هل أنصف الدستور العراقي الآشوريين المسيحيين ؟
عزيز توما
لا أحد يستطيع أن ينكر أن الدستور العراقي كان إنجازً كبيراً من إنجازات شعوب المنطقة ونقلة نوعية من مرحلة تميزت بالاستبداد إلى مرحلة استبشر العالم عامة والعراقيون خاصة خيرا بطي صفحات مؤلمة ًمن تاريخ العراق . ولا يستطيع أحد أن ينكر أن وجود الآشوريين المسيحيين واكب وجود العراق قبل ظهور الإسلام . ولاأحد يستطيع أن ينكر أن المسيحيين عاشوا في دولة الخلافة الإسلامية مواطنين من الدرجة الثانية ، والتاريخ الإسلامي يزخر بقصص مؤلمة حول معاداة المسيحيين ، بسبب نهج الاستعلاء والنرجسية الدينية من لدن دولة الخلافة المتعاقبة،وكان آخرها دولة الخلافة الإسلامية العثمانية التي اتصفت بمزيد من البطش تجاه المسيحيين . ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الدولة القومية العربية الحديثة قد أجهزت عليهم وعلى تراثهم ولغتهم ( اللغة الآشورية ، لغة العراق القديمة ) ،ومن لا يذكر وجازر سيميل 1933 المعروفة التي ارتكبها حكومي بكر صدقي المشؤومة على مرأى ومسمع الانتداب البريطاني . ولم تكن حكومة نظام صدام حسين أقل قسوة ، لقد مورس بحق الآشوريين سياسة تميزت بكثير من الإقصاء والشوفينية المقيتة ، فقد صودرت ثقافتهم ومنعت لغتهم ، بل اختزلت كل ثقافتهم قسراً في الثقافة العربية . أعود إلى الدستور العراقي وأقول : هل أنصف هذا الدستور الآشوريين المسيحيين وغيرهم من الأقليات عير المسلمة ؟ في الواقع ، لن أتطرق إلى الثغرات المحيطة بهذا الدستور سأكتفي فقط بثلاث ثغرات بثغرتين مهمة تتعلق بالآشوريين : أولها أن هذا الدستور لم يأت على ذكر الحضارة الآشورية والهوية الآشورية للعراق التي تعود إلى 6000 عام ، والمعروف لدى كل المهتمين بالشأن التاريخي أن الطابع الآشوري هو المهيمن على العراق بل على كل أرض العراق ومازالت خرائب آشور ونينوى وبابل ومتاحف العالم تشهد على هوية العراق الآشورية، بينما ذهب البعض إلى حد التناحر من اجل هوية العراق العربية وربما نجحوا في ذلك . النقطة الثانية : عند ذكر الاضطهادات يشير الدستور إلى المظالم التي لحق بالعرب والأكراد والتركمان ولا يشير إلى الآشوريين . صحيح أن الآشوريين يفتقرون إلى السند الدولي وهم أقلية عدداً وأقل مطالبة بالحقوق لكن هذا لا يعني أن يتم تهميشهم بهذا الشكل السافر فيما إذا كنا نتحدث عن عراق جديد قائم على المساواة في الحقوق . وحتى هذه اللحظة يتعرض الآشوريون وغيرهم من غير المسلمين إلى سوء المعاملة ، الرعاع يهجمون على قراهم ، المتطرفون دينياً يقتلونهم ويفرضون الحجاب عليهم ويخطفونهم وتحرق كنائسهم . النقطة الثالثة تتعلق بالدين ، إذ أعتبر الدستور " أن دين الدولة هو الإسلام ولا يجوز سن أي قوانين تتناقض مع الثوابت الإسلامية " . وهكذا عدنا إلى المربع الأول ، أولا بموجب هذا الدستور لا يجوز للمسيحي أن يكون رئيساً للبلاد عملا بالآية القرآنية : لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء لكم . ثم لايجوز للمسحيين واليزيديين والصابئة القيام بكثير من الأنشطة الاجتماعية والتجارية كإقامة الحفلات وبيع الخمور الظهور بدون حجاب والى آخره . كيف يمكن – ياعالم ياناس – العيش في أجواء تنتفي فيها المساواة والعدالة الاجتماعية ؟ أليس هذا خرقاً فاضحاً لمواثيق حقوق الإنسان ؟ لماذا لا يستفيد العرب المسلمون من دساتير العالم المتحضر حين تم وضع الدين في سياقه الصحيح المتمثل بالجانب الأخلاقي والروحي ؟ هل هناك أية إشارة في الدستور الأوروبي إلى المسيحية ؟ ألم يكن هذا احترماً للتعدد الديني في بلادهم ؟ أليس هذا الدستور - أي الدستور العراقي - عودة الى الوراء – في هذا الشأن تحديداً - إلى العصور المظلمة التي عانى المسيحيون فيها أشد معاناة على يد أصحاب العمائم ؟ أليس هذا الاستعلاء كان دائماً وراء انكفاء المسيحيين على أنفسهم وتراجعهم الديموغرافي المرعب في المنطقة ؟
ماهو الحل لهذه الإشكالية ؟
من الصعب جداً العثور على حل لهذه الاشكاليات القاتمة لطالما الأمر يتعلق بثقافة متجذرة متوارثة من عصور غابرة ، متلفحة بثوب اقصائي نرجسي ، تصر على امتلاك واحتكار الحقيقة . هناك حاجة لثورة ثقافية تصحيحية يتم بموجبها التركيز على القيم الكونية من المساواة والعدالة الاجتماعية . ولابد للآشوريين المسيحيين أن ينتظروا كثيراً، وهذا غير ممكن ، لذا لابد من المطالبة في العراق بكانتون يضمن لهم إدارة ذاتية على غرار ماهو موجود في سويسرا ، مما يؤمن لهم سبل العيش باستقرار وهدوء دون أي تدخل من أي طرف ، بذا يمكن أن يحافظوا على وجودهم الذي يضيق يوماً بعد يوم ويحافظوا على ثقافتهم ولغتهم .
عزيز توما
aziztouma@hotmail.com ----------- ------ -----------