوجية وأبستمولوجية وتربوية أيضا . إلا أن حجته الأولى والأخيرة هي أن الفنون محاكاة لشيء هو بدوره محاكاة. فالفنون هي الوجود الأضعف والبعيد عن الحقيقة. إنها وجود يتوجه الى الأدنى في الإنسان. وكانت الإمكانية الوحيدة لرد الإعتبار للفن تتمثل فيما يسمى بالجنون الرباني. إلا أن هذا الجنون نلقاه في النظام الميثولوجي وليس الفلسفي. والظاهر أن إفلاطون لم يأخذ بعين الإعتبار إمكانية أخرى : الفنان يتعرف على الأفكار وفي ضوئها يخلق أعمال الفنون المقلدة. وهذه الإمكانية التي عدّت نقطة إنعطاف مهمة في تأريخ الفن بل الثقافة لم يعلنها إلا إفلوطين الذي رأى أن الفنان قادرعلى تأمل النماذج الأولية لكل الأشياء. ومنذها أصبح الفن محاكاة للأفكار نفسها وليس عالم الطبيعة. ويقول إفلوطين في مؤلفه المعروف ( التسعية Eneads ) : ... لاتحاكي الفنون الأشياء المرئية بل تطال المباديء التي تكون مصدر الطبيعة ). وفي موقع آخر : ( لم ينحت فيدياس، مثلا ، زيوس وفق النموذج الحسي بل لأنه أدرك كيف يبدو زيوس إذا ظهر أمامه) . وفي كل الأحوال فزيوس فيدياس ليس نتيجة جمع افضل الخصال البشرية بل كانت النتيجة المجسّدة في المرمر لتأمل فكرة الرب اليوناني. الا أن إفلاطون لم يقدر على إعلان مثل هذا الرأي ولأن النفس ( العقل ) على الأرض لاتتعرف على الأفكار بل تتذكرها حسب ، فالنفس( العقل ) رأت الأفكار قبل التقمص في الجسد ، ولربما ترى بعض النفوس الأفكار بعد إنفصالها عن الجسد. ولكن في الحالة الراهنة تكون الأفكار محض تذكر ( anamnesis ). ولنا أن نسأل : لكن أي تعديلات قد طرأت على منهج إفلوطين حين كف التعرف عن أن يكون تذكرا والروح ، وروح الفنان أيضا ، قادرة على تأمل النموذج الأولي - pre ؟. يرى إفلوطين أن تأمل الأفكار يقدرعليه الحكيم ، أي الفيلسوف ، والفنان على السواء. الا أن الحكماء قلة ، وعملية التأمل النقي هي نادرة للغاية ، فأكثرية الناس تحيا حياة حسية. وفي هذا الوضع يصبح الفن ضروريا لكي تتذكر الجموع بأننا لسنا من هذا العالم الذي هو محض تذكر للعالم الأسمى. وهكذا فالتذكر الفني لجمال الأفكار هو ( موضوعيا ) أضعف من التأمل الفلسفي ( أي الفكري الصرف )، وكما يقول إفلوطين فأن الفحص البصري هو محض معوّض أو بديل بسبب (عجز الروح ) . وعندما يتأمل الفنان النماذج الربانية الأولية - pre التي هي نماذج لعالم الطبيعة كله، يمكنه أن يخلق جمالا أعلى من جمال الطبيعة ، ويكون نتاجه ، حينها، ليس جمال الطبيعة. وفي ( التسعية ) يقول إفلوطين : الفن هو شيء ثانوي أزاء الطبيعة ، فحين يحاكيها لايعطي غير صورها الضعيفة والمبهمة.
إن محاكاة الجمال الأعلى ، سواء من جانب الفن أو الطبيعة ، ليس إستنساخا ولاخلقا. وهذه النماذج المسبقة هي نموذج paradigm للوجود والجمال، وكل نبذ له يكون علامة تدهور بينما الإقتراب منه يزيد من كبر الوجود والجمال.. ويلعب الإنسجام والتناسق ( الهارموني) دورا خاصا هنا. وكان إفلوطين قد وجده في بساطة الشكل واللون. وهذا الإنسجام هو خصيصة لحقول من الفنون المحاكية مثل التصوير والنحت والرقص والبانتوميم. وهذه كلها تخرج من النموذج الحسي وليس الأفكار. غير أن هذا الإنسجام هو محاكاة لبساطة الأفكار( أي إنعدام التعقيد ) ولذلك قد تقودنا الى ( العالم الاخر). ويقول إفلوطين إن الفنان غير قادرعلى أن ( يخلق) شيئا جديدا. وكل ما يقدرعليه هو أن يسمو صوب الافكار. و سلّم الجمال يبدأ بالأفكار، عبر عقل الفنان ، وينتهي بالعمل الفني ، وينتج عن ذلك بأن الجمال الكائن في عقل الفنان هو أعلى من الآخر الذي كسب ماديته في الفن...
إلا أنه بالرغم من القول الإفلوطيني بأن أصل كل وجود هو تلك الوحدة الأولية نجد أن هذا الفيلسوف لم ينتقص من العالم الحسي وكما فعل أفلاطون. ففي المحاكاة هناك تأكيد على الشبه وصلات القربى بين الماهيات وأصولها. وقد وجد أن الفن وليس العالم هو محاكاة إلا أن الأفكار هي أوطأ من الفلسفة لكنها ضرورية لجميع غير– الفلاسفة. فهي تذكر بأن الإنسان ليس من هذا العالم. وتقوم بفعل التذكر محاكية الجمال الأعلى وإن كان ذلك بواسطة الصورالحسيّة.
ولكن إذا كان هدف الفن إستجلاب الجمال الأعلى فإفلوطين يرى بأن على هذا الجمال أن يرتبط بالخير. ولهذا سببان: بدون الخير قد يكون الجمال أقل جذبا أو مبالغا فيه. والخيرهو الدافع الى الإستجلاب ، وعليه أن يضع حدا معقولا لتأثير الجمال. وبدون الخير يكون العمل الفني مشدودا بالحسّية ولايسمو بالروح بمافيه الكفاية. وكما تبين فنظام الإنبعاث الإفلوطيني هو في ذات الوقت النظام الذي يأخذ بالمحاكاة الأكبر، إذ أن كل شيء ينشأ عن طريق الإنبعاث. كما أنه ، بسبب المحاكاة ، شبيه بمصدره ، ودرجة الشبه هي بالكبرالذي يردّه الى مصدره. من ناحية أخرى يكون هذا النظام أكبر تكوين فني للفكر الملهم ( بفتح الهاء). وطالما أن الإنبعاث ضروري فالمحاكاة ضرورية أيضا : الإنبعاث يحمل القدرالزائد من الخير ، والمحاكاة تريد العودة الى كل ماهو نابع من هذا الخير. ويؤكد إفلوطين على أن المحاكاة الفنية هي الجزء الجوهري ، وليست محض إضافة ثانوية ، من العملية المذكورة. وعن غير قصد تفتح اإأفلاطونية الجديدة ( أي الإفلوطينية ) للفن الذي كما قال تكون مادته المجاز metaphor ، الطريق المؤدي الى ( المبدأ الأول للكون ) والذي هو أعلى من الفلسفة. لقد مهد هذا الفيلسوف الطريق، أما الخطوات الأولى فقام بها من جاءوا بعده. و بهذه الصورة نصل الى الأشكالية الجوهرية : العلاقة بين الخلق والمحاكاة. و كلمة الخلق هي الأكثر تعقيدا في هذا السياق. فنحن نقول ( خلق الرب العالم ) كما نقول ( خلق الفنان عمله الفني ) ، فأن تخلق تعني أن تحيل الى شيء لم يكن موجودا من قبل ، أي الى ( لاشيء ). وفي التقاليد اليونانية ، والرومانية بعدها ، يكون أمرا مغلقا على الفهم أن ينشأ شيء من لاشيء. وقد عومل هذا الأمر كتناقض أكيد ولأن من اللاشيء لاينشأ شيء (tex nihilo nihil fi ). فلقد كان على النشوء أن يكون دائما من شيء. وهذا الشيء إما المادة الأبدية ( لدى إفلاطون ) وإما العالم الشبيه بها ( لدى أرسطو ) وإما ذلك المبدأ الأعلى نفسه أي الوحدة الأولية التي خرجت منها بالتعاقب أشكال الوجود الجديدة ( لدى إفلوطين ).
ومعلوم ان المفهوم الجديد لنشوء العالم قد دخل الثقافة الغربية سوية مع صعود المسيحية. وحينها كان موضوع النقاشات الفلسفية واللاهوتية تلك الفقرات من (العهد القديم ) التي تتكلم عن ( الخلق ) : في البدء خلق الرب السماء والأرض ( سفر التكوين ) . أي أنها كانت ( خلقا creation ) وليست إنبعاثا emanation وتبدو كلمة ( الخلق ) في لغتنا مطابقة للكلمة اللاتينية ( creatio ) الا انها تعني باليونانية البناء أو التنفيذ.. وهناك لغات لاتسمح مفرداتها بالتفريق بين خلق الرب وأفعال الإنسان ( مثلا في الإنجليزية ليس هناك من فعل وسط بين أن تخلقto create وأن تعمل to make ولذلك يستخدم الفعل الأول للتفرقة بين عملين – عمل الفنان وعمل الحرفي ). والجملة المذكورة من ( سفر التكوين ) تملك صفة الدوغمات الذي يكون الإيمان جوهره. وأكيد أن للفلسفة دورا في إيضاح مفردة الإيمان ، الا أن هذه إشكالية لايربطها الكثير بموضوع هذا البحث. ولكن الجدير بالتسجيل هنا أن هذا الدوغمات جاء به ( العهد القديم ) الذي خرج من التقاليد اليهودية وهذه كانت تحت التأثير الهيليني كما هو معروف. كذلك لم يفسر الدوغمات عملية الخلق بل لم يك

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
المخيلة
 
- المخيلة هي فنانة أكثر حكمة من المحاكاة . فيلوستراتوس
 

خلال ثلاثة آلاف سنة كان الجدل قائما في الغرب حول هل الفن من أعمال العقل أم المخيلة. والعقل كان يعني القواعد والتعليمات والمعرفة والخطة والمفهوم. أما المخيلة فقد فهمت كإلهام وجنون ووحي ونبوءة. وفي الثقافات القديمة والعصر الوسيط كانت الغلبة للعقل الا أنه مع حلول عصر النهضة وبصورة أدق مع الرومانسية أخذت ترجح كفة المخيلة . وعندما إنتصر العقل إنتصرت الواقعية : الفن كان محاكاة والفنان إنسانا ، وعندما جاء النصر للمخيلة إقترب الفن من الخلق ، والفنان من الرب أو كان مطابقا له فيما يخص فعل الخلق. وهكذا سببت مثل هذه العبادة تأسيس محاريب للفن على حساب خفض قيمة الفلسفة والدين. وطالما أن الفن ليس أيّا من الأثنين فقد عمل تأليهه على تشويه معنى الثقافة. وفي اللغة العربية هناك بضع كلمات مرادفة لكلمة المخيلة . وعلى رأسها كلمة التصور التي تقرن بكلمة ( الصورة ) أي كما يقال في الفلسفة ما به تصبح المادة موجودة وتكسب صفاتها المميزة. فبإتحاد المادة بالصورة تحصل عملية الخلق ( التصور في اللآتينية هو imaginatio والصورة imago ) ، وعندما نقول إنه تصور أي أنه خلق في مخيلته صورة معينة. أما كلمة فنتازيا فهي باللاتينية phantasia وهي منسوخة تماما من اليونانية ، وتشير الى إمكانية الكشف عن شيء ليس من الضروري أن يكون إعادة خلق. فقد يكون خلقا أي أنه قد يحوي عناصرا ( فنتازية ) أي غير فعلية. وأدرك اليونانيون أن أوسع حقل لنشاط المخيلة هو الخلق – إعادة الخلق ، فحينها يمكن إظهار الأشياء المرئية والأخرى التي لم تكن مرئية أبدا. ولذلك قد يعامل الفن كمعيد لخلق الواقع أي كما لو أنه تصوّر لمنح الإستمرارية أو كعمل فنتازي ، أي فنتازيا منحت الإستمرارية. ولكن هل المخيلة ( الفنتازيا ) مستقلة عن العقل أم أن العقل كالسلطة العليا يخضع لها ؟ إن هذه القضية شغلت أذهان اليونانيين طويلا. فهم عرفوا أن ما يميز الإنسان في ( عالم ما تحت القمر ) هو العقل بالذات ولأنه يملك صلة القربى بالآلهة وليس الطبيعة ، ولو أن الفن ، وخاصة الشعر ، أفلت من سيطرة العقل.. ولكن هذا لايعني أن اليونان أعطت الأولوية للمخيلة. وفي الحوار الأفلاطوني ( إيون ) يذكر سقراط أن الرب حلّ بالشعراء وهم من فرط الدهشة والإعجاب ينطقون بتلك الأشعار الجميلة. ولذلك فهو خلق لايستند على المهارة بل لأن الرب كان هو الناطق الفعلي (الذي ينادينا ) وبعد أن سلب هؤلاء العقل. وفي الحقيقة كثرت التفسيرات لهذا المقطع ، وعلى الغالب يقال إنه وفق أفلاطون لايعود الشعر الى مملكة الفن ولأنه شيء أرفع من هذا ، ومنحدره هو جنون إلهي سيطرعلى الشاعر. وهذا الجنون أعلى من العقل الذي هو المرشد في الفنون الأخرى. وهكذا قد يمثل إفلاطون توجهين صوب الفن : الأول على إتفاق مع العقلانية اليونانية مما يمثله التيار المسمى بالأبولينية ، والثاني ديونيزيسي وهو القائل بان الشعر الحقيقي هو جنوني. وفي الواقع يتبارى لغاية اليوم هذان التوجهان فيما بينهما. ونحن إذا فحصنا جيدا مقولة إفلاطون تبدو القضية أكثر تعقيدا. فكما نلمس يكون العقل وليس الجنون هو المصدر النهائي للشعر الحقيقي (الجنون هو نتيجة جانبية حسب ). وأفلاطون يقول بكل وضوح إن الرب يتقمص الشاعر للعثور على مكان عليه أن ( يعطل) عقل الشاعر وليس إزاحته. وبهذه الصورة فالشاعر حين يخلق يكون قد حرم من إسهام عقله الخاص وليس العقل عامة. فمكان العقل البشري أخذه الآخر الرباني. وعليه يكون المنبع النهائي للشعر هو هذا العقل. وفوق ذلك الجنون لايزال هناك العقل. وحلول الرب في الإنسان ليس بالعمل المباشر . فهو يتم بصورة خاصة ، أي ليس هو الحلول بالمعنى الحرفي . كذلك فالرب لايخاطب عقل الإنسان مباشرة بل يؤثر على تلك الملكة التي لاتعود الى الحواس، فهذه بحاجة الى مادة راهنة للتعرف. كذلك فهي ليست العقل. إن الرب يؤثر على المخيلة.
ويتناول إفلاطون بالوصف كامل الآلية الفيزيولوجية للحالة الشعرية. فالمخيلة ناشطة في اليقظة والنوم على السواء. إلا أن الحواس نشيطة في اليقظة فقط لدرجة أنها تدفع بالمخيلة الى المكان الثاني. و هكذا تغفوالحواس في اثناء النوم بينما المخيلة ليست مرغمة على الخضوع لسلطان النوم. ويقول إنها تنام عندما تهدّيء النار الجوانية ، بعد إنطباق الأجفان، أحوال القلق الداخلية. وإذا إستمرت هذه الأحوال تظهر بالصورة المناسبة لطبيعتها وأجزاء الجسم التي تتواجد فيها ، صورا شتى قد نتذكرها في اليقظة. وهذه هي بالضبط أحلام النوم. وقد تكون الحال بهذه الصورة أيضا : تحصل التهدئة الا أن الصور مستمرة بالظهور. ومن أين هذه الصور ؟. يجيب هو بالقول إن الرب يبعثها عندما ينام العقل ومعه الحواس. إذن الرب يحل في الإنسان بواسطة الصورالموجهة الى المخيلة. وبالطبع يكون النوم أنسب الأوقات ولكن يحصل أن يخاطب الرب الإنسان في اليقظة. حينها تصبح الحال اكثر درامية : العقل يصارع من اجل مكانه اللائق به ، والحواس تريد أن تكون حاضرة وأن تشهد الواقعة الا أنها تنسحب أمام سلطة الرب بينما يبدوالإنسان الذي ألهمه الرب مجنونا فاقد العقل والحواس ولايتجاوب مع الواقع الراهن ولايعرف ما يقوله. ولكن بعد هذا التلقي يعود العقل الى مشاغله بادئا بمحاولة فهم معنى الشعر أو التنبؤ. ويتبين هنا أن عقدة الجنون في نظرية الفن الإفلاطونية ( أي الشعر ) والتي تستثني الفن والعقل البشريين تستثني هي في الحقيقة الفن كمهارة بشرية صرفة ، الا أنها لاتستثني العقل كعقل. وكما نلمس لم يرد اليونانيون التخلي بسهولة عن العقل وحتى إذا كان الأمر يخص الجنون ...
لقد كانت الأفلاطونية الجديدة المواصلة الهيلينية للأفلاطونية. والجديد فيها أنها ذات طابع إصطفائي واضح غير أن العنصر المهيمن هو تأثيرات أديان الشرق. كذلك ففي هذه المدرسة الفلسفية نلقى تيارات متعارضة. وإفلوطين نفسه لم يعلق أهمية كبيرة على المخيلة. فقد وجدها مرتبطة بنفس أوطأ ولها إحالتها الى العالم الخارجي مما يعني أن حالات الوجود الروحي لانتعرف عليها بمساعدة المخيلة ، وحتى العقل ( أي الخطاب ) عاجز هنا. ويقول في ( التسعية ) : نحن نرى أحوال وجود بينة لكن بدون بمساعدة المخيلة ولا الفهم الذي ينتهل مقدماته المنطقية من مكان ما، بل نحن نراها بفضل التأمل الذي يتيح لنا الكلام عنها عندما نكون هنا في الأسفل ). وهكذا فالعون يأتينا من العقل في حين أن الوصول الى ( الواحد المسبق unity - pre ) يتم عند الغليان الوجداني ( الوله ) الذي هو نابع من الحب ولذلك يتجاوز العقل. ولقد تبين أن الرؤيا الإنبعاثية للواقع ، والإعتقاد بالإتصال العقلي المتفوق ب( الواحد المسبق ) هما الأساس النموذجي لشتى التأملات خارج الفلسفية . فمن ناحية توفرت إمكانية نشوء التأثيرات المتبادلة للقوى الربانية والأرضية ، ومن ناحية أخرى تعرّض التعرف نفسه في التقاليد اليونانية التي اعتبرته أكثر الأعمال رفعة ، الى التهميش طالما أن الإتصال ب( الواحد المسبق ) هو أمر يتخطى التعرف .. كذلك باتت واضحة في الإفلاطونية الجديدة سبل السحر teurigika كفن لتلقي القدرات الربانية والتأثير عليها ايضا. ففي المكان الذي يتراجع التعرف ( أي العقل ) فيه الى المرتبة الثانية تأخذ مكانه المخيلة. والآن على أي شيء يعتمد تعديل الدور الفلسفي للمخيلة في سياق الإفلاطونية الجديدة ؟. لقد جرى هنا تركيب من طراز خاص ، لإفلاطون وأرسطو وإفلوطين نفسه مفاده ، كما ذكرنا ، تصنيف ثلاث مناطق أنثولوجية : الأفكار والأعداد والعالم الحسي. وكان الإفلاطونيون الجدد قد ربطوا بالأعداد المخيلة كعنصر hypostasis مستقل.
وكان إفلاطون قد خص بإهتمامه عندما أقام نظامه التعرفي ، الحدس moeza الذي بفضله يمكن مسك الأفكار. كذلك إهتم بالخطاب المميّز للعمليات الرياضية dianoeza . وفي الحالة الثانية لايكون التفكير( نقيا ) الا أنه يتم بمساعدة التصورات أي كما هو الحال حين نرسم مثلثا هو ، بالتأكيد ، شبيه ، الى حد ما، بفكرة المثلث. و معلوم أن افلاطون كان قد ربط العدد بالمخيلة. ولم يكن الدافع هنا نفسيا فقط . فعدا ذلك تنشط المخيلة بصورة طبيعية على خلفية العالم الحسي.
أما أرسطو فوضع المخيلة بين الحواس والفكر. وذكر أن المفاهيم ( التصورات ) الفكرية تنشأ بمشاركة المخيلة . وقد يعني هذا أن المخيلة هي سلطة أعلى من الحواس طالما أنها الأقرب من الفكر. وإذا جمعنا هذه العقد الآتية من شتى الأنظمة نكون قد أعلينا من شأن المخيلة وليس فقط في مراتبية الملكات البشرية بل في نظامي الوجود والإنبعاث emanation. فالمخيلة تظهر هنا كعنصر هو حالة وسط بين العالم الروحي (الفكرأو العقل) والمادي (الحسي). وفي النتيجة لايأتي إنبعاث العالم المادي مباشرة من الفكر كما الحال عند إفلوطين ، بل، وفق بقية الإفلاطونيين الجدد ، من المخيلة. فالمخيلة، كوجود، تعلو على العالم المادي بل هي سبب هذه العالم. فإذا كانت المخيلة بمثل هذا القرب من العقل والعالم الروحي فالثاني ندركه بمساعدة التصورات التي تعامل كحقيقة رمزية. كذلك فللإفلاطونيين الجدد صلتهم بالرواقيين الذين كانوا إسميين nominalists وإعترفوا بأن التصورات التي تعطل الحواس أو تسبب إنحرافها، تملك مرتبة الحقيقة ، فهي تحوي اللوغوس الإنبعاثي . وبهذه الصورة لاشيء يحول دون أن تقترب المخيلة ( ومنحدرها هنا هو العقل ) من العالم الروحي وأكثر من إقترابها من الآخر المادي الذي هو أوطأ فيما يخص المنحدر أيضا.
وتحت تأثير أفلاطون قسّم الإفلاطونيون الجدد المخيلة الى طرازين : المخيلة العادية التي تستقبل صورا منحدرة من العالم المادي ، والثانية التي تمتلك طبيعة ربانية ، فهي نتيجة لعمل الآلهة وتقدر على الظهور بشتى الصو . وإذا اخذنا ببعض التفاصيل تبدو الحال بهذه الصورة : الوسيط الذي يجلب الصور الربانية الى المخيلة كان الأثير ether المحيط بالنفس ، وهو ذو طبيعة نصفها مادي والآخر روحي. وفي هذا الأثير هبطت الروح من السماء الى الأرض. وهكذا حصل هنا ربط نظرية أرسطو عن البنية الأثيرية للنجوم بالأسطورة الأورفيوسية – الإفلاطونية عن تجوال الأرواح. ولهذا كله نسجت غلالة من أساطير التنبؤات الكلدانية ( من دولة بابل الجديدة في نهاية القرن السابع قبل الميلاد ) ...
وفي الحقيقة كانت نظرية الإفلاطونية الجديدة الموصولة بالعقيدة الرواقية و مفهومها عن المشاركة الوجدانية sympathy المتغلغلة في الكون كله قد عملت على إعادة الإعتبار للشعر والميثولوجيا اللتين كانتا موضع هجوم إفلاطون الذي لم يعترف الا بحقائق أعلى من حقائق الحواس. وهي مفارقة حقا أن إفلاطون كان من إستخدم الأساطير، أي المادة القائمة على الفنتازيا ، بكل مهارة وحتى أن الإفلاطوني الجديد بروكلوس Proclus أسمى أفلاطون بالشاعر الرباني شأن هوميروس ... فإذا ردفت الأسطورة بالفنتازيا ، يكون ممكنا طرح الحقيقة على الذين لايعرفون الفلسفة ( أي الأكثرية ). ويرى بروكلوس أن التفكير الرياضي المقرون بالمخيلة يصبح نموذجا لشتى أنشطة الروح. وعامة تعلي الإفلاطونية الجديدة من شأن المخيلة التي تعثر لها على وظائف شتى : وظيفة أنثولوجية كحلقة في فعل الإنبعاث ، وفنية – دينية ( رموزية الحقيقة ) وأبستمولوجية ( وسيط في التعرف على النفس ) وأنثروبولوجية ( الجسم الأثيري ). وهذه المخيلة التي لم تصبح الأعلى بعد ، تأخذ في تحقيق التكامل لشتى العقد التي تعود الى الدين والفلسفة والعلم والفن. ويحصل هنا خلط للأهليات والأنظمة لايحقق على الدوام نتائجا ملموسة في حقل الثقافة خاصة.
يؤكد أرسطو في (البلاغة ) على أن المتكلم قد يؤثر على سامعه بمساعدة الإنفعال ( الباثوس ) وليس الكلمة (اللوغوس ) والسلامة الأخلاقية ( الأيثوس ) أي من خلال إثارة مشاعر معينة. وقبلها عليه أن يمتلك المشاعر ذاتها ( قال هوراسي : إذا أردتني أن أبكي فعليك أن تحزن قبلها ). و ينصح أرسطو بأن هذا شيء يتحقق بواسطة المخيلة ، فليس هناك مشاعر مصطنعة بل مخيلة مصطنعة. وفي القرن الأول ميلادي وسّع كوينتيليان Quintilian مقولة ارسطو لكي تشمل الشعر أيضا. ووجد أن الفارق بين الخطابة والشعر هو أن الخطابة تعتمد على الحقيقة ( أحداث فعلية ) بينما الشعر على الحكاية الخيالية. وبالطبع فللصدمة والإنسحار مفعولهما ، وهما شيء آخر غير الكاثاريسيس .
ويعتبر فيلوستراتوس Philostratus من منعطف القرنين الثاني والثالث الميلاديين ، من فصم العلاقة الملزمة آنذاك بين البلاغة والشعر من جهة و المحاكاة من جهة أخرى. وهذا لم يكن فيلسوفا ولم ينشيء نظرية للمخيلة ذات منهجية متماسكة الا أنه طرح بضع ملاحظات تبدو اليوم بالغة الحداثة . يشير مثلا الى الفارق بين محاكاة الفن ونتاجات المخيلة. في الفن يستخدم الفنان أدوات كالفرشاة أو الإزميل ومادته يأخذها من العالم المحيط به ولكن قد يحصل أن يرفع رأسه وينظر الى الغيوم. حينها تبدأ مخيلته بتنظيم شتى الأشكال والهيئات التي لم تر من قبل. والتقليد الفني محصور هنا بمسألة واحدة : ما نراه ( أو مارأيناه ) هو تحوير يتم عن طريق المماثلة ، في حين أن الفنتازيا لايحدها شيء ولذلك هي أرفع من المحاكاة. والحال نفسها عندما صوّر فنانو اليونان آلهتهم. فهم لم يلجأوا الى التقليد ( إذ أنهم لم يصلوا الى الأولمب مقر الآلهة ) بل الى الفنتازيا. ومغزى الإنعطاف هو نشوء ميل وليس الى تحرير المخيلة من الواقع المتعرف عليه حسيّا فقط بل من كل واقع فوق حسّي أيضا وكما حصل في الإفلاطونية الجديدة. فالمخيلة حرّة ، وهذا يعني أن الفن سيصبح مثلها. الا أن الإشكالية تبقى في الدائرة الفلسفية في كل الأحوال. فنحن حين نقول عن تصورنا لأشياء جديدة إنما نطلق بلاغة ما ، ولأننا نحن من يتصور أشكالا وهيئات جديدة حسب وليس أشياء. إن الشيء موجود لذاته بمعزل عن تعرفنا. إنه وجود فعلي ولاينشأ بقوة مخيلتنا ولايمكن أن تعيد هي خلقه. فإعادة الخلق تشمل أبعادا معينة. ونحن حين نقول بأننا نتخيل حصانا وليس كشيء بل كشكل . والفارق هنا جوهري جدا. وفي كل الأحوال لابد من أن تتعرض غاية الفن للتبدل. فالفن كف عن أن يكون تطهيرا للواقع بواسطة المحاكاة : لقد أصبح حقل إستغلال لأمكانيات الخلق التخيلية لدى الفنان نفسه. كذلك فهو عندما يثير الأحاسيس لايكون قصده التطهير بل الإقناع تماما كما تكون الحال مع البلاغة. وطالما أن في البلاغة ثلاثة أنواع للإقناع : الأحكام والنصائح والمديح ، فالفن يقترب من هذه الأنواع. وبذلك يتغير مركز الثقل فيما يخص فهم الفن. فليس المقصود الآن تصنّع الوهم الفكري للواقع من أجل التطهير بل البنية التخيلية لغرض إثارة الأحاسيس التي تدفع الى التفكير والسلوك الرشيدين ...
وبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية إنتقل تراث أثينا وروما الى البيزنطيين والعرب بعد ظهور الإسلام. وفي بيزنطه كان الإهتمام ضئيلا بالفلسفة . كذلك لم نكشف، نحن العرب ، في البداية عن إهتمام خاص بها وبالمعرفة عامة. ويعتبر أنه مع العباسيين من مطلع القرن التاسع ميلادي بدأ العصر الذهبي لثقافتنا التي كان من إنجازاتها الكبرى توفير الفرص أمام بقاء وإستمرارية الفلسفة اليونانية بشكل خاص. ألا أن الغزو المغولي في القرن الثالث عشر ميلادي أجهز على فرص التطور التالي لثقافتنا التي إعتبرت ، عامة ، من اللحظات الإنعطافية في تأريخ الثقافة. ومعلوم أننا لم نكن ورثة سلبيين للمعرفة اليونانية. فقد ظهرت بيننا عقول كبيرة أحيت القضايا القديمة وعثرت على حلول أصيلة لها. وفيما يتعلق ببحثنا و بجزئه هذا المكرس للمخيلة لابد من الإشارة الى أن الخطوة الأولى في هذا الإتجاه قام بها أبو نصر الفارابي ، المعلم الثاني . وعالمنا كان يعرف حوالي سبعين لغة وأدخل على النظرية الأرسطوطاليسية لملكات الروح تغييرا بالغ الأهمية. فهو من شيّد نظرية جديدة للمخيلة هي المخيلة الخالقةحيث إستثنى ما يسمى بالحس المشترك senses communis ووضع مكانه المخيلة . وبرأي إبراهيم مدكور كانت ( ثورة ) الفارابي ذات مردودات تمثلت وليس فقط بقيام نظرية جديدة عن المخيلة تملك بالغ الأهمية في الفن بل أن الفارابي قد ترك بصماته على أبستمولوجيا العصور الحديثة وبضمنها التشييدية الكانتية ( مادة التعرف كتركيب أسبقي a priori لأشكال المخيلة مع مادة الإنطباعات ). و معلوم أنه تحت تأثير الميول الهيلينية تم الجمع بين فلاسفة كبار بصورة خاطئة بسبب مؤلفات نسبت خطأ الى أرسطو أو إفلاطون ( مثلا " ثيولوجيا أرسطو " كانت مجموعة شروح وتعليقات وإستنساخات مأخوذة من ( تسعية ) أفلوطين. كذلك هناك كتاب للافلاطوني الجديد بروكلوس نسب الى أرسطو ). وعندما حلل أرسطو أسلوب التعرف لاحظ أنه بالرغم من أن لكل حاسة من الحواس الخمس مادتها المناسبة لخصائصها أي الألوان للبصر أو الأصوات للسمع ، نجد أن كل حاسة تتلقى الظواهر الأخرى مثل الكبر والهيئة والحركة والسكون والعدد أيضا. وهذه الأشياء ( المشتركة ) ليست بالشيء العائد الى أي حاسة من هذه الحواس. ولذلك يقول أرسطو بأنه لابد من وجود حاسة تمسك بالأشياء المشتركة و بفضلها يتم تلقي الإنطباعات المختلفة النابعة من هذه الحاسة وتلك وكأنها تعود الى شيء واحد. وهذه الحاسة هي بالضبط تلك الحاسة المشتركة. الا أن الفارابي يضع بدلها المخيلة ويمنحها وظائف تلك الحاسة. و بالطبع يتم بهذه الصورة إزالة الفارق الجوهري بين ملكة وأخرى. فعلاقة الحاسة المشتركة بالأشياء تكون قائمة على التلقي في حين أن المخيلة لاتملك مثل هذه العلاقة وفي اضعف الأحوال ليس من الضروري أن تقيمها. وقد أحدث الفارابي بنظريته شرخا في النظرية الواقعية للتعرف الحسي ومهّد الطريق لنشوء ما يسمى بنظرية المعرفة التشييدية – الإسقاطية وهي الصفة المميزة لفلسفة العصور الحديثة والمعاصرة أيضا. ووفق الفارابي تقوم المخيلة بتثمين وتنظيم الإنطباعات التي تجمعها وتفرّقها، وفي تكوينها يوائم بعضها الواقع والآخر لايوائمه. وفي نقطة الإنطلاق التي تكون التعرف الحسي قد يصبح الشيء المتعرف عليه مشيّدا من مشيّدات المخيلة ولالزوم هناك لكي يملك شبيهه في الواقع. وهذا يعني وضع علامة السؤال على جميع الأشياء القابلة للتعرف الحسي. والأكثر من ذلك يطلق الفارابي في (المدينة الفاضلة ) صفة المحاكاة على الصور التي كوّنتها المخيلة من عناصر قد تملك مكانها في الواقع. وفي موقع آخر نفهم بأن أثناء النوم حين تتحرر المخيلة من الحواس والعقل قد تحاكي هي الإنطباعات العائدة الى الحواس الواضحة بل قد تحاكي ملكات الجسم . والمخيلة قادرة على محاكاة جمال العالم بأسلوب أكثر تركيزا مما يحصل أثناء التلقي في اليقظة. وما يفرقها عن العقل هو أن عملها ليس بالتأملي . reflective .
أما إبن سينا فأعلن نظرية الإنبعاث عن نشوء العالم العلوي ( الملائكة ) والسفلي ( العالم المادي ). فالملاك جبريل مثلا يقوم بوظيفة العقل الناشط الا أن إبن سينا يمنح بعض الملائكة المخيلة التي تكون بالمقارنة مع الحواس شيئا هو أرفع من الناحية التعرفية . ويميز إبن سينا في الإنسان خمس حواس داخلية تكون الصورمادتها. الحاسة الأولى هي (الحاسة المشتركة ) أو الفنتازيا التي تجمع المعطيات القادمة من الحواس الداخلية،والثانية هي قابلية الخلق التي تتصرف بما يصل الى الحاسة المشتركة وحتى بعد أن تكف الحواس الداخلية عن النشاط ، ثم تأتي القدرة على الحكم التي سميّت فيما بعد بالغريزة وهي تسمح، مثلا، بالتمييز بين الصديق و العدو. وهناك القدرة على التخيل ( المخيلة ) التي تتصل الصور فيها وتنفصل ( التحليل والتركيب ) وفي الاخير تأتي الذاكرة التي هي مستودع المخيلة. ولوحظ أن عند إبن سينا تنشأ مفارقة معينة. فهو يستخدم مرة مصطلح الحس المشترك وفي أخرى تحل محله الفنتازيا. وقد يكون السبب هو الأخذ الكلي بمقولات الفارابي. وفي الواقع فمصطلح (الحواس الداخلية ) لم يكن أرسطويا بل شاع في الأدب الفلسفي العربي بشكل خاص. وفيما يخص عملية التعرف الطبيعية فهي تبدأ بالحواس الخارجية وتمضي عبر الأخرى الداخلية لكي تنتهي بالعقل الذي يخلق الفكرة. الا أن الفكرة لاتنبع من إدراك المضمون في ملموس ( كونكريت ) حسّي تماما مثلما يحصل في نظرية أرسطو الواقعية. إنها تنبع من عقل ناشط وبعبارة أخرى لايملك التعرف الحسي طابعا تمهيديا مبادرا. ولذلك لاغرابة إذا مضت عملية التعرف بالإتجاه المعاكس: الملاك يؤثر على العقل ونتيجة لذلك تظهر المخيلة بالشكل الواضح. وهذه يسهل مسكها. كذلك ستكون هي موائمة للحدس ( بالطبع يقرّب فصل المضامين العامة من الملموسات العامة إبن سينا من أفلاطون الا أن الميز الخاص لما يسمى ب(الحواس الداخلية ) يؤدي بالنتيجة الى إستقلالها عن الاخرى الخارجية قبل كل شيء). وهذه الحالة يسميها بالروح الإلهية. كما أن مضمون التعرف العقلي ( الملائكي ) يؤثر على المخيلة. وتلك التصورات التي لوحظت ستسعى المخيلة الى الخضوع لها بمساعدة الصور والكلمات. ووفق إبن سينا يمكن تفسير هذه العملية ببساطة : طالما أن كل شيء ينهض عن طريق النورانية ، فما هو أسمى يحوي ، لامحالة ، ما هو أدنى ، وفي الفكر لابد من وجود المخيلة والعالم المادي كله بصورة عامة. وفي هذه الحالة يقدر الناس المؤهلون ،كالرسل مثلا ، على إنتهال المعرفة عن العالم من ذواتهم وليس من العالم. والملاك جبريل نفسه لقحّهم بمثل هذه المعرفة ، وبفضلها يملكون الفكرة الصحيحة عن الشيء ومعها التصور المناسب له. وكل هذا يحدث بعيدا عن الفحص الحسي أو التجريدي او الخطاب . فالفكرة – الشكل تتكامل مع التصور.
وبهذه الصورة يضع إبن سينا التخيل وليس فوق التعرف الحسي حسب بل كذلك فوق التعرف العقلي – الخطابي. فالتخيل يسهم ، ببساطة ، في التعرف على الحقائق الإلهية التي نقلها الملاك. ولا تفصل فيلسوفنا الا خطوة واحدة عن الصوفية، وحتى أنه في مؤلفاته الأخيرة أخذ يبتعد أكثر فأكثر عن عقلانية اليونان و( المعلم الأول ) مقتربا في ذات الوقت من الصوفية الغنوصية التي ظهرت حوالي عام 800 ميلادي . فعالم الحواس زائف ولايصل الى الحقيقة شيء غير النفس المطهّرة من الحواس بصورة مسبقة. ومثل هذه الروح هي القادرة على تسلق سلم الملائكة لكي تصل في النهاية الى الرب ذاته. والحقائق المدركة عن هذا الطريق لايمكن طرحها الا بلغة تلجأ الى الرموز والمجازات. ومثل هذه اللغة إستخدمها إبن سينا في مؤلفاته الأخيرة.
معلوم أن إبن عربي هو الذي إنفتح لدرجة أكبر من إبن سينا على التاثيرات الغنوصية والأخرى من الإفلاطونية الجديدة. وكان هو أكثر من حلولي( الحلولية تقول إن الرب هو الكون ككل في حين أن "حلولية " إبن عربي كانت تجد أن الكون هو جزء من الرب أي أن الرب هو أكبر من الكون و لايتطابق معه كما تفيد الحلولية بل هو يحوي الكون ). فالرب هو كل شيء وكل شيء هو الرب. والرب هو حلول في العالم بالرغم من محافظته على تجاوزيته. ولكي نحتوي الرب في هذا الحلول والتجاوزية لايكفي التعرف العقلي وحده. فإبن عربي يجد هنا الحاجة الى تعرف آخر قوامه المخيلة التي تتوسط ، كما معلوم ، بين العالمين الحسي ( المادي ) و الفكري ( الروحي ). كذلك فإذا كانت الملائكة مجرد عقول تكون الغلبة هنا للإنسان، إذ بدون المخيلة لايمكن إدراك الرب في حلوليته. و الإنسان هو ذلك الكون المصّغر وهو يملك ما هو روحي ومادي في حين ان الملاك ليس هو بذاك الكون ، فهو يملك الروحي فقط. ويرى إبن عربي أن هناك بضعة طرز للمخيلة. فقد تكون هي صورة تنشأ تلقائيا أو بإرادتنا أو هي إنعكاسات أو رؤى. كذلك وجد أن الطرز تشمل أيضا أحلاما مرسلة من قبل الرب وتحوي حقيقة رمزية لكنها مباشرة. وكل مخيلة ليست منفصلة أو ملكا فرديا لكل إنسان. وقد وجد الفارابي وإبن سينا العقل الناشط هو عقل مشترك. كذلك رأى إبن عربي المخيلة أمرا مشتركا مما يوميء الى التأثير الواضح للإفلاطونية الجديدة عامة وليس فلسفة إفلوطين وحدها. إن المخيلة هي جوهر ووجود مستقل كائن بين العالمين المادي وغيرالمادي وهي تصلح لتجلي الرب للإنسان . وهنا يقدر الإنسان غير العادي ( الصوفي مثلا ) على إستخدام قوة الإرادة لكسب أشكال معينة من المخيلة التي هي إحتياطي مشترك لكل الأشكال. وبواسطة هذه الاشكال يمكن لهذا الإنسان التأثير على العالم . فالإنسان الذي حقق الكمال بالطبع ، هو كون مصغّر كذلك يبدو كأنه مركز الكون الكبير macro أيضا . ففيه تجتمع كل هيئات الوجود التي تفتح أمام الإنسان الكامل إمكانيات يصعب تصورها . و يذكر إبن عربي بأن هذا الإنسان قادر عن طريق التركيز المناسب أن يحقق كل ما هو كامن potential وممكن . إن مثل هذا الفهم للمخيلة لايعتمد على الفنتزة أي كانت وبضمنها الأستيتيكية بمعناها المعاصر بل المقصود إمكانية الإسهام في مخيلة جوهرية . وفي هذا الموقع تصل المخيلة للمرة الأولى في تأريخ الفلسفة نقطة الذروة وتكتسب بعدا إلهيا أي أنها تتحول الى مخيلة خلق حقيقي . ويرى إبن عربي أنه بهذة المخيلة التي يمكن أن يسهم فيها مثل هذا الإنسان الكامل يخلق الرب العالم . و وثمة تفسير يفيد أن هذا الإنسان يسهم مع الرب في خلق العالم . فالخلق هو تجل جوهري . وبحكم إمتلاك المخيلة لمثل هذه القدرة العظيمة يكون إبن عربي على إيمان بأنها تلعب الدور الرئيسي في نشوء الفن وقبل كل شيء الشعر الذي هو ثمرة نشاط المخيلة الخلاقة التي يخلق الرب بواسطتها العالم . إذن الشاعر قورن هنا بالإنسان الكامل ( اي الصوفي في حالة إبن عربي ) وكلاهما بالرب . أن تجلي الأفلاطونية الجديدة المطعّم بالصوفية الغنوصية قد عمل على نشوء مفهوم أصيل للمخيلة . كما أن هذا المفهوم يختلف عن نظرة أفلاطون الذي منح الجنون مرتبة متميزة . فكامل الفلسفة العربية وجدت أن الإنسان لايملك عقلا فرديا يخشى فقدانه . وكما كان الواقع الحقيقي لدى أفلاطون هو عالم المثل وليس عالم الحواس صارت المخيلة عند إبن عربي أكثر واقعية من الواقع. فالتخيل هو الوجود الحقيقي وليس العالم الحسي القابل للتعرف . وبهذه الصورة تلتقي الفلسفة بالتصوف والشعر في نقطة واحدة هي المخيلة .
عندما هضمت أوربا القرنين الثاني عشر والثالث عشر الفلسفة اليونانية كان العرب من أعد هذا الغذاء الروحي. ويكفي القول هنا إن أوربا عرفت هذه الفلسفة بواسطة التراجم العربية أي أولى التراجم. كذلك فمنذ القرن الرابع عشر كان مفهوم المخيلة الذي بلغ نضجه على يد إبن عربي ، يلقح بصورة تدريجية أكبر العقول الغربية. ففي البدء كان ايكارت Eckhart الذي طابق عين الصوفي بعين الرب. وبعده أصبحت الفلسفة خلقا للمخيلة. وفي النهاية وضعت فوق كل شيء. وكل المصادرعلى وجه التقريب تؤكد تأثير التأمل العربي المكرس للمخيلة على فلاسفة ومفكرين لامعين أمثال جاكوب بويمه J.Boehme وباراكيلسوس Paracelsus ونوفاليس وفيخته و شوبنهاور. وعندما رفع الفن المتحدر من المخيلة الى مرتبة أعلى من العالم والعقل أسمت أوربا ذلك بالرومانسية..
و في الفترة مابين عصري النهضة والرومانسية إختطت الفلسفة الغربية مسارين لها بالرغم من منطلقهما المشترك أي فلسفة ديكارت الذي عندما بحث عن نقطة بدء لاتعرف الشكوك فصم علاقة الإنسان التعرفية بالعالم ولوعلى مستوى الإنطباعات. وبعد ديكارت أصبحت الفلسفة تحليلا أو تشييدا لمحتوى الوعي أي الأفكار. وفي التيار التحليلي – النقدي تصبح الفلسفة أبستمولوجيا على يد هوبز ولوك وهيوم ومن ثم يصل التيار ذروته على يد كانت. وفي التيار الثاني قيّدت الفلسفة الى الأنثولوجيا أي نظرية نماذج الواقع. وعندما إعتبروا أن الصلة التعرفية للإنسان بالواقع الفعلي قد قطعت نهائيا حلت محل هذا الواقع نماذجه المشيّدة التي نلقاها لدى لايبنتس وشيللنغ وهيغل. وترتب على نزع الفعليةعن التعرف دفع المخيلة ، بصورة تلقائية ، الى الواجهة الفلسفية.
وكان التحليل يعني تفكيك ما هو مركب لكي يتم الوصول الى العناصر البسيطة والأساسية. ولكن لكي يتم التفكيك ثم التركيب ينبغي معرفة قوانين الإثنين. ولهذا الأمر تفرغ الفلاسفة المحللون لقضية التعرف الذي كان معزولا عن الشيء الواقعي. وأبسط الوحدات هنا كانت الإنطباعات التي يمكن ربط بعضها ببعض وفصل ما ربط أيضا. وبهذه الصورة يكون ممكنا خلق شتى التشكيلات configurations من الإنطباعات. الا أنه يصعب في الوقت نفسه الإشارة الى فارق جوهري معيّن بين الإنطباعات ومركباتها لتي لها ما يناسبها في الواقع ، والأخرى التي لايناسبها أيّ شيء فيه. وهكذا نشات منذ البداية حالةإزالة الفارق بين الإدراك perception والمخيلة. كذلك كانت الحاجة الى تلك الحاسة المشتركة كمنسّق للمعطيات المستحصلة من شتى الحواس قد إنتفت ، وحلت محلها المخيلة التي تقوم بعملية التكامل أو الفصل. وبهذه الصورة يعلن هوبز أن المخيلة fancy هي حس sense سواء أكانت في اليقظة أو الحلم. أما المخيلة التي تبقى بعد الإدراك فهي ليست الا إدراكا أصابه الضعف decading sense . ومن ناحية المضمون ليس هناك فارق بين الإدراك والمخيلة. كذلك من ناحية الفعل act نجد أنه بالرغم من أن الإدراك قد نشأ نتيجة علة ما خارجية ، ففعل الإدراك والمخيلة هما على السواء فعلان باطنيان ( معلوم أن المقصود بالباطنية هي الأمبيرية المتطرفة التي تجد أن الواقع لايملك وجودا موضوعيا وأن التجربة هي المصدر الوحيد للتعرفعلى العالم ). والآن بأيّ شكل تنشأ هذه المخيلة المركبّة ؟. تحصل هنا مشاركة المخيلة نفسها والتجربة والذاكرة والمشاعر والأحكام. ونشوء مثل هذه المخيلة ليس فعلا ميكانيكيا. فقد يكون عفويا ( في أثناء النوم مثلا ) حينها تكون المخيلة ذاتها محض فوضى أو تكون موجهة بفعل الرغبة و تنشأ حينها مخيلة خاضعة للنظام. وفي ذات الوقت تكون الرغبة قادرة ، كما يرى هوبز، على قطع العلاقات المرافقة والمقررة. ونتيجة لذلك ينشأ شيء جديد ( صلات جديدة ). وبشكل نهائي يطابق هوبز المخيلة وليس فقط بالحواس بل العقل. أما تلك المخيلة المنظمّة جيدا فهي جوهرالفلسفة والفن على السواء . وجون لوك يقتفي خطوات هوبز عندما يفرق بين الأفكار البسيطة والأخرى المركبة. البسيطة منها تنشأ في التعرف الحسي والتأمل على حد سواء في حين أن المرّكبة تنتج عن نشاط العقل. فهذا قادرعلى خلق حالات توفيق combination لاتظهر فيها الأفكار البسيطة. أما دافيد هيوم فيتكلم عن الإنطباعات والإفكار بذات اللغة : الإنطباعات تناسب الأفكار البسيطة لدى لوك. فالعقل قد يعيد خلقها. وهذه النسخ ، كنسخ ، تصبح أفكارا. وكنسخ قد توصل أو تفصل ، أي قد تعمل على نشوء أنظمة جديدة يكون بالإمكان تفكيكها أيضا. ويلاحظ هيوم أن كل فكرة تحوي شحنة شعورية وحتى أنه يجزم بوجود المخيلة في الذاكرة والحواس وعمليات الفهم. ويجد المخيلة كما لو أنها السلطة المركزية هناك. وعلى هذا الضوء تكون عقيمة محاولات الإشارة الى مصدرالفارق الجوهري بين المخيلة ( غير الفعلية ) والعرض introduction ( الفعلي ). فالعقل مسجون في دائرة واحدة لاغيرها : الإنطباعات والأفكار.
لقد كان هوبز ولوك وهيوم على إعتقاد بأن الحكم الذي يصدره العقل هو الذي يسيطرعلى المخيلة. وهكذا فالمخيلة لديهم ليست بالملكة المستقلة تماما. وما يترتب على مثل هذه الفرضية أن للمخيلة القدرة التي يملكها العقل بل أكثر من ذلك : إلتهام المخيلة للعقل!. وهذا كان حكم غيرارد Gerard : المخيلة لاتحوي فقط مضامينا ما منظمّة ربطت فيما بينها بصورة إقترانية ( المقصود هناهو الإقترانية associationism ذلك الإتجاه البسيكولوجي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الذي يجد أن كامل ميكانزم الحياة النفسية هو عمل قوانين ربط التصورات والأفكار ) فهي تحوي الكل وفق خطة ما منظمة. وهذه الخطة قد يقترحها الشعور. والأفراد البارزون (العباقرة ) وهبوا مخيلة فائقة قادرة على خلق تكوينات جديدة متحدة عضويا. أما المخيلة ذاتها فتمضي جزئيا في تيار اللاوعي. و بهذه الصورة تبدو كما لو أنها ( تحفز ) كامل عملية الخلق. وكان غيرارد قد وضع مؤلفين هما ( مقالة في الذائقة ) من عام 1759 و( مقالة في العبقري ) من عام 1774 ، وفيهما أكد على المخيلة و قيامها بالدور الذي لعبه الحكم judgement قبلها. أما الفيلسوف الألماني كريستيان فولف Ch. Wolff فيميّز في كتابه الشهير( البسيكولوجيا الأمبيرية ) من عام 1738 أربعة أصناف للمخيلة : الأولى imagenatio تعيد خلق الأشياء التي سبق أن عرفتها الحواس لكنها كفت عن الحضور ، والرابعة fingendi facculat تجمع الثالثة phantasmata أو تفرقها مما يعطي بالنتيجة المخيلة الثانية phantasma التي لم تلتق بها الحواس أبدا . والمخيلة الأولى معيدة للخلق بينما الثانية هي منتجة. أما ميكيل هيسمان M. Hissmann فيتخطى حدود الإقترانية بالقول إن ما ينشا نتيجة الوصل والفصل ليس بتركيب ما جديد بل هو أكثر من ذلك : إنه وحدة جديدة تبدو الحدود بين عناصرها غير ثابتة. وهذه الوحدة نشأت بفضل ذلك الطراز الثالث من المخيلة أي الخلاقة. وهذه العقدة يتناولها فلاسفة ألمان آخرون يجدون أن مثل هذه المخيلة هي قدرة شعرية . فلدى الفيلسوف يوهان نيكولاس تيتينز J.N. Tetens من القرن الثامن عشر هناك ثلاثة طرز للمخيلة : الأولى هي القدرة على تنسيق وتصنيف الإنطباعات في صور ذات أهمية. والثانية هي معيدة للخلق ، ومثل هذه المخيلة تقدرعلى القيام بتغييرات من خلال وصل ما هو إقتراني قائم في المخيلة السابقة وفصله أيضا. والطراز الثالث هو المخيلة القادرة على خلق تصورات جديدة ينشأ منها الإنطباع بوجود شيء بسيط غير مركب. وكانت خاتمة المطاف هي موقف عمانوئيل كانت الذي وفق التقليد الساري يضع في مكان خاص المخيلة المعتمدة على التجربة الحسية أي التي تعيد خلق التجربة وتقرر الكل بمساعدة العلاقات الإقترانية. أما الطراز الثاني ، وكان من إبتكار كانت ويتساوق مع منهجه ، فهو المخيلة التي توفر إمكانية التجربة وأسماها بالمخيلة التجاوزية. فبدونها لايمكن القيام بأي تجربة ولأن كل تجربة تنشا في الزمكان. و عامل هذا الفيلسوف هاتين المرتبتين وفق مبدأ( الموضوعية ) . وقد وجد السبقية a priori للثانية أي التجاوزية : إنها مخيلة تفرض أسبقية الزمكان على التجربة ، وبهذه الصورة تجعلها حالة ممكنة. وهذه المخيلة تتوسط أيضا بين التجربة ومراتب العقل ذات الأسبقية أي بين نظام التجربة ونظام الأفكار. وكما جاء في ( نقد العقل الخالص ) إن هذا النظام يوفر العالم الزمكاني و لكن ليس كعالم فعلي بل فينومينولوجي .
يرى كانت في الفن وصل ما هو إمبيري بماهو تجاوزي ، وما هو معاد خلقه بماهو منتج ( بكسر التاء ). وهكذا هي المخيلة التي لاتهبنا عالم الطبيعة فقط بل يخلق، على أساس المادة التى توفرها الطبيعة لنا ، شيء ( أي الفن ) هو أعلى من الطبيعة. وعن هذا الطريق تلتقي في التيار الأبستمولوجي الطبيعة بالفن. ومكان اللقاء هو تلك المخيلة التجاوزية .
و من مفاهيم كانت تنشأ وتنمو أنظمة أنثولوجية كبيرة تلعب المخيلة فيها دورا ملموسا. ولديه تملك ، كما ذكرنا ، المخيلة وظيفة ( إنتاجية ) على مستو فينومينولوجي صرف بينما في أنثولوجيات المثاليين الألمان صارت المخيلة تخلق عالما ( فعليا ). فقد إعتبر فيخته الذات النقطة المركزية في منهجه :عدا الذات هو غير – ذات، غير – أنا ، أي كل ماهو قائم في العالم الخارجي عامة. فبين الأنا وغير- الأنا ينشأ تناقض ينبغي تبديده أي توفير الجواب على السؤال : من أين جاءت غير – الأنا هذه ، وكيف يحصل ذلك التبديد ؟. لقد عثر فيخته على مفتاح المعضلة في المخيلة . فهذه ترّكب وتوحّد كل العلاقات الزمكانية ، أما الأشياء فهي محض ظواهر عرضية لتلك العلاقات ، إذ أن جوهر الشيء هو ، وفق ديكارت ، سعة . وعليه فالعالم الخارجي، أي الواقع ، هو نتاج مشتق ( أي غير أصلي ) للمخيلة. من ناحية أخرى فكامل فعالية الذات ووعيها والحياة والشعور بالفردية تستند على فعالية المخيلة. وبهذه الصورة تتحكم المخيلة وليس بالعالم وحده بل الوعي أيضا. إنها ما يتيح كشف مصدر التناقض والذي هو أمر ضروري لظهور أي شيء. فالأنا تحتاج الى غير – الأنا لكي تخلق وتنتقل من حالة الى أخرى ( من الثبات الى الدينامية ). وبفضل دينامية الخلق تكسب الأنا الوعي الذاتي وتتعرف على ذاتها في خلفية أيّ شيء لاتكونه هي. بعد التقسيم الى الأنا وغير– الأنا يحصل تركيبهما في المخيلة. عن طريق هذه الجدلية ينشأ الواقع ويتطو. ولكن في كل الأحوال ليست المخيلة بنقطة الخروج ولانقطة الوصول ، بل الذات والمخيلة القائمة بوظيفة الوسيط والموحّد( بكسر الحاء ) ، غير أنها هنا أوطأ مرتبة من الذات.
ويجابه شيللنغ ذات القضايا الا أن صياغاته مختلفة عن الكانتية وغيرها. فالتعارض يخص هنا فلسفة العقل التجاوزية وفلسفة الطبيعة. ومهمة المخيلة أن تزيل هذا التعارض. فعالم الطبيعة هو ناتج مخيلة الرب الخالقة. وفي هذا الموقع تصل المخيلة الى ذروتها الأنثولوجية. ويرى شيللنغ أنه بالنسبة الى العقل يكون الملموس (الكونكريت ) شيئا محتمل الوقوع potential يصبح فعليا بفضل المخيلة لاغيرها. كذلك بفضلها تقدر الأفكار على الظهور في المادة وبذلك تصبح شيئا واقعيا. وبين الخلق الرباني والآخر البشري ثمة تواز : الرب يخلق العالم بقوة المخيلة ، والإنسان بالعمل الفني. فقوة الخلق الفنية تعود الى الطراز الأعلى من المخيلة والذي يستحقه الإنسان. وشيللنغ الحلولي ( وهي حلولية كالتي أخذ بها إبن عربي ) يذكر بأن هناك ربا واحدا يخلق بفضل المخيلة كل شيء. إنه كائن في كل شيء. والعقل يمثل الرب كواحد بينما المخيلة تقدمه كالقادرعلى كل شيء. فبفضلها يتحقق حضوره في كل شيء. والمادة مصاغة بقوة المخيلة الربانية ، بصورة مستمرة ، ولأن الروح ثرّة بالمادة التي جاءت نتيجة لجمع قوى العقل والمخيلة. أما الطبيعة فلها خصيصتان : إنها تصوغ قوة المخيلة ، وكونها رموزا ملموسة حسيا. ويفرق شيللنغ بين سلطة المخيلة الخالقة للرموز وبين الشيء الحسي. فالأولى هي المخيلة الربانية التي تكون وصل ماهو فعلي بما هو مثالي. إن الأشياء المادية أي التي خلقت بفعل قوة المخيلة الربانية هي رموز العالم المثالي ، والإنسان حين ينظر بمساعدة المخيلة الى الطبيعة كظاهرة رمزية قد يلمس الفعلية والمثالية معا. ولأن نظام العالم ينشأ كنتيجة للحاجة الضرورية الىموضعة الرب ، نجد أن على الإنسان الذي هو بحاجة الى مثل هذه الموضعة أن يخلق الفن الذي يكون بالنسبة للإنسان مثل الطبيعة بالنسبة للرب. وعندما يكون العمل الفني نتاجا لعبقري يصبح الإنسان ، لامحالة ، جزءا من طبيعة الرب المطلقة. والموضعة أي تحقيق الذات هو أمر ممكن عن طريق الخلق حسب. والمخيلة تتيح النقل التحويلي للذاتوية. أما العمل الفني الذي هو موضعة ذات الإنسان فيصبح حينها جزءا فعليا من الكون . وفي مؤلفه المعروف ( فلسفة الفن ) يواصل حججه بالقول إنه من خلال الفن يتحد الإنسان بالرب وينال الخلاص .. فمخيلة الإنسان تلتحق حينها بالأخرى الربانية. كذلك فالفلسفة ذات مرتبة أوطأ من الفن ولأنها تحوي جزءا من الإنسان، أما الفن فيحويه كاملا. ومن هنا يكون الفعل الأسمى الكاشف للحقيقة هو الفعل الفني ، فعل المخيلة وليس العقل. والخطاب التقليدي لشيللنغ يتكشف بكل وضوح في كلامه عن المخيلة : في الفن يلقى الخلق الرباني تقديما موضوعيا. فهذا الخلق يعتمد على مثل هذا النقل للمثالية اللانهائية الى ما هو فعلي. وعلى هذا الشيء يعتمد الفن أيضا. وفي الكلمة الالمانية ( Ineinbildung ) تعني قوة المخيلة، قوة الجمع التي تحرّك كل خل . وهكذا تنغلق دائرة التأمل المثالي – الصوفي. فشيللنغ يعود الى المواقع القديمة للفلسفة العربية ، وخاصة الى إبن عربي ، حيث يعاد الإعتبار للمخيلة كمركز خالق للطبيعة والفن على السواء.
أكيد أن مثل هذا العرض السريع لشتى الخطابات المكرسة للمخيلة لابد أن يشمل مواقف ما يسمون بالشعراء الميتافيزيقيين عامة. فللشاعر من هذا الصنف ، وبالضبط الرومانسي ، وعيه العميق بالكهانة والنبوة وكونه من يكشف الحقيقة الأعمق . فبقوة المخيلة يحلق هو في العوالم الأخرى و ينشيء واقعا جديدا على حساب عالم اليومي الذي يكن له ذات الإحتقار الذي يكنّه لقدرات العقل. فالمخيلة هي الأعلى وهي فوق العقل والعلم والفلسفة. وبهذه الصورة كانت تطرح أبعاد شخصية الشاعر الرومانسي. وفي الواقع كانت الفلسفة بالذات ما أنبت الريش في جناح هذا الشاعر الرومانسي، إذ هي التي خلعت الميتافيزيقا عن عرشها ووضعت تاجها على الفن.. ويقول وليم بليك ( إن المخيلة تعد بالحرية والخلاص وهي من يخلق وليس الفن وحده بل الميثولوجيا والدين أيضا ). وحياة المخيلة هي الحياة الفعلية، فبواسطتها يخلق الواقع الذي ندركه. ويكتب في (رؤيا يوم الحساب Vision of the Last Judgemen ) من عام 1810: ( لكل الأشياء كينونتها في المخيلة البشرية ... ولاوجود فعلي الا للأشياء الذهنية .. ). والآن أين الوجود خارج العقل والأفكار ؟. يذكر بليك مقتفيا خطوة إبن عربي ، أن الكون بناء لمخيلة الرب والإنسان المشتركة. وعلى هذا الضوء يكون التعرف على قوة المخيلة وشمولها بالوعي هما الخطوة الأولى صوب ( الخلاص). بالطبع يقدم بليك هنا تفسيره الخاص للإنجيل بل نجده لايتردد في القول بأن في المسيح يصبح الرب والإنسان واحدا ولهذا السبب يكون الرب إنسانا وهذا ربا ... وكان بليك ذا إطلاع واسع على كتابات غنوصيين أمثال بويمه وباراكيلسوس ومايستر Meister وبيكو ديللا ميراندولا P.della Mirandola وسويدنبورغ Swedenborg وآغريبا فون نيتيزهايم A.von Nettehein . وقد ردد أقوالهم حول ان السماء كلها هي مخيلة ، والإنسان هو من يتصور نفسه بأنه ذلك الإنسان. ووجد بليك أنه بقوة المخيلة يكون بقدرة الإنسان أن يتسامى على طبيعته الساقطة بسبب ( الخطيئة الأولى ) ، ويحصل هذا الشيء بفضل الرموزالتي حين تجمع الطبيعة بالمثل الربانية تكون قد أعدت التقدمة كما في فروض الديانة المسيحية ، و بمشاركة الرب .. إذن يعيد الشعر ، وليس العلم والتقنية ، الفردوس المفقود. و إعتبر بليك انه لايمكن فصل المخيلة عن الحب فهما في حالة تكافل. والحب يمكن الكائنات من أن تلحق من جديد بالخالق. كما أنه قادر على أن يشبع الكون كله ب( هارمونيا الرحمة ). ويشير بليك هنا الى أصل الكلمة القرآنية ( الرحمن ) وهي نعت الخالق الأوحد. وبإعتقاده أنه إذا كان الرب يحيا في قلوب البشر وعقولهم فإنالحقائق القائمة فينا هي أبدية ولايتكرس لها الا الفن الرمزي. ويضرب مثلا على ذلك بالأناجيل الأربعة المليئة بالرموز والمجازات (المعبّرة عن كل ما هو كائن وماسيكون ). والشاعر الحقيقي هو الشاعر المنذر بالكوارث شأن القديس يوحنا ، القادرعلى الكشف عن الحقيقة وقراءة المستقبل باللجوء الى الرموز. أكيد أن مثل هذا الخطاب يدفع العالم المحيط بالإنسا الى زاوية الإهمال. ونجده يقول جهارا : ( المخيلة هي عالمي. أما هذا العالم فهو مزبلة لا أكترث لها ). و معلوم أن لخطاب بليك مصدرين : الإنجيل و المعرفة الباطنية. وطالما أنه في المذهب البروتستانتي يكون مسموحا لكل مؤمن أن يفسر الكتاب المقدس بكل حرية ، قام بليك بمقارنة الشاعر بنبي توراتي. وإذا لم يكن هناك أي فارق بين الشعر والدين يكون ممكنا أن نطعم المخيلة بشتى العقائد الدينية والرموز. إلا أن مثل هذه الخليط يجعل من الشعر معرفة باطنية مقصورة على المختارين القادرين على أن يفسروا طلاسم ربط العقل بالايمان. ولم يبتعد شيللي كثيرا عن بليك حين وجد أن المخيلة تخلق العالم والإنسان نفسه ( أبدل هنا الإدراك بالخيال في معادلة بيركلي المعروفة ) . كذلك فمخيلة الإنسان هي جزء من العقل الكوني الذي هو الجانب الإلهي من طبيعة الإنسان، وعليهما تعتمد آلوهيته ، أما الشاعر الذي يقدر على إيضاح هذا كله يكون حينها عبقريا .. فالمخيلة ، شأن المغناطيس ، تبعث بشعاع غيرمرئي يوّحد كامل الوجود ويبث فيه الحيوية .. وهذا ما جاء في قصيدة له . فنبوية المخيلة تعين في إستشفاف الحقائق المثالية التي يرى الشاعر المستقبل على ضوئها. ويرى شيللي أن الشعراء كانوا خالقي الشرائع ومؤسسي المجتمعات ، ويجزم بأن المخيلة هي أرفع من العقل والوعي وعليها أن تعمل بدون أي سيطرة من جانبهما. وبحكم رفعتها تلمس هي ما يعصى على الفهم. وبحكم كونه جزءا من العقل الكوني يعزف الشاعر اللحن الإلهي الذي يكشف أمامه أسرارالكون وكل ماخلق ، وكان شيللي مؤمنا بأن المخيلة الشعرية قادرة على أن تعيد اللغة الأولية التي سبق أن تفاهم البشر بها وقبل أن يخلط الرب ألسنتهم حينما أصابهم هوس بناء برج بابل. . وهذه اللغة هي عالم شمولي للرموز والصور السحرية. كذلك يكون الشاعر ذا قدرة على أن يعيد قرن البشرية الذهبي أي ما قبل سقوط آدم. الا أن مثل هذا الزمن سيستمر طالما هي مستمرة أعمال المخيلة . وتصبح نفس الإنسان مخيلة في حين أن العقل هو محض جسد وكما يقول شيللي بصورة لاتخلو من المفارقة.
والشاعر المتفلسف الآخر كان كولردج الذي يميز بين مخيلتين تكون مهمة الأولى الإدراك والتعلم. وهي تخلق الرموزالت

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
التعبير
 
- إن جوهر الخلق هو الإنفعال . هنري برغسون
 

يختلف أصل كلمة ( التعبير ) اللاتينية تماما عن أصل الكلمة العربية. ففي اللاتينية تنحدر من ( ex- primo ) أي يعصر ، يهرس ، يضغط الا أنها كانت تعني أيضا ( expressio ) : أن تعطي هيئة ، شكلا ، أن تصف ، أن تقدّم ، أن تدرك حسيّا ، أن تحاكي ، أن تستلهم ، أن تجهر. وفي الواقع فالفعل العربي( أن تعبّر ) يملك ذات المرونة اللاتينية أي بمقدورنا أن نستخدمه للتعبير عن الرأي والشعور والرغبة. وخلافا للكثير من المصطلحات الفلسفية أخذت كلمة (التعبير expression ) تملك أهمية تقنية في زمن متأخر نسبيا ( في حقبة الباروك الأوربي ). وكانت للكلمة صلة بالفن أكبر من صلتها بالفلسفة. ويتميز فن الباروك ( النحت والتصوير ) بالدينامية المرتبطة بغنى الأشكال والألوان والحركات. وشخوص هذا الفن قدّمت بشكل موح بل مسرحي ( أي مصطنع ) الجانب الإنفعالي من حياة الإنسان. وتصلح كلمة ( التعبير ) اللاتينية تماما لهذا الفن. ويقول لي برون Le Brun إن التعبير كجزء من الصورة يظهر حركات الروح ويكشف للعيان عواقب الهوى. أما بيل Pilles De فيضيف بالقول إن التعبير هو فكر القلب البشري. وفن الباروك هو فن تعبيري لأنه يكشف المظاهر الخارجية لكامل غنى الأحاسيس الإنسانية. وفي الحقبة الرومانسية عندما إنتقلت النبرة من العمل الفني الى شخص خالقه أخذ ( التعبير ) يعني وليس فقط المشاعر بل كامل نفس الفنان والتي على العمل الفني أن يكون موائما لها ، أي ينشأ هنا نوع خاص من ذاتوية التعبيرالمكرس للجانب المعتم الخفي الذي لم يتم فحصه جيدا بعد. وفي كتابه ( الأستيتيكا والنقدية ) يشير أوزبورن Osborne الى علاقة المفهوم الرومانسي للتعبير بالفردية التي كان قد بدأ ظهورها في حقبة الرينيسانس. ويذكر ان مفهوم الفن كمزاج للتعبير ولغة للمشاعر والإنفعال قد تطور بعدها على يد كبارالرومانسيين أمثال غيته وشيللر وشوبنهاور وغيرهم. وفي الواقع كان هاجس الرومانسيين هو العودة الى حياة الإنسان لما قبل العقلية والتي وجدوها أكثر سموا وصدقا من الأخرى الفكرية.ويجد ر. جي . كولنغوود R.G.Collingwood في كتابه( مباديء الفن The Principles of Art) أن كلمة (التعبير) أخذت تنقض معناها الكلاسي منذ أن (تحررت ) الأحاسيس من سلطة العقل. وفي نهاية القرن التاسع عشر ظهرت تيارات وجماعات فنية دعت الى التعبير ك(موتيف) رئيسي في فنونها. و حصل هذا الشيء في فرنسا بالدرجة الرئيسية . وبدأ هذه النزعة غوستاف مورو G.Moreau حين كان إستاذا في مدرسة الفنون الجميلة (البوزار ) في السنوات ما بين 1891 – 1898. قال مورو بأن الرسالة الكبيرة للفن والمهمة الحقيقية لكل فنان هما ( التعبير عن الذات ) . والرأي ذاته نلقاه لدي هنري ماتيس. ومصطلح التعبير دخل الفلسفة في بداية القرن العشرين وإكتسب معنى تقنيا بفضل فلسفة كروتشه أولا. وقد دمج الفيلسوف الإيطالي التعبيرفي نظرياته الأبستمولوجية والأنثولوجية. ووفقه تكون الإحالة الرئيسية في الفن ليس العقل بل المخيلة التي تحقق التكامل بين الأحاسيس والتعرف وتقودها الى حالة الكشف بهيئة التعبير. وكان كروتشه ( مابعد هيغلي ) توجهت آراؤه صوب نموذج معين للواقع كان صانعه هيغل الذي وجد الواقع هو المطلق ولكن ليس الواقع الستاتيكي والبسيط بل المرّكب والدينامي. ولهذه الدينامية مصدرها في التناقض الداخلي المميز للمطلق : في المطلق يتطابق الوجود مع اللاوجود. ومثل هذا التناقض لايمكن الحفاظ عليه في حالة توازن، إذ أن كل واحد من عنصريه يستثني الآخر. ولذلك يخضع المطلق الى الحركة. والحركة هي الخروج من التناقض وتتم وفق قوانين الديالكتيك : الفرضية – ضد الفرضية – التركيب . والتركيب يصبح ، بدوره ، فرضية لضد الفرضية وهكذا دواليك. ويمر المطلق بدورة معينة لكي يعود الى ذاته. والفن يظهر في نهاية الطريق كتعبير حسي للروح التي تتطابق مع ذاتها. وهكذا لايضع هيغل المخيلة في أعلى موقع كما فعل سابقوه ، بالرغم من أنها أعلى من الطبيعة والروح الذاتية والأخرى الموضوعية.
ويتفق كروتشه مع هيغل بأن الواقع هو لاشيء غير المطلق المتطور. الا أنه يدخل تصحيحاته على كامل النظام الهيغلي. والنقطة الرئيسية هنا تخص حالة الملموس الذي عامله هيغل بكل إستخفاف. فبالنسبة له كان أهم شيء هو منطقية نظامه وعلى العكس من كروتشه الذي أعار بالغ الأهمية للملموس. ومن هنا نقده لهيغل. ومعلوم أن كروتشه إستند في نظريته إلى آراء فيلسوفين : الإسكتلندي جون دنز J.Duns والإيطالي جيامباتيستو فيكو G.Vico . الأول وجد أننا نلقى في وجود ملموس أشكالا متراكمة لكنها ليست في أحوال تناقض. والطبقة الأولى من هذا التراكم هي شكل الوجود كوجود. وهذا الشكل لا يملك أيّ جبرية و لا أيّ تناقض ، و يليه شكل المادة ثم الجسد وبعده أشكال الحياة النمائية vegetative والحسية. وفي الأخير هناك شكل الحياة العقلية وبها نصل الى جنس الإنسان وليس الى إنسان معين. فللوصول الى ذلك نكون بحاجة الى شكل نهائي كونكريتي أسماه دنز ( haecceitas أي مبدأ التفرد ). وهذا الشكل لا نتعرف عليه لامفهوميا ( فالمفهوم يخص العام ) و لاحسيّا ( فالحواس تتناول صفات ثانوية )، ولذلك لابد من التعرف على الكونكريت حدسيا. أما فيكو الذي جرفه تيار الديكارتية المتمثل بفلسفة تمجيد التعرف من الطراز الرياضي ، فيسعى الى إضافة قيم جديدة للتعرف الشعري. ومعلوم أن الطريقة الشعرية في النظر الى العالم والإنسان والآلهة كانت في تأريخ الإنسان فترة حاسمة. فقد كانت الأولى. وحينما أصبح الشعر ميدانا للمخيلة شمل جميع حقول الثقافة كالميثولوجيا والدين والكوسمولوجيا والميتافيزيقا والمنطق والأخلاق والفيزيقا. ومع مرور الوقت أخذ كل حقل من الحقول المذكورة يحقق إستقلاله. وكانت الفترة الشعرية فترة التحسس الشعوري – التصوري لكثير من الحقائق. فالشعراء كانوا حواس البشرية. وعندما عبروا بمساعدة اللغة كانت اللغة الشعرية اللغة الأولى للبشرية أيضا. واللغة والشعر صارا شيئا واحدا من ناحية الجوهركما يقول فيكو في كتابه الشهير( العلم الجديد ). أما كروتشه فيرّكب فيكو ودونز. ويقول إن التعرف الأول هو الشعري وليس الفلسفي أي أنه الكونكريتي. ويذكر أن هناك طرازين من التعرف.الاول مرتبط بالحدس ، والثاني بالمنطق. الأول ينشا بمساعدة المخيلة ، والثاني بمساعدة العقل. الأول يتناول الكونكريت ، والثاني العام. الأول يخص الأشياء المنفردة ، والثاني الصلة بينهما. وفي الأخير يخلق الأول المخيلة بينما يخلق الثاني المفاهيم.
ويملك التعرف الشعري بنية مركبة لكن عناصرها تظهر بصورة غير متعاقبة بل تزامنية. وهذا التعرف حدسي – تعبيري في ذات الوقت. وفي هذا الموقع تأتي جدّة كروتشه ولو أنه يصعب إيضاح مفهومه الى النهاية : لاحدس بدون تعبير ولاتعبير بدون حدس .. الحدس هو تعرّف تصورّي للكونكريت. وكل تعرّف من هذا النوع مشبع بالشعورالذي بدونه لاوجود للحدس. وكما يقول كروتشه يمنح الإحساس الحدس الإحكام أو التماسك والوحدة ، وهو ينشأ من الإحساس ومن خلاله. ولذلك فليس الإحساس عنصرا خارجيا ألحق بصورة مفتعلة بالحدس. فلابد للحدس من أن يحوي الإحساس ، ولا يمكن التحسس بدون حدس. ويقول إنه لكي يكون الحدس حدسا ينبغي أن يكون قد عبّر عنه أي عليه أن يكون مصوّرا بفضل المخيلة. وعند إفتقاد التعبير يختفي الحدس ، وعند الإفراط في التعبير يصبح الحدس فارغا. ويستنجد كروتشه بمصطلحات عمانوئيل كانت حين يمنح الأسبقية للتركيب. واللغة التي تحوي مثل هذا التركيب بأعلى درجاته هي اللغة الشعرية ، اللغة الغنائية حيث تتداخل في نسيجها الكلمة والإحساس والصورة. وهناك لغة أساسية وأولية يكون فيها الإحساس مصوّرا، والصورة هي صورة تم التحسس بها. ومن هذه اللغة تبدأ حياة المطلق. ويرى كروتشه أن الروح هي المطلق الذي يمر بشتى المراحل ( وفي هذا المكان بالذات يبقى الفيلسوف الإيطالى حلوليا مخلصا لهيغل ). والمرحلة الاولى هي المرحلة الشعرية ( وهذه أخذها من فيكو ) ، والثانية هي ما يسمى بالتركيب المنطقي وبعده يأتي التركيب العملي. في البدء يتعرف الإنسان ( و بالأحرى المطلق ) على الكونكريت تعرفا حدسيا – شعوريا – تعبيريا ثم يقوم بتجريد العام من المخيلة التي كان منصهرا فيها تماما. وبعدها تنقل الصور والمشاعر والمفاهيم الى منطقة السلوك الأخلاقي ويتحول الإحساس الى رغبة. وحركة الروح هي حركة المطلق نفسه والذي يمر جدليا ودوريا بالمراحل التالية في الطريق الى تركيب التراكيب أي الى المطلق ذاته. الا أن الحركة لاتتوقف ، إذ تعود الى المرحلة الأولى وعلى هذا المنوال الى الأبد.
إن الشعورالذي يتكلم كروتشه عنه لايمت بصلة الى المشاعر ذات الأساس الفيزيولوجي – النفسي. كذلك فالحدس ليس تعرفا على الملموس كشيء فعلي قائم خارج وجودنا. فكونه مرتبطا بصورة جوهرية بالمخيلة إنما يخلق مثل هذا الملموس. ويقول كروتشه إن على مستوى الحدس ينمحي الفارق بين الفعلية واللافعلية ، أما التعبير فليس تعبيرا عن المشاعر مثل البكاء المعبّر عن الحزن أو الألم ولا تقديما كما في التصوير العادي. فعلى الحدس أن يحوي ، تدريجيا ، عنصرين : الصورة والشعور. وفي هذه الحالة فقط تكون البداية لطريق الروح أما الفن االذي يحوي مثل هذا التعبير فيكون فنا بكل معنى الكلمة. ويقول إن بمقدور الفنان أن يستفيد من أعمال الأخرين ولكن كمادة ينبغي إشباعها من جديد بالشعور الحقيقي. ومثل هذا الشعور يقوم بوظيفة بث الحيوية في العمل الفني ، وفي حالة إفتقاده أو طرحه بصورة مفتعلة يصبح العمل ميتا. فبفضل الإستمرارية الشعورية تكتسب الصورة صفات التعبير بالرغم من إرتباطه بنموذج ما. وفي حالة العكس لايعدو كونه إستنساخا يبتعد عن الفن الحقيقي.
بناء على ذلك فالمخيلة هي واحدة : الربانية. وهي المصدر الأولي pre- الذي تنهل منه الأشكال والواقع والثقافة أيضا. والأخيرة هي الواقع أيضا. ومن المخيلة تنشأ الطبيعة والشعر، ومن الشعر تنبجس الأخلاق والعلم. لقد وجد هيغل أن القدرة ، أو القوة ، التي تلد شتى هيئات الوجود والثقافة ، تملك فكرة عن الوجود المتناقض داخليا، أما إفلوطين فقال إن القوة المولدة تعود الى ما هو خارج الوجود بينما وجدها إبن عربي تعود الى المخيلة. وكروتشه كرر إكتشاف فيلسوفنا أيضا. وفي الواقع يعود كلا الحلين الى شكل من أشكال الحلولية وفق تفسير إبن عربي حيث لاتكون المشكلة الأساسية تفسير الحقائق الفعلية بل العثور على المبدأ الأولي الذي يكون ممكنا بمساعدته إحياء كل شيء. أما المخيلة فيبدو أنها المصدر المناسب لخلق الوجود. ووفق إفلوطين تأتي ضرورة الإنبعاث من طبيعة الخير ، والخير كخيرعليه أن يمنح أي عليه أن يكون ( معديا ) . ويرى كروتشه أنه ليس بمكنة المخيلة أن تكون مخيلة إذا لم تتخيل وبذلك تقوم بفعل التعبير. وبالقدر الذي تكون فيه حلولية إفلوطين ذات طبيعة أخلاقية ( الخير ) تكون لدى هيغل فكرية ( الحقيقة ) ولدى كروتشه إستيتيكية (الجمال ). وبكروتشه إنتهت حقبة الأنظمة الفلسفية الكبرى. فالمخيلة أصبحت موضوع إهتمام علماء النفس ، وبدل مفهومه عن التعبير أصبحت هناك شتى السياقات التي تظهر فيها هذه الكلمة. ويميز أوزبورن ثلاثة من بينها . الأول هو عملية التعبير كتعبير ذاتي أي التعبير عن الذات أو أن العمل الفني يعبر عن شخصية الفنان. والثاني هو أن العمل الفني يعبر عن الأحاسيس والمزاج والموقف الإنفعالي بمساعدة الحركات والأشكال والألوان والأصوات إلخ. والثالث هو أن العمل الفني يرمز الى حالة عقل الفنان. وفي كل الأحوال يتكرس التعبير للجانب الإنفعالي – التخيلي من حياة الإنسان سواء أكانت هذه الحياة قد شملها العمل الفني أو كونها تمثل ( حالة عقل ) الفنان. وكما هو معلوم لاتعني كلمة عقل mind الإنجليزية البتة العقل اليوناني ratio.
عندما تكلم إفلاطون عن الشعر أعلى من شأن المخيلة لكن على حساب عقل الإنسان وليس العقل عامة. والإفلاطونيون الجدد جعلوا المخيلة مستقلة كواقع مشيّأ. وفي الواقع همّش إفلوطين الفكر لكي تنشأ علاقة أوثق للمخيلة بالواحد المسبق. والفلاسفة العرب وضعوا المخيلة في مكان الحاسة المشتركة. وكانت النتيجة أن أصبح التعرف الحسي ذا طبيعة بنيوية. وهذا شجع إبن عربي على أن يطابق المبدأ الأولي pre- نفسه بالمخيلة التي ينشأ منها العالم ويملك الفنان إسهامه عندما يخلق أعماله. ومنذ الرينيسانس صارت المخيلة من أولى الإشكاليات في الكثيرمن أنظمة الفلسفة الأوربية. وبروح العقلانية بدأ الفلاسفة بصياغة فرضيات شبيهة بالأخرى من ميراث الإفلاطونية الجديدة والفلسفة العربية : المخيلة العليا تخلق عالم الطبيعة والثقافة ، وكل شيء هو مظهر للحياة الإلهية. فإبن عربي وشيللنغ وكروتشه يصلون الى رؤى متقاربة ، وكلها تنحدر من الحلولية التي كان لها جذب قوي وخاصة لدى الفنانين الميالين الى الصوفية والروحانية عامة ، فهي تمنح فنهم البعد الديني الخالص. ولاغرابة هنا في أن تصبح المخيلة معبود العصور الحديثة وعلى حساب العقل الذي أخضع لنقد بالغ الصرامة. والحجة هنا هي أنه بشري وعاد وضيق الأفق بسبب مساراته النفعية والعقائدية. أما المخيلة فهي على العكس : إنها تفتح آفاقا سماوية غير متوقعة وغير محدودة الإمكانيات ، ومغلقة على العقل تماما ، كما أنها خلاقة على الدوام ، وهكذا نحن نعيش في عصر المخيلة. وطيلة أكثر من من 25 قرنا كان السائد في المنطقة الغربية التعريف القائل بأن الفن هو مهارة الخلق الموّجه بالعقل ، أما اليوم فلا أحد يتكلم عن المهارات بل عن الموهبة ( عن العبقري ) ، لاكلام عن العقل ولا عن إعادة الخلق ( بالمعنى الأرسطوطاليسي ) بل صار التكرس للمخيلة والخلق الشبيه بالرباني. وإذا أردنا أن نعثر هنا على مكان للعقل ينبغي في البدء تنظيم المسائل المتعلقة بالمخيلة. و في الحقيقة يعني رفع المخيلة الى هذه المرتبة العليا حالة قريبة من سوء الفهم ولسبب يبدو بالغ العادية : للمخيلة جهاز جسدي وهذا يعني أنها مرتبطة بوجود فردي تماما فعين زيد هي ليست عين عمرو. وفي الحقيقة يدفعنا المفهوم الأرسطوطاليسي حول الوجود الى السؤال : أليس العقل الناشط هو شيء مشترك لكل الجنس البشري في أحيان عدة ولكونه غير مادي ؟. أرسطو لايحدد الى النهاية هل أن العقل الناشط هوغير مادي أو الوحيد الذي خصص لكل الجنس البشري ( وهذه كانت فرضية الفلاسفة العرب ) أم أن لكل إنسان عقله ( وهذا ما أعتقد به توماس الإكويني ). وقد يكون ما دفع المعلقين على فلسفة أرسطو الى الخطأ مقارنته العقل بالضوء الذي هو حقيقي عندما يسمح بإظهار اللون ( في حالة العقل تكون الحقيقية عندما يسمح بالكشفعن المضمون العام في تصور ملموس) ولكن ليس على الضوء أن يكون حقيقيا إذا كانت هناك مصادر للضوء كثيرة : شمس واحدة - عقل واحد ، و لأن إحتمال تعدد المصادر هو أمر وارد . وكما لاحظ الإكويني فكل إنسان يتعرف بواسطة عقله الخاص. إذن عدد العقول الناشطة هي بعدد البشر. أما المخيلة التي تملك جهازا ماديا فعليها أن تعود الى وجود فردي ، تماما كما الحال مع الرؤية : لا رؤية بدون العين. وبرأي العقلانيين ومن يقف بالقرب منهم أيضا فإن مثل هذا التفسير وحده الذي جاء به افلاطون وافلوطين يصل في النتيجة الى مثل هذا المسخ الفلسفي بنظرهم : المخيلة التي تعلو على العالم. كذلك يجد هؤلاء أن الحدود قد رفعت هنا بين الفلسفة والدين والميثولوجيا والممارسات الغيبية. فالمخيلة ليست بأيّ وجود قائم بذاته بل ملكة ملموسة من ملكات الإنسان لقيت التفعيل في جهاز مادي. وإذا كانت المخيلة محرومة من نشاط أيّ حاسة تكون حينها معدومة الصورة أي أنها لاتؤدي إحدى وظائفها الرئيسية وهي الإحتفاظ بالصور التي تصلها من الحواس. ومن هنا صلتها القريبة من الذاكرة. والمضامين الكائنة في المخيلة ليست بأشكال لها إمتياز الأسبقية وذات منحدر غامض. إنها مضامين يكمن أصلها في عالم مدرك حسيا. وفي جميع الأحوال تكون المخيلة قادرة على خلق تكوينات لم تر من قبل. وكما يقول الإكويني يكون بمكنة نفس الإنسانالقيام بعمليات الفصل والجمع والتي تصبح نتيجة لها ، التصورات المصاغة للأشياء التي لم ترها الحواس. والمثال الكلاسي هنا تصور ( الجبل الذهبي ) والذي نهض بفضل جمع تصور الجبل بتصور الذهب بالرغم من أننا لم نر مثل هذا الجبل من قبل ، لكن علينا أن نرى قبلها الذهب والجبل لكي نصوغ التصور الجديد الذي لا نحتاج ، لغرض الصوغ ، الى طراز من المخيلة جديد وأكثر علوا كما ظن إبن سينا ، إذ يكفي وجود هذه المخيلة نفسها والتي تحفظ صور الأشياء التي تعرفت الحواس عليها. وأمبرتو أيكو تقنعه نظرية (الوصل والفصل ) الإكوينية التي يجدها تبسيطا بالغا لكامل تعقيد عملية الخلق المعاصرة.
إذا كان الفن يحدده العقل بمعناه الكلاسي فليس المقصود عقلا صرفا خالقا للفن بل العقل الذي يوّجه عملية الخلق التي تتكون من عناصر كثيرة. وطالما أن الفن بحاجة الى المخيلة فعلى العقل السيطرة عليها. وبدون العقل قد يقود الفن القائم على المخيلة وحدها الى فن يعكس تشتت الحالات المرضية. وهذا هو جوهر ثقافة البحر المتوسط التي إكتشفت العقل في الفن أيضا. وفي الواقع لاتخلو الإشكالية من أحوال سوء الفهم : يقال مثلا إن المفهوم القديم يجد الفن خلقا وفق القواعد والتعليمات وأن كل المهارة تعتمد على معرفتها. وكانت الفكرة الهادية هي أن الإنسان يتعرف ثم ينشط وبعدها يخلق. وهذا الخلق هو الفن الذي يكون مفهوما بالقدر الذي يكون فيه بشريا ( فإذا نشطت قوى غير بشرية لايكون الناتج فنا ). وعلى ضوء هذا التعريف شمل الفن ( أي الإبداع بمعية العقل ) نتاجات تكمل الطبيعة وأخرى تحاكيها أو تخلق أشياء جديدة لامقابل مباشرا لها في الطبيعة. ولذلك إنتمت الى الفن حقول خضعت للتصنيف والتقسيم وفق معايير جديدة. وكانت الزراعة والطب والعمارة والنحت والمنطق من الفنون لدى اليونانيين مثلا. ففيها جميعا يحصل نشاط خلق . وفي الواقع كان أرسطو نفسه قد إنتبه الى الفوارق بين هذه الحقول. الا أنه مع مرور الزمن إكتسب مفهوم الفن تحديدا ذا دقة أكبر. فبعض الفنون أصبح نموذجا وفي مقدمتها الطب والمنطق. فهيبوقراطيس يضع تعليمات تخص معاملة الطبيب للمريض والتي إعتبرت فنا له قواعده الخاصة. أما المنطق فوصل الغرب عن طريق العرب. وكانت أولى الكتابات التي عرفها الغرب هي ( منطق ) أرسطو. وهذا المنطق كان فنا( Ars Logica ) لأنه مهارة ينبغي تعلمها. كذلك فلهذه المهارة نتاجها ( خلقها الفني ) المتمثل بالإستقراء والحكم وإلخ. وبهذه الصورة لم تفرق اليونان بين المهارة والفن بالرغم من معرفتها بالفروق التي لم تجدها دافعا يكفي الى الفصل النهائي بين الظاهرتين.
لم يكن أرسطو متطرفا في عقلانيته . فهو القائل بأن العقل يلقى العون في المخيلة وحتى حين يفكر بشيء لايمكن تصوره. بالطبع لم ينف الفارق بين الأثنين ( العقل مادي والمخيلة غير مادية ). كذلك كان هو القائل بأن أسلوب الفهم مرتبط بالحواس. وفي ( البويطيقا ) ينصح الشعراء بأن تكون أمام أعينهم صورة واضحة للأحداث كما لو أنهم كانوا حاضرين أثناءها ، أي أن يمتلكوا المخيلة. والعقل يساعد نفسه دائما باللجوء الى التصورات حتى حين يجري التفكير بشيء غير متصور. وإذا كانت في المخيلة عناصر عقلية فلايعني هذا ، كما أراد كروتشه ، أن في المخيلة عقلا أو أن العقل يولد في المخيلة. فمثل هذا التناول لايعني الا حصول خطأ ديكارتي أساسه إعتبار الوظيفة هي الجوه . فالعناصر العقلية في المخيلة قد يكون لها منحدران : الأول هو أن الواقع عقلي ولذلك لابد للمخيلة كشيء منحدر من الواقع أن تحافظ على عناصر العقلية. والثاني هو أن العقل كظاهرة غير مادية قد يسبر أعمال ومضامين بقية الملكات. ويقول الإكويني هنا إن الحاسة تسّرها الأشياء المنظمة جيدا ولإنها ، أي الحاسة ، هي عقل بصورة ما.

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
التجريد
 
- لا تستنسخوا الطبيعة أكثر من اللزوم . فالفن هو تجريد. بول غوغان

- اللوحة هي قبل كل شيء سطح مغطى بالأصباغ في نظام معيّن. موريس دينيس

- الفن والطبيعة هما حقلان منفصلان تماما. فاسيلي كاندينسكي
 


إذا كانت قد جرت عبر قرون طويلة محاولات تهدف إحلال الخلق محل المحاكاة ، والمخيلة محل العقل فلايعني ذلك أن على نتاج الفن أن يكون ( غريبا ) لاصلة له بعالمنا. بل على العكس فحتى أكثر الشخوص والأحداث غرائبية كشفت عن أحوال شبه بعالمنا. وفي الحقيقة يكون كلا المنحيين - التجريد والتشخيص ( أي التقديم أو التمثيل ) مجرد مصطلحين إتفق عليهما ، إذ لاشيء ، في الجوهر ، يسمى تجريدا. وقد يكون الفارق الوحيد بينهما هو أن التشخيص يملك صلة مباشرة بالعالم الخارجي ، أي أنه يعتمد ( أو يعكس أو يمثل ) على أشكال ومضامين يكون مصدرها ذلك العالم في حين أن التجريد يقوم ، في واقع الحال ، بعملية ، لكن غير مباشرة ، للنقل والمحاكاة ، وإلا من أين تأتي خطوطه وبقعه وأشكاله وتكويناته ؟. بالطبع من السهل الحكم بأن التجريد مرتبط بالخلق أي الفكرة التي لم يعرفها الفن الغربي الا في الحقبة المعاصرة. فالخطاب المطالب بمحاكاة الفن للواقع كان ملزما في الفكر الغربي الىغاية منتصف القرن الثامن عشر. الا انها لم تكن محاكاة بالمعنى الأرسطوطاليسي أي التي تبعث الكاثارسيس بل كانت قد أرسيت على تقاليد البلاغة وتركة شاعر الرومان هوراسي. لقد كان المقصود هو الإنفعال( وليس التطهير ) و التعليم أي تقديم نماذج للسلوك. و كانت شعريات الرينيسانس قد نشأت تحت تأثير تعليقات إبن رشد التي أهملت المحاكاة والتطهير. ويجد بعض الباحثين أن السبب يرجع الى أن العرب لم يفهموا فن التراجيديا. ولكن من ناحية أخرى فالمحاكاة التي قام بتحليلها مؤلفون أمثال غوتشيد Gottsched ( 1700 – 1766 ) أو برايتنغر Breitinger ( 1701 – 1776 ) أو زولتسير Sulzer ( 1720 – 1779 ) تبتعد كثيرا عن الصياغة الأرسطوطاليسية. وحين يقول شليغيل Schlegel ( 1718 – 1749) إن النسخة الكاملة للطبيعة هي أمر غير ممكن ، وفي المحاكاة ليس الشاعر مرغما على مراعاة الواقع ( الطبيعة ) ولأنه يكفي أن يبحث عن مصدره في (عبقرية ) الفنان .. وفي نهاية القرن التاسع عشر قال الشيء نفسه أميل برنار : طالما أن الفكرة هي شكل الشيء والذي حوفظ عليه في الذاكرة لاينبغي تلوين الشيء بل ما حفظ في المخيلة. وفي بداية القرن العشرين وليس قبلها صار الفن الغربي تحت هيمنة فكرة الخلق التي تم فيها إلغاء أي إحالة الى ( الخارج ). وصارت الصيغة الأكثر نضجا لهذا الموقف تتمثل بالفن التجريدي أو اللاتشخيصي. وهو أمر مفهوم أن الرغبة في محاكاة الواقع والأخرى في خلق شيء جديد هما كامنتان في الإنسان. وفي الحقيقة تعود كلمات مثل ( التجريد ) أو ( المشخص figure وتعني باللاتينية الشكل أو الهيئة أو الشخص أو الصنف أو النوع أو الخاصية أو الطابع ) الى حقل الفلسفة وليس الفن الذي إستعار أدواته منها. وكلمتا ( تجريد ) العربية واللاتينية ( وأصلها يوناني ) لا تختلفان في المعنى. وكان أرسطو قد منح الكلمة معنى تقنيا محددا عارض فيه التقليد الفيثاغورسي – الأفلاطوني القائل بأن العدد هو جوهر الواقع أو كمنطقة وجود مستقلة بينما وجد أرسطو أن العدد هوصفة للمادة وليس جوهرا للشيء. وكصفة لايمكن أن يكون كائنا بصورة مستقلة. ومن الناحية الفعلية ليس هناك من وحدة بل أن كل ما في الأمر وجود شجرة صنوبر أو شجرة سدر مثلا . بالرغم من ذلك يمكن تناول العدد بالبحث كما لو أنه موجود بصورة مستقلة أي عندما يتم تناوله ( تجريديا ) وبمعزل عن مادته. وفي العمليات الرياضية لانقول هذه شجرة صنوبر واحدة أو شجرتي سدر بل واحد ، أثنين ، ثلاثة إلخ. فالتجريد كان يعني في البدء معاملة المراتب الوجودية غير المستقلة ( أي الكم ) كشيء موجود ومستقل. ويقول جوزرف أوين J. Owen إننا نملك فيما يتعلق بالتجريد وجودا محددا أو بضع حالات وجود يعود إليها الكم. ولكي يتم إخضاع الكم للتجريد ينبغي، وليس خفض الكم ، بل تجريد الجوهر من كل شيء ليس هو كمّا. إذن إعتبر أرسطو ، في البدء ، تجريدا تلك العناصر التي ننبذها في حين أن العدد ينحدر من التجريد الذي هو الباقي بعد خفض مراتب المطروح. وقد يبدو أن لافرق هناك بين العمليتين : الأخذ من الجوهر أو من الكم ولأنه في كلتى العمليتين تكون مادتهما هي الكم. الا أنه من الناحية الأنثولوجية يوميء التجريد كتجاوز transendence ، الىالوضع الوجودي غير المستقل لمرتبة الكم. والمسألة هنا مرتبطة بالإستقراء أي مهارة الإنتقال من المضمون الملموس والمحدد الى العام . والتعميم هو مهارة موروثة لدى الإنسان. وهي تكتسب هيئة تلقائية أو إنعكاسية. وفي الحالة الطبيعية فإن إمكانية إستخدام الكلام ( اللغة ) تفترض القدرة على التعميم والا لما إستطعنا أن نستخدم كلمات ( أسماء ونعوت وغيرها ) مثل : الغضنفر ، ملك الغابة حين الكلام عن الأسد ، أو زيد وعمرو عند الكلام عن الناس. وهكذا فإستخدام كلمة واحدة ، أو أكثر ، لتحديد موجودات عدة يتأتى من قابلية الإنسان في التعميم أي القدرة على إدراك مضمون ما مشترك يمكن أن نحيله الى ملموسيات معينة.
الا أنه قد يكون هناك إستقراء طرائقي شبيه بالإستقراء في العلم حيث يتم البحث ، بالإعتماد على معايير دقيقة ، عن صفات ملموسة للشيء موضع البحث. لكن في كلتى الحالتين يكون المقصود هو المضمون العام الكائن عامة في هذا النوع أو ذاك. وطالما أن المضمون المشترك يبدو كما لو أنه من الملموسات فبفضل هذا يكون بمقدورنا أن نخلق فكرة الأسد أو الإنسان. وفي تقاليد ما بعد أرسطو وسّع معنى التجريد لكي يشمل الإستقراء. فكل مكان يظهر فيه الإستقراء يكون التجريد أيضا إذا كانت النتيجة نشوء الفكرة العامة. ولكن قرن التجريد بالإستقراء قد أزال، لحد بالغ، الفارق الذي كان يدركه أرسطو. فالتجريد أومأ بوضوح الى إستقلال أنثولوجي كاذب للمجردات. ولذلك كانت الإحالة الى الرياضيات التي فحصت الأعداد وهي معزولة عن العالم المادي. وفي العلوم الفعلية لم يكن الغرض فحص ( مجردات ) بل العالم الفعلي. ولذلك حصل التأكيد على دور التجربة التي تسمح بإدراك المضمون العام في حالة ملموسة. وكان أرسطو مدركا تماما ل( خطر ) المثالية التي ( تتسلل ) من الواقع الى المفاهيم. وهذا هو السبب في أن ( المجردات ) كانت مخصصة للرياضيات. وإذا كان التجريد يعني ، إجمالا ، جمع ما طرح ( الطرح الرياضي ) بالتعميم يصعب حينها مسك العلاقة بين التجريد وفق هذا المفهوم مع الفن التجريدي المعاصر. فالتعميم يتم على مستوى المفاهيم التي تكون أكثر عمومية أوأقل. وبالطبع فشرط عموميتها هو لاماديتها ( كل ماهو مادي هو ملموس ) : فمفهوم الحيوان هو أعم من مفهوم الحصان. وهذا المفهوم أعم من مفهوم الحصان العربي. وهكذا يبدو لبعضنا أن الفن التجريدي ليس تجريدا ولأنه لايستخدم المفاهيم. وعلى الأكثر يكون المقصود هنا بمفهوم التجريد لماقبل أرسطو : الإنفصال عن الشيء الملموس. غير أنه يكون حينها كل عمل فني هو تجريدي وحتى الأكثر واقعية ، وعلى أيّ حال لابد من أن يحصل التجريد في كل عمل فني وبصورة مضاعفة : الفصل المقصود عن بعد ما من الواقع. فالمصور لاينقل الى لوحته رأسا فعليا للحصان بل ينقله بالألوان. و ذلك البعد الذي إختاره المصور هو مفصول ( أي معزول )عن بقية الأبعاد. فمن الناحية الفيزيقية يكون أمرا غير ممكن مراعاة جميع الأبعاد ، كما أنه غير ممكن رؤية الشيء كله مرة واحدة. إن هذا التجريد المضاعف ( بمعنى الفصل وليس التعميم ) يتميز به وبشكل غير إعتيادي الفن الواقعي. و يبدو منطقيا السؤال : إذن أيّ سبب يدفعنا الى أن نسمي الفن التجريدي تجريدا ؟. في الواقع يظهر هنا( معنى جديد ) للتجريد ، أي ليس كعملية فصل. و في المحصلة تكاد أن تكون إشكالية التجريد محض مشكلة مصطلحية. كذلك يعمل الإقتصارعلى تناول الإشكالية بالأداة الفلسفية وحدها ، على نشوء نوع من سوء الفهم. فالعوامل الأخرى تلقي بكامل ثقلهاعلى عملية التفسير. مثلا لايمكن تجاهل دور العامل الجغرافي أي المناخي والمحيطي في ظهور أو شيوع الفن التجريدي أو عدم ظهوره. وبالطبع هناك مفاهيم تنفي هذا العامل أو تقلل من أهميته. ويفترض مؤرخ الفن ومنظرّه الألماني المعروف فلهلم فورنغر W.Worringer أن لدى الإنسان الميل الى التجريد ومبعثه الهلع من الفراغ أو المكان. وكان هذا الميل ملموسا لدى الإنسان البدائي الذي كافح طبيعة رهيبة كانت تضمر له العداء ، في حين أن إنسان الطبيعة السمحة المعطاء يفضح الميل الى تقديم العالم الخارجي كما هو والتأكيد على رضاه وتمتعه بالعيش فيه ، أي اللجوء الى الأسلوب الواقعي الأمين لهذه الطبيعة ( الفن اليوناني مثلا ). أكيد أنه تفسير عمومي إلا أنه لايستثني التفسيرات الأخرى كالقول بأن فنونا مثل المصرية والبيزنطية والغوطية قد كشفت عن الميل الى التجريد بدافع نظرتها المفهومية الى العالم الدنيوي (الخارجي ). وبقدر كبير من التعميم يمكن القول إن هناك نوعين من الفن : التجريدي والواقعي . الأول نابع من الطبيعة لكنه غير متكرس لها بالصورة المباشرة ولأن التجريد كما يقول توماس أرنست هولم E. Holme هو ( تخلص جوهري من كل ماهو معيّن ). والفن الثاني تجسيد لفكرة الإخلاص في التقديم والحقيقية في التواصل مع الطبيعة. وهكذا ففنون الطبيعة القاسية ( فن الشمال وفن الصحارى مثلا ) تكشف عن رغبة الإنسان في الهرب من كل شيء يرمزالى الطبيعةالملموسة. فهناك النفور من الخط المنحني ( العضوي ) بأبسط أشكاله. ولذا ينشأ الفن الهندسي ( التجريدي ) الساعي الى تقديم الشكل بأقل ما يمكن من الطبيعية ، وعلى العكس من الفن الواقعي (العضوي ) الذي لايمكن قطع حبله السّري الذي يربطه بالطبيعة.
ويبدو للكثيرين أن البرنامج الكبير لفصم العلاقة المباشرة بين الفن والواقع ينتهي بإستثناء المشخّص. وهو أمر مفهوم أن رفض المشخص لايعني الإنتقال الى حالة العدم ( الإنسان كدجاجة هو لاوجود ، ولكن لسبب واحد :وهو أن الإنسان ليس – هذا الوجود ). وبإستخدام الأداة الفلسفية يكون العدم مجرد رفض تفكيري لوجود مدرك ميتافيزيقيا كوجود ، أما التضاد cotradiction فهو تباين contrast على مستوى الأحكام ولكن هذا لايعني أنه لا العدم ولا التناقض غير قائمين في الوجود !. فاللاوجود هو رفض مطلق لوجود مدرك بأسلوب تماثلي أو رفض لوجود خاص ( مثال الدجاجة المذكور ) أو رفض الفعل الذي يكون الوجود من خلاله وجودا ( الخشب الخام هو لاوجود ككرسي ولكن بمعنى أنه لم يصبح كرسيا بعد ). والفنان التجريدي في سعيه الى مجابهة الواقع كان عليه أن يرفض شيئا. وهذا الشيء كان المشخص. وعلى الضوء الميتافيزيقي ليست بقية العناصر مثل الخط أو اللون مخترعة. إنها جزء من الواقع. وغناه لاينفد ( يكفي النظر الى شجرة ما : كم من التكوينات والالوان والظلال والأضواء فيها). وهكذا لايخلق هذا الفنان كل هذه الظواهر من العدم بل يحصل على نتيجة ما يجري ( داخليا ) ، إذ لايشير الخط أو اللون الى شيء خارجه. وتلك النتيجة حصلت لأن المشخص قد إستثني. وهذا المشخص يحمل في ذاته كامل ثقل الإحالة التي من خلالها تكون العناصر الباقية ات إحالة أيضا. والمشخص هو شيء غير واضح أي يتعذر تمييزه ، فهو ليس بمرتبة وجود مستقلة بل يمكن وضعها في مرتبة الكيف ( أي أنها كيف بحكم وجود الكم ). وإذا كان الكم من خواص المادة أي تنظيم أجزائها فيما بينها ، فإن مثل هذه الأنظمة أو غيرها تمنح المادة شكلا ( أي المشخص ) ، وبعبارة أخرى فالمشخص هو نتيجة التنظيم الداخلى لأجزاء المادة. ومن الطبيعي أن لهذا النظام سببين : طبيعي ومصطنع. في الثاني يكون ممكنا أن يعمل الفن على أن يكتسب مجموع قطع الطابوق شكلا محددا كأن يصبح بيتا وليس كومة من قطع الطابوق. وفي الأول تكون الطبيعة مالكة الحق في خلق الشكل المناسب. فالطبيعة كمبدأ داخلي للتبدل والهوية لوجود معين تمنح حالات الوجود الشكل المناسب. والعنصر الذي يحدد المادة هو الشكل، والشكل هو الطبيعة التي بفضلها يتم تنظيم معيّن للأجزاء المادية الموائمة وليس لوجود منفرد بل لذاك الجنس كله. ونتيجة لذلك يملك جنس أشجار البلوط مشخصه أي شكله الخارجي ، وجنس أشجار الغار مشخصا آخر تماما كما يبدو مختلفا جنس الدجاجة عن جنس الحصان. وعلى هذا الضوء يكشف المشخص ( بالرغم من أنه بحد ذاته لايملك أهمية جوهرية ) عن صلة وثيقة بالطبيعة والشكل ( الجوهر ) ، فهو ( أي المشخص ) مشتق من طبيعة الشيء . أما الشكل والطبيعة فلايعودان الى الكم ولا الكيف بل الى مرتبة الوجود الأساسية التي هي الشيء في ذاته ، والفاعل بالنسبة لبقية المراتب في حين أن المشخص يتحد بهذا الوجود بواسطة الشكل والطبيعة.
إن لهذا الوضع نتائجا بالغة الأهمية في نظام التعرف. فالإنسان يتعرف حسيا – ذهنيا ، وبداية التعرف هي حسّية يخلق الإنسان على أساسها الفكرة ( التصور ). وهناك من بين الأفكار ما يناسب حالات معينة ( البياض مثلا ) لكن هناك الأخرى التي توميء الى المادة ( البيضاء مثلا ) ولذلك يلعب المشخص دورا أساسيا ، إذ يشير الى الشكل – الجوهر – المادة للوجود. فليس المشخص أيّ واحد منها ولكن العلامة الأكثر موائمة للجنس في الاشياء المادية يكونها المشخص ، كما يقول الإكويني. المادة هي الأسلوب الرئيسي للكينونة التي تصبح الأسلوب الرئيسي للوجود ولذلك تقوم بالدور الأساسي في عملية التعرف. فاللون لايقوم بهذا الدور بالرغم من أنه لايوجد لون بحد ذاته. فنحن نفرق بين الكلب والحصان على أساس المشخص وليس اللون أو الصوت ( المشخص قائم بإستمرار بينما الصوت هو فعل غير دائم ). ولنابذي الفن التجريدي حجتهم هنا : الفن التجريدي يوجه ضربته الى المشخص بالرغم من أن الهدف غير المباشر هو المادة مما يعني ان الهدف هو الوجود أيضا. وعندما يقوم هذا الفن بإستثناء المشخص يشل الأسلوب الطبيعي في التعرف. وعندما لا نرى المشخص لانتعرف حينها على المادة ولا الجوهر ولا الذات ، إذ أن كل شيء هو وجود ، كما يقول أرسطو. وبدون مادة لاوجود هناك ( بالطبع هذا خطاب قديم منطلقه تصور معين للمادة كشيء يملأ الفراغ مما يتناقض كليا مع ما أنجزه العلم المعاصر فيما يخص هذه الإشكالية ). وفي العمل الفني هو أمر مفهوم أنه لايمكن النقل الفعلي للمادة أو إستنساخها غير أنه من الممكن منحها هيئة حسية أي مشخصا يرمز ، حينها ، الى المادة ويقوم ، في الصورة ، بدور الذات الفاعلة. وفي الفلسفة يقال إن إستثناء المشخص هو تعرض لأسس هيكل الوجود ونظام العقلية أيضا. فالمراتب الباقية تشير الى المادة من خلال المشخص بالضبط ولهذا تكون اللاتشخيصية عملية مجهولة النتائج. فهي تحجب عن الإنسان الواقع وتسلبه العقلية التي أرهصها الواقع ذاته. والخطوة التالية لابد أن تكون هروبا في صوفية ما لكن غير حقيقية تقتحم نفسية الإنسان و تشوّه الثقافة.. فالواقع حاضر على الدوام. وفي الحقيقة فالخلاف حول المشخص هو صدى للخلاف القديم حول المادة التي أستثنيت من الفلسفة في القرن الرابع عشر تحت تأثيرمذهب الأسمية. إلا أن التجريد في الفن المعاصر يملك جذورا بالغة التباين ، وبينها الفلسفي ( البحث عن المطلق ) والروحاني ( الوصول الى جوهر الوجود ) والأستيتيكي ( تلبية متطلبات العالم الحسي ). كذلك فإن فعل اللاتشخيص لايقودنا الى( اللامادية ). ففي ما يسمى بالعالم الروحي ليس ثمة مرتبة وجودية واحدة : المادة – الجوهر بل هناك الكم والكيف ومواقع الأجزاء الأخرى ونظامها وغيرها من الظواهر المنتمية الى العالم المادي. وهكذا فالفن التجريدي يتعامل مع مراتب تعود جوهريا الى العالم المادي و تقف أيضا في مراتب الوجود في مكان أوطأ من المشخص الذي يشير الى المادة. كذلك فرفض الإحالة الى العالم المادي بنبذ المشخص لاتعني بالضرورة شيئا روحانيا. وكما قلنا ففن التجريد لايملك فلسفة واحدة. ففي الفن الإسلامي يملك التجريد منطلقاته وبراهينه التي تتباين بشكل ملحوظ عن الحجج في الغرب سواء التي يوفرها الجهد الفلسفي أم التأثرات الشخصية لخالقي هذا الفن الذي أرادوا له ان يتكرس للعنصر الروحي حسب ( ثيوصوفية كاندنسكي وموندريان وغيرهما ). ومن الطبيعي أن جزءا من التأثير الحاسم في التجريدية المعاصرة جاء به كاندنسكي. وهنا يجدر تناول فنه بالتحليل قبل كل شيء.
معلوم أن الفن التجريدي قبل أن يصبح مجرد بقع وألوان وخطوط كان عليه في البدء أن يفصم الرباط المباشر مع الواقع مما جاء صدمة لثقافة الغرب التي كانت ولاتزال الإستمرارية المنطقية للثقافة المسيحية التي تكون الصورة عتلتها الرئيسية. وكما ذكرنا فالمصادر والجذور بالغة التنوع هنا ، ومن أبرزها نظرية الإسمية أو بالأحرى مفهوم ألفريد وايتهيد والذي يفيد بأن الفن هو عملية عرض رمزي للأحاسيس ، هذا الى جانب مفهوم فورنغر عن أصل التجريد. وبالطبع لا يمكن إغفال التأثيرات القوية للفن الشرقي عامة.
لقد أزال كاندينسكي ،عن قصد ، التشخيص. وكان هناك من سبقه وبينهم الليتواني جورلاينيس والفرنسي بيكابيا الذي لوّن لوحته المسماة ( كاوتشوك ) في عام 1909. الا أن كاندينسكي لوّن لوحته المعروفة في عام 1910 وهو غير عارف بتجارب الآخرين. وكان قد أوضح ( ثورته ) في كتابه المعروف ( حول ما هو روحي في الفن وخاصة في التصوير ) والأسباب التي دفعته الى الأخذ بالفن اللاتشخيصي. وخلافا لفن التجريد الهندسي في ثقافتنا والذي يوحي عند التلقي الحسي المباشر بالنزعة التزيينية ، نجد أن تجريد كاندينسكي محروم من تلك الدقة ( الرياضية ). وكان موضوعه تشييدا تم بمساعدة النقطة والخط واللون الذي وزّع بصورة واعية لكن بدون تشخيص معين. فالهيئة الممثلة قد إستثنيت. ولهذا سببان جوهريان. أولهما أنه كان على الفنان أن يزيل إحالة العمل الفني الى العالم الخارجي. والثاني يخص اللون الذي كانت مهمته ضمان الإنفتاح على ( العالم الروحي ). كذلك فتجارب كاندنسكي التي قادت الى رفض التشخيص وتثبيت النزعة التجريدية كانت مرتبطة بذلك الوضع المتميز الذي وجدت فيه الثقافة الغربية في منعطف القرنين التاسع عشر و العشرين. فمن جهة كانت فترة إنتصار النزعة العلمية وتلك المادية بجناحها البراغماتي ( كان كاندنسكي قد كرس لها الصفحات الأولى من كتابه المذكور ) ، ومن جهة أخرى كانت فترة تعمق الأزمة الروحية التي لم تلق منفذا لها لا في العلم ولا في الفلسفة ولا في الدين بل بحثت عنه في الطموحات شبه الدينية وشبه الفلسفية. وكانت آنذاك الحركة الأكثر شيوعا وعلى الموضة هي الثيوصوفية المرتبطة بالتيارات الروحية ،( الهندية خاصة ) والغنوصية والسحر والقبالة اليهودية. وفي عام 1875 شكلت الروسية هيلينا بتروفا بلافاتسكي (الجمعية الثيوصوفية ). وكان فرعها الألماني قد ترأسه رودلف شتاينير الفيلسوف وناشر مؤلفات غيته العلمية. وفي عام 1913 ينشيء شتاينير جمعية مستقلة بإسم (الجمعية الأنثرو- صوفية ). ومعلوم أن الثيوصوفية كانت تمارس فعلها عند حدود الفلسفة والدين والغيبيات والطقوس السحرية والعلم أيضا. و كان ( موتيفها ) الرئيسي الإيمان ب( الحقيقة الخالدة ) التي تجلت منذ ظهور الإنسان الا أنها (تلوثت ) مع مرور الزمن ، وكان القرن العشرون فرصة أخرى لتجليها من جديد بفضل ( المختارين ). وكانت الحركة قد جذبت الفنانين والعلماء والفلاسفة. وبعضهم إستلهم خطابها في نتاج . ومعروف تأثيرها على بودلير أو مؤلفين موسيقيين معاصرين أمثال سكريابين وسترافينسكي أو شينبيرغ. ومن بين التشكيليين الذين ألقت بأكبر تأثير عليهم كان فاسيلي كاندينسكي وبييت موندريان أيضا . وكان الروسي من المواظبين على الإستماع لمحاضرات شتاينير. وفي كتابه المذكور كان يستشهد به و بلافاتسكي على السواء مما عكس إطلاعه الواسع على الثيوصوفية وتعاطفه معها حتى أنه أسماها بأكبر الحركات الروحية. ووفق شتاينير ينقسم العالم الى سبعة مستويات. الأول فيزيقي مبن من مادة صلبة وتدركه الحواس الطبيعية. وهناك ثلاثة مستويات عداه لايدركها الا من وهب القدرة على التنبؤ. وبعدها يوجد مستويان للنرفانا، وبلوغهما أمر ممكن. أما أعلى المستويات فالثيوصوفي يعرف بكينونتها لكن لا يطالها أي أحد. وجميع هذه المستويات ، من الأوطأ الى الأعلى ، هي ذات هيئة مادية ، والإختلاف بينها يخص الكثافة والنقاء فقط. وهكذا توجد ،عدا المنطقة الفيزيقية ، منطقة اللافعلي والأخرى العقلية ثم البوذية. وتبين أن نظرية المناطق هذه ذات صلة وثيقة باللون. فوفق التقاليد الغنوصية – الخيميائية يكون الضوء من منابع الوجود (الموجودات ). وهو يتجزأ تدريجيا الى شتى الألوان. كذلك يتطابق الضوء مع الروح التي تتخفى وراء الألوان و تتكشف بمعونتها أيضا. وكان غيته من (علمن ) نظرية اللون الغنوصية. وشتاينير أخذ بنظرية الألوان لدى غيته والتي أسماها ب ( عمل الضوء Taten des Lichtes ). وإستند هنا على أبيات شعرية من ( فاوست ) غيته تتكلم عن إنعكاس الألوان والذي يعني الحياة ..
وكان الثيوصوفيون قد وضعوا قائمة دقيقة للالوان وما يعنيه كل منها. وفقها يكون الإنسان ذاتا تتقاطع فيها ثلاثة عوالم : المادي والنجومي والذهني. وبفضل الثيوصوفية يكون الإنسان قادرا على الإسهام فيما أسموه بالحياة العليا وليس فقط في الأخرى المادية – الفيزيقية. وفي إطار هذا المذهب تم إبراز دور اللون ككاشف لأعلى مناطق الروح وليس بالمعنى الرمزي بل الفعلي. فالروح تشع الحياة ( لونيا ) و دراسة الألوان هي دراسة الروح.. وعلينا هنا التأكيد على الفارق بين ما يسمى رمزية الألوان والتي نلقاها في كل ثقافة وبين ثيوصوفية اللون الذي رسمت له مهمة محددة وهي التمثيل الفعلي للمناطق العليا من الروح. ويبدو واضحا أن تجارب كاندينسكي على الألوان لم يكن منطلقها فنيا. وكانت الثيوصوفية قد وجدت ، مثلا ، اللون الأسود يعني حضور شيء شرير يمقته الإنسان ، والأحمر يعني الإنفعالات والحسية بينما يكون مدلول القرمزي هو الغضب ، والوردي هو الحب، وإذا ربط بالأبيض يكون المعنى هو الحب الروحي للبشرية ، أما البرتقالي فيعني الفخر والإباء ، و يعبّر الأزرق عن المشاعر الدينية. وهذه الألوان تناسب الأجرام السماوية والأخرى الذهنية التي لايلحظها الا الفرد الذي يرى الأشياء غير المنظورة .
وفيما يتعلق بالتشخيص فالهيئة الممثلة مرتبطة بالنوع الأوطأ من المادة أي الفيزيقية في حين أنهعلى المستوى الذهني يظهر ( روبا rupa ) و( أروبا arupa ) ، وهما تصوران في البوذية يعني أولهما إمتلاك الشكل والثاني إنعدامه. وفي الثيوصوفية يسود الإعتقاد بأنه في المناطق العليا من المادة الرقيقة ليس هناك من شكل أي الهيئة الممثلة بل اللون الحاوي على شكله الروحي. ولم يكن التصوير التجريدي لدى كاندينسكي الا تنفيذا ملموسا لمثل هذه الرؤيا للعالم. ووفقه تكون الهيئة الممثلة خصيصة للعالم الأوطأ الذي لايرتفع ولايسمو الا بمعونة الفن. وهذا الفن هو التجريدي أي الخالي من تلك الهيئة. وبدل تلك الهيئة إحتل اللون الموقع الأول كوسيلة لكشف شتى درجات مظهر الروح في حين أن على شكل التكوين أن يوحي فقط بنوعية الروح وليس الإحالة الى العالم الخارجي. وبالطبع كان كاندينسكي يطرح تفسيراته الخاصة باللون ايضا. الا انه أخذ بالقيم الأساسية لصورة العالم الثيوصوفية حين أزاح الهيئة الممثلة وأكد على المعنى أو البعد الروحي للون الذي وجده أكثر فعلية من العالم المادي. كذلك كان فن كاندينسكي واقعا تحت تأثير الراهب المعروف جواكيم من فيوره ( 1131 –1202) والذي خلق منهجا تأريخانيا أعتبرته الكنيسة هرطقة. وجوهره تصنيف التأريخ الى ثلاث حقب . الأولى كانت حقبة ( الرب الأب ) أي ما قبل المسيحية ، والثانية حقبة المسيح ( المسيحية ) ، والثالثة حقبة الروح القدس ( مابعد المسيحية ) والتي إعتبرتها البروتستانتية نهاية العقيدة الكاثوليكية. وكان كاندينسكي قد عامل فنه كإشارة الى حلول الحقبة الثالثة. كذلك عرف بإنسحاره بفكرة جعل موسكو العاصمة الثالثة لروما والتي أعقبت سقوط القسطنطينية. وبمعونة تأريخانية جواكيم حصل لقاء غريب بين نزعة الوحدة السلافية والتي قادتها موسكو وبين الفن التجريدي ..
وهكذا تبين أن الثيوصوفية كانت فرصة لأعداد مفهوم جديد للفن يتساوق تماما مع الخط التطوري لفن الغرب. أن هذه العلاقات المتشابكة لاتنفي أبدا تعقد هذه الإشكالية. فالفن التجريدي يبقى فنا له موقفه المحدد فيما يخص العلاقة مع الواقع والفن الذي سبقه وكامل الثقافة الغربية بشكل خاص. وقبل كل شيء هو فن ينبذ قيم الفن التشخيصي الذي هو تقليد راسخ وصفة مميزة لثقافة الغرب قبل غيرها. كذلك يرفض قيمة الواقع المتعرف عليه حسيا ، وفي الأخير هو فن يريد حيازة الإمتياز الروحي الذي يكون السبيل اليه هو التحرر من العالم الخارجي. وفي مثل هذا الفن ، أي التجريدي، لم يكن القصد منجزا فنيا أو سبلا جديدة بل الإتصال بالعالم الروحي. ومن هنا التضحية بالهيئة الممثلة المشدودة بالعالمين المادي والحسي ، والإعلاء من شأن اللون. والخلاف حول الهيئة الممثلة ليس بالخلاف الثانوي بل يخص البعد الدوغمائي الأساسي. وتتضح المسألة أكثر في حالة الفن الحديث عامة . فهذا الفن يسلك ، عن وعي ، سبيل اللاتشخيص ، أي التجريد ، ممايعني أن الأمر لايخص برنامجا فنيا جديدا بل كامل التبدلات الحضارية. وكما كانت الصورة التشخيصية إنجيل الأميين لقرون طويلة أصبح الفن التجريدي يقود الآخرين في عالم ( العصر الجديد New Age ) وما بعد الحداثة. وفي عام 1915 قال النحات الألماني هانز( جان ) آرب J.Arp إن عناصر الفن التجريدي ومثلما الجداول السحرية أو الماندالا ، تخدم مسألة الإقتراب من كل ماهو أبدي وغير مذاع وما يتخطى الواقع العادي الذي إعتاد عليه البشر. وتأتي هذه الأقوال تأكيدا على الفرضية القائلة بأن ما يسمى بالجانب الأستيتيكي للفن التجريدي هو أمر ثانوي لدى بعض ممثليه المعروفين. ففي المكان الأول هناك هاجس الوصول الى المطلق. كذلك لقيت الفرضية دعما غير متوقع من جانب كارل يونغ. فالعالم السويسري أعطى الأشكال التجريدية مكانة ( النموذج الأولي ). وهذا نلقى شبيهه في التقليد الغنوصي أيضا.
وكما أوضحنا يكون التجريد أمرا حكم على الفنان التقيد به ولأن مسك الواقع بحذافيره أمر غير ممكن على الإطلاق . وهكذا يكون التجريد بشتى درجاته الجزء الأساسي من عمل الفنان الذي يعيد خلق الواقع المرئي. وهذا الفعل هو نتيجة لموقفين. الأول ينشأ عندما تنبذ عناصر ( الموتيف ) بسبب إستحالة مسكها عند إستخدام تقنية فنية معينة ( كالحركة في التصوير أو النحت ) أو لإعتقاد الفنان بأنها ليست بالمهمة أو الضرورية فنيا. وفي الحالة الثانية يرتبط فعل التجريد بالبحث عن جوهر الشيء المعاد خلقه. وهذا يخص الأسلوب الأرسطوطاليسي في فهم المحاكاة وتقديم الواقع في الفن حيث يتم التأكيد ، بدل الإستنساخ الأمين والسلبي أيضا ، على إستخلاص الصفات العامة أي النموذجية والضرورية والمناسبة لأظهار الشيء. وفي المحصلة تنشأ صورة تعميمية محرومة من صفات الشيء الملموس التي تعتبر عابرة وجاءت مصادفة لكنها تظهر جوهر ذلك الشيء.
وفي العصر الحديث صار للتجريد منحيان : العضوي والهندسي. وفي الواقع لايملك الأول تجاربا تأريخية مرموقة وعلى العكس من الثاني ذي التأريخ الطويل والذي تكرست له فنون التشكيل قاطبة في فترات معينة ( الفن الإسلامي مثلا ). وإذا نبذ الفنان صور الواقع المباشرة يقوده هذا الطريق إما الى التجريد الهندسي وإما العضوي. والأول هوالأقرب من(الشكل الجوهري) للطبيعة. وبعد إفلاطون نظر سيزان الى كامل تعقيد أشكال الطبيعة من خلال ثلاثة أشكال هندسية هيالأسطوانة والكرة والمخروط ، ثم جاء التكعيبيون وممثلو الفن التجريدي الذين تناولوا الطبيعة من خلال شتى الأشكال الهندسية أو تحويلها الى عناصرهندسية. وفي يومياته يكتب باول كلي : يمضي نظري بعيدا، وهو يتغلغل دائما في أجمل الأشياء. وغالبما يقولون بأنني عاجز عن رؤيتها. إن الفن هو رمزعملية الخلق عامة. والرب لم يكترث البتة لمراحل ترافقت زمنيا بفعل "الصدفة " ).
وتساعدنا التقاليد الفيثاغوؤسية في فهم مباديء التمثيل الرمزي المميز للهيئات الهندسية. وقد تمثلت عناية فيثاغورس بالأعداد والهيئات في خلق ( المتتابعات ) الرياضية المنطقية أوالمبادي الأخرى التي قد تطبق في الحياة اليومية. وكما يجد كولن ولسن في كتابه الممتع ( المستور The Occult ) فعقل الفيلسوف اليوناني كان يرتكز على التماثل ومبدأ أن كل حقيقة خاصة يمكن أن تكون رمزا لشيء أكبر. مثلا تكون ثلاثة هي المثلث وأربعة هي المربع. وبهذه الصورة منحت الأعداد الملموسية ولم يفصل الكم عن الكيف. ومنطق نظام فيثاغورس الصوتي كان ثلاثة فواصل موسيقية تنشأ عند تقصير الأوتار في الأماكن المناسبة : الدرجة الثامنة في السلم الموسيقي ( octava 2:1) والخامسة ( guinta 3:2 ) والرابعة quarta (4:3). أما مباديء الهارموني فتكون مفهومة كمرافقة صوتية لوترين مختلفين وفق العلاقة الرياضية 1:2 ، 2:3 ، 3:4. وعلى هذه الأعداد ( من واحد الى أربعة ) علق الفيثاغورسيون أهمية خاصة. فمجموعها ( 1+2+3+4 ) هو العدد عشرة وهورقم مقدس.. وإعتقدوا بأنهم حين إكتشفوا الجوهر العددي للهارمونيا الموسيقية أفلحوا في التعرف على هارمونيا كل وجود كامن في الأسرار المماثلة للعلاقات العددية. وكما يقول ولسن وجدوا هم أن الخلق يبدأ من الوحدة الربانية الصرفة : من عدد ( واحد ) ثم يتطور حتى الرباعي المقد . فالأعداد الأربعة الأولى تلد عشرة أي العدد المقدس الذي يبدأ منه كل شيء. ولكي ندرك هذا المفهوم بالشكل الصحيح لابد من الإشارة الى أن الفيثاغورسيين فهموا الوحدة بشكل مغاير لفهمنا المعاصر. فلدينا يكون ( واحد ) هو العنصر الصحيح لتحقيق الجمع ( 1+1+1+1 =4 ) بينما رأى الفيثاغورسيون العكس هو الصحيح. فالوحدة أعلى من جميع الأعداد وليس من الممكن جمع الوحدة . فالأعداد لم تنشأ نتيجة عملية الجمع أو مضاعفة المفرد بل من إنقسام الوحدة الأولية. كذلك فالفهم الفيثاغورسي لإشكاليات العدد يمكن الأخذ به في الحقل الهندسي. مثلا ينشأ المثلث حين توضع أربع نقاط في صف واحد وفوقه آخر من ثلاث وثالث من إثنتين ورابع من واحدة. وكان الفيثاغورسيون يعاملون المثلث كرمز أسطوري. إن مبدأ الفهم من خلال التماثل يسمح بإدراك ماهية الصلة بين عنصريين غير متشابهين بصريا. وكما يكتب أرسطو في ( الميتافيزيقا ) فقد أخذ الفيثاغورسيون بالكثير من أحوال التماثل عند النظر الى أشياء غير موجودة أو هي في طورالنشوء. ووفقهم فكل شيء في الطبيعة منمذج في الأعداد. ومن خلال العلاقات الناشئة بينها يمكن كشف جوهر جميع الأشياء. ومعلوم أن مفاهيمهم أثرت على الفلاسفة والفنانين الاخرين. ومن خلال إفلاطون و بويثيوس Poetheos ألقت بتأثيرها على الفن الروماني. فالمثلث المتساوي الأضلاع يرمز في هذا الفن الى الآلوهية وليس لجماله بل لخصائصه الهندسية. ووفق منظور مباديء التماثل بين هيئات هندسية معينة وأحوال وجود تجاوزية ومثالية كان يراعى مبدأ الوعي بوجود صفات مشتركة رغم أنها تتكشف بأشكال متباينة. ومن هذه الصفات هناك الكمال الذي إكتشف ، بالمعنى الأستيتيكي ، في بعض الأشكال الهندسية. والهندسة تتجاوز كل لاكمال سببه الإنحطاط المرتبط بجريان الزمن. والهندسة هي رؤيا المطلق الذي يسعى إليه الإنسان. وقد وجد البعض أن الدائرة ترمز الى الوحدة والكمال. وكان المعماري الإيطالي الكبير بالاديو قد ذ كر بأن شكل الدائرة المغلق بمحيط واحد لايمكن العثور فيه على بداية ولانهاية و يملك نفس البعد في كل نقطة عن مركزه يصلح أفضل من غيره ل( إدراك الوحدة والجوهر اللامنتهي وعدالة الرب ). والأمر يتعلق في هذا المثال وغيره بالمباديء الأساسية التي تتحكم بالعالم والوجود التجاوزي أو المثالي. و قد تمّ التعبيرعنها بواسطة الرمز الهندسي في الفنون التشكيلية وفي كل مكان على وجه التقريب.
و قام فنانو القرن العشرين بأكبر المحاولات الساعية الى خلق وسائط هندسية تجريدية ، أي غير تشخيصية ، ورمزية للتعبير عن تلك الأهداف. وأبرز مثال يقدّمه بييت موندريان الذي كان واقعا ، وكما قلنا ، شأن كاندينسكي ، تحت تأثير الثيوصوفية التي ليسغريبا عليها المبدأ الصوفي ( الفناء بالذات والبقاء بالله ) وقد بحث هذا الفنان الهولندي عن القوانين العامة للوجود مستثنيا المظهر الخارجي للأشياء الطبيعية. في البدء أخذ بأسلوب منهجي لعملية التجريد ساعيا الى الكشف عما هو شمولي من خلال نبذ الصفات الطارئة للأشياء غير أن هذا السبيل ، وكما ذكر في طروحاته النظرية ، قد سمح له بالوصول الى مستو معين من التعميم حسب أي أنه لم يصل الى ما يسمى بالقياسية regularity الأكثر عمومية. وكانت خطوته الأولى الإنفصال عن تقاليد المحاكاة في الفن ، والأخذ بالمبدأ الرمزي. وكان يرى أن جوهر الوجود تعبر عنه العلاقة بين قوتين كونيتين خالقتين وهما كل ماهو دينامي أي العنصر الذكوري الذي يجسده الخط الشاقولي ، والعنصر الأنثوي أي كل ماهو سلبي ويرمز اليه الخط الأفقي .. وعلامة الصليب التي تنشأ من الأخذ بهذين العنصرين البسيطين بزاوية قائمة كانت ، لدى موندريان ، التصور التشكيلي للكون. فهذه العلامة تمثل العلاقة الأبدية بين العنصر الداخلي أي الروحي ، والخارجي أي الطبيعة. ورأى موندريان أن المادة تحجب العلاقات ومن هنا سعيه الى الحد من الشكل واللون وخصائصهما الطبيعية التي تؤثرعلى حواسنا. وهكذا نبذ المشخصات ولجأ الى التبسيط النسبى للوسائل التشكيلية وتجريدها من المعاني أي تحييدها وجعلها حواملا غير ملحوظة لتلك العلاقات. والمرحلة النيويوركية من فنه كانت لجوءا الى الرمز حين رسم تلك الخطوط الشاقولية والأفقية المتقاطعة التي كوّنت تلك المربعات الصغيرة المملوءة بالألوان الفاقعة ( يرى ميشيل سيفو M.Seuphor أن تلك اللوحات هي صورة رمزية لنيويورك بشوارعها المستقيمة والمتقاطعة بزوايا قائمة وأضوائها الساطعة وغير ذلك).
وتحت تأثير منجزات البسيكولوجيا المعاصرة ( فرويد ، يونغ ، أدلر ) يرى كلود ليفي – ستروس أن الظواهر الأساسية للحياة الذهنية والتي تقرر وتحدد أشكالها الأكثر شمولية توجد على مستوى التفكير اللاواعي. وتحت تأثير يونغ يجد أن مباديء هذا التفكير هي مشتركة لدى البشر جميعا ، كما أنها مرتبطة بالمباديء الأساسية لعمل العقل. وفي نتائج هذا العمل يمكن العثورعلى اشكال نشاط تخصنا والآخرين، وهي شرط الحياة الذهنية لكل الناس في جميع الأزمنة. وقد نتساءل : أليست الأشكال الهندسية الأساسية من ثمار هذا التفكير اللاواعي ؟. وفي عام 1921 كتب اوزنفان Ozenfant وجينيريه ( لي كوربوزيه ) : ( إذا أريت أيّا كان من البشر ، فرنسيا أم زنجيا أم آسيويا ، كرة البليارد ، وهي التجسيد الأكمل للكرة التي صنعها الإنسان ،لإكتشف كل واحد من هؤلاء البشر ذات التحسس بالفورم ، وهو تحسس غير متبدل وأولي). وهكذا قد يكون منظر الأشكال الهندسية مثيرا لأعمق طبقات اللاوعي من تفكيرنا التي هي مشتركة بين البشر . وليس بصدفة حين قال مؤسسا المدرسة المسماة ب(النقائية Purisme ) هذان إن الإنسان حيوان هندسي. فروحه خلقت الهندسة التي توائم أعمق حاجاتنا الى النظام ، وأن الأعمال التي تؤثر فينا أكثر من غيرها هي التي تكون الهندسة مدركة فيها.
وكما ذكرنا خضع فن التجريد ، وخاصة الهندسي ، لتفسيرات مختلفة في المصدر والمدلول والقيمة. الا أن الشيء المشترك فيها هو أن هذا التجريد مجموعة أشكال فنية اساسها نظام قائم في ذاته ولذاته. وفي هذا السياق يمكن التعامل معه كمرحلة من مراحل مايسمى اليوم بخارج الفن ميتا - meta أي الفن ذاتي التحليل أو الآخركتشكيل ذي وظيفة واحدة لاغير هي التزيينية وتلبية ما يسنى بالغريزة الأستيتيكية. وتخص الحالة الأولى البحث عن القوانين البصرية وبسيكولوجيا الإدراك الحسي كما عند سيرا Seurat أو سيزان حينها. والثانية تتخطى بالتأكيد حقل الإهتمام النظري بالتجريد الهندسي رغم أنها تخص عددا ليس بالقليل من الفنانين الذين يعاملون فنهم وليس كعمل من أعمال الفكر والتكرس الروحي بل كإمتاع لحاسة النظر ( شبّه ماتيس تصويره بالكرسي للإنسان المتعب ). إن مثل هذا النتاج الفني ، ولايهم إن كان سجادا أو لوحة جدارية أو منحوتة ذات بنية هندسية ، يبقى في مرتبة التشكيل العملي ولأن دوره هو تزييني بحت يتجاوب مع الميل الأستيتيكي لدى الإنسان. وهذا النوع من التجريد كزينة وعامل يطمّن حاجات الإنسان الجمالية كان نتاجا معروفا منذ ظهور جنس الإنسان العاقل وكأول مظهر للنزعات الفنية يأخذ هيئة نقوش إيقاعية محفورة على أدوات إنسان الكهوف وبعدها على الفخار والحلي ، وفي المراحل التالية في الملبس وزينة الأدوات البيتية وفي الأخير في كل ما تقدر على تشكيله يد الإنسان. و هناك من يجد أن هذا النوع يظهر في الأنشطة التي يكون دافعها غريزة التنظيم التي توّجه الإنسان بصورة لاواعية ، كما أنها بمثابة إنعكاس للنظام الكوني القائم على مباديء الهندسة. ويرى عدد من الباحثين أن أولى المعطيات التجريدية والهندسية بشكل الصورالتي كان الغرض منها إثارة الإنفعال تعود الى الفن الهندي القديم. ومعلوم أنه في نصوص الفيدا التي نشأت في الفترة ما بين 1500 و600 سنة قبل الميلاد قد خلقت فكرة ( الجوهر ) كالعنصر الأساسي والعامل الداخلي لبنية جميع الأشياء. وكان الإقتناع قويا بأن القضايا الشمولية وعامل الآلوهية لا تلقى تعبيرا لها أو إنعكاسا بصريا الا بهيئة التسجيل الهندسي الدقيق. ووفق التصور الهندي فإن أضلاع المثلث الذي يقدّم ، ككل ، الفكر الألهي ومصدر الوجود ترمز اليه ثلاث طبقات للبيان تمثل ثلاث قوى للإرادة والمعرفة والفعل .. وفي الواقع لاشيء في هندسة الفن الهندي يخضع للصدفة أو يخدم البعد الجمالي وحده. مثلا إذا طرح شكل غير تشخيصي ( غير تمثيلي أو غير تقديمي ) ، بلون واحد فقط يملأ سطح اللوحة كله يكون القصد منه الرمز الى العدم السابق لولادة الكون. وإذا ظهرت أشكال للبيضة أو الكرة فهي تعني البدء والسبب الأوليين لكل الأشياء. والبندو يحوي كلا القطبين : الصفر واللامنتهى ، وكل ماهو موجود بينهما. وبقي الفن الهندسي الهندي ( وكان الأول فيما يخص درجة التعقيد ) مجهولا رغم كونه نظاما وطيدا من الأشارات التي تتجاوب مع المفاهيم الفلسفية والغيبية البعيدة عن مباديء الشيئية والنفعية بالمعنى المحدد ، وعلى العكس من الفكر التعرفي الأوربي القائم على الحواس والتجربة.
ومن الطبيعي أن تثار النقاشات حول مصادر ظاهرة التجريد الهندسي المعاصرة وولادتها في أوربا القرن العشرين كلغة خاصة بطرح المفاهيم تماما كما كانت في القرون الوسطى توضع الخطط المعمارية ذات الدلالات الخفية أو الإشارات الغيبية في النتاجات الأدبية والتأليف عامة. الا أن المصدر الوحيد الاكيد هو فكر الشرق الأقصى وفن التانترا الهندي( تعني هذه الكلمة بالسنسكريتية الكتاب أي مجموعة النصوص الهندوسية المكرسة للآلهة وطقوس العبادة ). ومن الطبيعي أن التأثير الحاسم جاءت به إكتشافات آينشتاين التي جاءت في نظرية النسبية المعلنة في عام 1905، وبعدها في عام 1915 إذا خص الأمر نسبية الزمكان. كذلك فمن جذور مفهوم آينشتاين كانت فلسفة الشرق الأقصى النسبية التي إعترف هو بنفسه بأهميتها عند صياغته نظريته الإنقلابية. كما لعبت دورها في إكتشافات نيلز بور N.Bohr الذي ساعدته التاوية المدركة للواقع ديناميا ، في الوصول الى إستنتاجاته حول ميكانيكا الكم وتجاوز العقبات المتمثلة بالتعامل الجبري والستاتيكي مع الواقع كنظام آلي للجزيئات المستقلة كانت قد أخذت به أكثرية المناهج الفلسفية الأوربية. وعموما لعب دورا هاما هنا إحتكاك الفنان الغربي المعاصر بالفلسفة الهندية والبوذية وفن التانترا أو فنون الخط الصينية واليابانية ، ومعايشته لإكتشافات الفيزياء التي غيّرت جذريا الآراء حول المادة والطاقة والزمان والمكان ومن ثم الأنثولوجيا والميتافيزيقا.
وفي فن التجريد الهندسي لوحظت منذ البدء ثلاث نزعات : الخلاقة والكشفية التي تعبر عن أهم حقائق الإنسان ، والأخرى التي تعكس حنينه الى النظام والسعي الى التركيب والتكرس لقضية إمكانيات الفن ، والثالثة ذات الأغراض الأستيتيكية الصرفة. الأولى تأتي بصيغها المختلفة كنتيجة للتأمل والبحث الفردي أما الثانية فيشير تطورها الى أنها عملية تأريخية في حين أن الثالثة تتمثل بالفن العملي الذي لا يوظف فكر الفنان بالدرجة الرئيسية ولا فكر المتلقي الذي يتعامل مع نماذج جاهزة ومكرورة على وجه التقريب. والأكيد أن الحدود بين النزعات الثلاث ليست بالصارمة.
وهناك ظاهرة أخرى هي النزوع صوب الهندسة من خلال عملية التركيب. والمثال يقدمه هنا تأريخ الكتابة بدءا بالمسمارية والهيروغليفية وبقية أشكال الكتابة الصورية مثل أبجديات الحضارات المكسيكيكية القديمة . فبدل الشيء أوالحدث المطروح عبر عملية إعادة الخلق نلقى إشارته. والحال نفسها في فن ما قبل التأريخ القائم على التبسيط وأسلبة الشكل مما يقرّبه من فكرة الزخرف الهندسي. وفي التأريخ الأوربي كانت الهندسة قائمة في كل تكوين تصويري أو نحتي منذ زمن النهضة. فهي الهيكل الذي تقام عليه ( المادة الحكائية ) : في عصر النهضة كان المستطيل موضوعا أفقيا أو المثلث المتساوي الأضلاع. وبعدها كانت السائدة في حقبة الباروك أشكال هندسية أخرى كالدائرية واللولبية والإهليليجية. وفي نهاية القرن التاسع عشر إكتشف سيزان الهندسة كقيمة جديدة وليس كهيكل تشييدي للوحة بل كعنصر أساسي لبنية الوسط المادي للإنسان. وهذه الهندسة ( الكامنة ) كشف عنها بأسلوب جديد. وفي تصويره منحها مرتبة لم يكن معترفا بها من قبل. وجاءت التجارب التالية : سيرا والتكعيبيون وديلانوي. وكلها عدّت مراحلا تالية في الكشف عن الجوهر الهندسي. إلا أن التحقيق الهندسي الكامل لم يحصل حينها. كذلك كانت هناك محاولات ( التشييدية Constructivism ) الروسية التي حققت صورة للتجريد الهندسي مكشوفة ومحررّة وأومأت الى أن التعبير يكمن في تكوين العمل الفني ذاته ومع تجاوز أهمية وظائفه الأخرى مثل التقديم أو التعبير عن المشاعر والأفكار. وفي النصف الثاني من القرن العشرين تطورت شتى أشكال الفن الهندسي وبضمنها الأعمال ذات الأبعاد الثلاثة الا أنها حاولت جميعها الإنصراف عن التقليد الحكائي والسرد والتفصيل والتوجه صوب الفكرة والتعميم وبذلك صرفت إنتباه المتلقي عن البعد الإنفعالي ودفعته صوب الآخر التفكيري أو التأمل. و يسهل ملاحظة ثلاث طبقات لمادة الطرح في فن الهندسة : الأولى هي ذات أكبر شمولية ويتميز بها كل خطاب من منطقة التجريد الهندسي حتى إذا كان ذا طابع تزييني. والثانية يكون محرّكها تيارا معينا في الفن الهندسي يجده الفنان ملائما لمزاجه وشخصيته. مثلا كان من المعلوم أن التشييدية الروسية قد إنسحرت بالعلم والتكنيك كتعبيرعن التوكيد المليء بالزهو ، على حضارة القرن العشرين القائمة على مبدأ الإكتشاف والمكننة. ولكن الملاحظ في الجهة الأخرى أن الأوب – آرت ( البصري ) op - art وفن الحركية Kinetic art قاما على مبدأ خداع الحواس ( الإيهام ) مما يعني في المحصلة موقفا مناوئا للتشييدية وتفاؤلها المعروف. فالثاني هو فن الهزء من الإمكانيات التعرفية للحواس أي من الجهاز الأساسي للتجربة.
ولم تقتصر التجربة الغربية في حقل التجريد الهندسي على تيارات كشفية كبرى كالتفوقية الروسية Suprematism والبلاستيكية الجديدة Neo- Plasticim وفن الحد الأدنى Minimal art فهناك أسماء بارزة خارج هذه التيارات مثل باول كلي ومارك روتكو M. Rothko وغيرهما. الا أن الكل يجمعهم الهدف النهائي لفن التجريد الهندسي : تحريك أوتار مهمة في بنية الإنسان الروحية من خلال الفكر والتأمل. مثلا البلاستيكية الجديدة التي كانت في الأساس نتاجا للتكعيبية منحها البعد المفهومي والفلسفي ، قد وجدت أن الإنسان المعاصر يبتعد عامة عن التفكيرالشيئي وأن فكره أصبح تجريديا مما يدفع الفن الى ولوج طريق الرياضيات أي نبذ العوامل الذاتية ، والتعبير عن ما شمولي وغير متبدل ، و أنه على الفن أن يكون مصورا للقوانين التي تتحكم بالكون. فكما ذكرنا سابقا تسود الطبيعة أبسط العلاقات التي تعبر عن نفسها وفق مبدأ تضاد شيئين أو ظاهرتين ، والبلاستيكية الجديدة تمسك هذه العلاقات في إتجاهين أساسيين للخط : الأفقي والشاقولي في زاوية قائمة. أما التأثير اللوني فتملكه ثلاثة ألوان اساسية هي الأصفر والأحمر و الأزرق ، ووظيفتها هي التعبير عن المادة في حين أن الألوان ( المحايدة ) كالأسود والأبيض أو الرمادي تعبر عن المكان .. وفي التكوينات القائمة وفق مباديء هذه المدرسة ومن خلال التوزيع المناسب لإيقاعات الخطوط و( ثقل ) السطوح الملونة يكون من الممكن تحقيق الهارموني الذي يوائم بدوره القوانين ا