رسائل ميٌ زيادة وجبران خليل جبران . المفكرة ..
من الناس من يعيش للمال , ومنهم من يعيش للمجد , أو لخدمة الوطن أو للعلم ، ولخدمة نفسه والسعي وراء مسرته . ومنهم من يعيش لقلبه نائحاً على حب مضى منتظراً حباً مقبلاً . ومنهم من يعيش يومه ليومه وساعته لساعته ومنهم من يعيش لأسرته أو لبعض أفرادها ولو على حساب الأفراد الآخرين . غايات لا عداد لها تتنوع باختلاف الناس وباختلاف استعداداتهم ومداركهم . فلأي شيء كان يعيش جبران خليل جبران ؟
إن الذين تتبعوا كتاباته قد كانوا يظنون أنه يعيش لفنه الثلاثي : من أدب باللغة العربية , وأدب باللغة الانجليزية وتصوير يدوي ورسم . ولكنه في الواقع لم يكن يعيش لشيء من هذا . ها هو ذا يصف نفسه – وبأية بلاغة نادرة فريدة ! – في رسائل لم يفكر يوماً في أنها ستنشر عند وفاته ولا أنا تخيلت مرة أني سأنشر شيئاً منها وبخاصة في مثل هذا الظرف :
" .. صحتي اليوم أردأ نوعاً مما كانت عليه في بدء الصيف . فالشهور الطويلة التي صرفتها بين البحر والغاب قد وسعت المجال بين روحي وجسدي . أما هذا الطائر الغريب ( يعني قلبه وقد كان مصاباً فيه ) الذي كان يختلج أكثر من مئة مرة في الدقيقة فقد أبطأ قليلاً بل كاد يعود إلى نظامه الاعتيادي . غير أنه لم يتماهل إلا بعد أن هد أركاني وقطع أوصالي . إن الراحة تنفعني من جهة وتضر بي من جهة أخرى . أما الأطباء والأدوية فمن علتي بمقام الزيت من السراج . لا , لست بحاجة إلى الأطباء والأدوية , ولست بحاجة إلى الراحة والسكون . أنا بحاجة موجعة إلى من يأخذ مني ويخفف عني , أنا بحاجة إلى فصادة معنوية , إلى يد تتناول مما ازدحم في نفسي , إلى ريح شديدة تسقط أثماري وأوراقي . أنا , يا مي , بركان صغير سدت فوهته فلو تمكنت اليوم من كتابة شيء كبير وجميل لشفيت تماما . لو كان بإمكاني أن أصرخ صوتاً عالياً لعادت إلي عافيتي , وقد تقولين " لماذا لا تكتب فتشفى لماذا لا تكتب فتتعافى ؟"
وأنا أجيبك " لا أدري . لا أدري . لا أستطيع الصراخ وهذه هي علتي . هي علة في النفس ظهرت أعراضها في الجسد .
" وتسألين الآن " إذن ما أنت فاعل ؟ وماذا عسى تكون النتيجة؟ وإلى متى تبقى هذه الحالة ؟"
" أقول إنني سأشفى . أقول إني سأنشد أغنيتي فأستريح . أقول إنني سأصرخ من أعماق سكينتي صوتاً عالياً . بالله عليك لا تقولي لي " لقد أنشدت كثيراً وما أنشدته كان حسنا " لا تذكري أعمالي ومآثري الماضية لأن ذكرها يؤلمني , لأن تفاهتها تحول دمي إلى نار محرقة , لأن نشوتها تولد عطشي , لأن سخافتها تقيمني وتقعدني ألف مرة ومرة في كل يوم وفي كل ليلة . لماذا كتبت تلك المقالات وتلك الحكايات ؟ لماذا لم أصبر ؟ لماذا لم أضن بالقطرات فأدخرها وأجمعها ساقية ؟ وقد ولدت وعشت لأضع كتاباً – كتابا واحدا صغيرا – لا أكثر ولا أقل . قد ولدت وعشت وتألمت وأحببت لأقول كلمة واحدة حية مجنحة , لكني لم أصبر , لم أبق صامتا حتى تلفظ الحياة تلك الكلمة بشفتي . لم أفعل ذلك بل كنت ثرثارا فياللأسف وياللخجل ! وبقيت ثرثاراً حتى أنهكت الثرثرة قواي . وعندما صرت قادرا على لفظ أول حرف من كلمتي وجدتني ملقى على ظهري وفي فمي حجر صلد .
" لا بأس .. إن كلمتي لم تزل في قلبي وهي كلمة حية مجنحة ولا بد من قولها . لا بد من قولها لتزيل بوقعها كل ما أوجدته ثرثرتي من الذنوب . لا بد من إخراج الشعلة "
ذا ما يقوله ذاك الذي لم يكتب يوماً إلا الكلمة المجنحة الحية المحيية . هذا ما يقوله ذاك الذي لم تكن كل كلمة كتبها إلا شعلة منفصلة عن شعلة روحه أي عبقري لا يخجل بكتاباته السالفة , نظرا لسرعة التطور المكتسح كيانه ؟ إن العبقرية الحقة كثيرا ما تقاس بهذا الخجل الذي ينتاب صاحبها , ولو هو حاز بكتاباته إعجاب العالم .
كتب رسالته تلك بعد إصدار كتابه " النبي" الذي تناولته بالترجمة إلى لغاتها عشرة شعوب مختلفة وكانت مجلات العالم وصحفه تتناقل كلمات جبران , ابن الشر ورسومه التي لا تضاهى . رسوم وكلمات لا يأتي بها إلا ذو المواهب الفذة , الذي جرده تهذيبه لفنه من كل زهو وكل دعوى , فسار شوطا بعيدا في جادة الوحدة الرهيبة التي لا يقوى على سلكها إلا الخلاق المبدع من بني الإنسان .
إن جبرانا لم يكن ليسير وحده , بل كان شبح الموت يماشيه أنى ذهب . كان يعرف نفسه مقبلا على الرحيل بينما هو يصدر كتبه بالانجليزية " المجنون" و" السابق" و "النبي" و " رمل وزبد" و" يسوع ابن الإنسان" تحفة تلو الأخرى , فضلا عن كتبه العربية التي نعرفها جميعا وفضلا عن مجموعات رسومه التي كانت مفخرة العبقرية الشرقية بين أقوام تعرف معنى العبقرية ولا يفوتها من خصائصها شيء .
وكان آخر كتبه الانجليزية كتاب " آلهة الأرض" الذي نعكف اليوم على مطالعته – وبأي حزن ! – وقد تلقيناه يوم إذاعة نعيه في مصر , وفيه اثنتا عشرة صورة من رسم يده . تلك كانت شيمة جبران في مؤلفاته الانجليزية وفي بعض رسائله الخاصة أيضاً إذ كان يلخص الجملة والمعنى رسما على هامش القرطاس في الغالب , أو هو يشرحه في صورة عجيبة تشغل الصفحة بحذافيرها . ليعود مرة بعد مرة إلى رسم شعاره التصويري الذي يمثل يدا تقدم كل حياتها وقوداً , وتظل اللهب خارجة من تلك اليد الكريمة وصاحبها يفكر في الحياة كما يفكر في الموت . فيقول في خطاب آخر كتبه بعد شهور طويلة .
" أتعلمين , يا مي , أني ما فكرت في الانصراف ( الذي يسميه الناس موتاً ) إلا وجدت في التفكير لذة غريبة وشعرت بشوق هائل إلى الرحيل . ولكني أعود فأذكر أن في قلبي كلمة لا بد من قولها فأحار بين عجزي واضطراري وتغلق أمامي الأبواب .
"لا " لم أقل كلمتي بعد , ولم يظهر من هذه الشعلة غير الدخان , وهذا ما يجعل الوقوف عن العمل مرا كالعلقم . أقول لك , يا مي , ولا أقول لسواك إني إذا انصرفت قبل تهجئة كلمتي ولفظها فإني سأعود ثانية لتحقيق أمنيتي . سأعود لأقول الكلمة التي تتمايل الآن كالضباب في سكينة روحي .
" أتستغربين هذا الكلام ؟ إن أغرب الأشياء أقربها إلى الحقائق الثابتة . وفي الإرادة البشرية قوة واشتياق يحولان السديم فينا إلى شموس ..."
إننا ننحني أمام ضريح جديد بعيد نام فيه ذاك القائل :" إن حنيني إلى الشرق يكاد يذيبني . فمتى , متى أعود إلى بلادي ؟". ننحني أمام القبر الذي ينام فيه رجل هو بروحه للإنسانية كلها ولكنه بجسده غريب بين الغرباء . أننحني لنقول كلمة الوداع ؟ لقد جزنا هذا التطور من الغفلة فصرنا نعلم أن الناس إلى الدار الأخرى متتابعون
فهنيئا لك برحيلك , يا أخي , لقد أعطيت كثيرا , وإن أغاظتك هذه الكلمة , لقد أعطيت كثيرا وقال فيك الشرق للغرب " هاأنا ذا !" كما قال فيك الشرق الناهض لنفسه " هاأنا ذا ! ها أنا ذا !" حسنا فعلت بأن رحلت !
فإذا كان لديك كلمة أخرى فخير لك أن تصهرها وثقفها وتطهرها وتستوفيها في عالم ربما كان يفضل عالمنا هذا في أمور شتى ...
حسنا فعلت بأن رحلت , يا أخي ! ففي ذمة الله وفي رحمته التي تسعنا جميعا أحياء كنا أو أمواتا !
يعتبر جبران خليل جبران من الأدباء الذين أثرَوْا فن المراسله عند العرب بما تركه من رسائل لفتت نظر الباحثين وأثارت فضولهم , فولجوا عبرها إلى عالم جبران المليء بالرموز والأسرار .. لقد فتح جبران فتحاً جديداً ورائعاً في دنيا الأدب العربي , عندما تحول عن التأليف بالعربيه ألى التأليف بالأنجليزيه.. حتى لمع أسمه في كثير من الدول الأجنبيه ..
وفي هذا الموضوع أود أن أسلّط الضوء على الحب الذي نشأ بين جبران ومي زياده , , حب فريد لامثيل له في تاريخ الأدب , أو في سير العشاق ,مثال للحب النادر المتجرد عن كل ماهو مادي وسطحي .
لقد دامت تلك العاطفه بينهما زهاء عشرين عاماً , دون أن يلتقيا الاّ في عالم الفكر والروح , والخيال الضبابي إذ كان جبران في مغارب الأرض مقيماً وكانت مي في مشارقها , كا ن في امريكا وكانت في القاهره. لم يكن حب جبران وليد نظره فابتسامه فسلام فكلام بل كان حباً نشأ ونما عبر مراسله أدبيه طريفه ومساجلات فكريه وروحيه ألفت بين قلبين وحيدين , وروحين مغتربين .ومع ذلك كانا أقرب قريبين وأشغف حبيبين ..
كان طبيعياً جداً أن يتعارف بطلا هذا الحب عن طريق الفكر والنشر في اوائل هذا القرن , بعد ان أصاب كل منهما شهره كبيره .. كانت مي معجبه بمقالات جبران وافكاره فبدأت بمراسلته عقب أطلاعها على قصته ( الأجنحه المتكسره ) التي نشرها في المهجر عام 1912م, كتبت له تعرب عن أعجابها بفكره واسلوبه , وتناقش اراءه في الزواج وقيوده , والحب وأطواره حسب رؤيته في هذه القصه التي قرأتها له ...
وتعرض عليه رأيها في وجهة نظره في حرية المرأه التي طالب بها والتي
اتفقت معه في أمر وعارضته في جانب آخر , حيث قالت " لايصح لكل أمرأه لم تجد في الزواج السعاده التي حلمت بها أن تبحث عن صديق غير زوجها فلا بد أن تتقيد المرأه بواجبات الشراكه الزوجيه تقيداً تام حتى لو هي سلاسل ثقيله , فلو توصل الفكر الى كسر قيود الأصطلاحات والتقاليد فلن يتوصل الى كسر القيود الطبيعه لأن أحكام الطبيعيه فوق كل شيء, وهذه تعتبر خيانه ولوفي مظهرها طاهر وتخون الهيأه الأجتماعيه التي هي عضو عامل فيها "
ومن هنا كانت البدايه ومن ثم تواصل بالرسائل التي كان كل منهما يبحث عن روح الآخر في يقظته وأحلامه , كان كل منهما يسعى لرؤية ذاته في روح صاحبه حتى لكأن تلك الروح هي المرآة التي ينعكس على صفحتها نور الأخر ... وكلما قرأنا هذه الرسائل النابضه بالحياة الناضحه بالصدق , كلما أزددنا يقيناً بأن الحب الذي شد جبران الى مي , وشغف مي بجبران , حب عظيم , بل عشق يكاد يكون صوفياً لأنه تخطى حدود الزمان والمكان والحواس الى عالم تتحد فيه قوة الوجود ..
ويتضح لنا لدى التأمل في بعض الرسائل برغم ضياع بعضها أن الصله بين جبران ومي توثقت شيئاً فشيئاً لأن لهجته في مخاطبتها تدرّجت من التحفظ الى التودد , ومن الأعجاب الى صداقه حميمه , ومن ثمَ الى حب عام 1919م ما أن بلغ ذروته حتى عكرت صفوه سلسله من الخلافات بينهما التي عبّر عنها جبران مرةً " هي معاكسات التي تحوّل عسل القلب ألي مراره " وقال" ان الغريب حقاً في هذه الصله تأرجحها بين الحب الجامح والفتور , بين التفاهم التام الذي كان يضفي عليهما شفافيه روحيه تغمرهما بالسعاده ,وبين سوء التفاهم الذي كان يؤلمهما ويؤدي الى القطيعه احياناً ,,]ولكن شدة ولع كل منهما بالآخر كانت تدفعهما للتصالح مجدداً..
وبرغم كل هذا الحب كان كل منهما يخشى التصريح بعواطفه فيلجأ جبران للتلميح , ويرمز إليها ويضع عبارات وصور مبتكره وجميله ..
فلم ينادِ مي قط بقوله حبيبتي" ولم يخاطبها باللغه المألوفه للعشاق , غير أنه عبّر عن حبه بما هو أبلغ عندما قال:
أنت تحيين فيّ , وانا أحيا فيكِ " ووصف علاقته بها " بأنها أصلب وأبقى بما لايقاس من الروابط الدمويه والأخلاقيه "وبعد أن باح لها , رجاها ان تطعم النار رسالته اذا لم تجد لبوحه الصدى المرجو في نفسها ..
كانت مي في حياة جبران الصديقه, والحبيبه الملهمه , وصلة الوصل بينه وبين وطنه , وأكثر ماحبه فيها عقلها النيّرالذى تجلى في مقالاتها وكتبها , وأحب فيها حبها له .., واعجابها بشخصيته وانتاجه الأدبي والفني الذي كانت تتناوله بالتقريظ والنقد في مقالاتها في مصر ...
وعلى الرغم من كل ماكُتب عن علاقات جبران الغراميه من النساء امثال " ماري هاسكل " وميشلين " فأن حبه لمي كان الحب الوحيد الذي ملك قلبه وخياله ورافقه حتى نهاية حياته فقد كان حبه لها معادلاً حبه العارم لوطنه لبنان ..ولروحانية الشرق , وبالدم العربي الذي يجري في عروقه ,, وهذا مما تؤكده رسائل الشعله الزرقاء , التي هي جوهر النفس الإنسانيه في أسمى صفائها , ويميل المحللون للاعتقاد بأنه لم يكن يفكر في الزواج لاعتلال في صحته منذ شبابه ,,
ولا ريب ان مي احبت جبران حباً جعل المقارنه بينه وبين الذين خطبوا ودّها أمراً مستحيلاً , برغم تردد مي في الإعراب عن مشاعرها وخشيتها في الانطلاق على سجيتها في مراسلته , وذلك بسبب ان جبران كان يعيش في عالم متطور تحررت نساؤه من التقاليد , وحيث أن مي كانت مغلولة القلب والقلم بتأثير البيئه التي عاشت فيها .. وبرغم انها جعلت من بيتها صالوناً أدبياً يلتقي فيه كل ثلاثاء رجال الأدب والفكر امثال احمد لطفي السيد وخليل مطران وطه حسين وعباس محمود العقاد وغيرهم من الأدباء والمفكرين ...
لقد تمنى جبران ان تتحرر مي من عقدها النفسيه وشكوكها ! مي عانت صراعاً نفسياً حاداً في حبها لجبران سبّب لها الشقاء ولجبران العذاب والأرهاق ..
وحين تجاوزت الخامسه والثلاثين من العمر لملمت كل شجاعتها وكتبت أجمل رسالة حب ..
" جبران !
لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب . ان الذين لايتاجرون بمظهر الحب ينمّي الحب في أعماقهم قوه ديناميكيه رهيبه قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في الللاء السطحي لأنهم لايقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر ,, ويفضّلون تضليل قلوبهم عن ودائعها , والتلهي بما لاعلاقه له بالعاطفه , يفضلون أي غربه , وأي شقاء ( وهل من شقاء وغربه في غير وحدة القلب ) على الأكتفاء بالقطرات الشحيحه ..
مامعنى هذا الذي اكتبه ؟ اني لا أعرف ماذا أعني به ! ولكني أعرف انك " محبوبي " , وأني أخاف الحب , أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير .. الجفاف ةالقحط والللا شيء بالحب خير من النزر اليسير , كيف أجسر على الأفضاء اليك بهذا , وكيف أفرّط فيه ؟ لا أدري , الحمدلله اني اكتبه على ورق ولا أتلفّظ به, لأنك لو كنت حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام , ولاختفيت زمناً طويلاً , فما أدعك تراني الا بعد أن تنسى .. حتى الكتابة ألوم نفسي عليها احياناً لأني بها حرة كل هذه الحريه .. قل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى .. فأني أثق بك , وأصدق بالبداهه كل ماتقول ..! وسواء كنت مخطئه فان قلبي يسير اليك , وخير مايفعل هو أن يظل حائماً حواليك , يحرسك ويحنو عليك ..
غابت الشمس وراء الأفق ومن خلال الأشكال والألوان حصحصت نجمه لامعه واحده هي الزهره ,, اترىيسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون ؟ ربما وُجد فيها من هي مثلي , لها جبران واحد , تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء وتعلم ان الظلام يخلف الشفق وان النور يتبع الظلام وأن الليل سيخلف النهار والنهار سيتبع الليل مرات كثيره قبل أن ترى الذي تحبه ... فتتسرب اليها كل وحشة الشفق , وكل وحشة الليل , فتلقي القلم جانباً لتحتمي من الوحشه في إسم واحد : جبران !
ماري زياده
وكانت هذه الرساله تصوّر مي العاشقه أبلغ تصوير ... مما أفرح جبران بتجاوبه معها ...
وهذا الموضوع سأتناول عدة رسائل تمثّل جبران خليل جبران ومي زياده ليس فقط للروعه الأدبيه في الرسائل .. ووصف لأجمل مشاعر لحب خالد سيبقى اسطوره , بل لأنها تحتوي على ادب في فن المراسله ... تستحق الأطلاع عليها ...
رد جبران على رسالة مي ..
"ماألطف قول من قال :
ياميّ عيدك يوم ** وأنتِ عيد الزمان
ما أغرب ماتفعله كلمة واحدة في بعض الأحيان , أنها تحوّل الذات الخفية فينا من الكلام إلى السكوت .. تقولين أنك تخافين الحب ! لماذا تخافينه ؟ أتخافين نور الشمس ؟ أتخافين مدّ البحر ؟ أتخافين طلوع الفجر ؟ أتخافين مجيء الربيع ؟ لماذا ياترى تخافين الحب ؟
أنا أعلم أن القليل في الحب لايرضيكِ , كما أعلم أن القليل في الحب لايرضيني , أنتِ وأنا لا ولن نرضى بالقليل , نحن نريد الكمال ..الكثير , كل شيء !
لاتخافي الحب يارفيقة قلبي , علينا أن نستسلم إليه رغم مافيه من الألم والحنين والوحشه , ورغم مافيه من الألتباس والحيره ..
جبران
ارتاحت مي لهذه اللهجه , وتشجعت على مداعبته في الحديث , والافضاء إليه بخوالج نفسها وهمومها .. كان همها أن يبقى جبران حبيبها الأوحد لتدوم تلك الشعله الزرقاء منهلاً للنعيم والنور في حياتها . أضحت مي شديدة القلق على صحة جبران في سنوات عمره الأخيره كما يبدو جلياً في رسائله إليها ,وقد وصف جبران أسلوبها ورسائلها فقال انها :
( كالنهر الرحيق الذي يتدفق من الأعالي ويسير مترنماً في وادي احلامي , بل كقيثارة التي تقرّب البعيد وتُبعد القريب , وتحوّل بارتعاشاتها السحريه الحجاره إلى شعلات متقّده , والأغصان اليابسه إلى أجنحه مضطربه )
ربما يكو ن أهل مي وبعض المقربين منها قد أطلعوا على صلتها بجبران في حياتها ,ولكن المرجّح انها كانت حريصه على اخفائها عن الناس جميعاً , وأبقتها سراً دفيناً في نفسها حتى ذلك اليوم الذي فجعت بموته عام 1931م , فبعد انقضاء شهر على وفاته اعترفت ميّ لقرائها بوجود مراسله طويله بينها وبين جبران وذلك في مقاله
(جبران خليل جبران يصف نفسه في رسائله) ضمتها فقرات قصيره من رسائله اليها , وعبرت عن حزنها العميق عليه مصّوره غربتها وغربته في الوجود بعبارات موجعه قالت فيها :
"حسناً فعلت بأن رحلت ! فاذا كان لديك كلمه أخرى فخير لك أن تصهرها وتثقفّها , وتطهرها لتستوفيها في عالم ربما يفضل عالمنا هذا في أمور شتى..."
وفي ختام تلك القطعه الوجدانيه المؤثره الفائضه بالحب واللوعه واليأس , أعربت ميّ عن شوقها للرحيل , ولكن مشيئة القدر فرض عليها ان تعيش بعد جبران عشر سنوات تقريباً كانت أسوأ مرحله في حياتها , فقد أستبد بها الحزن ..وعاشت في غمرة الأحزان تمزّقها الوحده والوحشه بعد فقده , أصيبت بانهيار عصبي , تبعه انهيار في صحتها , فاعتزلت الناس , أرسلت الى قريب لها في بيروت دكتور جوزيف زياده رساله مؤثره وصفت الآمها وتردّي صحتها , تلك المحنه قادتها الى لبنان موطنها الأصلي وأدخلتها ظلماً الى مصح الأمراض العقليه مما طعنها في كرامتها ,وقضت ثلاث سنوات متنقله بين ( العصفوريه ) كما يسمونه , ومصح دكتور بيريز وبين بيت متواضع , الى أن هبّوا اقاربائها لأنقاذها , وعادت لى القاهره عاشت سنتين ونصف , الى أن ذوت شيئاً فشيئاً ,فتوفيت عام 1941م
وماهو جدير بالذكر ان مي عندما كانت في لبنان اصطحبت رسائل جبران معها , وكانت تلجاً اليها على انفراد , حين يشفّها الوجد , وصوره لجبران كتبت بخطها الى جانب الصوره ...
( وهذه مصيبتي منذ أعوام )
ومن رسائل جبران الي مي ..
حضرة الأديبه والفاضله الآنسه ماري زياده المحترمه ..
سلام على روحك الطيبه .. لقد أستلمت أعداد من مجلات المقتطف التي تفضلّت بأرسالها ..فقرأتها وأنا بين السرور والأعجاب الشديد ..ولقد وجدت في مقالاتك سرباً من تلك الميول والمنازع التي طالما حامت حول فكرتي وتتبعت احلامي , ولكن هناك مبادىء ونظريات أخرى وددت لو كان البحث فيها شفهياً , ولكن بما ان القاهره في مشارق الأرض ونيويورك في مغاربها ليس من سبيل إلى الحديث الذي أوده وأتمناه ..
أن مقالاتك تبيّن سحر مواهبك , وغزارة أطلاعك وملاحة ذوقك في الأنتقاء والأنتخاب والترتيب .. وتبيّن اختباراتك النفسيه الخاصه , فالأختبار أو الأقتناع النفسي يفوق كل علم وكل عمل , وهذا مايجعل بحوثك أفضل ماجاء في اللغه العربيه ..
ولكن لي سؤال أستأذنك بطرحه لديك وهو هذا : الا يجيء يوم ياتُرى تنصرف فيه مواهبك الساميه من البحث في مآتي الأيام إلى اظهار أسرار نفسك واختباراتها ومخآبها النبيله ؟ أفليس الابتداع أبقى من البحث في المبدعين ؟ ألا ترين أن نظم قصيده أو نثرها أفضل من رساله في الشعر والشعراء ؟ إني كواحد من المعجبين بك أفضل أن أقرأ لك قصيده في ابتسامة , من أقرأ لكِ رساله في تاريخ الفنون المصريه , وكيف تدرجها من عهد إلى عهد ومن دوله إلى دوله, لأن بنظمك قصيده تهبينني شيئاً نفسياً ذاتياً , أما بكتابتك في تاريخ الفنون المصريه تدلينني على شيء عمومي عقلي ؟ والفن هو اظهار مايطوف ويتمايل ويتجوهر في داخل الروح ..
مي ..
ليس ماتقدم سوى شكل من الأستعطاف بأسم الفن .. فأنا أستعطفك لأني أريد أن أستميلك إلى تلك الحقول السحريه حيث سافو (1) وايليزابيت براوننغ (2) وغيرهن من اخواتك اللواتي بنين سُلّماً من الذهب والعاج بين الأرض والسماء.
والله يحفظك للمخلص
جبران خليل جبران
(1) سافو شاعره اغريقيه لها تسع داووين من الشعر الغنائي والأناشيد
(2) ايليزابيت براوننغ شاعره بريطانيه مبدعه تمتاز قصائدها بالعمق والرقه والنزعه الصوفيه, وهي زوجة الشاعر الانجليزي روبيرت براوننغ الذي احبها من خلال قصائدها قبل أن يتعرف اليها وعندما زارها احبته حباً عارماً جعلها تتغلب على مرض عضال كان قد أقعدها .
ومن رسائل جبران الى مي ..
عزيزتي الآنسه مي ..
لقد أعادت رسالتك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع وألف خريف ..
هل تعلمين ياصديقتي انني كنت اجد في حديثنا المتقطع التعزيه والأنس والطمأنينه , وهل تعلمين بأنني اقول لذاتي هناك في مشارق الأرض صبيه ليست كالصبايا , اتخذت بلادي بلاداً لها وقومي قوماً لها ,هل تعلمين بأنني كنت أهمس هذه الأنشوده في أذن خيالي كلما وردت عليّ رساله منك ؟ لو علمتِ لما أنقطعت عن الكتابه أليّ - وربما علمتِ فانقطعت وهذا لايخلو من أصالة الرأي والحكمه.
أما مقالة أبي الهول فالسماء تعلم بأنني لم اطلبها منك إلا بعد الحاح مستمر من صاحب مجلة الفنون ( سامحه الله ) فلو كتبتِ إلي في ذلك الزمن قائله " لاميل لي الآن إلى كتابة مقالة في أبي الهول " لقلت مترنماً : " لتعش مي طويلاً فهي ذات مزاج فني لاغش فيه " الخلاصه أنني سأسبقك في كتابة مقاله , في ابتسامة أبي الهول! وبعد ذلك سأنظم قصيده في ابتسامة ميّ ولو كان لدي صورتها مبتسمه لفعلت اليوم , ولكن عليّ أن أزور مصر لأرى ميّ وابتسامتها .. , أليس في ابتسامة الصبيه اللبنانيه سرّ لايستطيع ادراكه واعلانه غير اللبناني , أم هي المرأه اللبنانيه كانت أم أيطاليه تبتسم لتخفي أسرار الابديه وراء ذلك النقاب الذي تحوكه الشفاه ؟
أما مؤلفاتي عن " المجنون" أنت تقولين أن فيه مايدل على القسوه بل وعلى" الكهوف المظلمه" , وأنا للآن لم أسمع مثل هذا الأنتقاد بل الغريب أن أكثر الأدباء الغربيين قد أستحسنوا القطعتين -
ماذا ينفع الأنسان إذا ربح أستحسان العالم وخسر أستحسان ميّ؟
وماذا أقول عن كهوف روحي ؟ تلك الكهوف التي تخيفك - اني التجىء اليها عندما اتعب من سبل الناس الواسعه وحقولهم المزهره وغاباتهم المتعرشه . أني أدخل كهوف روحي عنما لاأجد مكاناً آخر أسند إليه رأسي , ولو كان لبعض من أحبهم الشجاعه لدخول تلك الكهوف لما وجدوا فيها سوى رجل راكع على ركبتيه وهو يصلي .
أما أستحسانك الرسوم الثلاثه في " المجنون " فقد سرني ودلني على وجود عين ثالثه بين عينيك , وقد طالما عرفت أن وراء اذنيك اذان خفيه تسمع تلك الأصوات الدقيقه الشبيهه بالسكوت - تلك الأصوات التي لاتحدثها الشفاه والألسنه بل ماوراء الألسنه والشفاء من الوحده العذبه , والألم المفرح , والشوق إلى ذلك العالم البعيد الغير معروف .
ماأكثر الذين يتوهمون أنهم يفهموننا لأنهم وجدوا في بعض مظاهرنا شيئاً شبيهاً بما اختبروه مره في حياتهم .
ليتهم يكتفون بادعائهم ادراك أسرارنا - تلك الأسرار التي نحن ذواتنا لاندركها _
أو ليس ذلك بالأديب الذي يقول بأنك تقلدينني في بعض كتاباتك من هؤلاء البشر الذين يدّعون فهمنا ومعرفة خفايانا ؟
هل تستطيعين اقناعه بأن الأستقلال هو محجّه الأرواح وإن اشجار السنديان الصفصاف لاتنمو في ظلال بعضها بعضا؟
هأنا قد بلغت هذا الحد من رسالتي ولم أقل كلمه واحده مما قصدت أن أقوله عنك عندما ابتدأت . ولكن من ياترى يقدر أن يحوّل الضباب اللطيف إلى تماثيل وأنصاب ؟
ولكن الصبيه اللبنانيه التي تسمع ماوراء الأصوات سترى في الضباب الصور والأشباح .
والسلام على روحك الجميله ووجدانك النبيل وقلبك الكبير والله يحرسك .
المخلص
جبران خليل جبران
رساله قصيره .. من جبران الى مي ..
عزيزتي الانسه ميّ ..
إني باعث اليك بأول نسخه بلغت يدي من كتاب " المواكب " (1) الذي صدر اليوم , وهو كما تجدينه , حلم لم يزل نصفه ضباباً , والنصف الاخر يكاد يكون جسماً محبوباً , فإن استحسنت فيه شيئا تحوّل هو إلى حقيقه حسنه , وأن لم تستحسني فيه شيئاً عاد إلى الضباب بجملته .
وألف تحيه وسلام إلى روحك الطيبه والله يحفظك ويحرسك .
(1)
المواكب من القصائد القليله التي اتبع جبران في نظمها الوزن والقافيه وقد ذيّلها بمجموعه من الرسوم معبراً عن خطراته الفلسفيه في كل من الشعر والرسم , ونشرت عام 1919م ونقدتها مي في مجلة الهلال المصريه .
________________________________________
عزيزتي الآنسه ميّ
رجعت اليوم من سفره مستطيله إلي البريّه فوجت رسائلك الثلاث والمقال الجميل الذي تفضلت بنشره في جريدة المحروسه.. ولقد انصرفت عن كل ماوجدته بانتظاري في هذا المكتب , لأصرف نهاري مصغياًَ إلى حديثك الذي يتمايل بين العذوبه والتعنيف - أقول التعنيف لأني وجدت في رسالتك الثانيه بعض الملاحظات التي لو سمحت لنفسي الفرحه أن تتألم لتألمت منها . ولكن كيف اسمح لنفسي النظر إلى شبه سحابه في سماء صافيه مرصعه بالنجوم ؟
وكيف أحوّل عيني عن شجره مزهره إلى ظل من اغصانها ؟
وكيف لاأقبل وخزه صغيره من يد عطره مفعمه بالجواهر ؟
إن حديثنا الذي انقذناه من سكوت خمسة أعوام لا ولن يتحول إلى عتاب أو مناظره , فأنا أقبل كل ماتقولينه لأعتقادي بأنه يجمل بنا وسبعه الآف ميل تفصلنا الأ نضيف فتراً واحداً الى هذه المسافه الشاسعه , بل أن نحاول تقصيرها بما وضعه الله فينا من الميل إلى الجميل والشوق إلى المنبع والعطش الخالد ..
يكفينا ياصديقتي مافي هذه الأيام وهذه الليالي من الأوجاع والتشويش والمصاعب , وعندي أن فكرة تستطيع الوقوف أمام المجرد المطلق لاتزعجها جاءت في كتاب أو ملاحظه أتت في رساله ,إذاً فلنضع خلافاتنا , وأكثرها لفظيه - في صندوق من ذهب ولنرمي بها إلى بحر من الأبتسامات..
ماأجمل رسائلك ياميّ وما أشهاها , فهي كنهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترنماً في وادي أحلامي , بل هي كقيثارة اورفيوس (1) تقرّب البعيد وتبعد القريب , وتحول بارتعاشاتها السحريه الحجاره إلى شعلات متقده والاغصان اليابسه إلى اجنحه مضطربه , إن يوماً يجيئني منك برساله لهو من الأيام بمقام القمه من الجبل , فما عسى أن أقول في يوم يجيئني بثلاث رسائل !؟
ذلك يوم أتنحى فيه عن سبل الزمن لأصرفه متجولاً......
وبما اجيب على سؤالاتك ؟ وكيف استطيع متابعة الحديث وفي النفس مالا يسيل مع الحبر , فما بقي صامتاً ليس بالغير مفهوم لديك .
تقولين في رسالتك الأولى (( لو كنت انا في نيويورك لكنت زرت مكتبك الفنّي في هذه الأيام )) أفلم تزوري مكتبي قط ؟
أليس وراء اثواب الذكرى الظاهره جسد خفي للذكرى ؟
إنما مكتبي هيكلي وصديقي ومتحفي وجنتيي وجحيمي .. هو غاب تنادي فيه الحياة للحياة ,, وهو صحراء خاليه أقف في وسطها فلا أرى سوى بحر من رمال وبحر من أثير , أن مكتبي ياصديقتي هو منزل بدون جدران وبدون سقف , في مكتبي اشياء كثيره احبها واحافظ عليها , انا مولّع بالآثار القديمه وفي زوايا المكتب مجموعه صغيره من طرائف الاجيال وبعض نفائسها كتماثيل والواح مصريه ويونانيه ورمانيه وزجاج فينيقي وخزف فارسي وكتب قديمه العهد ورسوم ايطاليه والآت موسيقيه تتكلم وهي صامته , أحب الاثار القديمه واشغف بها لأنها من اثمار الفكره البشريه السائره بالف قدم من الظلام نحو النور - تلك الفكره الخالده التي تغوص بالفن الى اعماق البحار وتصعد به الى المجرّه .
أما قولك (( ماأسعدك أنت القانع بفنك )) فقد جعلتني أفكر طويلاً , لاياميّ لست بقانع ولا انا بسعيد , في نفسي شيء لايعرف القناعه ولكنه ليس كالطمع, ولا يدري مالسعاده غير أنه لايشابه التعاسه .
في اعماقي خفقان دائم وألم مستمر ولكنني لااريد ابدال هذا ولا تغيير ذاك - ومن كان هذا شأنه فهو لايعرف السعاده ولا يدري ماهي القناعه , ولكنه لايشكو لأن في الشكوى ضربا من الراحه وشكلاً من التفوق .
مي اخبريني هل أنت سعيده وقانعه بمواهبك العظيمه ؟ اكاد اسمعك هامسه " لست بقانعه ولا أنا بسعيده " ان القناعه هي الأكتفاء و الأكتفاء محدود زانت غير محدوده ..
ماذا اقول عن جوي المعنوي !؟ لقد تبدلت حياتي من الهدوء الى الضجيج , كم مره هربت من هذه المدينه الهائمه الى مكان قصيّ لأتخلص من اشباح الناس ومن اشباح نفسي ايضاً.
سوف يجيء يوم اهرب فيه الى الشرق . ان شوقي الى وطني يكاد يذيبني , ولولا هذا القفص الذي حبكت قضبانه بيدي - لاعتليت متن اول سفينه سائره شرقاً, ولكن أي رجل يستطيع أن يترك بناءٍ صرف عمره بنحت حجارته وصفّها ؟ حتى ولو كان ذلك البناء سجناًله فهو لايستطيع ولا يريد ان يتخلص منه في يوم واحد .
ان استحسانك " المواكب "جعلها عزيزه علي , اما قولك بأنك ستظهرين ابياتها فمنّة احني امامها رأسي ,غير انني اشعربأن حافظتك خليقه بقصائد اسمى وأبلغ وانبل من كل ماجاء في المواكب, بل ومن كل ماكتبته واكتبه , ولست بمبالغ بانك اول صبيه شرقيه مشت بقدم ثابته ورأس مرفوع , وملامح منفرجه كأنها في بيت ابيها ..
ألا فأخبريني كيف عرفت كل ماتعرفين وفي اي عالم جمعت خزائن نفسك , وفي اي عصر عاشت روحك قبل مجيئها لبنان , أن في النبوغ سراً اعمق من سر الحياة ..
احمد الله ياميّ على انقضاء الأزمه عندكم , ولقد كنت اقرأ اخبار تلك المظاهرات فأتخيلك هائبه فأهاب , مضطربه فاأضطرب ..
ها قد غمر المساء هذا المكتب بوشاحه فلم أعد أرى ماتخطه يدي , والف تحيه لك والف سلام عليك والله يحفظك ويحرسك دائماً
صديقك المخلص
جبران خليل جبران
*****
ماذا ينفع الأنسان إذا ربح أستحسان العالم وخسر أستحسان ميّ؟
إني باعث اليك بأول نسخه بلغت يدي من كتاب " المواكب " (1) الذي صدر اليوم , وهو كما تجدينه , حلم لم يزل نصفه ضباباً , والنصف الاخر يكاد يكون جسماً محبوباً , فإن استحسنت فيه شيئا تحوّل هو إلى حقيقه حسنه , وأن لم تستحسني فيه شيئاً عاد إلى الضباب بجملته
حب جبران لها جعلها توأم روحه الذي يعد رأيها من الأولويات والمسلّمات التي يؤمن بها ...!
وهل تعلمين بأنني اقول لذاتي هناك في مشارق الأرض صبيه ليست كالصبايا , اتخذت بلادي بلاداً لها وقومي قوماً لها ,هل تعلمين بأنني كنت أهمس هذه الأنشوده في أذن خيالي كلما وردت عليّ رساله منك ؟ لو علمتِ لما أنقطعت عن الكتابه أليّ - وربما علمتِ فانقطعت وهذا لايخلو من أصالة الرأي والحكمه ..
ولقد انصرفت عن كل ماوجدته بانتظاري في هذا المكتب , لأصرف نهاري مصغياًَ إلى حديثك الذي يتمايل بين العذوبه والتعنيف - أقول التعنيف لأني وجدت في رسالتك الثانيه بعض الملاحظات التي لو سمحت لنفسي الفرحه أن تتألم لتألمت منها . ولكن كيف اسمح لنفسي النظر إلى شبه سحابه في سماء صافيه مرصعه بالنجوم ؟
وكيف أحوّل عيني عن شجره مزهره إلى ظل من اغصانها ؟
وكيف لاأقبل وخزه صغيره من يد عطره مفعمه بالجواهر ؟
إذاً فلنضع خلافاتنا , وأكثرها لفظيه - في صندوق من ذهب ولنرمي بها إلى بحر من الأبتسامات..
ماأجمل رسائلك ياميّ وما أشهاها , فهي كنهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترنماً في وادي أحلامي , بل هي كقيثارة اورفيوس (1) تقرّب البعيد وتبعد القريب , وتحول بارتعاشاتها السحريه الحجاره إلى شعلات متقده والاغصان اليابسه إلى اجنحه مضطربه , إن يوماً يجيئني منك برساله لهو من الأيام بمقام القمه من الجبل , فما عسى أن أقول في يوم يجيئني بثلاث رسائل !؟
ذلك يوم أتنحى فيه عن سبل الزمن لأصرفه متجولاً......
عمد جبران الى الكشف عن فيض شوقه وتعرية مشاعره وضعف ارادته في مقاومة فرحته العارمه أمام رسائلها ..!
حب جامح خاض امواجه حتى الغرق ..!
في اعماقي خفقان دائم وألم مستمر ولكنني لااريد ابدال هذا ولا تغيير ذاك - ومن كان هذا شأنه فهو لايعرف السعاده ولا يدري ماهي القناعه , ولكنه لايشكو لأن في الشكوى ضربا من الراحه وشكلاً من التفوق
فلسفة جبران المعهوده ..!
المعانآة والألم والقلق احياناً يخلق الفن والأدب والشعر والأبداع كما ظهر في شخصية جبران ..!
ألا فأخبريني كيف عرفت كل ماتعرفين وفي اي عالم جمعت خزائن نفسك , وفي اي عصر عاشت روحك قبل مجيئها لبنان , أن في النبوغ سراً اعمق من سر الحياة ..
احمد الله ياميّ على انقضاء الأزمه عندكم , ولقد كنت اقرأ اخبار تلك المظاهرات فأتخيلك هائبه فأهاب , مضطربه فاأضطرب ..
يخاطب ميّ كأنه يخاطب نفسه بكل عفويه وبدون تكلف وبكل صدق وبساطه ..!
رسائل في كل مره نتمعن بها وكأننا نقرؤها من جديد ..
نصوص تعتبر من الدرر الأدبية التي يندر ما تجمع بين الصدق والإبداع في التعبير عن المشاعر ...!!
جبران متعدد المواهب مفكر وأديب وشاعر وفيلسوف.. ويستطيع أن يوفّق بينهم .. لأنه كاتب مؤلف عبقري ..ويدين للفضل الى ماري هاسكل التي اكتشفت نبوغه قبل جميع الناس , وشملته برعايتها بالتشجيع ودراسة الرسم والمساعده المعنويه والماديه والمساعده في ترجمة كتبه العربيه الى الإنجليزيه..ومن شدة إخلاصه لرسالته الأدبيه في التأليف .. قرأ مره فصلاً من كتاب " النبي " على زائريه , فيه فقرات عن الزواج , فأخذ بعضهم يسأله عن سبب إحجامه عن الزواج فأجابهم مبتسماً :
لو تزوجت , وانصرفت عن زوجتي أياماً , لانهماكي في الرسم والشعر , لأدى ذلك إلى متاعب جمه , فقلما تتحمل امرأه تحب زوجها مثل هذه الحالة طويلاً "
ولم تكتفي بهذا الجواب فصارحته بهذا السؤال , " ألم تحب أبداً في حياتك ؟"
فما كان منه إلا أن نهض من مكانه , وتغيرت ملامحه , وأخذ يخاطب السائله بصوت متهدج قائلاٍ :
سأسرّ لك بأمر تجهلينه .. إن أقوى الناس على وجه الأرض فيما يتعلق بالمسائل العاطفيه هم المبتكرون والفنانون , أمثال الرسامين والشعراء والنحاتين والموسيقيين , وهكذا كانت الحال منذ الخليقه , ويعتقد هؤلاء الفنانون والمبتكرون أن العاطفه تتمثل فيها الجمال والعظمه , وقد كانت جميله منذ القدم , ولكنها على الدوام حييه وخجوله "
تقول سكرتيرته برباره يونغ التي لازمته سبع سنوات " كان حيياً فوق كل حياء , خجولاٍ فوق كل خجل , كتوماًفوق كل كتمان , حتى أنه يتردد في مقابلة الناس احياناً , ويتردد في مخاطبة الجماهير , ويتردد حتى في وضع سماعة التلفون على أذنه , كان حييا كتوما لأن الطبيعه ألقت به في أحضان عالم ليس هو منه "
كان وديعاً يعزي الحزانى , ويعاملهن برقه , ويغفر لمن يسيء إليه , فقد حدث مره أنه غبن في تركه من التركات , وحاولت بعض النساء أن تسلبه مبلغاً كبيراً من المال , وكان لابد من رفع دعوى عليها , ولكن إحداهن شهرت في وجهه كتابه " النبي " فقال لبرباره سكرتيرته " كيف أجرؤ على أن أطالب أولئك النسوة أمام القاضي , وأنا مؤلف كتاب النبي !؟ "
وهذا لأكبر دليل على إنسانيته ونظرته المحترمة للمرأه عموماً , فلا عجب لو أسميناه ساحر لأنه سحر قلوبنا بعذب كلماته المنزّهه عن غايات أخرى غير الحب العفيف الصادق , تواصل روحي وحب عذري تغلب الشفافيه الروحية بينهما ,حتى يقال ان في السنوات الأخيره حبّه لميّ تحول الى حب يشبه الحب الأبوي الطافح بالعذوبة والحنان , ولغة لايجيدها الا هو فكان لايسمي الأشياء والمشاعر بأسمائها انما كان يرمز لها , وإذا باح لها بسر الحب في أحدى رسائله يرجوها أن تطعم رسائله النار واستمر كذلك حتى نهاية حياته ..
ومن أجمل الرسائل التي يفصح جبران عن مشاعره الى ميّ ..
عزيزتي الآنسة ميّ ..
منذ كتبت اليك حتى الآن وانتِ في خاطري . ولقد صرفت الساعات الطوال مفكراً بكِ مخاطباً اياكِ مستجوباً خفاياك مستقصياً اسرارك. والعجيب انني شعرت مرّات عديده بوجود ذاتك الأثيرية في هذا المكتب ترقب تحركاتي وتكلمني وتحاورني وتبدي رأيها في مآتيّ وأعمالي .
انتِ بالطبع تستغربين هذا الكلام , وانا استغرب حاجتي واضطراري الى كتابته اليكِ . وحبذا لو كان بامكاني معرفة ذلك السّر الخفي الكائن وراء هذا الأضطرار وهذه الحاجة الماســــّة .
فقد قلت لي مرة:
" ألا أن بين العقول مساجلةً وبين الأفكار تبادلاً قد لايتناوله الإدراك الحسّي ولكن من ذا الذي يستطيع نفيه بتاتاً من بين ابناء الوطن الواحد ؟".
ان في هذه الفقرة الجميلة حقيقة اولية كنت فيما مضى اعرفها بالقياس العقلي , اما الآن فإني اعرفها بالأختبار النفسي .. ففي الآونة الأخيرة قد تحقق لي وجود رابطة معنوية دقيقة قوية غريبة تختلف بطبيعتها ومزاياها وتأثيرها عن كل رابطة اخرى , فهي أشدّ وأصلب وأبقى بما لايقاس من الروابط الدموية والجنينية حتى والأخلاقية وليس بين خيوط هذه الرابطة خيط غزلته مقاصد الماضي أو رغائب الحاضر أو أماني المستقبل , فقد تكون موجودة بين اثنين لم يجمعهما الماضي ولا يجمعهما الحاضر _ وقد لايجمعهما المستقبل .
وفي هذه الرابطة ياميّ , في هذه العاطفة النفسية , في هذا التفاهم الخفي , احلامٌ اغرب وأعجب من كل ما يتمايل في القلب البشري احلام طيّ احلام طيّ احلام .
وفي هذا التفاهم" ياميّ " اغنية عميقة هادئة نسمعها في سكينة الليل فتنتقل بنا الى ماوراء الليل , الى ماوراء النهار , الى ماوراء الزمن , الى ماوراء البداية .
وفي هذه العاطفة يا" ميّ " غصات أليمة لاتزول ولكنها عزيزة لدينا ولو استطعنا لما ابدلناها بكل ما نعرفه ونتخيله من الملذات والأمجاد .
لقد حاولتُ في ما تقدم إبلاغكِ ما لا ولن يبلغك اياه الاّ مايشابهه نفسك . فإن كنتُ قد أبنت سراً معروفاً لديك كنتُ من اولئك الذين قد حبتهم الحياة واوقفتهم امام العرش الأبيض .
وإن كُنت قد أبنت امراً خاصاً بي وحدي فلكِ ان تطعمي النار هذه الرسالة .
استعطفك ياصديقتي ان تكتبي إليّ , واستعطفك ان تكتبي اليّ بالروح المطلقة المجرّدة المجنّحة التي تعلو فوق سبل البشر . أنت وأنا نعلم الشيء الكثير عن البشر , وعن تلك الميول التي تقربهم الى بعضهم البعض , وتلك العوامل التي التي تبعد بعضهم عن البعض , فهلاّ تنحّينا ولو ساعةً واحدة عن تلك السبل المطروقة ووقفنا محدّقين ولو مرة واحدة بما وراء الليل , بما وراء النهار , بما وراء الزمن , بما وراء الأبدية؟
والله يحفظك يا " مي ّ " ويحرسك دائماً
صديقك المخلص
جبران خليل جبران
رسالة إلى ميّ تتجلى فيها فلسفة نستطيع من خلالها قراءة جبران خليل جبران ..
عزيزتي الآنسة مي
انت حاقدة علي , ولك الحق , ومعك الحق ,وما علّي سوى الامتثال فهلا نسيت إثماً اقترفته وانا بعيد عن عالم المقاييس والموازين ؟
هلاّ وضعت في " صندوق الذهب " مالا يستحق الحفظ في الصندوق الأثيري ؟
ان مايعرفه الحاضر يجهله الغائب وليس من العدالة ان تحسب جهل الغائب جريمة فالجرائم لاتكون الا في موضع الإدراك والمعرفة , وانا لااريد ان اسكب سهواً قليلاً من الرصاص المذّوب او الماء الغالي على اصابع العارفين المدركين لعلمي ان الجريمة نفسها عقاب المجرمين وان مصائب اكثر الناس في ما أسند اليهم من الأعمال .
لقد أستأنست بذلك العنصر الشفاف الذي تتلاشى امامه المسافة والحدود والحواجز , والنفس المستوحشة لاتستأنس الاّ بذلك العنصر ولا تستصرخ سواه ولا تستنجد غيره .
وانتِ – انتِ التي تعيشين كثيراً في عالم المعنى تعلمين ان العنصر الشفاف فينا يتنحّى عن جميع اعمالنا ويبتعد حتى وعن أجمل ميولنا البيانية وأنبل رغائبنا الفنية , فهو وإن جاور الشاعرية فينا لاينظم ذاته نشيداً نشيداً غنائياً ولا يضع خفاياه في الخطوط والألوان , كل بشّري يستطيع التكلف بمنازعه واللعب بمطامعه والمتاجرة بافكاره ولكن ليس بين البشر من يستطيع التكلف بوحشته او اللعب بألمه او المتاجرة بجوعه وعطشه , ليس بين الناس من يقدر ان يحوّل احلامه من صورة الى صورة او ينقل اسرار نفسه من مكان الى مكان .
وهل بإمكان الضعيف والصغير فينا ان يؤثر على القوي والعظيم فينا ؟
هل بإمكان الذات المقتبسة وهي من الأرض أن تحوّر وتغيّر الذات الوضعية وهي من السماء ؟
ان تلك الشعلة الزرقاء تنير ولا تتغيّر وتحوّل ولا تتحوّل ولا تأتمر .
هل تظنين حقيقةً , وأنتِ ابعد الناس فكراً, ان " التهكم الدقيق " ينبت في حقل يفلحه الألم وتزرعه الوحشة ويحصده الجوع والعطش ؟
هل تظنين ان "النكتة الفلسفية " تسير بجانب الميل الى الحقيقة والرغبة في المجرد المطلق ؟
لا ياصديقتي , انتِ أرفع من الشك والارتياب . الشك يلازم الخائفين السلبيين والارتياب يلاحق من ليس لهم الثقه بنفوسهم , أما انتِ فقويّة ايجابية ولكِ الثقة التامة بنفسك فهلاّ كنتِ مؤمنة بكل ماتضعه الايام في راحتيك ؟
هلاّ حولتِ عينيك عن المظاهر الجميلة الى الحقيقة الجميلة ؟
انا في غربتي منتصب كالحلم والحقيقة , فكنت كلما كتبت اضعت نفسي في الماضي اعود الى الحاضر فأجدها وكلما فقدتها اعود الى ظل الأيام الجميلة التي قضيتها بينكم فإذا بالألفاظ والأحلام والأفكار تتحول في فمي إلى سكوت عميق ..
اجلس على شط البحر وانظر الى ابعد نقطة من الأفق الأزرق وأسأل ألف سؤال وسؤال :
تُرى هل لنا من مجيب في ربوعكم ؟
تُرى هل تنفتح الأبواب الدهريه ولو لدقيقة واحدة عن " تلك الأنظمة السرية النافذه حولنا في الحياة قبل أن يضع الموت نقابه الأبيض على وجوهنا ؟"
وانتِ تسألين مااذا كنتُ لا " استطيب الفائده في التفكهه بلا اجهاد "
اني أستطيبها الى درجه قصوى ولكن بعد ان اترجم لفظها الى لغتي الخاصة !!!
أما الأجهاد فسّلم نصعد عليه لنبلغ العليّة . انا افضّل الصعود الى عليّتي طائراً ولكن الحياة لم تعلّم جانحيّ الرفرفة والطيران فماذا افعل ؟
وانا أفضّل الحقيقة الظاهرة , وأفضّل الحاسة الصامتة اكتفاءً واقتناعاً على الحاسة التي تحتاج الى التفسير والتعليل . غير اني وجدت ان السكوت العلوي يبتدىء دائماً بكلمة علوية.
اظن ان مقالتك في " المواكب " هي الأولى من نوعها باللغة العربية.
هي أل بحث في مايرمي إليه الكاتب بوضع كتاب , حبّذا لو كان بإمكان أدباء مصر وسوريا أن يتعلموا منكِ استجواب ارواح الكتب دون اجسادها واستفسار ميول الشعراء النفسيه قبل استقصاء مظاهر الشعر الخارجيه .
يجب علّي ان لا أحاول اظهار امتناني الشخصي على تلك المقالة النفيسة لأنني اعلم انها كُتبت وانتِ منصرفة عن كل شيء شخصي . واذا حاولت اظهار امتناني القومي بصورة عمومية اوجب علّي ذلك كتابة مقالة في تلك المقالة وهذا امرٌ يحبه الشرقيون في الوقت الحاضر من الأمور التي لاتجاور الذوق السليم ! ولكن سيجىء يوم اقول في " ميّ" ومواهبها , وستكون كلمتي هائلة ! وستكون عريضة ! لأنها صادقه ولأنها ستكون جميلة .
ان الكتاب الذي سيصدر في " المستوحد " " ربما اقوم بتغييره باسم آخر وهو مؤلف من قصائد وأمثال والثاني كتاب رسوم رمزية باسم
" نحو الله " وبهذا الأخير انتهي من عهد وابتدىء بعهد آخر .
وأما " النبي " فكتاب فكرت به منذ الف سنة !
ولكنني لم اكتب فصلاً من فصوله حتى اوآخر السنة لغابرة .
وماذا عساي أن اقول لكِ عن هذا النبي ؟
هو ولادتي الثانية ومعموديتي الأولى , هو الفكرة الوحيدة التي تجعلني حريّاً بالوقوف امام وجه الشمس , ولقد وضعني هذا النبي قبل ان احاول وضعه , والفّني قبل أن أفكر بتأليفه , وسيّرني صامتاً وراءه سبعة الآف فرسخ قبل أن يقف ويملي عليّ ميوله ومنازعه .
ارجو ان تسألي رفيقي ومعاوني العنصر الشفاف , عن هذا النبي وهو يقص عليك حكايته , اسألي العنصر الشفاف , اسأليه في سكينة الليل عندما تنعتق من قيودها وتتملص من اثوابها وهو يبوح لكِ باسرار هذا النبي وبخفاياه عجزت وعجز قلبي عن حلها .
انا أعتقد ياصديقتي أن في العنصر الشفاف من اعوام ما لو وضعنا ذرّة منه تحت جبل لانتقل من مكان إلى مكان آخر, وأعتقد , بل وأعلم , اننا لانستطيع أن نمد ذلك العنصر سلكاً بين بلاد وبلاد فنعلّم بواسطته كل مانريد ان نعلمه ونحصل على كل مانشوق إليه ونبتغيه .
ولدّي أمور كثيرة اريد ان أقولها عن العنصر الشفاف وغيره من العناصر , ولكن عليّ أن أبقى صامتاً عنها . وسوف ابقى صامتاً حتى يضمحل الضباب وتنفتح الأبواب الدهرية.. لتقول لي:
" تكلّم , فقد ذهب زمن الصمت وسِرْ فقد طال وقوفك في لال الحيرة "
هل تعلمين ميّ متى تنفتح الأبواب الدهرية ويضمحل الضباب ؟
والله يحفظك ياميّ ويحرسك ويرعاك
المخلص
جبران خليل جبران
ياصديقتي م