الأزمة اللبنانية المستعصية الى أين ؟
إن التركيبة السكانية في لبنان جعلت منه فسيفساءً جميلا ً ونموذجاً يحتذى به في العيش المشترك بين مختلف مكوناته ، فغدا شعبا متفتحا ميالاً للصداقة والتحاور الحضاري ، وساعد في هذا الجانب كون لبنان بلداً سياحياً بالدرجة الأولى ، فكان قبلة الدول العربية وخاصة الخليجية ، فكان يلقب بأوروبا الشرق ، لمناظره الخلابة الساحرة ومناخه المعتدل صيفا ، فساعد على إزدهار السياحة والتجارة ‘ ولوجود مساحة لا بأس بها من الحرية و الديمقراطية مما ساعد الى إنتشار دور النشر والطباعة ، فكانت معظم الكتب المؤلفة تطبع في بيروت ،
، وكذلك ترجمات الكتب العالمية من مختلف الثقافات .
عاشت مجاميعه السكانية مسيحيين مارونيين وسريان وأرمن ومسلمين شيعة وسنة بالأضافة الى الدروز وغيرهم ، في عيش مشترك ، لا يشعرون بالتفرقة والتمايز إلا عند بعض المتخلفين ذوي الآفاق الضيقة
, لكن تعرض البلد عبر التاريخ للأحتلال الروماني والعثماني والفرنسي ، وخلق الكيان الصهيوني بجواره ، وتدخل الدول العربية وخاصة سوريا والسعودية والعراق , ثم التدخل الإيراني ، وحدوث الحرب الأهلية , وتوقفها بعد إتفاق الطائف , وبعد إستتباب الأمن وسيطرة النظام السوري على مقدرات البلد ، فجرى للبلد
نهباً منظماً لأكثر من عقدين ونيف ، وتنصيبه نظاما مواليا له ، والرئيس السوري هو الذي كان يحكم لبنان
من الداخل ، وكل من عارض الأحتلال السوري ووجوده كان مصيره التصفية الجسدية ومنهم على سبيل المثال
لا الحصر:
كمال جنبلاط ، بشير الجمّيل ، سليم اللوزي ، رياض طه ، الشيخ صبحي الصالح ، المفتي حسن خالد ، رينيه معوض ، رشيد كرامي ، رفيق الحريري ، باسل فليحان ، سمير قصير ، جورج حاوي ، جبران تويني ، الشهيدة
الحية مي شدياق ، محاولة إغتيال مروان حمادة ، وزير الصناعة بييرالجمّيل إبن الرئيس أمين الجميّل ، وليد عيدو ، أنطوان غانم ، والمرشح ليكون قائداً للجييش خلفا لميشيل سليمان .... والقائمة تطول .
وبعد الأنسحاب السوري تحت قرارات الإجماع الدولي ، فقدت سوريا بقرة حلوبة ، ودجاجة تبيض ذهبا ً، مع
خضوعها لعزلة إقليمية ودولية ، مع تهديد نظامها برمته ، لماستتمخض عن المحكمة الدولية لمعرفة من إغتال
المرحوم رفيق الحريري ومن أٌ غتيل قبله وبعده ، وكل الأصابع تشير الى سوريا ، ولهذا تحاول من خلال عملائهافي لبنان من حزب البعث ومنظمة أمل وحزب الله وإنظمام التيار العوني اليها مؤخراً ، ضنا منه أنه سيكون رئيس الجمهورية المقبل بعد لحود . لتقويض النظام والشرعية في لبنان بالتعاون مع إيران ، متوهمين
أنه بالمستطاع التهرب من إستحقاقات المحكمة الدولية بالنسبة الى سوريا ، وتخفيف الضغط الدولي على ايران فيما يخص ملفها النووي وعزلتها الأقليمية والدولية .
وبعد مرور سنة على إعتصام حزبالله وسط بيروت ، فقدت الاف المواطنين اعمالها ورزق عيشها ، وبعد إنتهاء ولاية لحود ، لا يزال منصب رئيس الجمهورية شاغرا ، فاتفقت المعارضة والموالاة ليصبح قائد
الجيش رئيسا للجمهورية , بشرط تغيير الدستور ، ووافقت الاغلبية على ذلك ، إلا ان المعارضة كلما قاربت
الأطراف على الأتفاق ، تطالب بشروط جديدة وتعجيزية لعرقلة المساعي وإطالة الأزمة .
وتدخلت الجامعة العربية ، وقام عمرو موسى برحلات مكوكية الى لبنان وسوريا ، وكذلك فرنسا والسعودية
ومصر وكذلك الأمم المتحدة ، وكل هذه الجهود باءت بالفشل .
والسؤال الذي لا بدّ منه ، الى أين تقود المعارضة هذا البلد المسكين ؟ والتي أصبحت أقوى من الجيش نتيجة
الدعم السوري الأيراني اللامحدود لها ، ويذكر بأنها اعلنت الحرب على إسرائيل من غير علم الدولة ، فهي دولة
داخل دولة ، والذي يجب وبكل الأعراف أن يكون السلاح أي سلاح بيد السلطة وهو الجيش ،
إن تحرير لبنان من التدخلات الخارجية شرطا اساسيا لأنهاء الازمة المستعصية الحالية ,وإن إعادة النظر بالنظام والدستور اللبناني ،باتت اكثر من ضرورة ملحة تفرضها المستجدات على الأرض ، وإن إجراء
إنتخابات حرة ومباشرة دون تدخلات خارجية ، هي لركيزة أساسية لقيام نظام علماني ديمقراطي حر ، يلغي
المحاصصة الحالية ، والتي باتت من أهم المعوقات أمام التقدم والعدل والمساواة وقيام دولة القانون ، فهل
يفعلها مخلصوا لبنان واحراره ، بغض النظر عن أي إنتماء ؟’ نأمل ذلك في القريب العاجل وقبل فوات الآوان .
بقلم – منصور سناطي