برج بابل الألكتروني ...إشكالية المواجهة بين الإنسان والماكنة

المحرر موضوع: برج بابل الألكتروني ...إشكالية المواجهة بين الإنسان والماكنة  (زيارة 3488 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
برج بابل الألكتروني
في إشكالية المواجهة بين الإنسان والماكنة
تأليف : عدنان المبارك



المصدر: القصة العراقية http://www.iraqstory.com/


الخير والشرّ في أيدي الناس الذين يخلقون أعمال الميكانيكا ، وهم يقدرون على خدمة هذا أو ذاك. وهم من يصنعون المتاهات عندما يمارسون النشاط ، وهم من عليهم معرفة الخروج منها. فرنسيس بيكون

تمهيد
 
ليس بالجديد موضوع عقد المقارنة بين ذكاء الماكنة والآخر الطبيعي ، أي البشري أو إستحالة الوصول الى حالة التطابق بين الإثنين . ولكن يبقى هنا إستثناء واحد وهو إحتمال قيام الإنسان ، أو جهة كونية أخرى ، بخلق نتاج تربط فيه قوى المعلوماتية بالتقنيات البيولوجية. وفي الواقع نجد أن لهذه الإشكالية الجوهرية بعدا آخر نلمسه في يومنا الحاضر، ويتمثل بحقيقة أن الحاسوب الآلي ( الكومبيوتر ) يوّفر فرصة ثمينة لفحص ظاهرة تباين معدلات الذكاء بين البشر أنفسهم أيضا.
لابد من القول ، في البدء، إنه يصعب خلق التباعد بين منطقتين في هذا النص هما الفلسفية والعملية. فعصر الإنترنت يقودنا ، لامحالة ، الى فجر حضارة جديدة. وفي كل الأحوال يكون صعبا في الحقبة الراهنة من المعرفة رسم حدود صارمة بين معارف أكاديمية مثل علم المنطق والمعلوماتية وفلسفة العلم. فالتضافر تفرضه شروط المرحلة الحالية من عملية التلاحم بين الإنسان ونتاجه أي بين الطبيعة وهذا الجسم الجديد الذي لم يخرج بكامله من رحمها...
وقبل حوالي نصف القرن تمّ صنع أولى الحواسيب بشكل مكائن رقمية ألكترونية مما كان إشارة بدء لما يسمى ب(الحضارة المعلوماتية ). ومنذها أخذت تتكون رؤيا جديدة تتمثل بهذا السؤال مثلا: هل سيزول الحاجز السحري بين الذكاءين البشري والآلي ، أي حاجز الوعي ؟. أكيد أننا لم نعتد بعد على مثل هذه الرؤى التي تزداد فعليتها مع كل جيل جديد من الحواسيب ومع كل إيغال للعلم في أسرار البيولوجيا. كذلك فهو إغراء لايقاوم تأتي به مثل هذه الرؤيا : المكائن ذات الطاقة الحسابية الجبارة والمستخدمة في شبكة عالمية ستخلق فرصا جديدة تماما كمّا ونوعا أمام جنس البشر. إذ لا حاجة الى التدليل على أن نشوء الذكاء الصناعي Artificial Intelligence يعني إنعطافا خطيرا في تأريخ ( الإنسان العاقل ). فهذا الذكاء هو ، بالأساس، القوة الحسابية للكومبيوتر الناتجة من التقدم في بناء الأدوات والبرامج أي تضافر المنطق الرياضي ونجاحات الألكترونكا. ومن الناحية الفلسفية تبدو الظاهرة بهذا الشكل : نشأ الذكاء الطبيعي الذي تبين أنه قادر على خلق ذكاء ليس هو عملا من أعمال الطبيعة بل من أعمال المهارة البشرية. وهناك من يعثر هنا على دوافع للزهو : ها أن الإنسان قد خلق الذكاء!
في نهاية أربعينات القرن العشرين ومطلع خمسيناته كان عالم الرياضيات الإنجليزي ألان تيرنغ A. Turing. من الأوائل الذين تناولوا قضية تكليف الماكنة بحل قضايا كانت لغايتها من إختصاص الإنسان. بالطبع جاءت تمحيصات تيرنغ على الصعيد العملي أي التكنولوجي. وكانت الشهرة قد جاءته بفضل كتاباته من عام 1937 التي عالج فيها بروح مبتكرة، المباديء المنطقية والرياضية لعمل الحاسوب. وبالطبع كان ما جاء به مجرد تصوّر وفرضية ، إذ لم تتوفر حينها الإمكانيات التكنولوجية لدعم ماكنته المتخيلة التي تسمى لغاية اليوم ب( ماكنة تيرنغ ) ولاتزال أساسا نظريا للذكاء الصناعي. وكان مصطلح (الذكاء الصناعي ) قد إبتكره جون مكارثي J.McCarthy في عام 1956 كموضوع لمؤتمر عقد في الولايات المتحدة. وفي هذا المؤتمر طرحت أيضا أسئلة بدت حينها ( مستقبلية ) وذات طابع فلسفي: هل أن مصطلحي ( الذكاء الصناعي ) و( الذكاء الميكانيكي أي الآلي ) متطابقان ؟. ولعل الجواب الأكثر قربا من الحقيقة هو أن الذكاء الذي خلقه الإنسان ( ولتفرقته عن الطبيعي ) لابد ان يكون آليا. الا أن هذا ليس بالجواب الكامل حين نطرح سؤالا آخر : ألا يمكن للذكاء الصناعي أن يكون عضويا أيضا ؟ أكيد أن مثل هذا الذكاء يحقق حلما قديما راود العلماء والفلاسفة وصنفا معينا من الأدباء أيضا.
إن مفهوم الإنسان الذكي هو نسبي لحد معيّن ، وأمره مرهون بهذا العصر من التأريخ أو ذاك. وإنسان الكهوف الذكي يبقى يحمل علائم هذا الذكاء إذا عاش في عصرنا وبالطبع ليس كلها. الا أن تعريف الذكاء يبقى ، في كل الأحوال ، بأنه قابلية حل المشاكل التي تعترض سبيل الإنسان. ومن المعلوم أن هذه القابلية تعتمد ، وليس على قدرات الدماغ البيولوجية التي كان إنسان الكهوف يملكها بالطبع ، بل كذلك على نظام التصورات والأفكار الذي يوّجه عقله. ولابد من تكيّف هذا النظام للزمكان الذي على الإنسان أن يحل فيه مشاكله. وتختلف مشاكلنا عن الأخرى من العصر الحجري القديم ، كما أنها ليست ذاتها في المدينة والغاب البدائي.
ويضع النظام المفهومي ل( المجتمع المفتوح ) الذي هو شائع في حضارة الغرب ، الذكاء في الموقع الأول. وطبيعي أن المقصود هنا ليس الذكاء بالمعنى السوسيولوجي أو ( التنويري ) عامة بل خواص العقل المعتمدة على قابلية حل المشاكل . وكما ذكرنا لابد من تحديد ماهية الذكاء على ضوء ذلك النظام المفهومي. ويفيد الفيلسوف النمساوي كارل بوبير K.Popper ، وهو من أخذ بمصطلح ( المجتمع المفتوح ) ، بأن الذكاء هو ما يحدد ماهية مثل هذا المجتمع. ومن المفهوم أن هذا التعريف للذكاء هو بالغ المرونة ويبتعد عن التعريف المدرسي القديم مثلا. ففي اللاتينية تملك كلمة الذكاء Intelligentia معنى تخصصيا ضيقا : الذكاء هو القدرة على فهم المباديء الفلسفية الأولى. وحاليا لايختلف تعريف الذكاء عن تعريف مجتمعه ، أي المفتوح الذي يتميز عن غيره بهذه الأمور : - دور العلم والتكنيك والتعليم من أجل الحفاظ على المجتمع وتطوره. وهذا المجتمع تعلم خلق هذه الثروات ووجد أن صيانتها هي من خواص الذكاء. - التعقد الدائم للحياة الإجتماعية يتطلب حل عدد من المشاكل يزداد بإستمرار. - الدمقرطة الإجتماعية التي تضمن مبدأ أن مزايا الفرد العقلية وليس موقعه الموروث كما في عصر الإقطاع مثلا ، هي طريق نجاحه وتقدمه. - الدمقرطة السياسية التي بفضلها لايكون طريق الكفاح السياسي هو التآمر والإغتيال بل النقاش والتشاور العلنيان اللذان يتطلبان توّفر الحجج المنطقية. بالطبع تخص الفقرتان الأخيرتان حالة نموذجية لاتزال هي هدفا بعيدا الا أن التقدم ملموس في هذا الطريق.
طالما أن مفهوم الذكاء يلعب مثل هذا الدور الكبير في تفكيرأفراد المجتمع المفتوح من المفروض معرفة أيّ شيء هو هذا الذكاء. في البدء كان الصوت المسموع أكثر من غيره يعود الى علماء النفس ، ولكن لغاية أمد ليس بالبعيد ومع تطور الذكاء الصناعي إنتقل مركز الثقل الى علم المنطق.
 

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: برج بابل الألكتروني
« رد #1 في: 14:26 05/02/2008 »
-1-
 
التعادل كان نتيجة النزال الأول...
 
منذ القدم إعتبرت مهارة لاعب الشطرنج معيّارا جيدا للذكاء. وعلى ضوء ذلك يمكن القول بأن الماكنة التي بناها الإنسان وتملك مثل هذا الذكاء تصلح للأخذ بذلك المعيار. وكان النزالان الشهيران اللذان جريا في عام 1997 بين غاري كاسباروف وذلك الكومبيوتر( ديبير بلو Deeper Blue ) الذي بنته شركة آي أيم بي IBM الأمريكية ( الأول كسبه كاسباروف والثاني الكومبيوتر ) أصبحا رمزا مثيرا لإنعطاف جديد في سيادة التكنيك. وفي الواقع كان لذلك الصراع بين العقل البشري والماكنة سمات القلق الفلسفي أيضا. فهذه الماكنة التي شيّدت خلال خمس سنوات ومجهّزة ببرنامج بالغ الضخامة ، وبلغت كلفتها مليونين ونصف مليون دولار، كان بمكنتها القيام بتحليل مسبق يكاد يقرب من الكمال ، لجميع تلك التشخصات configurations الناشئة من ثماني نقلات، أي حوالي خمسين مليارد من تلك التشخصات!. وبعد خسارة ( ديبير بلو ) أعاد مبرمجو الكومبيوتر النظر في تعريفهم للذكاء. فهل هو، سوية مع سرعة الخاطر والوعي، يعود الى ميدان الحساب calculation والعدّ computation ؟ ولكن بعد خسارة كاسباروف صار أمرا واضحا أن كل مزايا هذا اللاعب ، أي الذكاء وسرعة الخاطر، لاتضمن له التفوق على الماكنة .. ولكن أيّ مزايا ينبغي أن يملكها كي يدحر الماكنة ؟ في الحقيقة يصعب تعميم هذا السؤال ولكي يشمل ميادينا أخرى غير لعبة الشطرنج وما شابهها. فهذه الألعاب هي ، بطبيعتها ، ظواهر رياضية تتحقق فيها بالصورة النموذجية إمكانيات الذكاء الصناعي كقوة حسابية. كذلك فهي تعود منذ بداية خلق هذا الذكاء الى المواد الرئيسية للأبحاث والتصاميم التقنية. وفي هذا المجال كان تيرنغ رائدا. ففي عام 1953 نشر نصّا حول إستخدام المكائن الرقمية في ميدان الألعاب.
يرى تيرنغ أن الشطرنج مختبر حقيقي للأبحاث حول الذكاء الصناعي ، إذ يوفر فرص التعمق في بحث قضايا مثل تخطيط الأنشطة ودور عامل إستغلال المعرفة وكذلك الحالات المسماة بالهيوريكية ( نسبة الى صيحة أرخميديس : وجدتها ! ) أي التي (تختصر ) الطريق بأسلوب متقن. وهناك ميزة أخرى للشطرنج وهي أنه يوفر قياسات كميّة جيدة يكون غرضها تقدير فاعلية ونجاعة شتى تقنيات الذكاء الصناعي. وحاليا بلغت برامج اللعب بالشطرنج مستويات تجاوزت بعيدا النتائج النظرية التي توصل إليها تيرنغ قبل أكثر من ربع قرن. والدليل هو النجاح المثير الذي حققه ( ديبير بلو ).
إن حصر التفكير بعمليات الحساب الذي هو قاعدة الذكاء الصناعي لايعني أبدا حرمان التفكير من صفة أخرى وهي سرعة الخاطر التي ينبغي أن تكون من الصفات البشرية البحتة. والرياضيات ( وهي بالأساس من أخطر إكتشافات الإنسان ) بحد ذاتها هي ذات سرعة بديهة بالصورة العميقة أي أنها قادرة على أن تفاجئنا بنتيجة غير متوقعة وصائبة الى حد بعيد. وعندما يبدأ عالم الرياضيات ، في دماغه، عملية حل المشكلة ، وبعدها يحقق نتيجة تتسم بالعمق وسرعة البديهة لايعود الفضل هنا الى موهبته وجهوده فقط بل الى ميزات الرياضيات نفسها أيضا. ويجد خبراء الذكاء الصناعي أن مثل هذه الحجة تسمح لهم بالقول إن هذه الميزات توضح نجاحات المعدات الألكترونية التي بنيت بالطبع على مباديء الرياضيات. وفي عام 1962 أي عندما كان الذكاء الصناعي في مرحلة الإنطلاق ، جرى نزال في لعبة الداما سجلها تيرنغ في كتابه المعروف (أسرع من الفكرة Faster than Thought ). ويذكر تيرنغ أقوال لاعب ماهر كان طرفا في ذلك النزال : ( تجنّبت النقلات التي غالبما ماكانت تذكر في الكتب ، محاولا ، لكن بدون نتيجة ، أن أوجّه الماكنة في دروب لاتعرفها وبالقدر الذي تمكنت فيه من التحقق بدءا بالنقلة رقم 32 التي جاءتني بالخسارة. فاللعبة ككل كانت أصيلة ، ويبدو لي أنه ينبغي التأكيد على أن الماكنة كانت مرغمة من أجل الكسب على أن تقوم ببضع نقلات تكشف عن سرعة الخاطر. ولو لم تقم بها لكنت قد حققت أنا نتيجة هي التعادل ، ولذلك أطلت أمد اللعب. الا أن الماكنة أنهته بصورة نموذجية. وإذا تعلق الأمر بالنهاية فأنا لم ألق مثل هذا المنازل القوي منذ عام 1954 الذي كنت قد خسرت فيه للمرة الأخيرة ). وينتج من هذا كله أن إمتياز سرعة الخاطر قد إنتزعته الماكنة من العقل البشري. وفيما يتعلق بخاصية الوعي يعلن العلم اليوم بأن الزمن كفيل بتذليل هذه المشكلة أي أن ماكنة الغد ( والعلم نفسه لايزال غير عارف بماهيتها ) ستمتلك الوعي أو بديله ولأن الكثير من ( أسراره ) قد كشف. وأصبح واقعا أننا نملك اليوم عقلا صناعيا بهيئة برامج كومبيوترية تباري البشر في حل المشاكل التي كان يبدو لغاية الآن بأن الماكنة غير قادرة على حلها مثل البرهنة على الفرضيات وممارسة لعبة الشطرنج ووضع التوقعات والترجمة من لغة الى أخرى. ولمسألة إمتلاك الماكنة وعيا بشريا أو شبيها به بعدها الفلسفي أيضا. ويكتب الفيزيائي البريطاني روجر بينروز R. Penrose وهو خبير بنظرية الكم ، وعرف أيضا بأبحاثه المثمرة حول الثقوب السود في الكون ، في مؤلفه ( ظلال العقل Shadows of Mind ) من عام1994 أن هناك أربعة مواقف إزاء هذه القضية. وقد حدّدها بالأحرف الأربعة من الأبجدية ( ABCD ) ولنستبدلها بالعربية : أ ب ج د .
أ - هو الرمز الذي إستخدمه بينروز من أجل تحديد ما يعرف عامة بأسم ( hard AI ) أو( strong AI). ويصعب وضع تعريف دقيق هنا. فهذا الرمز لايخص الذكاء وحده بل الأبحاث المكرسة له أو التي تحال الى نظريته أي أنه مصطلح يخص وليس قدرة الذكاء بل القدرة عامة ، ويمكن تسميتها أيضا بالجسارة والراديكالية أوالرأي القائل بأن العقل ليس الا برنامجا للماكنة الرقمية إذ أنه برنامج متقدم بمافيه الكفاية حين يخلق الوعي. والحقيقة المقرّرة axiom لهذه النظرية هي أن كل تفكير هو حساب، ولكي تنشأ أفعال واعية يكفي القيام بالحسابات المناسبة. وكان المبادر بهذا المفهوم هو ألان تيرنغ.
إن الموقف من نظرية ( أ ) يدفع الباحثين الى الأخذ بمواقف مستقطبة. فبعضهم يعتبر أن هذا المفهوم هو الوحيد الذي يتفق مع الموقف العلمي المفترض ، والآخر يجده لغوا غير جدير بالملاحظة. وفي الوقت نفسه تحصل إنقسامات في داخل الكتلة المؤيدة ، وهذا أمر متوقع طالما أن هناك أكثر من مفهوم واحد عن التفكير والوعي.
وفي هذا التنوع للآراء نلقى رأيا راديكاليا يفيد بأن الكون ككل ، هو ، بالأساس ، كومبيوتر جبار. ومن بين الحسابات التي يقوم بها هناك تلك التي تنتج الوعي والعقول المدركة لذاتها. وفي هذا المفهوم ثمة تيارات وتجارب أحدث للعلم تتكرس لرؤيا كوسمولوغية. وبينها الإعتقاد بأن الأشياء المادية ( الفيزيقية ) هي محض بنى معلوماتية تجريدية ، ويسميّها بينروز بنماذج إعلامية informatic . وهذه البنى تخضع لقوانين الحساب الرياضية التي تتساوق معها ، بصورة نهائية ، قوانين الفيزياء. وإذا أردنا العثور على ما يماثل هذا المفهوم في تأريخ الفلسفة فنحن نجده في تيارات الفيثاغورسية والأفلاطونية أي في ذلك البعد الروحاني.
ومن تجارب العلم الشائعة اليوم يمكن أن ندرج أحوال التصنع simulation الكومبيوتري وإنتاج ما يسمى بالواقع الإفتراضي virtual reality . وكما يبدو تتداخل هذه التجارب فيما بينها ، وفي جميعها يتم تجريب القدرة الخَلقية للعمليات الحسابية القادرة على بعث حالات فعلية جديدة. وعلى مستوى التكنولوجيا الكومبيوترية تناسب هذا الشيء محاكاة البرمجة للمعدات. وتبدو هذه كما لو أنها آثار لتجارب على ظاهرة أن كل واقع ، وبضمنه العقلي ، قد ينشأ من العمليات الحسابية. كذلك فالمادة نفسها تظهر في سياق الفيزياء المعاصرة وليس ك( دعامة ) للإستمرارية والثبات بل كشيء قابل للتحويل الى آخر، وتبدو كأنها قد جرّدت ممافيها. ومعادلة آينشتاين الشهيرة تتكلم عن تبدّل الكتلة الى طاقة مما يمهد الطريق الى التفكير بأنه أمر ممكن تبدّلها الى شيء يملك فعلية من نوع فعلية الشخوص الرياضية. وما يتجاوب مع مثل هذا الطراز من التفكير القول ، في نظرية الكم مثلا، عن أن الجزيئات المادية هي ( موجات ) للإعلام.
ب - نلقى هنا مفهوما شبيها بالسابق ( أ ) فيما يخص الوصول الى الحد الأقصى من تقدير إمكانيات الذكاء الصناعي : بقدرة الماكنة أن تضاهي الإنسان من جميع النواحي وحتى أنها تفوقه في أكثر من واحدة. والفارق بين ( أ ) و( ب ) يتمثل في أن نتاج الوعي والذي تحققه العمليات الحسابية يعتبر أمرا ممكنا ، فالوعي هو ملكة attribute من ملكات النشاط الفيزيولوجي الذي يقوم به الدماغ ، ولا يمكن أن يحصل هذا في الجهاز الألكتروني . و( أ ) ليس بالضروري ، فذات النتائج يمكن تحقيقها عند القيام بعملية تصنّع للوعي. والتصنّع هو تمثيل رياضي للمواقف الفيزيقية ( المادية ) التي تخص قضاياها ، وهذا التمثيل يسمح بحل تلك القضايا بنجاعة تماما كما لو أنه نشأت حالة فيزيقية مناسبة بصورة فعلية. مثلا يضع تصنّع عملية تحليق كوني أمام رائد الفضاء ذات المشاكل التي قد يواجهها في أثناء تحليق فعلي. وهناك إتجاه طرائقي يسمونه بالعملياتية operationism يشمل نظرية التعريف ، ويعامل مسألة توصيف مادة البحث وليس ( شيئا في ذاته ) بل كطريقة عمليات ، فإذا تمّ التوصل الى خلق روبوت يتصرف ، من كل النواحي ، ككائن نفسّر سلوكه بكونه يمتلك الوعي ، لايبقى أمامنا آنذاك الا أن نقرر بأنه ذو وعي. والموقف ( ب ) قد يأخذ بصيغة طرائقية تتميز بلاأدرية معيّنة. وحينها نتخلى عن تعريف الوعي إذ نعتبره ، أي الوعي ، ظاهرة تتخطى إمكانية التعامل العلمي الدقيق وفي نفس الوقت يمكن تجاهلها وبدون الإضرار بالإبحاث المكرسة للذكاء الصناعي. ونلقى مثل هذا التعامل مع الإشكالية لدى تيرنغ في مقالته من عام 1950 ، وهي تحوي وصفا لأختبار حمل إسمه فيما بعد، حيث يكتب بأنه ازاء العجز عن الوصول الى تعريف جيّد لعملية التفكير ينبغي تحديدها من خلال التصرفات الخارجية التي لاتختلف عن التصرفات التي تعامل كمظاهر للحالات الداخلية التي هي بمثابة تفكير واع. والملاحظ أن تيرنغ يجعل من الوعي عنصرا جانبيا ونتاجا غير جوهري من نتاجات التطور. وطالما أن بإمكان الذكاء أن يصل ، بدون وعي ، الى مستو شبيه بالآخر الذي يرافقه الوعي يكون ذلك الوعي محض حل تطوّري مؤقت يفسح المجال لحلول أكثر كمالا.
وهناك ما يجمع بين موقفي ( أ ) و ( ب ) ، وهو أن التفكير يعامل كليهما كعملية تتم في جهاز فيزيقي ، وهي عملية ألغورثمية بصورة كاملة أيضا. أما ( ج ) فهو مفهوم له إعتقاد مشترك مع الموقفين السابقين ويخص فيزيقية العمليات التفكيرية ، لكنه يعارض الرأي حول طبيعة ( أ ) و( ب ) الألغورثمية . وفكرة ألغورثم اصبحت في حقبة شيوع إستخدام الكومبيوتر مفهومة عامة ، وفي أضعف الأحوال بصورة حدسية. ويعود الفضل هنا الى التصور حول البرنامج الكومبيوتري . فهذا البرنامج هو ألغورثم يتم التعبير عنه بلغة محوّلة الى شفرة ماكنة تخص طرازا معينا من الكومبيوترات. وعلى هذا الفهم الحدسي أن يكون كافيا لمتابعة عملية البرهنة argumentation . ولنا عودة الى هذا الموضوع. وأكبر داع لفكرة ( ج ) هو روجر بينروز الذي ينتهل أيضا العناصر لفرضيته حول الطبيعة غير الألغورثمية لعمليات الدماغ ، ويكتب في مؤلفه ( ظلال العقل ) أن هناك نوعا معيّنا من أنشطة الدماغ يؤدي الى نشوء الوعي ألإ أنه لايمكن القيام بعملية تصنّع لهذا النشاط الفيزيقي أي محاكاته بصورة ألغورثمية. وكان بينروز قد سبق ان طرح أفكاره في منتصف الثمانينات إلا أن بذرتها تعود الى تأريخ مبكر. ففي عام 1977 أصدر كارل بوبير وجون إيكلز J. Eccles الحائز على جائزة نوبل في عام 1963 في مجال الفيزيولوجيا العصبية كتابهما ( النفس ودماغها The Self and its Brain ). وكان بوبير قد أعار إهتماما بالغا لنظرية الكم وقبلها دخل في نقاش مع آينشتاين بشأنها. و يميل بوبير وإيكلز الى الأخذ بمفهوم (ج) .
يرى بينروز أن الأنشطة غير الألغورثمية نلقاها، في الطبيعة، خارج قوانين الفيزياء الا أن الفيزياء الحالية توفر لنا معطيات حول هذه الفرضية ، فهي تأخذ بعين الإعتبار صيغة ( ج ) أي الصيغة التي تفيد بأن بعض فروع هذه الفيزياء ، وخاصة نظرية الفوضى أي أن عمليات الطبيعة التي لايمكن حسابها incalculable قد تخص أنشطة غير ألغورثمية.
- ( د ) تفيد بأن تأثيرا كبيرا على العمليات العقلية تملكه الألغورثمات . ولهذا يكون موقف ( أ ) الأكثر راديكالية إذ يجد أن الفعل الألغورثمي يملك قوة خلق الوعي. وهناك الرأي المخالف الذي يقول بأن الوعي لا يمكن إيضاحه لا في مراتب ألغورثمية ولا فيزيائية.
و يقول بينروز إنه إذا إستبدلنا ( الوعي ) ب (العقل ) أو (النفس ) فسيكون لدينا رأي أبدي مرتبط بالعقائد الدينية ، وهو الإعتقاد بوجود جسم مستقل عن كيان الذات الروحية الذي ندين له بالفضل عندما إمتلكنا الوعي والتفكير والذكاء. وبمعزل عن العلاقة مع الدين أواللاهوت فإن هذا الرأي إمتلك منذ القرن الثامن عشر الحيوية والجذب الفلسفي بفضل ديكارت الذي منح البريق الفلسفي لتلك الرؤيا الخاصة بالعلاقة بين المادة والعقل. ويعتبر بوبير الفينومينولوجيا المعاصرة خير ما يدعم موقفه. الا أن ما أحدث إنعطافا كبيرا في حقول عدة مثل المنطق والرياضيات والمعلوماتية وفلسفتي العلم والعقل كان إكتشاف كورت غيديل K. Godel عالم المنطق والرياضيات الأمريكي الجنسية والنمساوي الأصل. والرأي السائد أن آراء غيديل ذات أهمية علمية كبرى ولا خلاف حولها بالرغم من أن تفسيرها الفلسفي يثير الخلافات لغاية اليوم. وكان غيديل قد رأى أن التفسير الأكثر صحة هو ( د ) ، و أظهر في الطبقة المنطقية والرياضية من تمحيصاته بأنه لايمكن أن يوجد ألغورثم للبرهنة على فرضيات في علم الحساب arithmetic مع التسليم بأن هذا العلم هو نظام غير متناقض ، بعبارة أخرى لا يمكن طرح إجراء procedure بمثل هذا التعميم و الوثوق بأنه في النظام المُعطى للبديهيات يمكن أن يقدّم البرهان على كل فرضية حقيقية من فرضيات هذا العلم . إن ( البرهان ) هو مصطلح تقني يحدّد نسقا معينا لصياغات تحوّل أنساقا للرموز الى أخرى مع العلم بأن هذه الرموز تعامل كأشياء فيزيقية تقدر الماكنة المجهَّزة بالألغورثم على إنجازها. والأنساق العائدة الى الرموز هي حالات تسجيل للبديهيات والفرضيات التي تخرج منها.
وفي مجال علم البديهيات axiology نلقى جملا حقيقية الا أنها غير قابلة للبرهنة. ولمثل هذا الإستدلال معناه وأهميته عندما نفترض بأنه يمكن تعريف مفهوم الحقيقة. بالطبع هناك تعاريف للحقيقة بالغة الدقة ولكن في لغات رياضية معينة. بيد أن الحقيقة تبقى بالمعنى الفلسفي من أكبر الإشكاليات التي يظل الإنسان يواجهها ومنذ زمن بيلاطس الذي قال أثناء محاكمة المسيح إننا حين نتكلم عن الحقيقة لانعرف تماما عن أي شيء نتكلم..
ونظر غيديل ، وبينروز أيضا ، في البدء الى الرياضيات وليست كماكنة تملك قدرة التعرف على الحقائق التي لايمكن إستخلاصها من البديهيات ، بالطبع تكون هذه الماكنة موّجهة بالألغورثم. وقال الإثنان إن في الرياضيات حقائقا لايمكن الوصول إليها بالألغورثم ، إلا أن تيرنغ لم يجد أن قدرة الإنسان تفوق الماكنة في الوصول الى تلك الحقائق. فقد كان موقنا بأن الإنسان والماكنة يمضيان في الطريق ذاته. ومن نقاط الإختلاف بين العالِمين المذكورين كانت مسألة إدراك العالمَ الفيزيقي. فإذا عاملنا كبديهية قضية أن العالم يخضع لقوانين تنشط بفعل الألغورثم فإن إمكانية التعرف على الحقائق عن طريق آخر غيرألغورثمي تتطلب وجود عامل آخر هو غير فيزيقي. وبهذه الصورة كان يفكر غيديل الذي إعتقد بأن الدماغ ( المادي ) هو ماكنة تخضع للقوانين الألغورثمية ، ولذلك فقدرة التعرف على الحقيقة خارج كل ألغورثم تأتينا من منطقة أخرى. ولكن إذا وُجِّه نشاط آخر غير الألغورثمي في حضن الطبيعة المادية نفسها فإن مثل هذا الإفتراض بوجود عقل لامادي ، يصبح ، في هذا السياق ، غير ضروري. بهذه الصورة كان بينروز يفكر.
والان هل أن الآراء الأربعة المطروحة أعلاه حول الدور المرسوم للألغورثم تستثني إحتمال وجود حلول أخرى لإشكالية ( الماكنة والوعي ) ؟. أكيد أن الجواب بالنفي. ثمة فكرة فلسفية كبيرة أخرى تأتينا من رائد مفهوم الألغورثم والمكائن الرقمية غوتفريد فلهلم لايبنتس. معلوم أن المعرفة المعاصرة تدين لهذا الفيلسوف بفكرتي الماكنة واللانهاية. ومؤلفه ( المونادولوغيا Monadolagy ) هو إسم نظريته الفلسفية المعروفة أيضا. وهو أمر مفهوم أن فكرته عن الماكنة لم تكن بالسعة التي تشمل إسمها الشائع أو ما نسميه اليوم بالمكائن المعلوماتية التي لاتعني فقط ما يصنعه الإنسان ، فالمكائن النموذجية التي تحوّل المعلومات نلقاها في الطبيعة وهي الأجهزة العضوية system . ومثل هذه الأجهزة أو المكائن العضوية ليست ما نسميه اليوم hard ware ( أي عظام وعضلات إلخ ) بل بالأحرى هي أشياء قريبة من مرتبة ما يسمى ب soft ware. و في هذه النقطة بالذات يظهر شبه معيّن بين نظرية لايبنتس وصيغة ( أ ) التي يأخذ بها تيرنغ ووجدها بينروز إبتعادا عما أعلنته هذه الصيغة ، رسميا ،أي الفيزيقية physicalism ، فبدلها تمّ الأخذ بفهم تجريدي معيّن للماكن . ويرى بينروز أنه وفق ( أ ) تعتبر البنية المادية للماكنة المفكرة شيئا غير جوهري . فكل ما يقررمراتبها العقلية هو ، ببساطة ، الحساب أي عملياته المنفذة. وهذه العمليات هي مقاطع من الرياضيات التجريدية محرومة من كل صلة بأشياء مادية ملموسة . إذن تكون المراتب العقلية ، وفق ( أ ) شيئا لاصلة له بالأشياء الفيزيقية. أما لدى لايبنتس فالمسألة ليست بهذه البساطة إذ أن علاقات العقل بالجسم لاتخضع لمثل هذا الفصل الصارم ، فهو يربطه بصيغة ( أ ) أي أن للعقول مستو أعلى من الفعلية ، وهي جزء أو بالأحرى نتاج للرياضيات التجريدية. فالأجساد هي بمثابة ظهور تلك الذوات التجريدية أزاء الحواس البشرية. ومما لاشك فيه أن مفهوم لايبنتس يعطي مكانا للعقل الصناعي ولكن يحصل هذا الأمر بعد ربطه بمفهوم هذا الفيلسوف عن اللانهاية infinity أي الإيمان بلانهاية تركيب الأجسام الحية وعلاقة الذكاء بهذا التركيب اللانهائي. ومعلوم أن (اللانهاية ) هي المفتاح الثاني لرؤيا لايبنتس المتعلقة بالعالم. وفي الحقيقة لم يدرك هذا الفيلسوف أن هناك الكثير من هذه اللانهايات ومفهومه لم يحدد أي منها هي المقصودة. ولكن علينا أن نذكر بأن لايبنتس كان يعارض، بحزم ،الذرّانية atomism إذ إعتبر أمرا غير ممكن أن يكون هناك أيّ حدّ لتقسيم الأجسام الى أصغر الأجزاء أي الذرّة التي فهمها معاصروه وفق نظرية ديموقريطس. فلايبنتس أعلن عن تقسيم الأجزاء الى ما لانهاية أي أن لكل بنية مادية هناك بنى تكون هي من مركباتها. وإذا قسّمنا ، بهذه الصورة ، الجسم الحيّ فإن أداءه الوظيفي ، كما يقول لايبنتس ، يعتمد ، في كل مستو من مستويات التعقيد ، على الأداء الوظيفي للبنى من المستوى التالي للتقسيم ، وعلى هذا المنوال الى ما لانهاية. وما نعرفه اليوم عن الأجسام العضوية يمتلك ، الى حد معّين ، تفسيرا إمبيريا واضحا. ونحن نعرف ، كما كان يُعرف في زمن لايبنتس ، أن الأداء الوظيفي لكامل النظام الحيّ يعتمد على الأنظمة الثانوية كأجهزة الهضم والتنفس إلخ. كذلك نحن نعرف ما كان مجهولا قبل قرنين ، أي أن حالات الإعتماد تصل وحتى الى المستوى الكوانتومي. وهذه فكرة طرحها في عام 1941 عالم الفيزياء الذرية أرفين شريدنغر E. Schrodinger . وعلم الأحياء الرسمي باق في هذا الموقع. إلا أن محاولات ( زحزحته ) مستمرة : بينروز وبوبير وأكليز تمردوا وأعلنوا أن في وظائفية work الدماغ تحصل حالات إعتمادٍ على بنى كائنة أعمق وتصل المستوى الكوانتومي. وهذا يعني ، في المحصلة ، نوعا من التأكيد على بعض أفكار لايبنتس. فقد كان هو القائل بأنه إذا أردنا أن نفهم تماما عمل الجسم الحيّ ، وخاصة سلوكه الذهني ، فعلينا أن نتعرف على كامل النسق غير المنتهي لدرجة التعّقد.

 

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: برج بابل الألكتروني
« رد #2 في: 14:27 05/02/2008 »
-2-
 
المكائن الرقمية وتهجير الوعي
 
من معضلات الفيزياء المعاصرة ما يحددها هذا السؤال: ألا يتغير الزمان والمكان طالما أننا قادرون على الوصول الى مناطق أصغر فأصغر؟ معلوم أن في الفيزياء أسسا ذرّانية أو مرساة على نظرية الحقول fields إلا أن التجارب الأخيرة تبين ، بكل وضوح ، أن تعقد البنى مستمر ( قبل أكثر من عقدين إعتبرت الجزيئات أوليّة elementary ولكنها صارت اليوم متكونة ، بالأساس ، من جزيئات أصغر ...). وهناك رأي آخر يفيد بمحدودية الإستقصاء النظري. وقد طرحه فيرنر هايزنبرغ W. Heisenberg أحد خالقي نظرية الكم. ومما لاشك فيه أن هذا الطراز من التأملات والتمحيصات ليس بالبعيد عن الموضوع العام لهذا النص والذي تتفرع منه إشكاليات أخرى بينها العلاقة بين المادة والذكاء مثلا. وهناك من يشبّه الحالة بأننا نبني ، طوال الوقت ، سقالات للبناء هي المفاهيم والتصورات بالقدر الذي يساعد على البدء بالبناء ، بناء الطابق الأول الذي هو تصنيف القضايا التي ينبغي توفير أجوبتها ولكي يكون ممكنا بناء الطابق التالي. وهذه السقالات هي فكرة عن تدرّجية تعقد المادة تسمح لنا بطرح السؤال عن العلاقة بين الشفرة المستخدمة في التحكم ببنية معينة وبين موقعها في نطاق حالات التعقيد ومستوياته. والشفرة التي تتحكم بعمل النظام system صارت أمرا إعتاد عليه العقل البشري بصورة تدريجية. فهذا النظام كان قد بدأ قبل بضعة قرون ببناء الأجهزة الآلية automatic مثل آلات الموسيقى ومختلف أنواع اللعب كما كانت هناك بالطبع مكائن النسيج ، وكان مركز القيادة والتحكم ، على سبيل المثال ، شريطا مثقبا، وكانت مواقع الثقوب تحدد سلوك النظام وفق خطة المصمّم كطبع نقش معين على القماش. ويماثل نظام خلق مثل هذه التشكيلات ما نقصد به اليوم الشفرة. بالطبع يخص الكلام هنا الشفرات التي تتحكم بعمل الأنظمة وليس تشفير المعلومات لغرض السرّية. وكانت الشفرة آنذاك حقيقة هامشية لم تملك تأثيرا جوهريا على عمليات التعرف. وعدا لايبنتس لم يعتقد أحد بأن الشفرات يمكن أن تكون عاملا حاسما في حياة الأجسام الحيّة وكأجهزة آلية مفكرة إذ أنها لم تقدر بالصورة الصحيحة. وفيما بعد تجسدت هي في المكائن الرقمية بعد أن تمّ إكتشافها في الطبيعة الجينومية والأخرى النيورونية. ولم يحصل هذا نتيجة قراءة أعمال لايبنتس بالطبع الا أن دورها تمثل في إثارة التساؤلات والتحفيز وفتح الطريق لشق قنوات تفكيرية معينة. وفي القرنين الأخيرين أدرك الإنسان أن فكرة الشفرة والبرنامج المدوّن فيها هما المفتاح لفهم العالم والعلاقة التي تشّد الثلاثي : الذكاء والوعي والمادة.
ويجزم أنصار ( أ ) بأن الوعي ومعه مسائل الوصول الى لبّ الذوات الذكية تحتويها الأجهزة الألكترونية عند تزويدها ببرامج بالغة الدقة. والمتشائمون يقولون إن هذا سيحصل في عام 2030 ، أما المتفائلون فيذكرون تواريخا أقرب. ولكن هذا كله يعني :
- ما يكفي لخلق الوعي هو الشفرة الثنائية binary المستخدمة في المكائن الرقمية.
- البنية المادية الكافية لتسجيل البرامج في هذه الشفرة توجد على مستوى التعقد والذي تمثله الألكترونات.
- إن السيليكون ( وهو عنصر لافلزي ) كاف لتنفيذ هذه العملية. فهذا النوع من البلوريات يستخدم في إنتاج المشغّلات processors وذاكرة الماكنة الرقمية. وفي الأعوام ما بين 1946 و1959 كانت كل شريحة بلورية تعادل مصباحا ألكترونيا واحدا ، أي في الجيل الأول من المكائن الرقمية. ومن المحتمل للغاية أن يصل العدد في أحد الأجيال القادمة من هذه المكائن الى الملياردات من العناصر بل وأكثر ، على إسطوانة واحدة! والسؤال الآن أّيّ الأعداد تساعد على التعبير ، في الشفرة الثنائية ، عن البرنامج الذي تكون مهمته خلق الوعي ؟. الأخلاقي مثلا ؟ أو الضمير ؟. أكيد أن الأعداد المستخدمة لهذا الغرض تتطلب الأخذ بتكنولوجيات لانلقاها اليوم الا في منطقة أدب الخيال العلمي !. لكن ليس الأمر مستحيلا.. وفي الواقع فهذا النوع من الأسئلة توحي به مفاهيم لايبنتس ، إذ أن البرنامج الذي يحدد تعريف الجسم الحيّ هو العدد الحقيقي غيرالمنتهي الذي يملك تطوره الخاص ولايمكن حسابه في زمن منته. ومن الواضح أننا قادرون على الإستنتاج بأنه لاتتوفر الإمكانيات لكي نخلق الوعي في أيّ نظام منته وحتى عند لجوئنا الى حالة تصنّع simulation مناسبة. ولكن يبقى السؤال : أيّ عدد يكفي لتسجيل البرنامج المناسب لظاهرة الوعي المعقدة ؟. إنه سؤال جوهري في النقاش الدائر حول الذكاء الصناعي. بالطبع هناك شتى الأجوبة ، ومنها المتفائلة كهذا : سننتج كومبيوترات مزوّدة بالوعي بعد بضعة عقود. ولكن التجربة الداخلية تدفع الى القول بأن في العقل المدرك لذاته أحوال تركيب ليس بقدرة الشفرة الثنائية من التكنولوجيا الألكترونية أن تسبرها. وكان لايبنتس قد أسمى التكنولوجيا المطلوبة هنا بالإلهية mechanica divina . وفي الواقع يتجاذب العلم على الدوام إغراءان الأول ينقاد إليه العلماء القائلون : سنعرف كل شيء ، والآخرين الذين يقولون : سنعرف أكثر فأكثر ...
نحن لانعيش الآن في عصر سيادة الذكاء الصناعي. وإذا فهمنا هذا الذكاء ذكاء ماكنة خلقه الإنسان ويضاهي الذكاء البشري بإمتلاكه الوعي ، وبالطبع فما نفهمه من كلمة ( الصناعي ) هو أنه ، كما سبق أن قلنا ، عمل من أعمال الإنسان وليس الطبيعة، وهو أمر مفهوم بأنه قد يضاهي ما حققته الطبيعة. كذلك لم يتم في الماضي مقارنة الماكنة بالعقل. ولكن هل ستحصل المقارنة ؟.إنه سؤال يخص العلم بالدرجة الرئيسية الا أن للفلسفة إسهامها الأكيد أيضا. والجواب اللايبنتسي بالنفي معروف عامة ، والآخر الراهن منقوص ولكن له إستدراكاته التي تتعلق بتعريف الذكاء الصناعي وإذا كان يعني قابلية الماكنة على صنع نتاجات تحاكي بصورة أمينة أعمالا معينة للذكاء البشري ، كلعبة شطرنج أو براهين فرضيات أو عملية ترجمة من لغة بشرية الى أخرى. والأمر الثابت هنا عدم توفر تعريف دائم ، خاصة أن الإنسان هو الآن في بداية مثل هذا الدرب التكنولوجي الذي لاتعرف نهايته فقط بل مراحله أيضا. وليس بمقدورنا اليوم أن نتصور تفاعل المكائن والعقول في شبكة واحدة ذات نطاق شمولي.
هل الماكنة قادرة على التفكير ؟ سؤال طرح قبل أكثر من نصف قرن على لسان الان تيرنغ ، وبسببه إنقسم باحثو الذكاء الصناعي الى معسكرين . الأول يقول نعم والثاني ينفي. أكيد أن الخلاف يدور حول تصورين للماكنة والتفكير. وعلينا القول إن مفهوم الماكنة ليس بالواضح تماما إذا إستثنينا بالطبع آراء تيرنغ. إلا أن جوهر الخلاف يخص مفهوم التفكير. وهناك خبير في المعلوماتية يجد خطأ نحويا في مصطلح ( ماكنة التفكير ) شبيها بالخطأ القائم في السؤال : منذ متى يوجد العدد ( بي آي Pi ، ويسمى أيضا ludfolina نسبة الى إسم عالم الرياضيات الهولندي لودولف فان سيولين ( 1539 -1610 ) Ludolf van Ceulen الذي قام بحساب هذا العدد الى غاية 35 من كسور الأرقام. أما حرف ال"بي" فهو حرف من الأبجدية اليونانية في الأصل ) في الرياضيات والذي يساوي 1416 ,3 ؟
فأشياء objects مثل الأعداد ليس عليها اللجوء الى الأزمنة الثلاثة لقواعد اللغة ( يحضرني هنا بيت من قصيدة للشاعرة البولندية المعروفة فيسوافا شمبورسكا: تزول الأرض والسماء ولايزول عدد بي آي ). والبعد الأيتمولوجي لايمكن نفيه من إشكالية ( ماكنة التفكير ). ففي اللغة اليومية نقول عادة : هذا شخص معدوم التفكير. ومعناه أنه يتصرف بدون مشاركة العقل أوالتفكير أي بدون وعي وبصورة آلية( ميكانيكية ) . ومن هذا نستنتج أن الماكنة معدومة التفكير ، ويكون القول إن (الماكنة تفكر ) خلطا لمرتبتين متباينتين في الأساس ، وهو يشبه خطأ نحويا. ولنأخذ هذا المثال : ( إن قطع الأشجار يحوّل البلاد الى صحراء ). وهذا القطع هو عمل واع ولا يمكن أن يكون غير واع ، والمشكلة فيه هي أنه عندما قطعت الأشجار لم يجر التفكير بنتائج معيّنة تترتب عليه. وإزدواجية هذا النوع من التعبير اللغوي نلقاها في شتى اللغات. بالطبع تبقى الإشكالية الأساسية هي ربط التفكير بالوعي مما يكون هنا الشرط الضروري الذي يحرم الماكنة والحيوان ، مع إستثناء الإنسان بالطبع ، من قابلية التفكير. ولكن هناك فريقا يلحق بكلمة التفكير تعريفا مرافقا وهو أنه عملية حل المشاكل وبذلك يعزلها عن الوعي ، وحتى إذا افتقدت مساهمة الوعي فلاشيء يتبدل في العملية. ويتفق الجميع بأن للإشكالية بعدا فلسفيا يدعمه من دون ريب ، الإنجاز العلمي. ولنأخذ هذا المثال البسيط : ( الدببة القطبية مشهورة بأنها ذات ذكاء حاد وأفكار مبتكرة في البحث عن القوت ). ويصعب حقا أن يكون هناك أحد ذو أفكار مبتكرة ومعدوم التفكير في الوقت ذاته ، كذلك يصعب منحة صفة الذكاء intelligence . والسؤال التالي بالغ الأهمية : أيّ شروط وأيّ أسباب للتصرفات المسماة بالذكية سواء قام بها الإنسان أم الحيوان أم الماكنة والتي تميّزها عن التصرفات الغرزية أو التي دُرّب عليها ؟. وكما قلنا فحلّ المشاكل هو عملية يلعب فيها الدور الجوهري العامل الذي أقحمته عليها بسيكولوجيا الذكاء الرسمية التي تعتبر ما يسمى ب( إختبارات الذكاء ) المعيار النهائي لإمتلاك هذه الصفة أو إفتقادها. بالطبع لم يهمل عامل اللاوعي الذي نجابه الصعوبات في تعريفه ومثلما جابهناها عند تعريف الوعي .
وفي البحوث المكرسة للذكاء الصناعي سمّي عامل اللاوعي ب( الشيطان demon ) . وهذه التسمية تخلو من المزاح. فهي مصطلح تقني ظهر في حقل هذا الذكاء ويستخدم عند وصف نظام العمليات المسمّى يونيكس Unix . ومعلوم أن أكثرية مستخدمي الكومبيوتر كان يوجد تحت تصرفها نظام ( دوس DOS ) الذي يسمى الآن ( وندوز Windows ). و يتصف النظام الأول وهو ذو حضور شامل في الإنترنت ، بالقدرة على تنفيذ الكثير من المهام مع إمكانية تزامنها مما يميزه عن النظام الثاني ويقرّبه من العقل البشري. والجوهري في نظام يونيكس ليس قدرته على التنفيذ التواقتي للمهام بل كذلك تمكنه من أن يقوم بعمليات إشتقاقية وتنسيق أولوية تنفيذها. وعدد منها يبقى فعّالا كما لوأنه ينشط وراء الستار وبطريقة لايلحظها مستخدم الكومبيوتر ، وهذه هي الشياطين بالضبط .. الا أنها ليست من النوع الشريرأوالخبيث بل الآخر المساعد والخدوم إذ تؤدي الواجبات المناطة بها وبدون إنتظار أوامر المستخدم. مثلا ( الإبليس ) المسمى كرون ( ألإسم مأخوذ من الكلمة اليونانية التي تعني الزمن ) يضمن تحريك عمليات أخرى ُخطط لزمنها مسبقا ( مثلا أبعث بالبريد في الساعة العاشرة والدقيقة السابعة صباحا برسالة وبدون أن " أقف في الصف "..). كذلك فنظام يونيكس شبيه بحالة من يقود سيارته ويستمع في الوقت نفسه الى حالة الطقس أي أنه تجري في الوقت نفسه عمليتان تفكيريتان متناسقتان فيما بينهما. فالتركيز على واحدة يعيق نشوء الثانية مما يؤثر على فاعلية السلوك العقلي. و( إبليس ) يحقق التوازن لمن يسير على الحبل حيث يقود خطواته بصورة جيدة حتى يكف هذا السائر عن ( التفكير ) أي عن هذه العملية الواعية المكرسة لمسألة الحفاظ على التوازن. وكلمة ( التفكير ) وضعت بين قوسين إذ يصعب أن نسمّي بالحرف الواحد تفكيرا بالمشكلة مثل هذه التجربة الشعورية التي تعرقل الوصول الى الحل. وإذا كانت تسمية شيء بالتفكير هو النجاعة فإن عملية التفكير في مثل هذه الحالات تتم خارج الوعي. والآن هل يعني التفكير الحساب reckoning ؟ هناك من يسمّي الكومبيوتر بالمعداد abacus شان غيره من أدوات الحساب والعدّ. وهذه الرأي تدعمه الأتيمولوغيا أيضا. فكلمة كومبيوتر تنحدر من الفعل اللاتيني ( يعّد computare ). وفي الحاسوب ليس المقصود بالضبط العدّ الإعتيادي بل الإجراء المسمى بالحوسبة arithmetization والذي يعتمد على النمذجة بالعداد لأشياء ليست هي اعدادا. وتاريخ هذا الإكتشاف الحاسوبي يمتد من القرن السابع عشر وليصل الى الطرق المعاصرة في التصنع الحاسوبي والواقع الإفتراضي. فهذا كله يعني صيغة حضارية تسمى بالمجتمع المعلوماتي الذي أصبح الإنترنت سمته الشمولية منذ العقدين الأخيرين من القرن العشرين.
إن الحاسوب الآلي ليس واقعا منته، فحدود إمكانياته مرهونة بالتقدم العلمي والتقني قبل كل شيء . ومعلوم أن بعض القبائل البدائية تعرف العدّ الى ثلاثة فقط ، وحتى لو تجاوزوا الثلاثة يفتقد لديهم التصور التجريدي للعدد. إنه تجريد ضروري لكي نصل الى الأنظمة العددية والوهمية والإستقراء الرياضي وغيره. وهو أمر واضح بأنه مع كل إنجاز وإكتشاف حسابي تنشا شروط تالية لتطور الحضارة. ومثال نيوتن أبرز دليل هنا. فبدون ميكانيكاه لما كانت تقنية اليوم ، كذلك لما ولدت هي بدون الحساب التفاضلي والاخر التكاملي. والحوسبة تعود الى أوائل القرن السابع عشرعندما طبِّقت في الهندسة المجسّمة على يد ديكارت. والفكرة هذه بسيطة الا أنها كانت في زمنها إنعطافية ، و تعتمد على ربط النقط ، في المكان ، بالأعداد الفعلية. وهذا الربط ينشأ بفضل نظام المحاور المتماثلة co - ordinate التي يكون قدرها بقدر الأبعاد التي يملكها المكان ( مثلا هناك نقطتان للمكان ذي البعدين أي السطح المستوي ). وكان إكتشاف ديكارت هذا قد وسِّع لكي يصل الى حقول أخرى بل كامل المعرفة البشرية مما جاء بشيء له سمات (الكليات الرياضية Mathesis Universalis ) التي صارت شعارا لذلك القرن. وفي زمننا عصرن الشعار، ونجده في الإنترنت :
www.calculemus.org/mathUniversalis/ http:/ ، وفيه معطيات كثيرة عن لايبنتس مثلا. والمحاولة التالية للحوسبة هي ذات إحالة الى المنطق. وقام بها لايبنتس أيضا. بالطبع لم تأت في ذلك الحين بالنتائج المتوقعة الا أن لها وزنها الكبير في عصر الكومبيوتر. فمعلوم أن أساس عمل الكومبيوتر اللغة الحسابية ، وشكلها البسيط هو ترقيم رموز الأبجدية ونمذجة تعاقبها في الكلمة عن طريق تتابع الرموز الرقمية المنظمة. وفي اللغة لايهمنا فقط تعاقب الحروف بل تركيب الألفاظ والعلاقات المنطقية ، ويكون شرط الحوسبة هو توفير الدقة القصوى. وهنا تقدّم العون وسائط علم المنطق الذي يصلح لهذا الغرض. فهو يوّفر بالصورة المناسبة الفكرة العامة للوظيفة ، ومن خلال ذلك يكون بقدرتنا التعرف على الوظائف في شتى الميادين ، ومن ثم نمذجتها في وظائف حسابية. ووفق التعريف الشائع تكون الوظيفة هي كل علاقة يخضع فيها شيء واحد ، بدقة ، لشيء آخر أو لزوج منه أو لثلاثة وهلم جرا. ومنذ أكثر من ثلاثة قرون كان مفهوم الوظيفة في الرياضيات مقصورا على أحوال التنظيم في إطار الأعداد ، وقد وسّعه المنطق المعاصر لكي يشمل أيّ شيء نختاره ولغرض واحد فقط : أن تحصل أحادية المعنى للتنظيم. مثلا تكون وظيفة التنظيم لعدد ثلاثة وعدد خمسة هو عدد واحد بالضبط أي ثمانية. وتخص المسألة ايضا القانون البيولوجي حيث لابد أن تكون لكل إنسان أم واحدة ، و ينظم قانون منطقي واحد ، لزوج واحد من مقدمات القياس المنطقي إستنتاجا واحدا بالضبط . والوصف اللغوي للعبة الشطرنج مثلا يصوّر جيّدا عملية حوسبة اللغة بإستخدام الأعداد ووظائف خاصة بهذه اللعبة. فكل وضع ونقلة يتم وصفه عن طريق الإشارة الى أرقام حقول الرقعة. وفي الميادين الأخرى يحصل الشيء نفسه : حوسبة لغة المنطق عن طريق تنسيق العلاقة بين الأعداد ورموز تلك اللغة وصياغتها وبراهينها. وهذا هو إنجاز كورت غيديل ، أي التوصل الى حلول للقضايا الرياضية عن طريق وسائط المنطق. أما الكومبيوتر فإذا كان مبرمجا بالصورة المناسبة فهو قادرعلى حل المشكلة عند توفر شرطين : إذا إستطاع الكومبيوتر أن ينسخ النموذج حسابيا وأن يكون هناك حل لهذا النسخ في علم الحساب. وكل هذا يمثل خطوة ، بل قفزة كبيرة في طريق تقدم الذكاء الصناعي كما يسمح برسم حدود واضحة بين ما نعرفه عن هذا الذكاء وما بقي للفحص والإختبار مما يدفع الى تناول قضية هي أساسية أيضا وتتمثل في هذا السؤال: هل أن كل مشكلة حسابية قابلة للحل ؟. إذا أجبنا بنعم سيعني هذا أن كل مشكلة من الميادين الأخرى والتي يمكن حوسبتها هي قابلة للحل أيضا. أكيد أنها وجهة نظرتفاؤلية ، والملاحظ أن الكل إعترف بها بدءا بلايبنتس وإنتهاءا بعالم الرياضيات الكبير ديفيد هلبرت D. Hilbert ( 1862 /1943 ) الذي صاغ في بداية القرن العشرين أكبر المعضلات الرياضية التي رأى أن على القرن أن يحلها. وكانت بينها مشكلة العثورعلى طريقة تسمح بحل كل مشكلة رياضية نتيجة ما أسماه بالعمليات الميكانيكية المُنفذة على الرموز أي ما نسميه اليوم بالألغورثم. وكان هلبرت على إقتناع تام بان مثل هذه الطريقة يمكن الوصول اليها. ومعلوم أن الفضل في تطور الكومبيوتر يعود له لكن ليس بالصورة المباشرة. فقد كان مرشدا للعالم الإنجليزي الان تيرنغ (1912 / 1952 ) الذي حقق نجاحا كبيرا بفضل ما يسمى بالبنية التجريدية التي سمّيت بماكنة تيرنغ. فقد أثبت أن هناك قضايا لاحل لها ، كذلك ليس هناك أي دليل على أنها غير قابلة للحل.. وما قاله هلبرت كان بمثابة توسيع للنتيجة التي كان غيديل قد توصل إليها في عام 1931 وتمثلت بمايسمّى ( ماكنة تيرنغ ) التي سنتناولها في الاجزاء القادمة من هذا النص. والطريف أن غيديل القائل بأن للذكاء الصناعي محدوديات جوهرية ، وحتى إذا تمكنا من إخضاع جميع قضايا العالم لعلم الحساب فليس هناك من ضمانة بأن لكل قضية منها يتوفر الحل ، قد نقض إيمان سلفه الكبير هلبرت الذي أوصى بأن يكتب على قبره : علينا ان نعرف وسنعرف
wir mussen wissen , wir werden wissen.

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: برج بابل الألكتروني
« رد #3 في: 14:29 05/02/2008 »
-3-
 
الطبيعة بنت العدد
 
إن العقل العادي عاجز عن فهم فرضية إخضاع كل الظواهر للحساب ولأنه في كل خطوة يجرّب هذا العقل حالات تفكيرية لاترى فيها العلاقة مع الحساب والعدد. الا أن كامل التقدم العلمي قائم على إكتشاف الأسباب التي تخفى على تجربتنا الدارجة. ولكي نواجه هذه المشكلة علينا التعرف على عالم الأعداد والرموز الخاصة بها أي الأرقام. وهذا أمر بالغ الأهمية من أجل إدراك أهمية التمثيل الرمزي بالنسبة لعمليات الحساب. وبهذا نصل الى السؤال: هل التفكير يقودنا الى عملية العدّ ؟.
كان قدامى الفيثاغورسيين يقولون إن مبدأ العالم هو العدد. وبهذه الصورة كان لايبنتس يفكر: إذا حسب الرب ، فالحساب يصبح العالم cum Dues calculat , fit mundus . . وإذا كان مثل هذا الخالق من النوع الرياضي والذي تكون صفته الجوهرية هي اللامادية فمثل هذا العقل الصرف يتمكن من التصرف بدون معونة الرموزية. إلا أن العقل الغارق في المادة لايمكنه التصرف بدون تمثيل مادي لماهو تجريدي ( عددي). ولكن هل ينبغي أن يكون التمثيل بشكل رموز خلقها الإنسان ( أي أشياء مادية كالأرقام التي خلقها القلم على الورق)؟ أليس بالإمكان وجود أشكال للتمثيل المادي غير رمزية كأن تكون آثارا في النسيج العصبي ؟. أكيد أن الجواب مرهون بمعالجة مسألة إكتشاف الأعداد كأشياء تجريدية وطرق لتمثيل الرموز للأعداد.
إن الخطوة الأولى في طريق التجريد هذا تقودنا الى مفاهيم الأعداد: واحد ، إثنان وهلم جرا. وكان يتطلب عبقرية حقيقية إكتشاف أسلافنا بأن اصبعا واحدا وشجرة واحدة ونجمة واحدة وطيرا واحدا أي اشياء متباينة للغاية، تملك كلها أمرا مشتركا وهو أنه في كل حالة هناك العدد واحد. وبذات الطريقة إكتشفت بقية الأعداد . بالطبع أعقبت هذه الخطوة في طريق التجريد خطوة جوهرية أخرى وهي الفكرة حول أنه بالرغم من إختلاف الواحد عن الأثنين وهذه عن الثلاثة ثمة أمر مشترك بينها وهو أنها جميعا أعداد. ولم ينته الأمر بذلك بل ها أن الأسلاف قد إكتشفوا اللانهاية عندما وصل العدّ الى 1001 و1002 وهلم جرا. وفي هذه ال(هلم جرا) تمّ التعبير عن قدرة التجريد التي تصل حتى الى اللانهاية. وجاءت بعدها إكتشافات أخرى : فالتعميم التالي لمفهوم العدد والذي حصل قبل مئة عام ونيف هو أن ليس هناك من عدد واحد غير منته بل هناك شتى اللانهايات التي لاينتهي عددها أيضا .. كذلك لابد من الإشارة الى إكتشاف أو إختراع ( فالحدود بين التعرف والتقنية ليست بالصارمة ) وهو التسجيل الموقعي للأنساق الرقمية. وهذا التسجيل ، وخاصة بشكل النظام العشري يعرفه كل واحد من الممارسة العملية، ولكن الجديد أن هذا النظام هو أحد المفاتيح لفهم الذكاء الصناعي أيضا. وهذا المفتاح هوالقدرة النموذجية لتسجيلنا الحسابي على أن نخلق بأسلوب منتظم أيّ عدد نشاءه من الكلمات. ومثل هذه النموذجية إفتقدها الرومان رغم إشتهارهم بالروح العملية. فهم إستعاضوا عن العدد ( من واحد الى أربعة) بالأصابع التي رمزوا إليها بتلك الخطوط القصيرة المرسومة عموديا . وطالما أنه ليس مريحا الرسم المتواصل لهذه الخطوط إبتكروا الإشارة ( v ) للعدد خمسة ، وقد تذكرهي باليد ذات الأصابع المنفرجة . وإشارتان من هذا النوع ( × ) ترتبط في الذهن جيدا بأن الخمسة صارت مضاعفة . ولترميز الأعداد الأخرى لجأوا الى ترتيب رموز من هذا الصنف مع تلك الخطوط ، ولكن بالرغم من ميزتها العملية تقوم هذه الإشارات بتعقيد مبدأ التسجيل. فعدد تسعة ، مثلا ، كان ينبغي رسمه كمجموع لخمسة وأربعة أي ( V1111 ) ولكن طالما أن فيه خمسة رموز وجدوا من الأنسب عمليا ، طرح واحد من عشرة وهكذا تكتب تسعة ( 1X ). ولو لم يدخل العرب التسجيل الهندي القديم على القرون الوسطى الأوربية لإستمرت تلك الحال في حضارة الغرب. ومعلوم أن ( الأرقام العربية ) أشاعها البابا سلفستر الثاني ( 945 – 1003) الذي تلقى العلم في شبابه في بلاط الخليفة في قرطبة وهناك تعّرف على هذا الإكتشاف الإنقلابي. وهذا التسجيل الموقعي العشري هو الأساس للآخر الثنائي الذي يعدّ بنية وظائفية المكائن الرقمية كذلك فهو جهة نقل transmission تضمن إخضاع الحساب للحالة الفيزيقية. وإذا عدنا الى سؤالنا: هل بإمكان الكومبيوتر أن يفكر ؟. الجواب يعتمد على وجود ثلاثة إفتراضات :
أ - إذا كان التفكير يجري بصورة ذكية فإن حل المشاكل سيكون ناجعا.
ب - إذا كان ممكنا نمذجة كل مشكلة كمشكلة حسابية .
ج - إذا كان ممكنا لكل حل للمشكلة الحسابية أن ينمذج كعملية فيزيقية يمكن للماكنة أن تقوم بها.
حينها يمكن أن نجيب : نعم بإمكان الماكنة أن تفكر بصورة ذكية . .

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: برج بابل الألكتروني
« رد #4 في: 14:29 05/02/2008 »
-4-
 
الخوارزمي و أطفاله الألكترونيون
 
كان تأريخ المكائن وتأريخ اللوغارثمات يمضيان بصورة متوازية وبدون تداخلات. ولكن حوالي القرن السابع عشر بدأ التقارب بين التأريخين بفضل الألغورثمات الأولى التي أدارت المكائن. وفي الواقع يمثل عالم المكائن إنعكاسا لثلاث مناطق من الواقع في صورة العالم المعاصرة. وفي الأولى أي الصورة الأنتيكية كانت هناك أربعة عناصرهي الأرض والماء والنار والهواء ، وكلها كانت من أنواع المادة . ووجود مناطق أخرى لم يكن يخطر ببال الإنسان آنذاك. ومع مرور الوقت بدأت تتكشف أمام أبصاره مناطق جديدة بفضل ظهور مكائن جديدة أيضا. والمناطق هي المادة والطاقة والإعلام. ومعلوم أن المادة كانت أحد العناصر الأولى التي قام الإنسان بتحويلها. فمنذ فجر تأريخه قام بتحويلها ، بيديه، أو بالأحرى بكل جسده وبعدها إخترع الأدوات التي صنعها من المادة. وعندما تصبح الأدوات نظاما أكثر تعقيدا ينقل الطاقة من مكان الى آخر ويقلل من إستهلاكها بواسطة نظام الرافعات والناقلات إلخ، أخذت تسمى بالماكنة. والماكنة التي تحوّل أو تصنع شيئا من المادة تسمى بماكنة صنع الأدوات machine tool . وفيها يتعرض جزء ما من المادة الى التحويل أي التشكيل الى مقطع له شكل آخر أو كثافة إلخ. ولغاية القرن التاسع عشر كانت هذه المكائن هي المرتبة الوحيدة لظاهرة الماكنة. ففي القرن المذكور ظهرت ماكنة جديدة دفعت الى تسمية ذلك القرن بعصر البخار والكهرباء. وبهذه الصورة رُبط نشاط الإنسان بعنصر ( كوني ) جديد.
وكان يصعب العثور على إسم الطاقة في المعاجم لما قبل بضعة قرون. وفي البدء جاءت الماكنة البخارية التي قامت بتحويل الطاقة الى هيئة أخرى ، وسمّيت بالمحرّك الذي كان سبب القفزة الكبيرة في تطوير التكنيك للماكنة أي عندما صار تحويل الماكنة للمادة الخام أكثر نجاعة بفضل الطاقة التي ينتجها المحرّك. فقبلها كانت ماكنة الآلات تستفيد من الطاقة الموجودة في الطبيعة كطواحين الماء والهواء أي كانت مكائنا وظيفتها أخذ الطاقة. ومن ربط مكائن الآلات بالمحركات بدأ العصر الصناعي.
ومنذ شيوع المحرّكات أصبح مفهوم الطاقة موضوع علم مستقل هو الديناميكا الحرارية thermodynamics ، ولم يكن نيوتن قد عرفه. وهنا جاءت معادلة آينشتاين المعروفة ( E=mc2 ) والتي تتكلم عن الأهمية المتساوية للطاقة والكتلة التي تسمى بالمادة عامة. وبهذه الصورة تتكشف أمام أبصار البشر منطقة جديدة من الواقع وهي الإعلام الذي لايمكن دحض فعليته شأن الطاقة والمادة. وكل من يستخدم الكومبيوتر يعرف ما هو الإعلام. وقبله كان الهاتف والتلغراف، وهما أيضا من مكائن تحويل الإعلام بالرغم من أن كل هذه المكائن ما زالت بعيدة عن شمولية الكومبيوتر وطالما أنها تصوع فقط الهيئة الفيزيقية لمادة الإتصال communique وليس مضمونه. ويمكن القول إن إكتشاف منطقة جديدة للواقع ، وهو إكتشاف فلسفي في الأساس ، جاء بفضل أحوال التقدم التقني بالطبع.
وقبل أن تتحقق هذه النجاحات كان الإعلام ، عند الناس ، شيئا شفافا كالهواء ، لم يلحظه أحد ، بالرغم من إستنشاقه الدائم. كان الإعلام محوّلا على الدوام بواسطة الأدوات منذ عصور سومر وبابل وطيبة وأثينا الا أن عصرنا جاء بالتناول التجريدي لعملية العدّ ، فلدينا اليوم جهاز غني للتصور هو ثمرة التطورالكبير لعلوم المنطق والرياضيات وتكنولوجيا الإعلام. ويكفي هنا ذكر الفارق الضخم بين العدّ بأصابع اليدين وألف حركة عّد وإذا لم نقل ملايين الحركات في الثانية يقوم بها الكومبيوتر. بالطبع كان العامل الحاسم هنا إستخدام الطاقة الكهربائية وبعدها إختراع الأجهزة التي تقوم بطريقة نموذجية بتلك الملايين من العمليات في الثانية مما أعطى البداية للماكنة الإعلامية الأكثر نجاعة : الكومبيوتر.
لقد أصبحت المرحلة الأخيرة من شيوع مكائن الإعلام نقطة التوصيف لعصر جديد يحل محل العصر الصناعي الا وهو عصر المعلوماتية . إن هذا العنصر الثالث ( أي الإعلام ) قد أبدل الكثير من المعادلات الحضارية بل نفذ الى طرفي المعادلة الآينشتاينية : هل يمكن ربط الطاقة ، بدل الكتلة ، بالإعلام ؟. أكيد أنه لو حصل هذا الشيء لكان إنعطافا فلسفيا تال في تفكيرنا المكرس للعالم والعقل .
وفي الواقع كانت هناك إشارات كثيرة قبل قرن توميء الى هذا الإنعطاف. وأولاها جاءت ، كما أشرنا ، من الديناميكا الحرارية عندما أدرك العلم أن الحرارة كحركة غير منظمة للجزيئات هي أصغر حالات الإعلام. وبالطبع لم يحصل حينها مثل هذا الإنفجار الإعلامي الذي نحن شهوده اليوم. وقد يعكس هذا الوضع بالصورة المجازية كتاب توم ستونيرT. Stonier من عام1999 ( الإعلام والبنية الداخلية للكون: Information and Internal Structure of the Universe , 1999 ). وغلاف الكتاب يمثل سلسلة D.N.A. على خلفية سماء مرصعّة بالنجوم . وهذا رمز لرحلة كونية بدأت بعقد من ذرّات الهيدروجين ، أي عندما كان الإعلام في الفضاء الخارجي على مستواه الأدنى، ثم من خلال الإنتاج في النجوم التي كانت الرحم الذي خرجت منه الى الحياة العناصر الثقيلة ، وإنتهاءا ب( أستاذية ) الإعلام المتمثلة بالشفرة الوراثية المشروطة بها الحياة والذكاء الطبيعي للأجهزة العضوية.وهذه النزعة يمثلها الفلكي جون دي بارو J.D.Barrow والفيزيائي فرانك جي تيبلر F.J. Tipler . ويفترض الإثنان أنه إذا كان النموذج الكوسمولوغي الذي يقترحانه لافعليا فإن الغاية من تطور الكون ( وأسمياها بنقطة أوميغا أي الحرف الأخير من الأبجدية اليونانية ) هي تحوّل المادة والطاقة كلها الى إعلام. وسيحصل هذا الشيء إذا سيطر الذكاء الصناعي على الكون. وتلعب هنا الدور الحاسم الأجهزة الأوتوماتيكية الخلوية cellular لفون نيومان ، فهي قادرة ، عند محاكاتها للخلايا الحيّة، على الإنتاج الذاتي وبفضل ذلك يكون بمكنتها عبر أجيال تالية ، التحكم بمناطق من الكون أكبر فأكبر. وهكذا باتت الحدود غير واضحة بين العلم وأدب الخيال العلمي !. فما طرحه في مؤلفاتهم كتاب هذا الأدب أصبح اليوم تصوّرات ممكنة التحقيق.
كانت بداية الذكاء الصناعي تتمثل في أداة العدّ اليدوي وبعدها جاءت الأدوات المميكنة ثم شتى اللعب الميكانيكية. أما اليوم فلدينا الكومبيوترعند الكلام عن الماكنة التي تقوم بتحويل الإعلام. وكان سلفها البدائي قد ظهر في القرن السابع عشر ، وأسموه بالعدّاد الحسابي arithmometer . وكان جهازا يقوم ، ميكانيكيا ، بالعمليات الحسابية الأربع ، ويقابله اليوم عنصر الكومبيوتروالذي يقوم بالعمليات الحسابية والمَنطقية. وإعتبر ذاك السلف الحلقة الأولى في سلسلة تطور المكائن الحاسبة . والفضل في بنائه يعود ، مناصفة ، الى باسكال ولايبنتس. فباسكال كان الأول ثم قام لايبنتس بإدخال تحسينات جوهرية على ماكنة باسكال إذ صارت تقوم بعمليات القسمة أيضا. وبقيت سارية التقنية التي وضعها لايبنتس الى غاية منتصف القرن العشرين ..
وكان فلهلم شيكارد W. Schickard (1592 /1635 ) قد سبق باسكال إلا أن الحظ لم يحالفه ، فقد إحترقت آلته الحاسبة في أثناء حرب الثلاثين سنة. وبقيت هذه الآلة مجهولة الى غاية عام 1960 عندما تم تصميم آلة وفق مواصفات شيكارد الواردة في رسالته الى العالم الفلكي الكبير يوهانيس كيبلر J. Kepler . والطريف أن باسكال أراد بتصميمه لهذه الآلة مساعدة أبيه الذي كان محصّل ضرائب في أثناء حكم لويس الرابع عشر الذي زاد من الضرائب بسبب حروبه المستمرة ، وبذلك أزداد عمل الأب.. أما لايبنتس فقصد مساعدة الفلكيين الذين أخذت أكبر وقت وجهد منهم عمليات العّد ، عندما إخترع ماكنته الحسابية. وكان قد بعث بواحدة منها الى قيصر روسيا بطرس الكبير وأرفقها برجاء لكي يهدي الماكنة الى حاكم الصين كعامل لتشجيعه على عقد إتصالات تجارية أنشط مع الغرب .. وعبر قرنين جرت تحسينات كثيرة على هذه الآلة إلا أن مسألة ظهور الكومبيوتر كانت بحاجة الى فكرة أخرى : أتمتة قيادة عملية تحويل المعطيات. ومعلوم أن هذه العملية كانت تدار في آلة لايبنتس يدويا ، ففي كل مرة كان ينبغي تلقيم المعطيات بضبط آلية مناسبة ثم تحريكها بواسطة ذراع صلبة. والمرحلة الجديدة في تطور المكائن الحاسبة حلت عندما تم ربط مبدأ آلة لايبنتس بفكرة الأتمتة. ومعلوم ان الأجهزة الأوتوماتيكية هي أقدم من المكائن الحاسبة. وبداياتها تعود الى عصور الإغريق ولقيت الشيوع في القرن الرابع عشر عندما إخترعت الساعات التي وضعت في الأبراج وبعدها إنتشرت اللعب والأدوات الأوتوماتيكية وغيرها. وتعود فكرة أتمتة الماكنة الحاسبة ، أي أن تعمل بدون مساهمة الإنسان ، الى عالم الرياضيات الإنجليزي تشارلز بيبيج Ch. Babage (1792/1871) الذي صمم ماكنة لمختلف العمليات الرياضية التي كانت نتائجها تخرج مطبوعة. وإمتلكت الماكنة التحليلية ، كما سميّت ، ذاكرة تشغّل أوتوماتيكيا بمساعدة الأشرطة المثقبة. وهذه الأشرطة هي فصل آخر في هذا التاريخ . كانت إختراعا لبّى حاجات صناعة النسيج في القيادة الأوتوماتيكية لعمل المغازل وطبع التصاميم على الأقمشة والتي شفرت وفق نظام الثقوب. وفيما بعد إستخدمت تقنية الثقوب لشتى الأغراض، مثلا قام هرمان هولرث H.holerith بتكييف الماكنة لأغراض تعداد السكان في الولايات المتحدة في عام 1900 ، وفيما بعد طوّر هذه التقنية بصورة باهرة . وفي عام 1924 أسس شركة
( International Business Machines Corporation - IBM ) المشهورة.

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: برج بابل الألكتروني
« رد #5 في: 14:30 05/02/2008 »
-5-
 
ماكنة تيرنغ والملك العاري
 
كان أحدهم قد شبّه الإكتشافات العلمية البارزة بالأنهار الكبيرة التي تنشأ من جداول وفروع لاتحصى ، إذ ليس هناك من إكتشاف لم ينهض على أساس ما إكتشف قبله. وعصرنا الذي يسمّى بعصر الثورة العلمية / التقنية لم يبدأ ، بالطبع، بالثورة الصناعية في الغرب إذا تعلق الأمر بعلوم مثل المنطق والرياضيات والمخترعات التقنية. ومن المؤكد أن حقبة الصراع بين الكنيسة والعلم في أوربا كانت من الحقب الحاسمة التي قررت كيان الغرب المادي والروحي. ولعلها مفارقة أن الألغورثم ولد في حضن الكنيسة الكاثوليكية في العصر الوسيط. فالكنيسة كانت بحاجة الى التحديد الدقيق لما يسمى بالدورة الطقوسية لعيد القيامة. بالطبع كانت بداية الطريق المؤدي الى المفهوم التجريدي المعاصر للماكنة قد رسمها الخوارزمي حين تناول حوالي عام 820 النظام العشري المأخوذ من الهند والذي حوى الصفر. ومعلوم أن اللوغارثم هو تحوير لإسم هذا العالم الكبير الذي عرفته أوربا العصر الوسيط بفضل العلماء العرب. واللوغارثمات المدرسية معروفة ، وهي لا تحيلنا الى معرفة بالأعداد كأشياء تجريدية بل تقتصر الإحالة على معرفة شكل الأرقام ، وهذه ستكون أسماءا للأعداد ، وكذلك مكان الرقم بين الأمكنة الأخرى. وبهذه الصورة يمكن القيام بعملية الجمع مثلا. والأمر المهم هنا أن يُسجل في الذاكرة منهج مناسب لمباديء الإبدال، فعلى سبيل المثال تحل محل نظام علامات ( صفر + صفر ) إشارة ( صفر ) ونظام علامات ( واحد + صفر) إشارة ( واحد ) ، ونظام ( 1+1 ) إشارة ( 2 ) وهكذا دواليك. ودوراللوغارثم هو مساعدتنا في الوصول الى الإستنتاج القياسي syllogism بدون أيّ جهد ذهني تماما مثلما جرى وضع الحساب وفق منهج الخوارزمي. وبهذه الصورة لايتطلب حل المشاكل وفق إملاء اللوغارثم مساهمة الوعي. والطريق الذي يبدأ باللوغارثمات يؤدي الى المكائن القادرة على وضع الحلول بشرط تزويدها باللوغارثمات المناسبة. وإتفق العلماء على تسمية التيارالهادف خلق اللوغارثمات بالشكلانية. فكما قلنا يٌحال اللوغارثم الى شكل الألفاظ. وهذه الشكلانية نشأت في القرن العشرين الا أنه يمكن العثورعلى خواصها في العصور القديمة أيضا. وكانت (شكلانية ) القرون الوسطى قد تعرضت لهجوم عنيف من قبل إصلاحيي علم المنطق في عصر النهضة والذين أرادوا قطع صلة هذا العلم بما أنجز في تلك القرون والعودة به الى بلاغة اليونان القديمة ، كذلك جرى هجوم مناصري طريقة ديكارت الذين يحيلون مباديء حل المشاكل الى الأفعال الواعية للعقل وليس الى العمليات الميكانيكية بإستخدام الإشارات. ولو كتب الفوز في هذه النقطة، للديكارتية لما شهدنا في تأريخ الحضارة عصر المعلوماتية !. وفي الأخير مضى تطور المنطق في طريق آخر لم يعترض عالم المكائن.
ظهرت البنية المسماة ماكنة تيرنغ التي جمعت بصورة باهرة بين مفهومين : الألغورثم والجهاز الأوتوماتيكي. وكان ألان تيرنغ قد اذاع في عام 1937 أحد أكثر المفاهيم جوهرية والتي ظهرت في علم القرن العشرين. وهذا المفهوم سمّي بماكنة تيرنغ. والخاصية الأساسية لهذه الماكنة تشمل ، على السواء ، منطقة التجريد الرياضي والأخرى المتعلقة بتقنية الحاسوب العملية. وتمحيصات تيرنغ لاتزال تعتبر مثالا نموذجيا للتحليل الفلسفي لمفاهيم وتصورات جوهرية حول التفكير وعملية العدّ. وهذه الماكنة كان بمقدورها تفسير وتنفيذ كل ألغورثم. ومعلوم أن الشفرة الرقمية الثنائية كانت من أخطر الإكتشافات. فهذه الشفرة توفر أكبر إمكانية للتسجيل الفيزيقي الأكثر دقة بمساعدة الأبجدية التي تملك رمزين رقميين فقط ( صفر وواحد ) وهما يحوّلان فورا الى وقائع فيزيقية مثل النبض ( 1 ) أو إنعدامه ( أي صفر ). وبدل هذا الإنعدام يمكن إستخدام نبض آخر ذي حجم صغير مناسب.
إن مثل هذا النوع من الشفرة هو شامل. فعن طريقه يمكن التعبير عن شتى حالات الكبر الفيزيقي والرموز اللغوية إلخ. كذلك يتميز بمقاومة كبيرة أزاء التشويش. ففي حالة إنخفاض قوة التيارالكهربائي مثلا يتغير معنى الإشارة التماثلية analogous حيث تمثل في هذه الحالة عددا آخر ولكنها لاتغيّر معنى الإشارة الرقمية أي أنها تبقى ( واحد ) ، وهذا هو إمتياز الأجهزة الرقمية على التماثلية ، بعبارة أخرى تكون التماثلية صالحة لعالم نموذجي والرقمية لآخرفعليّ إلا أن الطبيعة جمعت بين الإثنين. فعلى سبيل المثال تجتمع الإشارات الكيميائية ( الهرمونات ) التي هي تماثلية بالأخرى الكهربائية أي الرقمية. ويملك التمييز بين العمليات التماثلية والرقمية أهمية أساسية فيما يخص الذكاء الصناعي. وكان تيرنغ على إيمان تام بأن ماكنته ذات قدرة على محاكاة الذكاء الطبيعي أي أن جميع الأنشطة الذكية هي ألغورثمية ( بالطبع لايتفق بوبير وبينروز مع هذه الفرضية ) كذلك تكون متطلبات الدقة في الحساب والتي تحققها الطبيعة الحيّة ليست بأكبر من دقة الكومبيوتر.
وماكنة تيرنغ هي مخطط تجريدي للنشاط وفق ألغورثم معيّن. ونجد جوهر هذا الشيء في المصطلح الإنجليزي :
Discrete – state machine أي ماكنة الحالات الرصينة. وللرصانة هنا معنى تقني يستخدم في المعلوماتية والرياضيات ولاعلاقة له بالآخر القاموسي ( منحدر الكلمة من اللاتينية discerno أي : أنا أفرّق ، أنا أميّز. والإنسان العاقل قادرعلى التفرقة بين ما يمكن قوله وما لا ينبغي قوله. ومن هذه الزاوية يتشابه المعنيان التقني والقاموسي ). فالنظام هو رصين discreet عندما تتم التفرقة بين عناصره أي حينما يكون غير متواصل. وهذه هي نتائج الصفر والواحد في حالة الجمع التي تتصرف بها الماكنة الرقمية لكي يمكن تمييزها عن الأخرى التماثلية التي تعتمد على حجم التواصل. وماكنة الحالات الرصينة هي ماكنة تنتقل خطوة بعد خطوة وبطريقة جبرية من حالة الى أخرى ، وكل خطوة تحددها قاعدة مناسبة ، بعبارة أخرى تكون كل حالة وظيفة للحالة السابقة وإشارة ما تكون هي نبضا من الخارج. والمثال على مثل هذه الماكنة هو تصوّرنا لعجلة تدور في كل ثانية 120 درجة لكنها قد توقف بمساعدة رافعة تعمل من الخارج عند المدخل الى الماكنة. وعموما تتمكن العجلة من إتخاذ ثلاثة أوضاع أي ثلاث دورات لكل واحدة 120 درجة وتعني دورة كاملة للعجلة حول نفسها. وهذا هو أساس المخطط الذي توصل تيرنغ الى وضعه. والتصورالشائع لماكنة تيرنغ يبدو كالاتي: تحوي الماكنة شريطا مكوّنا من مربعات صغيرة. وفي كل مربع سُجّل رمز واحد من أبجدية منتهية ومعيّنة. وليس هناك من تحديدات فيما يخص عدد الرموز في الأبجدية. ولنأخذ على سبيل المثال أبجدية تتألف من رمزين فقط وتشبه أبجدية الماكنة الرقمية أي واحد ورمز فارغ أي معدوم الرمز : صفر. وهذه الماكنة تملك جهازا على شكل رأس مرّكب بصورة ثابتة فوق الشريط. وعندما يتحرك الشريط يُسجل الرأس على المربع رمز ( واحد ) أو يزيله أي كما لو أنه سجل صفرا. وبعد هذه العملية يحرّك الرأس الشريط بقدر مربع واحد يمينا أو شمالا وبعدها يواصل عملياته أو يتوقف. والحالة الثانية تعني الوقوف عند نتيجة آخر عملية. ولكي نتمكن من تحريك الشريط أي تغيير موقعه بالنسبة للرأس علينا أن نرّقم المربعات ( بالنسبة لمثال العجلة كان الترقيم تلك الحالات الثلاث الممكنة أي من واحد الى ثلاثة ). وفي الواقع هناك ثلاثة أنواع لماكنة تيرنغ. الأول لايضمن التوقف عن العمل إذا كان مجموع التعليمات ليس ألغورثما، والثاني يتوقف عن العمل بعد القيام بعدد منته من الخطوات ، والثالث محروم من هذه الخاصية. والأمثلة على النوع الثالث يطرحها روجر بينروز في كتابه من 1989 ( عقل جديد للقيصر New Mind of the Emperor ) وهو دراسة واسعة وشاملة للذكاء الصناعي. والعنوان تحوير لعنوان حكاية هانز كريستيان أندرسن المعروفة عن رداء القيصر والذي تظاهر المحتالون بخياطته. والرداء الجديد هو الذكاء الصناعي .. والمعنى هنا هو أن المحتالين قاموا بحركات فعلية تحاكي وظائف محددة تماما مثلما تدور ماكنة النسيج لكن بدون مادة خام.

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: برج بابل الألكتروني
« رد #6 في: 14:30 05/02/2008 »
-6-
 
لاغالب ولامغلوب حتى الآن في سباق الماكنة مع العقل
 
يبقى السؤال الأساسي الذي ينتصب أمام خبراء هذا الذكاء على الدوام : هل القول بأن إمكانيات الكومبيوتر الحسابية ومهما زاد فيها التقدم التقني ، ستبقى محدودة بحكم طبيعته مما يشهدعلى تفوق الذكاء الطبيعي على الصناعي ؟. بالطبع لايزال العلم عاجزا عن الإجابة. وفي الحقيقة تدعم فرضية غيديل تفوق الذكاء الطبيعي على الآخر. فهو يقول بوجود حقائق رياضية لايمكن الوصول إليها عن طريق أيّ ألغورثم ، والعقل يعتبرها بالتأكيد حقيقية.
إن الدماغ هو ماكنة لانزال نجهل عمل كل آلياتها. كذلك فالعقل قد يكون ماكنة بالمعنى التجريدي تماما كالقول عن ماكنة تيرنغ التي لاتوجد بالفعل. وكان ما يسمى ( إختبار تيرنغ ) قد إعتبر معيارا حاسما للحكم على كل حالة تهدف مساواة الذكاء الطبيعي بالصناعي. ولهذا الإختبار هيئة لعبة معينة تشارك فيها ثلاثة أطراف : طرف يوّجه سؤالا وطرفان، أحدهما الإنسان والآخر الماكنة ، يجيبان عليه كل على حدة. ولنسم السائل بالمراقب الذي عليه أن يحزر، على أساس المراقبة ، أيّ جواب من الإثنين قدّمه الإنسان وأيّ جاءت به الماكنة. ومعلوم أن على الماكنة أن ( تفعل كل شيء ) لكي يتصور السائل أن جوابها قدّمه الإنسان.. والغرض من هذا الإختبار ، عدا معرفة هل أن الماكنة تفكر ، هو العثور على تعريف للتفكير كعملية مستقلة عن الوعي. وإذا كانت محاولات ذلك المراقب في الكشف عن سعي الماكنة الى محاكاة العقل ، ستنتهي بالفشل فقد يكون ذلك دليلا على إن بإمكان الماكنة أن تفكر. ولكن ما هو العدد المطلوب من المحاولات الفاشلة ولكي يكون هناك إستنتاج معيّن ذو مصداقية ؟..
ويعتبر مارتن مينسكي M. Minsky المواصل الكبير لعمل تيرنغ. وفي مقالة له بعنوان ( الذكاء الصناعي ) يكتب بأن فكرة الماكنة الذكية كانت في البدء أمرا غير محتمل وأن تجربة تيرنغ تقدّر كإختبار لايخص ، في الحقيقة ، مسألة وضع تعريف للتفكير، ولايصبح الكومبيوتر خبيرا ذا مرجعية إذا لم يكن قد زوّد قبلها بمعرفة متينة. ويجد مينسكي أن الذكاء لايتكشف في الأجوبة فقط على الأسئلة في إختبار تيرنغ بل في الأسئلة أيضا، و يقترح هنا أن يتلقى ذلك المراقب الأسئلة من الطرفين ويجيب عليها وفق معرفته. وبعدها يقوم كل طرف بتقديرالاجوبة وإذا لم تعتبر مرضية يقوم الطرفان بطرح أسئلة جديدة على المراقب أن يحزر أسئلة الكومبيوتر والأخرى التي وجهها الإنسان.. ولابد هنا من إيضاح نقطة جوهرية لها طابعها الفلسفي والعملي في الوقت نفسه : الماكنة ، وهي الكومبيوتر في حالة ذلك الإختبار، ينبغي أن تزوّد وليس بما يمثل المعرفة فقط بل باللامعرفة!. بالطبع هذا أمر غير ممكن ولأن مساحة هذا الجهل غير منتهية ، ولكي يمكن تأطيرها ينبغي الإقتصارعلى ماهو مرتبط بحاجات الكومبيوتر الخاصة أي مساعي الجهة التي تلقي الأسئلة. ومن الواضح أن من صفات الكائنات الحية أن تكون لها مشاكل وقضايا. فهذا الكومبيوتر الموجود أمامي على الطاولة لايملك أسئلة خاصة به ، وفي أحسن الأحوال لديه اسئلة كان قد برمجها الإنسان الا أن الزهرة المزروعة في أصيصها والتي أنظر إليها الآن تملك الكثير من القضايا مثل قضية الحصول على الأشعة الشمسية أي ما يسمى بالإنتحاء الشمسي. ولهذا السبب فالذكا ء الذي يصنعه الإنسان سيكون بدون قضايا طالما أن هذا الذكاء غير مرتبط ببنية الحياة. وكان لايبنتس قد وجد أن الصفة الجوهرية للذكاء، وهي من الأمورالمهمة شأن قابلية إستقبال الإعلام وتحويله ، هي ما أسماه بالسعي. وجاءت عنده باللاتينية conatus . وهذا يذكرنا بكلمة irritation أي الإثارة ( ومعناها الإغضاب أو السخط أيضا ) التي كان يستخدمها خالق البراغماتية عالم المنطق الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس Ch . S . Pierce (1839 /1914 ) عند وصفه لأحوال نشوء المشاكل والشكوك. وفي فلسفته تملك هذه الكلمة أهمية أساسية إذ عليها أن تفسر ولادة المعرفة وتطورها ، وبعبارة أخرى تعني الكلمة حافزا للوصول الى حل لمشكلة ما. ومن المفهوم أن الكومبيوتر يتمكن من الملاحظة والإستنتاج وحسم المشكلة إذا كان مبرمجا أي أنه لايفعل أيّ شيء من تلقاء نفسه ولأن الدوافع الى ذلك غير متوفرة. ببساطة إنه لايعاني من أي شيء على الصعيدين الفيزيقي والذهني. وبهذه الصورة تنشأ العلاقة بين التفكير والمعاناة. والإثارة ليست فقط الحافز في حل المشاكل بل هي ، وهو المهم ، مرتبطة بالوعي باللامعرفة التي تعبّر عن نفسها بما يسمى صياغة المشاكل. فمن يشعر بالجوع يكون بمكنته ملاحظة إفتقاده الى المعرفة الضرورية من أجل الحصول على الطعام. والشيء نفسه نلقاه على الصعيد العقلي : من يريد معرفة فرضية تحتاج الى برهان فعليه أن يدرك بأنه لايعرف أيّ مقدمات منطقية للفرضية ، وحينها يبدأ بالبحث عن تلك المقدمات. وكما يقول بيرس فلحظة القلق تنشأ بسبب اللامعرفة. بالطبع يمكن إكمال هذا العامل السلبي بآخر إيجابي مثل الفضول لمعرفة العالم أو الإنبهار بغرابته ، ومن هذه تولد الأسئلة.

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: برج بابل الألكتروني
« رد #7 في: 14:31 05/02/2008 »
-7-
 
الحقيقة على حالها و كما كانت في زمن بيلاطس
 
في قديم الزمان إخترع البشر مفهوم الحقيقة. ويذكر كارل بوبير أن مفهوم الحقيقة قد شيّد على مفهوم اللاحقيقة أي عندما وجد الإنسان أن هناك شيئا ( مخالفا ) يحدث. والإكتشاف العظيم الآخر كان هو أن الوصول الى الحقيقة يتم عبر البرهان. وهذا قام به قدماء اليونانيين، وبالضبط أرسطوطاليس الذي تفرغ لهذه الإشكالية في مؤلفه ( التحليل ) من حوالي عام 350 قبل الميلاد والذي حوى أول منهج للمنطق كنظرية البرهان أي نظرية القياس المنطقي syllogism والتي تكون مع مع أنظمة الحساب ( العدّ ) مصدر فكرة الكومبيوتر. ومعلوم أن فكرة الحقيقة بدت للفلاسفة المعاصرين شيئا يصعب تعريفه وبذلك يبتعد عن العلم. الا أن مفهوم البرهان كان جاذبا. وبذلك مهّد الطريق أمام الماكنة لكي تكون قادرة على توفير البراهين. وهناك السؤال: هل الماكنة المبرمَجة بالصورة المناسبة قادرة على البرهنة على كل حقيقة يكون بمكنة العقل البشري التعرف عليها ؟. للإجابة علينا أن نتناول في البدء مفهوم الروبوت الذي ولد في محيط الخيال العلمي، وبالضبط بفضل رواية كاريل تشابيك ( رور R.U.R. – Rossum Universal Robots ). والروبوت يعني اليوم الكومبيوترات ذات التخصصات العالية. وهو يحل المشاكل المناطة به ولكن الرياضية فقط. بالطبع يفلح في حل كل القضايا التي يتم التعبير عنها رياضيا. والروبوت كرياضي هو من إبتكار ديفيد هلبرت من مطلع القرن العشرين وعرف بعدها باسم ( برنامج هلبرت ) والهادف الى الأخذ بإجراء procedure ألغورثمي عمومي يسمح بحل جميع القضايا الرياضية. ويتحدد هذا الإجراء بكونه برهانا تمت صياغته أي برهان مشكلن formalizate وله خواصه التي نلقاها في كل عملية من عمليات الفهم اليومية ، فالتعابير الواردة في مثل هذا البرهان تعامل كشيء هندسي geometric وليس كطرح يملك المعنى ، أي أن صحة إستنباط الجمل من أخرى تحددها قواعد لاتأخذ بعين الإعتبار الا الشكل ( الهيئة ) وموقع الإشارات مع تجاهل معناها. ويذكر تطوير مثل هذا البرنامج بلعبة الشطرنج وليس ب( البحث العلمي ) كما يُفهم بالصورة الدارجة. إن هذا التركيز على الشكلنة يكون ، من جهة، إعدادا نموذجيا لميكنة عملية البرهنة أي قيام الروبوت بتحقيق ذلك ، ومن جهة أخرى يؤدي هذا التركيز الى فصل مفهوم البرهان عن مفهوم الحقيقة التي هي مرتبطة بصورة لافكاك فيها بمعنى الجمل. ويعني تجاهل معناها التخلي عن الوصول الى الحقيقة بمساعدة البرهان.
إن مثل هذا الفصل ، وكما تبين ، لم يكن نهائيا بل أصبح خطوة حاسمة في توحيد الحقيقة بالمعنى وعلى درجة كبيرة من الدقة هذه المرّة. وكان الكثيرون من الفلاسفة ، وخاصة من ( الحلقة الفييناوية ) أمثال بوبير وغيديل ، قد وجدوا أن مفهوم الحقيقة ليس بالضروري ولايخضع للمعايير العلمية. وسمّي هذا الموقف بالعدمية العلمية أي حرمان العلم من هدفه الأبدي. ولكن في عام 1930 طرح ألفريد تارسكي( 1901- 1983 ) تعريفا دقيقا لمفهوم الحقيقة موّجها الى مجموعة معينة من النظريات الرياضية. وجاء هذا دعما لنتائج غيديل والتي كما ذكرنا كانت بالغة الأهمية بالنسبة للأسس الفلسفية والمنطقية الخاصة بالذكاء الصناعي. ولابد من الإستدراك هنا بالقول إن النجاح في البرهنة الميكانيكية هو شأن النجاح الذي تحققه الماكنة في لعبة الشطرنج إذ أن ذلك لا يقرر بعد ، قدرتها على التعرف على الحقيقة. ولكي يحصل هذا الشيء كان لابد من اللجوء الى تعريف دقيق للحقيقة.
كانت براهين تارسكي فيما يخص تعريف الحقيقة بالغة التعقيد. وكتب كارل بوبير في مؤلفه من عام 1990 ( عالم الميول A World of Propensities ) أنه بفضل تارسكي أدرك هذا الفيلسوف وجود إمكانية الدفاع عن مفهوم الحقيقة المطلقة والموضوعية كما أدرك كم هي كبيرة قوة المفهوم الوارد في النظرية الأرسطوطاليسية عن الحقيقة التي توصل اليها تارسكي وغيديل كل على حدة. وقال عنها بأنها نظرية الحقيقة كتوافق correspondence للجمل مع الوقائع ، فإذا كانت الجملة المصاغة بصورة لالبس فيها حقيقية في لغة معينّة ، تكون كل ترجمة ( نقل ) لها الى أيّ لغة أخرى هي حقيقية أيضا. وكان غيديل قد أعلن بأن في كل نظام بديهي للحساب وبمعزل عن مسألة الى أي حدّ نضاعف مجموعة البديهيات فأنه توجد على الدوام جمل حقيقية لايمكن البرهنة عليها بواسطة تلك البديهيات. والمقصود هنا بالطبع البرهان المشكلن. وحينها يمكننا القول بأنها أنظمة لاتقبل البرهنة. ومثل هذه النتيجة تسمى بفرضية غيديل حول نقص ( أي لاتمام ) الحساب arithmetic . ولنورد هذا المثال لإيضاح الأمر : نأخذ إشارة كلمة ( غير ) ونعطيها دور النقض الذي تعقبه جملة معينة نرمز لها بثلاث نقاط داخل قوسين(...). والآن نقوم بوضع القاعدة التالية : من غير [غير(..)] مسموح لنا بالإستنتاج : [...] . فالماكنة التي نقوم بتكليفها بالإستنتاج ليست مرغمة على التوقف عند مسألة ما الذي يفهمه الإنسان من خلال (غير) ولا عند المضمون الذي قامت بوضع علامته أي النقاط الثلاث داخل قوسين غير مدوّرين. ووفقا للتعليمات ( أي الألغورثم ) يأخذ مكان نسق من الرموز يكون شكله كالآ تي : غير[غير(...)] ، نسق آخر ذو شكل(...) . وهذا هو مثال نموذجي للعملية الميكانيكية. ويفسر الإنسان نتيجة البرهان التي أخذها من الماكنة وفق منطقه الخاص من خلال وضع المعاني تحت نسق الرموز. وكان غيدل قد قام بتقسيم الجمل الى نوعين : قابلة للبرهنة وأخرى غير قابلة. وبالطبع يدخلنا غيديل هنا في متاهات معينة لعلم المنطق ، إذ كيف بالإمكان القول بأن الجملة تحدد نفسها بأنها غير قابلة للبرهنة ؟!. الا أن الأمر الجوهري هنا هو أن نفرّق بين إنعدام الغرض من الإتصال وبين إنعدام الصحة المنطقية .


غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: برج بابل الألكتروني
« رد #8 في: 14:31 05/02/2008 »
-8-
 
" أعرف نفسك ". إنها عملة قد سٌحبت
 
إن الحدود بين الذكاءين البشري والمكائني ترسمها ظاهرة الإبتكار invention . وإذا خلقت الماكنة ، في يوم ما، فكرة جديدة خارج نطاق البرنامج المسجل فيها فإن ذلك اليوم سيكون تأريخيا يشهد على تخطي تلك الحدود. وليس كل إنسان ذكي هو مكتشف كبير أو مخترع بارز ولكن كل واحد يملك الصفة التي يكون فيها الإبتكار أو الإكتشاف قد إنعكس بالصورة المصغّرة ، وهذه الصورة هي الفكاهة أو النكتة أو الملحة joke ، wittiness . وقبل ان نتابع البعد اللغوي لهذه الكلمة من المناسب أن نسوق تعريفا شائعا يفيد بأن حجم الإعلام يقاس بالدرجة التي فاجأ بها لك الإعلام متلقيه. كذلك هناك الرأي القائل بأن الذكاء هو القدرة على إنتاج وجبات كبيرة من الإعلام مما تكون نتيجته هي المفاجأة بالجدّة. وعلى مثل هذه الفجاءة تعتمد النكتة. ومن خلال هذا التعريف نصل الى المفهوم التجريدي للإعلام والذي يقودنا بصورة غير مباشرة الى سؤالنا الدائم : هل أن الماكنة قادرة على التفكير ؟.
تتضح العلاقة الأيتمولوغية ( أي صيغتها اللغوية ) للنكتة بالذكاء بصورة أكبر في لغات كالألمانية والإنجليزية ( وكما معلوم هما لغتان ذات منحدر مشترك ) . في الأولى القديمة يعني الفعل wizzan أن تعرف ( في الألمانية المعاصرة هناك فعل wissen ) ومن هذا الفعل إنحدرت كلمة witz أي النكتة ، المزحة ، الملحة. والآن من أين جاءت هذه العلاقة بين أمر جاد كالمعرفة وبين آخر ( قليل الجد ) ؟. أكيد أن كلمة wit الإنجليزية توضح لدرجة أكبر هذا الشيء. وفي الإنجليزية القديمة كان معنى هذه الكلمة شبيها بمعناها بالألمانية. وأن تعرف تعني أنك مدرك لشيء ما ، وأن تكون قد أعلمت بشي. وفي إنجليزية اليوم يعني الإسم العقل ، القدرة على الفهم ، قابلية الإبتكار inventiveness . كذلك نلقى معان أخرى للكلمة مثل الحكمة وحدّة الذهن والمخيلة الخلاقة والرهافة الفكرية. وفي الأخيرنصل الى المنطقة الدلالية لكلمة witz الألمانية ، أي wit والتي تعني قابلية إكتشاف أحوال التماثل المسلية بين أشياء لاعلاقة ظاهرية فيما بينها. وكل هذا يعني أن لهذه الكلمة صلة بمفهوم الإكتشاف الذي يولد التسلية amusement . ويبدو معقولا تفسير هذه الظاهرة والذي يفيد بأن الفكاهة كانت ولاتزال تملك ثقلها الإجتماعي وبشكل خاص في العلاقات بين الناس. ففي العصر الوسيط الأوربي كان مسلي البلاط هو ذلك ( المهرج الحكيم )..
وهو أمر واضح أن ليس بالإمكان تجنب مسألة الأخذ بالمعادلات والنماذج الرياضية عند الكلام عن الذكاء الصناعي الذي هو نتاج أصيل لعلوم الرياضيات والمنطق والفيزياء وغيرها. وكان باسكال قد تناول إشكالية المقارنة بين ذكاء المكائن وبقية أنواع الذكاء الطبيعي. وفيما يخص الأخذ بتلك المعادلات هناك إجتهادان ، الأول طرحه الفيزيائي الإنجليزي المعروف ستيفن هوكنغ S.W.Hawking في مقدمة كتابه ( تأريخ قصير للزمان A Brief History of Tume) حيث اخذ بنصيحة الناشر ولم يذكر إلا معادلة واحدة كانت هي معادلة آينشتاين الشهيرة. والإجتهاد الثاني في هذا السياق يمثله نورثهوت باركنسن C.N.Parkinson صاحب ( قانون باركنسن ) المعروف حول تضخم البيروقراطية .. ويقول إن تقديم معادلة رياضية من وقت الى آخر هو شيء واجب لإعتبارات أستيتيكية !. فالمعادلات تدخل عنصر التنوع على صفحات الكتاب ! . بالطبع هذه مزحة من مزح باركنسن لكنها ليست محرومة تماما من النظرة العملية. فمعادلة آينشتاين قد لايفقهها الكثيرون ولكنها كمعادلة رياضية ذات شكل طوبوغرافي يعلق بالذاكرة بصورة أقوى.. ولعل خير الأمور هنا وسطها..
ويلعب مفهوم الإحتمال probability دورا جوهريا في تعريف الإعلام . ولنرمز له بحرف ( ح ) وليس ضروريا هنا الدخول في ( متاهات ) نظرية الإحتمال بل يكفي الأخذ بمثال بسيط : الإحتمال في حزر أحد وجهي قطعة النقود التي نرميها في الهواء هو بنسبة النصف والوجه الآخر يملك الفرصة ذاتها. والشيء نفسه يخص إلقاء النردة والحصول على عدد واحد من بين ستة أعداد أي النسبة هنا هي السدس وهذا يعني أن الإحتمال يكسب قيمته من التقسيم ( من واحد الى ستة ) مع العلم أن الحصول على أحد الأعداد الستة هو أمر مؤكد. ولتبسيط المسألة أكثر لنأخذ بمثال آخر هو الأبجدية ، ولتكن الإنجليزية هنا أي 26 حرفا : نفترض بأننا فكرنا بحرف ( j ) أي الموقع العاشر في هذه الأبجدية. و بالطبع لايعرف القاريء بهذا الإختيار. ولكي يعرفه عليه ان يوّجه إلينا أقل عدد من الأسئلة التي ينبغي أن يكون الجواب على كل منها ب( لا ) أو ( نعم ). والسائل الذكي يتصرف بهذه الصورة : تكون أسئلته وفق منهج يأخذ بنظر الإعتبار الأجوبة المتعاقبة. وهكذا تكون أسئلته :
هل يوجد الحرف في: 1/ النصف الأول من الأبجدية ؟ . نعم. 2/ في النصف الأول من القسم الأول ( قسّم السائل الأبجدية الى خمسة أقسام يتكون الأول فيها من قسمين ، وكل قسم فيه نصف مجموع الحروف أي 13 ، وفي الثاني قسمها الى ثمان أحرف ، وفي الثالث الى أربعة أحرف والرابع الى حرفين والخامس يكون هناك حرف واحد ) كلا. 3/ في النصف الأول من القسم الثالث ؟. نعم. 4/ في النصف الأول من القسم الرابع ؟ نعم. 5/ في النصف الأول من القسم الخامس ؟كلا. إذن الحل هو حرف ( j ). ولإيضاح أكبر نشير الى أن النصف الأول من القسم الأول يشمل الحرف من ( a ) الى ( p ) .وهكذا بعد الجواب الأول تستثنى بقية الحروف. وبعد الجواب الثاني تستثنى الأحرف من ( a ) الى ( h ). وبهذه الصورة تبقى ثماني أحرف أي من ( i ) الى ( p ) . وإذا عملنا من هذا القسم ثلاثة أقسام أخرى يكون القسم المنشود هو الثالث ( أي الخامس من البداية ) وهو أصغر قسم إذ يحوي حرفا واحدا هو ( j ). والميزة غير الإعتيادية لهذا الإجراء أنها تزوّدنا بطريقة لقياس الإعلام ومعه الوحدة المناسبة لطرح نتيجة القياس. وكل خطوة من خطوات هذا الإجراء مرتبطة بالتقسيم التالي القائم على مبدأ وجود نصفين وهي تقدّم لنا إعلاما تال أي أكبر بوحدة واحدة . وهذه الوحدات هي خمس وفق تقسيمنا أي أن التعبير عن حجم الإعلام يتم بخمس وحدات. وفي حقل الذكاء الصناعي ، والكومبيوتر من تجسيداته ، تسمى وحدة الإعلام هذه ( bit ) وهي مختصر المصطلح الإنجليزي BInary digiT ويعني عددا ثنائيا ناتجا من الأخذ بالنظام الثنائي. بإختصار فإن حجم الإعلام في مثالنا حول حرف ( j ) يبلغ 5 بيت. وبالطبع تطبّق القاعدة على كل حرف آخر. فالنتيجة نفسها نصل اليها بتطبيق مفهوم ما يسمى بالإعلام الثنائي binary . ومن هذا يتبين أن حالة اللاإمكان هي أمر خاضع للنسبية حين نفحص الإحتمال على ضوء معرفة معينة ، وليس بالأمر المهم هنا إذا كانت صحيحة أو خاطئة. مثلا إذا كانت تنتمي الى نظام المعرفة جملة ( اليوم هو الجمعة ) فإن الإستنتاج هو : ( يوم غد هو السبت) . وهذا يعني أنه في ضوء هذا النظام يكون الإحتمال عند حده الأقصى. لكن لنفترض أن هناك مثل هذه الجملة ( اليوم هو الجمعة أوالخميس ) ، في هذه الحالة يتقلص الإحتمال بأن يوم غد هو السبت الى حدّه الأدنى. وهكذا فلحالة العكس inversion بين الإحتمال والإعلام إحالتها الى تنوّع الإثنين في إطار النسبية. مثلا من يعرف أن اليوم هو الجمعة لايفيده بشيء الإعلام القائل بأن يوم غد هو السبت. فمثل هذا الإعلام هو أكيد نظرا لتوفر المقدمات المنطقية والمعرفة عن تعاقب أيام الأسبوع غير أنه إعلام أكبر من الصفر في حالة وجود شخص لايعرف هذا اليوم من أيام الأسبوع أو لايعرف شيئا عن مثل هذا التعاقب.
في مؤلفه ( حكايات عن الروبوتات ) يتناول الكاتب البولندي المعروف ستانسلاف ليم بالوصف عالما تعيش فيه الروبوتات وما أسماهم ب( الشاحبين ). الروبوتات مصنوعة من مادة صلدة لماعة ، و كانت مشكلة تزويدها بالطاقة قد حلت بأبسط طريقة : تم وصلها بالتيار الكهربائي عن طريق سلك إعتيادي. أما ( الشاحبون ) فيتكونون من كتل هلامية بيضاء ، ولكي يحصلوا على الطاقة يلجأون الى طريقة مقززة لكنها لاتخلو من التعقيد: إلتهام الجثث. ولهذا السبب تشعر الروبوتات بأن لديها ما يبرر تفوقها على هذا الفرع من شجرة الإرتقاء والذي هو ، لامحالة ،على وشك الزوال. ولكن منطقة التفوق الحقيقي على آكلي الجثث هو الذكاء. وبين الروبوتات يبزّ إثنان في هذا المجال. وهذان هما مشيّدو روبوتات ( أخرى) أيضا ويتنافسان فيما بينهما حول أيّ منهما يبني الروبوت الأكثر كمالا. ونحن بإمكاننا أن نضيف الى هذه الرواية حدثا آخر : ( شاحب ) يتحدى ذينك الروبوتين ويدعوهما للدخول في مسابقة حول أحسن نكتة .. أكيد أن ( الشاحب ) سيفوز ولسبب واحد لاغيره: الجسم الحيّ وحده يجرب الأحاسيس ويعرفها ، فبدون إبتسامات وضحكات لامكان هناك للمزح. الا أن هزيمة ( نخبة ) الروبوتات لاتعني إطلاقا بأن ( الشاحب ) قد إستهان بكمال الروبوتات والمتمثل بحل القضايا الأكثر تعقيدا. والمغزى من كلامنا هذا هو أن الإبتكار الذي يعد جوهر الذكاء هو ما يميّز الذكاء البشري عن المكائني والحيواني أيضا. وعالم الإنثروبوجيا حين يعثر على عظام قديمة يكون مرشده في التحقق من منحدرها البشري يعتمد على آثار الإبتكار وهل عثر هناك على قوس أو سكين أو لباس أو عجلة أو مقدح نار وهل بالقرب من العظام كانت آثار زرع إلخ. والآن أي صفات تمثل البنية التحتية للذكاء بمعناه الشائع ؟. هناك من يجد أن من صفات الذكاء الأساسية القدرة الإستيعابية للذاكرة والسرعة في تحويل الإعلام. وفي الكومبيوتر لدينا ذاكرة عملياتية ولكنها ذاكرة خارجية ( قرصية مثلا ) تساعدها أجزاء أخرى في تحقيق السرعة المنشودة فيما يخص ذلك التحويل. وعدا هذه الذاكرة هناك أخرى محفوظة في القرص الصلب أو أقراص المحطات. ومن هذه الذاكرة تؤخذ البرامج والمعطيات. وفيما يخص الإنسان ففي الخلايا الدماغية ثمة مخزون هائل من المعرفة ( سواء أكانت مكتسبة من المصادر الخارجية أو من تجاربنا وذكرياتنا ) والمهارات. والمعرفة هي ما يماثل مجاميع المعطيات ، أما المهارات فهي مثل البرامج الكومبيوترية. ولنعد الى مثال الشطرنج: لاعب الشطرنج الماهر هو من يقدر على أن يلاحظ ، بصورة متزامنة ، الكثير من النقلات الممكنة التي تترتب عليها أوضاع مختلفة. إلا أن هذه كلها ليست بنسق أفقي بل بهيئة شجرة من النتائج ذات فروع كثيرة. فإذا قمت أنا بهذه النقلة سينشأ الوضع الذي يثير ردود فعل عديدة من جانب غريمي. وكل رد فعل منها يتطلب مني إجراء آخر ، من تلك التفرعات ، يترتب عليه هذا الرد أو آخر من طرف الغريم. وهو أمر مفهوم أنه كلما إزدادت التفرعات تتضاعف المشاكل التي تتطلب الحل ، وهكذا فمحك الذكاء هو ، كما قلنا سابقا ، القدرة على حل عدد متزايد من المشاكل في حالة لعبة الشطرنج. وفي كل خطوة في الحياة الفعلية نواجه حقيقة أن النجاح في حل المشاكل يعتمد على القدرة الإستيعابية لتلك الذاكرة العملياتية. وهذا هو ، بالفعل ، عمل المبرمج الكومبيوتري. بالطبع تعمل الذاكرة العملياتية عند الإنسان على أسس ومباديء تختلف عن الأخرى في الكومبيوتر. ومثال كاسباروف الذي فاز مرة على الكومبيوتر وخسر في الثانية قد يدفعنا الى القول بأن فرص الإثنين كانت متكافئة فيما يتعلق بفاعلية الذاكرة العملياتية بالرغم من أن الأمر متعلق بتكنولوجيات أخرى في كل مرة.
معلوم أن ذاكرة الكومبيوتر الخارجية هي شيء أكثر ثباتا من الأخرى العملياتية. ومحتوى الثانية ليس بالدائم فهو يتبدل وفقا للبرنامج المنفذ والمعطيات المتوفرة ، وهو يختفي تماما إذا إنقطع التيار الكهربائي مثلا.. أما الخارجية فهي ثابتة ودائمة نسبيا. ويحصل أنها تمتلك مختلف الناقلات carriers غير أنه يكفي تركيز الإنتباه على القرص الصلب الذي يكون في الكومبيوترعنصرا ثابتا يسهل مقارنته بالذاكرة لدى الإنسان. الا أنها مقارنة بلاغية بالطبع. فمعلومات معيّنة نحفظها في ذاكرتنا تختلف عن الأخرى الكائنة في الكتب أو الأقراص الكومبيوترية وغيرها . والأمر لايتعلق فقط بالبحث عن المعطيات عند الحاجة إليها بل كذلك بالعناصر التي تقود عمليات تحويل المعطيات التي هي شبيهة ، من هذا الناحية ، بالبرامج الكومبيوترية. وهكذا فقيادة العمليات المعلوماتية يمكن أن تحصل في حالة واحدة فقط وهي حين توجد في ذاكرة إنسان يفكر وليس على رف من رفوف المكتبة .
معلوم أن سرعة تحويل الإعلام هي بارامتر parameter للطبيعة التقنية ولايقل أهمية عن الذاكرة العملياتية أو الخارجية. ويعود نجاح الكومبيوتر في حل المشاكل الى سرعة نقل الإشارات التي تتخطى بمئات المرات ، على الأقل ، سرعة إنتقال النبض العصبي. وقد يكون مبرّرا السؤال : لماذا تتعادل إمكانيات الإثنين ( الإنسان والكومبيوتر ) في مجالات معيّنة كالشطرنج مثلا ؟. أكيد أن نجاح الكومبيوتر يعتمد الى حد كبير على وتيرة البحث عن أحوال توليف combination ممكنة، وهو يتفوق هنا على الإنسان. الا ان دماغ الإنسان يعلو على كل قدرات هذه الماكنة الرقمية ، بفضل عدد الخلايا التي تحوّل الإعلام ، وكذلك حالة التوازي المتزامن للكثير من عمليات التحويل. والأمر شبيه بمهمة حسابية بالغة التعقيد لكنه من الممكن تقسيمها الى أجزاء وبعدها يكون من السهل جمعها في نتيجة نهائية ، أو أن يقوم بالمهمة طرفان ، الأول شخص واحد والثاني مجموعات من الأشخاص تقوم كل واحدة منها بتنفيذ إحدى المهام الجزئية. وبعدها تضع المجموعة المنسّقة النتيجة النهائية. والطرف الأول الذي يمثله شخصا واحدا يمكن مقارنته بكل تلك المجموعات لكن بشرط أن يقوم هو بالعّد بصورة أسرع من أعضاء تلك المجموعات ، والعكس صحيح أيضا.
إن مثل هذه القابليات التنسيقية والتعاونية تختلف من دماغ الى آخر. الا أنه ينبغي القول باننا لانزال نعرف القليل عن أنشطة الدماغ ولكي نحصل على خارطة ذلك التنسيق.
وبالرغم من نقص المعطيات الإمبيرية يمكننا ان نجرّب قوة الإستنباط deduction كما يقول شرلوك هولمز ، أي أن نحزرالمعامِلات coeffiecients التي تعتمد عليها سرعة تحويل الإعلام في الدماغ. وتكشف تجارب العلم لغاية الان عن أن نظام عمل الجهاز العصبي يرتبط بالفوارق عند ما يسمى بعتبة الإثارة exitability للخلايا العصبية. وهذا يعني أن للخلية رد فعلها أوعدمه ازاء الإثارة السارية ، عبر الألياف ، من الخلايا الأخرى. ويعتمد رد الفعل هنا على إرسال النبض الى الخلايا المجاورة ومن ثم الى منطقة محددة. وعلى هاتين الحالتين أوالخيارين ، أي إرسال النبض ( وهو قيمة الواحد ) أو عدم إرساله ( أي قيمة الصفر ) يعتمد هذا النظام الواحدي - الصفري المنقول الى عمل الأجهزة الألكترونية. وكما قلنا فإن ما يميّز الدماغ عن هذه الأجهزة وجود عتبة معينة للإثارة. ومعناه أن خلايا معينة تتجاوب ، فورا ، وهي في حالة الحد الإدنى من الإثارة ، مع المنبّهات أي بعد إستلام قدر صغير من المنبهات في حين أن الأخرى تحتاج الى ( إيقاظ ) أكبر بواسطة المنبّهات من أجل أن تطلق نبضها الخاص. وبهذه الصورة نتمكن من إدراك أن سرعة تحويل الإعلام تعتمد على عتبة الإثارة ، وبأكبر قدر من التبسيط يمكن القول إن عمل الكومبيوتر يقلد عمل الجهاز العصبي. وهذا التقليد يملك فرص التطور والتحسين ، ولعل هناك فرصة تحسين عتبة الإثارة عن طريق منطقي وهو صوغ جهاز تصورات ومفاهيم أي نظام تصورات يؤثر على تفكيرنا ونشاطنا. ويبدو أن بمكنة العلم أن يخلق شيئا شبيها بالبنية الإتصالية للنبض وحينها سيخلق الإتصال المنشود بين مراكز تحويل الإعلام. وهذه الحالة المفترضة أي تأثير العقل على الدماغ يرفضها بالطبع غلاة الماديين ..
وتتم الإتصالات من خلال تركيب ما يسمى بشبكة التصورات notional ، ويحصل الإسراع فيها نتيجة الإستخدام المكثف لهذه الشبكة أي التحرك عبرها لمرات كثيرة. ويبدو الأمر كأن هناك عتبة إثارة آخذة بالصغر ، وبذلك تسمح بصورة متزايدة السهولة بدخول أنظمة النبضات التي يعرفها مركز معيّن ، وتصعّب دخول أخرى تعرفها لدرجة أقل. والأمر هنا شبيه ببوّاب ناد للنخبة الراقية يسمح بدخول رواده الدائميين ولايسمح للغرباء بدخوله. ونسمّي عادة ، ردود الفعل السريعة بحدة ( الذكاء ) brilliance ، وهذه من خواص الذكاء التي تفسر جيدا ما ذكرناه قبلها أي آلية خفض عتبة الإثارة. وبالفعل فالإنسان قد يكون حاد الذكاء في حقل وضعيفه في آخر. والآن ما هي علاقة هذه الخاصية الطبيعية بظاهرة الذكاء الصناعي ؟. في الواقع هي غريبة على كلا صنفي الذكاء الصناعي : الرمزي والألغورثمي. ولربما تتوفر علاقة ما حين يحقق العلم إنجازات تالية في محاكاة الذكاء الصناعي للجهاز العصبي.
معلوم أن عتبة الإثارة إذا حددت بالصورة المناسبة تضمن الوصول الى تسجيلات الذاكرة لتلبية الحاجات الناشئة أثناء حل المشكلة. وليس المقصود فقط البحث عن قدركبير من الإعلام الضروري بل كذلك منحه الدرجة المناسبة من الأهمية والتي تكشف عن إطلاع بسيط على المنطق إذا إنعدمت. ونلاحظ هذا الشيء لدى الأفراد الذين يحشرون تفاصيلا لاتملك أيّ أهمية بالنسبة لعملية الإستنتاج. ومثل هذه ( الثرثرة ) سببها إنعدام التدرّج في أهمية المواضيع لدى هؤلاء. وهي عاهة منطقية ، وليس إجتماعية فقط ، أن حالات الطرح أو التعبير المفترضة لا يتم إختبارها من زاوية عواقبها المنطقية ، ولذلك تدرج في النصّ بدون الإنتباه الى حقيقة أن لاشيء مفيدا للموضوع ينتج عنها.
وعلى العكس من هذه الحالة ( اللامنطقية ) هناك الكلام من نوع ماقلّ ودلّ ، وكذلك القدرة على العثور على الكم المطلوب من المعطيات. وعمق التفكير يعني أيضا القدرة على معرفة أهمية هذه المعلومة وكونها أقل أهمية من الأخرى أو أكثر ، أي ترتيب المعطيات وفق الأهمية. ويكون الأمر شبيها بقرارات القائد العسكري الذي يعرف في أيّ لحظة عليه أن يشرك في المعركة هذا السلاح وليس غيره.
وهناك صفة اخرى يمكن تحديدها بوسائط المنطق وهي الإتساع أو السعة extent بالرغم من أنها لا تنتمي الى المنطق نفسه. وإتساع الفهم شبيه بإتساع الشجرة التي تنشأ من خطوات للإستنتاج متعاقبة وكل منها يطيل الشجرة عموديا ، وكل فرع للإستنتاج يعمل على نمو الفهم عرضا. والفهم المتفرع نلقاه في لعبة الشطرنج عندما يكون على اللاعب أن يعرف مسبقا الكثير من ردود فعل الغريم المحتملة ثم يقوم بإختيار الرد المناسب على أساس أحد تلك الردود. ومثل هذا ألإختيار هو الإستنتاج المستمد من الفهم المتفرع.
أن هذا الإتساع يخضع بالطبع للحساب ، ويضمنه الإجراء المسمى بالشكلنة التي تعتمد على وجود قواعد مشفرة
لعملية الإستنتاج. وكما قلنا فالأساس هنا هو علم المنطق : التشفير الدقيق لقواعد الإستنتاج يتم في أنظمة للمنطق هي مشكلنة. والصفة التالية هي الفراسة insight ، ويجدونها صفة لتلك العقول التي ترى أن التفاصيل أهم الأشياء وأن عمليات فهم التفاصيل تؤدي الى مقدمات منطقية عديدة ومخفيّة عميقا ولذلك لاتدركها العقول المحرومة من الفراسة. فالعالم يتكون من عدد لايحصى من التفاصيل التي يكون الكثير منها ضروريا في عملية فهم معينة ولكن غالبما يدرك العقل غير الضرورية أيضا ، وهنا تكون الحاجة ماسة الى القدرة على الوصول السريع الى الكثير من هذه التفاصيل وكذلك المهارة في فرز غير الضرورية منها. وكلتا الصفتين لصيقة بالفراسة. وأزاء العدد الكبير من التفاصيل المهمة بالنسبة للإستنتاج الذي نبحث عنه ، علينا أن نراعي أحيانا الأخرى غير الجوهرية التي كان من المفروض إهمالها ، فنجاعة الفهم تتطلب أن تكون خارج اللغة والوعي. وهكذا فإن فصل الأفكار عن اللغة يكون نوعا من الإمتياز في هذا السياق. وميدان الفصل هو كامل إمكانيات العقل التي لايزال يصعب الوصول اليها وتشخيص قواعدها ومجراها.
 

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: برج بابل الألكتروني
« رد #9 في: 14:32 05/02/2008 »
-9-
 
الذكاء الصناعي يعزّز مواقعه
 
إن المهارة في حل المشاكل أي الصفة التعريفية للذكاء ، تعتمد على القدرة على الإستنتاج. وهذا يعتمد ، بدوره ، الى حد بعيد، على نظام التصورات والمفاهيم المتعلق بمادة الإستنتاج. وهكذا ينحو أولئك المشيّدون الى تزويد الدماغ الصناعي بمثل هذا النظام ، أي الجهاز المفهومي أو التصوري ، وحسب نوع الفهم الذي نتوقعه من هذا الذكاْء. ولنوضح ما المقصود من هذا النظام أو الجهاز: على سبيل المثال كان شرلوك هولمز غير إعتيادي فيما يخص الإستنتاجات conclusions في حقل الإجرام . وكان واضحا أن رفيقه الدكتور واتسن يعرف أكثر منه في حقل الطب أي أن القدرة الإستنتاجية لديه هي أكبر من قدرة هولمز في هذا الميدان والأسباب هنا هي فقر المعرفة أي أن هولمز يبدو عاجزا أو ضعيفا عندما يفتقد الى نظام للتصورات أو المفاهيم في ذلك الحقل. وهذا مثال آخر : كنت أنتظر الحافلة العمومية في موقفها القريب من موقف سيارات الأجرة . و بعد خمس دقائق من وقوفي مرقت سيارة إسعاف. وعندما طال إنتظاري للحافلة قررت أخذ سيارة أجرة الا أن سائقها أخبرني بأنه لن يمضي في نفس الطريق الذي تسلكه الحافلة العمومية ولأن هذا الطريق مسدود بسبب وقوع حادث هناك. وبرر ذلك بتوجه سيارتي إسعاف الى هناك. لم اعترض على ماقاله بالرغم من عدم إقتناعي بهذا التبرير. وفي اليوم التالي عرفت بأن حادثا وقع بالفعل في طريق الحافلة العمومية. وبهذه الصورة أبدى السائق قوة إستنتاج كانت أكبر من قوتي . لماذا ؟ لأنه يملك نظام تصورات في هذه المادة مشيّدا بصورة أحسن من نظامي بفضل تجربته الطويلة كسائق. وهكذا فالإستنتاج هنا هو أن لنظام التصورات تأثيره على قوة الإستنتاج. وكان دور الإستنتاج في حل المشاكل قد أبرزه ألان تيرنغ في تقريره المعنون ( نظام المكائن الذكي Machinery Intelligent ) من عام 1948 الذي طرح فيه أول مشروع فعلي للذكاء الصناعي. وأساسه حقيقة من نوع البديهيات : ( الإستنتاج ) يعوّض عن ( البحث ) المستمر. ولإيضاح الأمر لنعد الى سائق سيارة الإجرة ذاك : كان السائق يواجه مشكلة العثورعلى أقصر طريق يوصلني الى المكان الذي أردت التوجه إليه. بالطبع كان بمكنته أن يجرّب هذا الطريق وذاك حتى يعثرعلى الطريق المنشود بدون عقبات. الاأنه لم يقم بتلك التجربة بل لجأ الى الإستنتاج : كان أمامه خياران وهما طريق سيارتي الإسعاف والطريق الآخر الذي لم تمربه تلك السيارتان. وكان عليه أن يحذف أحد الخيارين . وفعل هذا بالإعتماد على نظامه الخاص بالتصورات ، ولكل واحد مثل هذا النظام الذي يملك الهيكل الأساسي ل(صورة العالم ). فالعالم هو مجموعة الكثير من أحوال التصنيف ، وجهاز التصورات يحدد ، مباشرة ، هذه الأحوال.
وكما ذكرنا كانت أولى المهام التي رسمت للكومبيوتر هي عمليات العد. ومنذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي بدأ إعداد برامج لألعاب الشطرنج وغيره، كما كانت هناك برامج للفهم الأوتوماتيكي ، أي الميكانيكي. وصار الإتجاه الرئيسي للبحث أتمتة القيادة والأشراف والتوجيه، وبمعنى آخر تكليف المكائن بحل مشاكل تخص في الأساس التفكير البشري. الا أن أتمتة حالات الفهم هي نتيجة منطقية لنشوء وتوسّع ما يسمى بالمجتمع المعلوماتي الذي يتميز بالتأثير الطاغي للكومبيوترات على أنشطة المجتمع ووظائفياته وكذلك العلاقات بين الناس. وفي كامل هذه التأثيرات تملك القيادة الأوتوماتيكية إسهاما من نوعين : فلسفيا وتكنولوجيا. الأول ليس معزولا عن الحياة بل هو أساس التنظيم الإجتماعي. فمعلوم أن الأنظمة والأجهزة الإجتماعية تعتمد على المفهوم الفلسفي عن الإنسان : هل هو قائم على الجماعية أم الشخصانية وهل يستمد نسغه من المادية أم الميكانيكية أم من مصادر أخرى. أما الإسهام التكنولوجي فيعتمد على الزيادة الكبيرة في إمكانيات التعرف. وهذا أمر ملموس في الرياضيات حيث تنشأ قواعد كبيرة للمعطيات لاتخزن فيها النتائج حسب بل تقوم الماكنة بالبرهنة عليها أيضا. وبالطبع لايقتصر الأمر على الرياضيات وحدها.
ويلقى شيوعا متزايدا ما يسمى بأنظمة الخبراء الكومبيوترية في شتى العلوم والمهارات. ومثل هذا النظام ينشأ نتيجة ربط قاعدة المعطيات أي المعرفة الممثلة في ذاكرة الكومبيوتر ، بقابلية طرح إستنتاجات في الكثير من الميادين مثل تشخيص الأمراض أو الإستشارات في البورصة إلخ.
ومعلوم أن الماكنة الرقمية تحل المشاكل بمساعدة التمثيل الرمزي لاغير. وهذا التمثيل يتحقق في لغة معينة ينبغي إدخالها الى الماكنة من أجل أن يتم التفاهم على خط الإنسان - الماكنة ، في اثناء تعاونهما الخاص بعمليات الفهم. وإسم هذه اللغة المتفق عليه صار ( لغة الإتصال المنطقي مع الماكنة ، وليكن مختصرها بالعربية :لامك. ومن الموجب أن تنقل لغة (لامك) الى ( لغة داخلية ) للماكنة من طراز معيّن ( لكل من كبريات الشركات المنتجة مثل IBM ومكنتوش McIntosh وسن Sun وغيرها لغتها الخاصة ) وهذه اللغة هي شفرة ثنائية بالطبع ، تسجّل فيها التوصيات التي ينبغي تنفيذها.
وتناسب لغة المنطق بصورة نموذجية عملية صياغة الفرضيات والبراهين الرياضية ، ولكنها لاتصلح تماما في حالة عمليات الفهم الأخرى. وكماهو الحال في كل لغة طبيعية تكون الجملة الأساسية ( البسيطة ) مبنية ،على الدوام ، من الفاعل والمسند الا أنه تحصل هنا فوارق مهمة: 1 - الفاعل هو إسم خاص على الدوام أو رمز متغير من المسموح به أن يحمل إسمه الخاص ( الأمر يتعلق بأشياء فردية وليس جمعا ما للأشياء ). 2- يمكن أن يكون هناك أكثر من فاعل واحد. في النقطة نلقى الفاعل في معظم الجمل الرياضية ، فكل إسم هو رقم أو نتيجة له. وفي الواقع ، وليس الظاهر الذي يبدو غريبا لبعضنا ، تحدد الرياضيات طبيعة الجملة بصورة أفضل . مثلا : أ = ب . والآن أين الفاعل والمسند؟. إذا كان الفاعل فلابد أن يكون المسند : ( = ب) . ولكن مثل هذا الفهم يبدو مفتعلا بالمقارنة ما هو سار في المنطق حيث يكون هنا فاعلان ( أ ) و ( ب ) ، أما الرمز( = ) فيسند الأثنين مرة واحدة أي أنهما شيئان متشابهان بل متطابقان. بالطبع أن المثال الأبسط هو عندما يكون هناك فاعل واحد ومسند واحد مثل (علي شجاع ). وهنا يمكن القول : علي = شجاع أي ع = ش.
وتعتبر عملية تحويل الكلمات والجمل الى رموز رياضية بشكل خاص وكذلك الأخذ بمباديء علمين هما الرياضيات والمنطق ، جوهر ظاهرة الذكاء الصناعي ونتاجاته مثل الكومبيوتر وغيره. وطبيعي أن هناك رموزا ثابتة وأخرى متبدلة . كذلك هناك : 1- في جملة واحدة نتكلم عن جميع الأشياء في حقل البحث . 2 - في جملة واحدة نتكلم عن شيء واحد على الأقل وبدون الحكم على أن هناك الكثير من الأشياء. ومن الممكن تأليف معجم كامل لعمليات الفهم الرياضية ، وليس الرياضية فقط. بالطبع يكون الحقل البالغ الأهمية في الذكاء الصناعي هو ميكنة عمليات الفهم والتي تكشف عن جوهر التفكير المصطنع أي القيادة الأوتوماتيكية في المحصلة. وللقيام بتبسيط أكبر لإشكاليةعملية الفهم يكفي القول إن كل عملية من هذا النوع : أ - يكفي تسجيلها رمزا . ب - يكفي للقيام بذلك وجود لغة المنطق الرمزية أو أجزاء مختارة من اللغة الطبيعية إذ لاتصلح اللغة كاملة لهذه الأغراض ( مثلا يكون غريبا على المنطق الرمزي إذا صيغ الفعل للمجهول ).
لقد أصبح الذكاء الألكتروني نوعا راهنا وفعليا للآخر الصناعي ، وهذا الجديد لا يطمح في محاكاة الوعي البشري ولا أخذ مكانه. كذلك لايسعى ، حاليا في أضعف الأحوال ، الى إمتلاك الأدوات البيولوجية التي قد تكون أساسا للذكاء الصناعي في المستقبل. وحتى إذا كانت هذه الطموحات محدودة فلهذا الذكاء الألكتروني إنجازات مدهشة في حقل الإنترنت خاصة. وفي الواقع فالأساس الذي أرسي عليه الإنترنت ( الشبكة الدولية الواسعة ) كان أول نجاح له. وهناك من يطرح هذا المثال : لنتصور دليلا في غابة يستنتج وفق طريقة خاصة به أن الطريق الذي يقود الآخرين فيه هو مسدود ، وعلى الفور يخرج الخارطة من جيبه لكي يبحث عن طريق آخر وهوعلى يقين تام بأنه سيعثر عليه ، وبالفعل يحصل هذا الشيء. ببساطة يمكن إبدال هذا الدليل بآخر ألكتروني ..
وكان الان تيرنغ قد أعلن بتقريره المذكور عن ولادة الذكاء الصناعي طارحا تعريفه للذكاء ، سواء أكان طبيعيا أو صناعيا . وهذا يعني أن من الممكن تعريف ( حل المشكلة ) بأنه ( بحث عن شيء ذي خصائص محدّدة ).

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: برج بابل الألكتروني
« رد #10 في: 14:33 05/02/2008 »
-10-
 
عصر المعلوماتية ونهاية المطاف
 
إن علم المستقبل futurology والفنتازيا أمران غير منفصلين. وصار واضحا أن واقع الإكتشافات والإختراعات يتخطى حدود الفنتازيا. وبات العلم المذكور يطرح مساعيه بلهجة عقائدية : لدينا الآن برامج كومبيوترية تضاهي مهارات الإنسان إن لم نقل تتخطاها الى هذه الدرجة وتلك. وهذه البرامج في تحسن وتقدم مستمرين، إذن ستوضع في المستقبل علامة المساواة بين الإنسان والماكنة فيما يخص القدرات العقلية ، وقد تتفوق الماكنة على صانعها القديم.
أكيد أن هذه التوقعات بالغة الجرأة من ناحية وحذرة من ناحية أخرى عندما لانتصور أن هناك آفاقا لتغيرات ثورية ذات طبيعة أنقلابية. أما كونها جريئة فلأنها لاتقدّر بالصورة المناسبة الصعوبات التي تنشأ عند مضاهاة الماكنة للقوة الحسابية للطبيعة. وقبلها كان لايبنتس قد أكد على التعقيد المذهل للكائنات الحيّة. أما تيرنر فقد لفت النظر الى إعتماد الذكاء على قابلية وضع الأسئلة. ووجهة نظر تيرنغ تكشف عن شكوكه فيما يخص الأداة الألكترونية وحتى في حالة تحقيقها لمنجزات كبرى في مجال البرمجة أي جمعها لقوى الألكترونيكا والإنفورماتيك وعلم الوراثة والفسيولوجيا العصبية. ومثل هذا الأسلوب في التفكير والذي يشمل الدور الكبير لشبكات الكومبيوتر كان قد صاغه بول ديفيز P.Davies في بداية الثمانبنات ، أي عندما كان الوضع يختلف لحد بالغ عن التسعينات ومطلع القرن الجديد ، بالقول إن بالامكان تصور وجود دماغ جبّار ذي قدرة عقلية تفوق كل شيء يكون بمقدورنا أن نتصوره اليوم. والأكثر من ذلك فالسهولة التي تستطيع المكائن الألكترونية بها أن تتبادل الإعلام تفتح الطريق أمام تركيب synthesis الأدمغة الألكترونية. كذلك يقول ديفيز إنه أمر سهل اليوم تصور شبكة للإتصالات بالراديو تضمن علاقات متينة بين هذه الأدمغة ودماغ مركزي بالغ الكبر، وقد يمنح التقدم في علم الوراثة معنى جديدا لمفهوم المكائن المفكرة. فلغاية الآن إعتمد تطور القدرات العقلية للأنظمة البيولوجية على قوى التطور الطبيعية ، الا أنه مع سيطرتنا على عمليات المورّثات صارت تتوفر لدينا إمكانيات تعديل الأجهزة الحالية وحتى بناء أخرى جديدة . وكذلك يجد ديفيز أن بمقدورنا تصوّر حالة تكافل بين الذكاءين ، الطبيعي والصناعي، يعتمد على ربط الدماغ العضوي بالجهاز الألكتروني أو مشغّل جبار superprocessor في الدماغ كجهاز مساعد في المستقبل. وقد يحصل العكس أي قد يكون من النافع إستبدال أجزاء من شبه الموصلات في المكائن بأخرى عضوية ..
وقد يدعم هذا الصنف من الرؤى المستقبلية التفاؤل بالتغلب على الصعوبات التي يواجهها علم القرن الحادي والعشرين . ولكن من ناحية أخرى ليس هناك من أساس متين لنفي كل هذه التصورات وخاصة التصور حول إستخدام كومبيوترات عضوية ، وقد تكون هذه كومبيوترات تستخدم فيها البكتريا بدل بلورات السيليكون ، كما قد تكون بدلها نتاجات للهندسة الوراثية لانقدر اليوم على تصورها. وبدلا عن أن تشيد هذه الهندسة ، وغيرها أيضا ، من جديد ( بديلا ) للحياة صارت تستغل ثمار الإرتقاء الطبيعي التي لاتضاهيها أيّ منجزات صناعية .
وهناك آفاق أخرى أمام الذكاء الصناعي عامة بينها أفق ما أسموه بالأجهزة الأوتوماتيكية الخلوية. والأمر يخص مفهوما نظريا إبتكره جون فون نيومان ( 1903 - 1957 ) فحواه خلق أجهزة قادرة على التكاثر والنمو المستقل بواسطة إستخدام المواد المتوفرة في كل محيط تتوفر فيه الشروط الكونية . و قبل أمد قصير تبين أن مثل هذه الخطة الهندسية تنفذها الفايروسات ، جزئيا ، مما يدعم فكرة نيومان والتي تتطور اليوم بمساعدة حالات التصنع الكومبيوترية. وهناك مشروع لصنع مثل هذه الأجهزة الأوتوماتيكية التي يمكن بمساعدتها توسيع سيطرة الذكاء لكي يشمل مناطق أبعد من الكون. ولونجح مثل هذا المشروع لأدخل الذكاءين الطبيعي والصناعي كمخفر أمامي للجنس البشري الى أعماق الكون.. وقد تبدو مثل هذه الأفاق لمستقبل البشرعاقبة منطقية و( مقبولة ) لدى الكثيرين من أبناء هذا الكون . الا أن هناك من يعتريه الخوف ويأخذ بإطلاق نداءات التنبيه. وبين مطلقي النداء الفنانون والمفكرون والكتاب وجزء لايستهان به من العلماء أيضا. وفي رواية لوليم غبسن W.Gibson نلقى بطلا تشابكت فيه أعصاب الإنسان بصورة تامة مع المحيطات الألكترونية ، والغرض من ذلك إستغلال الذكاءات الصناعية ..
أكيد أن المستقبل تحدد هيئته ومساراته هذه الثورات المتلاحقة في العلوم والتكنولوجيا التي تلاحمت بشكل لافكاك منه الأمر الذي يشكل كابوسا من نوع جديد لن تستيقظ منه البشرية أبدا. ولكن هناك المتفائلين المسلحين بالإيمان وفق دوغمات ( سفر الأنواع ) : ( وخلق الرب الإنسان على صورته ، على الصورة الربانية خلقه ). وهذا النص يتكلم عن تأريخ معيّن للإنسان هو في تعارض تام مع تأريخ آخر بطله بروميثيوس الذي سرق من الآلهة القدرة على الخلق. وهكذا فكل ما يصنعه الأنسان لايسترشد بأيّ مرجعية أخرى عدا شرطه الإنساني الذي يعني هنا طردا لتلك الصورة التوراتية. غير أن خط الرجعة في هذا الوضع هو أن في الحالتين التوراتية والبروميثيوسية ثمة تعبيرعن الإيمان بأن قوى خَلقية ما هي من نصيب الإنسان . وهناك من يؤمن بهذا النصيب رغم جهله بالإثنين : ذاك السفر وبروميثيوس. وفي مفهوم القدرة على الخلق هناك مكان لفكرة الخير بالطبع. الا أن الإعتراض الوحيد يتمثل في القول بأن هذه الفكرة مطلقة ولا تخضع لمعيار النسبية الذي هو سائد منذ أن صنع الإنسان تأريخه ، فالأنظمة واليوتوبيات الشمولية تهدف أيضا الى تحقيق ( الخير) .. وهناك ذلك الفريق الذي يحاذي تفاؤله السذاجة عندما يعلن بأن اليوتوبيات لاتملك القدرة على أن تصبح واقعا دائميا ، وأن إرادة الحياة والمشفرة في الجينات ستتسامى مع تطور الحضارة وتتحوّل الى إرادة ( الحياة الكريمة ). والمثال المفضل هنا هو تأريخ أوربا التي كانت أكبر مرجعياتها الأخلاقية قبل ثلاثة قرون قد قننت العبودية والتعذيب الجسدي وحرق كل من يفكر بصورة مغايرة ، في حين أن الأقانيم الرسمية لأوربا الحاضر هي صيانة حقوق الإنسان وإعتبارها من البديهيات اليومية. إن هذه الطروحات التي لاينقصها المنطق بالطبع تلقى تبريرا إضافيا لها في المقولة الشائعة بأن البشر ليسوا بملائكة ولا شياطين. كذلك فكل شيء ممكن الحدوث في عالمنا الذي لاتنقصه الهشاشة أيضا. ولذلك يكون أكثر صحة وواقعية القول بأن على الإنسان أن لايبالغ في يقينه ومن الأفضل له أن يملك الأمل. ولقد باتت الأكثرية اليوم موقنة بأن هذه ( الحكاية ) عن سعي الإنسان لكي يخلق عقلا أكبر وأفضل من عقله لم تنته بعد.

غير متصل Dr. Mathematics

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2751
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: برج بابل الألكتروني
« رد #11 في: 14:33 05/02/2008 »
بعض المصادر الرئيسية :
 

- P.Davies,God and the New Physicss,london,1983.
-R.Penrose,The Large,the Small and the Human Mind, Cambridge,1997.
Douglas R.Hofstadter,Godel,Escher,Bach:AnEternal Golden Braid,New York,1979.
-Philip Jackson,Introduction to Artificial Intelligence,New York, 1975.
- Margaret Boden,Artificial Intelligence and Natural Man, New York,`977
- Hubert Dreyfus,what Computer Cant Do : A Criticue of Artificial Reason,New York,1972.
- Stanley Jaki , Brain,Mind and Computer, Indiana, 1969.