-2-
المكائن الرقمية وتهجير الوعي
من معضلات الفيزياء المعاصرة ما يحددها هذا السؤال: ألا يتغير الزمان والمكان طالما أننا قادرون على الوصول الى مناطق أصغر فأصغر؟ معلوم أن في الفيزياء أسسا ذرّانية أو مرساة على نظرية الحقول fields إلا أن التجارب الأخيرة تبين ، بكل وضوح ، أن تعقد البنى مستمر ( قبل أكثر من عقدين إعتبرت الجزيئات أوليّة elementary ولكنها صارت اليوم متكونة ، بالأساس ، من جزيئات أصغر ...). وهناك رأي آخر يفيد بمحدودية الإستقصاء النظري. وقد طرحه فيرنر هايزنبرغ W. Heisenberg أحد خالقي نظرية الكم. ومما لاشك فيه أن هذا الطراز من التأملات والتمحيصات ليس بالبعيد عن الموضوع العام لهذا النص والذي تتفرع منه إشكاليات أخرى بينها العلاقة بين المادة والذكاء مثلا. وهناك من يشبّه الحالة بأننا نبني ، طوال الوقت ، سقالات للبناء هي المفاهيم والتصورات بالقدر الذي يساعد على البدء بالبناء ، بناء الطابق الأول الذي هو تصنيف القضايا التي ينبغي توفير أجوبتها ولكي يكون ممكنا بناء الطابق التالي. وهذه السقالات هي فكرة عن تدرّجية تعقد المادة تسمح لنا بطرح السؤال عن العلاقة بين الشفرة المستخدمة في التحكم ببنية معينة وبين موقعها في نطاق حالات التعقيد ومستوياته. والشفرة التي تتحكم بعمل النظام system صارت أمرا إعتاد عليه العقل البشري بصورة تدريجية. فهذا النظام كان قد بدأ قبل بضعة قرون ببناء الأجهزة الآلية automatic مثل آلات الموسيقى ومختلف أنواع اللعب كما كانت هناك بالطبع مكائن النسيج ، وكان مركز القيادة والتحكم ، على سبيل المثال ، شريطا مثقبا، وكانت مواقع الثقوب تحدد سلوك النظام وفق خطة المصمّم كطبع نقش معين على القماش. ويماثل نظام خلق مثل هذه التشكيلات ما نقصد به اليوم الشفرة. بالطبع يخص الكلام هنا الشفرات التي تتحكم بعمل الأنظمة وليس تشفير المعلومات لغرض السرّية. وكانت الشفرة آنذاك حقيقة هامشية لم تملك تأثيرا جوهريا على عمليات التعرف. وعدا لايبنتس لم يعتقد أحد بأن الشفرات يمكن أن تكون عاملا حاسما في حياة الأجسام الحيّة وكأجهزة آلية مفكرة إذ أنها لم تقدر بالصورة الصحيحة. وفيما بعد تجسدت هي في المكائن الرقمية بعد أن تمّ إكتشافها في الطبيعة الجينومية والأخرى النيورونية. ولم يحصل هذا نتيجة قراءة أعمال لايبنتس بالطبع الا أن دورها تمثل في إثارة التساؤلات والتحفيز وفتح الطريق لشق قنوات تفكيرية معينة. وفي القرنين الأخيرين أدرك الإنسان أن فكرة الشفرة والبرنامج المدوّن فيها هما المفتاح لفهم العالم والعلاقة التي تشّد الثلاثي : الذكاء والوعي والمادة.
ويجزم أنصار ( أ ) بأن الوعي ومعه مسائل الوصول الى لبّ الذوات الذكية تحتويها الأجهزة الألكترونية عند تزويدها ببرامج بالغة الدقة. والمتشائمون يقولون إن هذا سيحصل في عام 2030 ، أما المتفائلون فيذكرون تواريخا أقرب. ولكن هذا كله يعني :
- ما يكفي لخلق الوعي هو الشفرة الثنائية binary المستخدمة في المكائن الرقمية.
- البنية المادية الكافية لتسجيل البرامج في هذه الشفرة توجد على مستوى التعقد والذي تمثله الألكترونات.
- إن السيليكون ( وهو عنصر لافلزي ) كاف لتنفيذ هذه العملية. فهذا النوع من البلوريات يستخدم في إنتاج المشغّلات processors وذاكرة الماكنة الرقمية. وفي الأعوام ما بين 1946 و1959 كانت كل شريحة بلورية تعادل مصباحا ألكترونيا واحدا ، أي في الجيل الأول من المكائن الرقمية. ومن المحتمل للغاية أن يصل العدد في أحد الأجيال القادمة من هذه المكائن الى الملياردات من العناصر بل وأكثر ، على إسطوانة واحدة! والسؤال الآن أّيّ الأعداد تساعد على التعبير ، في الشفرة الثنائية ، عن البرنامج الذي تكون مهمته خلق الوعي ؟. الأخلاقي مثلا ؟ أو الضمير ؟. أكيد أن الأعداد المستخدمة لهذا الغرض تتطلب الأخذ بتكنولوجيات لانلقاها اليوم الا في منطقة أدب الخيال العلمي !. لكن ليس الأمر مستحيلا.. وفي الواقع فهذا النوع من الأسئلة توحي به مفاهيم لايبنتس ، إذ أن البرنامج الذي يحدد تعريف الجسم الحيّ هو العدد الحقيقي غيرالمنتهي الذي يملك تطوره الخاص ولايمكن حسابه في زمن منته. ومن الواضح أننا قادرون على الإستنتاج بأنه لاتتوفر الإمكانيات لكي نخلق الوعي في أيّ نظام منته وحتى عند لجوئنا الى حالة تصنّع simulation مناسبة. ولكن يبقى السؤال : أيّ عدد يكفي لتسجيل البرنامج المناسب لظاهرة الوعي المعقدة ؟. إنه سؤال جوهري في النقاش الدائر حول الذكاء الصناعي. بالطبع هناك شتى الأجوبة ، ومنها المتفائلة كهذا : سننتج كومبيوترات مزوّدة بالوعي بعد بضعة عقود. ولكن التجربة الداخلية تدفع الى القول بأن في العقل المدرك لذاته أحوال تركيب ليس بقدرة الشفرة الثنائية من التكنولوجيا الألكترونية أن تسبرها. وكان لايبنتس قد أسمى التكنولوجيا المطلوبة هنا بالإلهية mechanica divina . وفي الواقع يتجاذب العلم على الدوام إغراءان الأول ينقاد إليه العلماء القائلون : سنعرف كل شيء ، والآخرين الذين يقولون : سنعرف أكثر فأكثر ...
نحن لانعيش الآن في عصر سيادة الذكاء الصناعي. وإذا فهمنا هذا الذكاء ذكاء ماكنة خلقه الإنسان ويضاهي الذكاء البشري بإمتلاكه الوعي ، وبالطبع فما نفهمه من كلمة ( الصناعي ) هو أنه ، كما سبق أن قلنا ، عمل من أعمال الإنسان وليس الطبيعة، وهو أمر مفهوم بأنه قد يضاهي ما حققته الطبيعة. كذلك لم يتم في الماضي مقارنة الماكنة بالعقل. ولكن هل ستحصل المقارنة ؟.إنه سؤال يخص العلم بالدرجة الرئيسية الا أن للفلسفة إسهامها الأكيد أيضا. والجواب اللايبنتسي بالنفي معروف عامة ، والآخر الراهن منقوص ولكن له إستدراكاته التي تتعلق بتعريف الذكاء الصناعي وإذا كان يعني قابلية الماكنة على صنع نتاجات تحاكي بصورة أمينة أعمالا معينة للذكاء البشري ، كلعبة شطرنج أو براهين فرضيات أو عملية ترجمة من لغة بشرية الى أخرى. والأمر الثابت هنا عدم توفر تعريف دائم ، خاصة أن الإنسان هو الآن في بداية مثل هذا الدرب التكنولوجي الذي لاتعرف نهايته فقط بل مراحله أيضا. وليس بمقدورنا اليوم أن نتصور تفاعل المكائن والعقول في شبكة واحدة ذات نطاق شمولي.
هل الماكنة قادرة على التفكير ؟ سؤال طرح قبل أكثر من نصف قرن على لسان الان تيرنغ ، وبسببه إنقسم باحثو الذكاء الصناعي الى معسكرين . الأول يقول نعم والثاني ينفي. أكيد أن الخلاف يدور حول تصورين للماكنة والتفكير. وعلينا القول إن مفهوم الماكنة ليس بالواضح تماما إذا إستثنينا بالطبع آراء تيرنغ. إلا أن جوهر الخلاف يخص مفهوم التفكير. وهناك خبير في المعلوماتية يجد خطأ نحويا في مصطلح ( ماكنة التفكير ) شبيها بالخطأ القائم في السؤال : منذ متى يوجد العدد ( بي آي Pi ، ويسمى أيضا ludfolina نسبة الى إسم عالم الرياضيات الهولندي لودولف فان سيولين ( 1539 -1610 ) Ludolf van Ceulen الذي قام بحساب هذا العدد الى غاية 35 من كسور الأرقام. أما حرف ال"بي" فهو حرف من الأبجدية اليونانية في الأصل ) في الرياضيات والذي يساوي 1416 ,3 ؟
فأشياء objects مثل الأعداد ليس عليها اللجوء الى الأزمنة الثلاثة لقواعد اللغة ( يحضرني هنا بيت من قصيدة للشاعرة البولندية المعروفة فيسوافا شمبورسكا: تزول الأرض والسماء ولايزول عدد بي آي ). والبعد الأيتمولوجي لايمكن نفيه من إشكالية ( ماكنة التفكير ). ففي اللغة اليومية نقول عادة : هذا شخص معدوم التفكير. ومعناه أنه يتصرف بدون مشاركة العقل أوالتفكير أي بدون وعي وبصورة آلية( ميكانيكية ) . ومن هذا نستنتج أن الماكنة معدومة التفكير ، ويكون القول إن (الماكنة تفكر ) خلطا لمرتبتين متباينتين في الأساس ، وهو يشبه خطأ نحويا. ولنأخذ هذا المثال : ( إن قطع الأشجار يحوّل البلاد الى صحراء ). وهذا القطع هو عمل واع ولا يمكن أن يكون غير واع ، والمشكلة فيه هي أنه عندما قطعت الأشجار لم يجر التفكير بنتائج معيّنة تترتب عليه. وإزدواجية هذا النوع من التعبير اللغوي نلقاها في شتى اللغات. بالطبع تبقى الإشكالية الأساسية هي ربط التفكير بالوعي مما يكون هنا الشرط الضروري الذي يحرم الماكنة والحيوان ، مع إستثناء الإنسان بالطبع ، من قابلية التفكير. ولكن هناك فريقا يلحق بكلمة التفكير تعريفا مرافقا وهو أنه عملية حل المشاكل وبذلك يعزلها عن الوعي ، وحتى إذا افتقدت مساهمة الوعي فلاشيء يتبدل في العملية. ويتفق الجميع بأن للإشكالية بعدا فلسفيا يدعمه من دون ريب ، الإنجاز العلمي. ولنأخذ هذا المثال البسيط : ( الدببة القطبية مشهورة بأنها ذات ذكاء حاد وأفكار مبتكرة في البحث عن القوت ). ويصعب حقا أن يكون هناك أحد ذو أفكار مبتكرة ومعدوم التفكير في الوقت ذاته ، كذلك يصعب منحة صفة الذكاء intelligence . والسؤال التالي بالغ الأهمية : أيّ شروط وأيّ أسباب للتصرفات المسماة بالذكية سواء قام بها الإنسان أم الحيوان أم الماكنة والتي تميّزها عن التصرفات الغرزية أو التي دُرّب عليها ؟. وكما قلنا فحلّ المشاكل هو عملية يلعب فيها الدور الجوهري العامل الذي أقحمته عليها بسيكولوجيا الذكاء الرسمية التي تعتبر ما يسمى ب( إختبارات الذكاء ) المعيار النهائي لإمتلاك هذه الصفة أو إفتقادها. بالطبع لم يهمل عامل اللاوعي الذي نجابه الصعوبات في تعريفه ومثلما جابهناها عند تعريف الوعي .
وفي البحوث المكرسة للذكاء الصناعي سمّي عامل اللاوعي ب( الشيطان demon ) . وهذه التسمية تخلو من المزاح. فهي مصطلح تقني ظهر في حقل هذا الذكاء ويستخدم عند وصف نظام العمليات المسمّى يونيكس Unix . ومعلوم أن أكثرية مستخدمي الكومبيوتر كان يوجد تحت تصرفها نظام ( دوس DOS ) الذي يسمى الآن ( وندوز Windows ). و يتصف النظام الأول وهو ذو حضور شامل في الإنترنت ، بالقدرة على تنفيذ الكثير من المهام مع إمكانية تزامنها مما يميزه عن النظام الثاني ويقرّبه من العقل البشري. والجوهري في نظام يونيكس ليس قدرته على التنفيذ التواقتي للمهام بل كذلك تمكنه من أن يقوم بعمليات إشتقاقية وتنسيق أولوية تنفيذها. وعدد منها يبقى فعّالا كما لوأنه ينشط وراء الستار وبطريقة لايلحظها مستخدم الكومبيوتر ، وهذه هي الشياطين بالضبط .. الا أنها ليست من النوع الشريرأوالخبيث بل الآخر المساعد والخدوم إذ تؤدي الواجبات المناطة بها وبدون إنتظار أوامر المستخدم. مثلا ( الإبليس ) المسمى كرون ( ألإسم مأخوذ من الكلمة اليونانية التي تعني الزمن ) يضمن تحريك عمليات أخرى ُخطط لزمنها مسبقا ( مثلا أبعث بالبريد في الساعة العاشرة والدقيقة السابعة صباحا برسالة وبدون أن " أقف في الصف "..). كذلك فنظام يونيكس شبيه بحالة من يقود سيارته ويستمع في الوقت نفسه الى حالة الطقس أي أنه تجري في الوقت نفسه عمليتان تفكيريتان متناسقتان فيما بينهما. فالتركيز على واحدة يعيق نشوء الثانية مما يؤثر على فاعلية السلوك العقلي. و( إبليس ) يحقق التوازن لمن يسير على الحبل حيث يقود خطواته بصورة جيدة حتى يكف هذا السائر عن ( التفكير ) أي عن هذه العملية الواعية المكرسة لمسألة الحفاظ على التوازن. وكلمة ( التفكير ) وضعت بين قوسين إذ يصعب أن نسمّي بالحرف الواحد تفكيرا بالمشكلة مثل هذه التجربة الشعورية التي تعرقل الوصول الى الحل. وإذا كانت تسمية شيء بالتفكير هو النجاعة فإن عملية التفكير في مثل هذه الحالات تتم خارج الوعي. والآن هل يعني التفكير الحساب reckoning ؟ هناك من يسمّي الكومبيوتر بالمعداد abacus شان غيره من أدوات الحساب والعدّ. وهذه الرأي تدعمه الأتيمولوغيا أيضا. فكلمة كومبيوتر تنحدر من الفعل اللاتيني ( يعّد computare ). وفي الحاسوب ليس المقصود بالضبط العدّ الإعتيادي بل الإجراء المسمى بالحوسبة arithmetization والذي يعتمد على النمذجة بالعداد لأشياء ليست هي اعدادا. وتاريخ هذا الإكتشاف الحاسوبي يمتد من القرن السابع عشر وليصل الى الطرق المعاصرة في التصنع الحاسوبي والواقع الإفتراضي. فهذا كله يعني صيغة حضارية تسمى بالمجتمع المعلوماتي الذي أصبح الإنترنت سمته الشمولية منذ العقدين الأخيرين من القرن العشرين.
إن الحاسوب الآلي ليس واقعا منته، فحدود إمكانياته مرهونة بالتقدم العلمي والتقني قبل كل شيء . ومعلوم أن بعض القبائل البدائية تعرف العدّ الى ثلاثة فقط ، وحتى لو تجاوزوا الثلاثة يفتقد لديهم التصور التجريدي للعدد. إنه تجريد ضروري لكي نصل الى الأنظمة العددية والوهمية والإستقراء الرياضي وغيره. وهو أمر واضح بأنه مع كل إنجاز وإكتشاف حسابي تنشا شروط تالية لتطور الحضارة. ومثال نيوتن أبرز دليل هنا. فبدون ميكانيكاه لما كانت تقنية اليوم ، كذلك لما ولدت هي بدون الحساب التفاضلي والاخر التكاملي. والحوسبة تعود الى أوائل القرن السابع عشرعندما طبِّقت في الهندسة المجسّمة على يد ديكارت. والفكرة هذه بسيطة الا أنها كانت في زمنها إنعطافية ، و تعتمد على ربط النقط ، في المكان ، بالأعداد الفعلية. وهذا الربط ينشأ بفضل نظام المحاور المتماثلة co - ordinate التي يكون قدرها بقدر الأبعاد التي يملكها المكان ( مثلا هناك نقطتان للمكان ذي البعدين أي السطح المستوي ). وكان إكتشاف ديكارت هذا قد وسِّع لكي يصل الى حقول أخرى بل كامل المعرفة البشرية مما جاء بشيء له سمات (الكليات الرياضية Mathesis Universalis ) التي صارت شعارا لذلك القرن. وفي زمننا عصرن الشعار، ونجده في الإنترنت :
www.calculemus.org/mathUniversalis/ http:/ ، وفيه معطيات كثيرة عن لايبنتس مثلا. والمحاولة التالية للحوسبة هي ذات إحالة الى المنطق. وقام بها لايبنتس أيضا. بالطبع لم تأت في ذلك الحين بالنتائج المتوقعة الا أن لها وزنها الكبير في عصر الكومبيوتر. فمعلوم أن أساس عمل الكومبيوتر اللغة الحسابية ، وشكلها البسيط هو ترقيم رموز الأبجدية ونمذجة تعاقبها في الكلمة عن طريق تتابع الرموز الرقمية المنظمة. وفي اللغة لايهمنا فقط تعاقب الحروف بل تركيب الألفاظ والعلاقات المنطقية ، ويكون شرط الحوسبة هو توفير الدقة القصوى. وهنا تقدّم العون وسائط علم المنطق الذي يصلح لهذا الغرض. فهو يوّفر بالصورة المناسبة الفكرة العامة للوظيفة ، ومن خلال ذلك يكون بقدرتنا التعرف على الوظائف في شتى الميادين ، ومن ثم نمذجتها في وظائف حسابية. ووفق التعريف الشائع تكون الوظيفة هي كل علاقة يخضع فيها شيء واحد ، بدقة ، لشيء آخر أو لزوج منه أو لثلاثة وهلم جرا. ومنذ أكثر من ثلاثة قرون كان مفهوم الوظيفة في الرياضيات مقصورا على أحوال التنظيم في إطار الأعداد ، وقد وسّعه المنطق المعاصر لكي يشمل أيّ شيء نختاره ولغرض واحد فقط : أن تحصل أحادية المعنى للتنظيم. مثلا تكون وظيفة التنظيم لعدد ثلاثة وعدد خمسة هو عدد واحد بالضبط أي ثمانية. وتخص المسألة ايضا القانون البيولوجي حيث لابد أن تكون لكل إنسان أم واحدة ، و ينظم قانون منطقي واحد ، لزوج واحد من مقدمات القياس المنطقي إستنتاجا واحدا بالضبط . والوصف اللغوي للعبة الشطرنج مثلا يصوّر جيّدا عملية حوسبة اللغة بإستخدام الأعداد ووظائف خاصة بهذه اللعبة. فكل وضع ونقلة يتم وصفه عن طريق الإشارة الى أرقام حقول الرقعة. وفي الميادين الأخرى يحصل الشيء نفسه : حوسبة لغة المنطق عن طريق تنسيق العلاقة بين الأعداد ورموز تلك اللغة وصياغتها وبراهينها. وهذا هو إنجاز كورت غيديل ، أي التوصل الى حلول للقضايا الرياضية عن طريق وسائط المنطق. أما الكومبيوتر فإذا كان مبرمجا بالصورة المناسبة فهو قادرعلى حل المشكلة عند توفر شرطين : إذا إستطاع الكومبيوتر أن ينسخ النموذج حسابيا وأن يكون هناك حل لهذا النسخ في علم الحساب. وكل هذا يمثل خطوة ، بل قفزة كبيرة في طريق تقدم الذكاء الصناعي كما يسمح برسم حدود واضحة بين ما نعرفه عن هذا الذكاء وما بقي للفحص والإختبار مما يدفع الى تناول قضية هي أساسية أيضا وتتمثل في هذا السؤال: هل أن كل مشكلة حسابية قابلة للحل ؟. إذا أجبنا بنعم سيعني هذا أن كل مشكلة من الميادين الأخرى والتي يمكن حوسبتها هي قابلة للحل أيضا. أكيد أنها وجهة نظرتفاؤلية ، والملاحظ أن الكل إعترف بها بدءا بلايبنتس وإنتهاءا بعالم الرياضيات الكبير ديفيد هلبرت D. Hilbert ( 1862 /1943 ) الذي صاغ في بداية القرن العشرين أكبر المعضلات الرياضية التي رأى أن على القرن أن يحلها. وكانت بينها مشكلة العثورعلى طريقة تسمح بحل كل مشكلة رياضية نتيجة ما أسماه بالعمليات الميكانيكية المُنفذة على الرموز أي ما نسميه اليوم بالألغورثم. وكان هلبرت على إقتناع تام بان مثل هذه الطريقة يمكن الوصول اليها. ومعلوم أن الفضل في تطور الكومبيوتر يعود له لكن ليس بالصورة المباشرة. فقد كان مرشدا للعالم الإنجليزي الان تيرنغ (1912 / 1952 ) الذي حقق نجاحا كبيرا بفضل ما يسمى بالبنية التجريدية التي سمّيت بماكنة تيرنغ. فقد أثبت أن هناك قضايا لاحل لها ، كذلك ليس هناك أي دليل على أنها غير قابلة للحل.. وما قاله هلبرت كان بمثابة توسيع للنتيجة التي كان غيديل قد توصل إليها في عام 1931 وتمثلت بمايسمّى ( ماكنة تيرنغ ) التي سنتناولها في الاجزاء القادمة من هذا النص. والطريف أن غيديل القائل بأن للذكاء الصناعي محدوديات جوهرية ، وحتى إذا تمكنا من إخضاع جميع قضايا العالم لعلم الحساب فليس هناك من ضمانة بأن لكل قضية منها يتوفر الحل ، قد نقض إيمان سلفه الكبير هلبرت الذي أوصى بأن يكتب على قبره : علينا ان نعرف وسنعرف
wir mussen wissen , wir werden wissen.