مناطق مسيحية في بغداد
البتاوين تكتب تاريخ شعبنا في بغداد
فادي كمال يوسف / عنكاوا كوم / بغدادبعد سلسلة من الريبورتاجات و التي استعرضنا فيها عدد من مناطق بغداد التي تتميز بالوجود الكثيف لأبناء شعبنا ( الكلداني الأشوري السرياني ) , كان لابد لنا تسليط الضوء على منطقة مهمة تعتبر من أعرق المناطق و أقدمها من حيث التواجد التاريخي لشعبنا , رغم ان منطقة البتاوين لاتعطي لشعبنا البعد التاريخي لتواجدة في بغداد فحسب و انما هي من أولى المناطق التي أسست في بغداد لذلك هي تعتبر رمز التاريخ و العراقة لبغداد , تنحصر البتاوين بين نهر دجلة من اليمين و الشارع الممتد بين ساحتي الأندلس و الخلاني من اليسار يحدها من الغرب ( الباب الشرقي ) و من الشرق تحدها منطقة الكرادة, و يقطعها شارع السعدون ممتدا من ساحة الفردوس الى ساحة التحرير , تتمركز في منطقة البتاوين أشهر السينمات البغدادية و الفنادق و المحلات التجارية و الشركات الضخمة بمختلف أختصاصاتها على جانبي شارع السعدون الشهير ...
أما في داخل المنطقة فأنت تجد عدد كبير من المطابع حيث تعتبر منطقة البتاوين هي المركز الرئيسي للمطابع في بغداد لا بل في العراق فأشهر و اكبر المطابع البغدادية تتمركز فيها , أظافة الى كونها مركزاً تجارياً و صناعياً مهماً يغذي العاصمة بغداد ....
منذ أوائل نزوح ابناء شعبنا ( الكلداني الأشوري السرياني ) من مناطق تواجدة التاريخية شمال العراق سكن منطقة البتاوين و بأعداد هائلة , ففي أوائل القرن الماضي كانت البتاوين هي المركز الرئيسي لتمجع النازحين من أبناء شعبنا و في منتصف القرن الماضي كانت منطقة البتاوين هي منطقة ذات أغلبيية مسيحية مطلقة ...
المنطقة تحوي كنيستان الأولى هي كنيسة العائلة المقدسة ( للكلدان ) و الثانية كنيسة العذراء ( للسريان الأرثوذكس ) , عن تاريخ كنيسة العائلة المقدسة يحدثنا الأب صلاح هادي خدور قائلاً :
كنيسة العائلة المقدسة شيدت عام 1959 و كانت لفترة طويلة مقر للكرسي البطريريكي حيث أقام فيها مثلث الرحملت مار يوسف السابع غنيمة و مار بولس الثاني شيخو , و كان يقطن المنطقة في حينة اكثر من 6000 عائلة مسيحية و كانت البتاوين من المناطق العامرة و مركز رئيسياً لأبناء شعبنا , و يذكر ان عدد المعمدين في الكنيسة يصل الى 19000 طفل منذ ذلك التاريخ و الى يومنا هذا , كما تعتبر البتاوين من أولى المناطق التي سكنها شعبنا بعد نزوحة من قراه في شمال العراق , و يذكر ان الكنيسة كان يقام فيها 5 قداديس في ايام الأحاد و الأعياد و ذلك للزحام الشديد للمؤمنين فيها .و كان يخدم فيها عدد من الكهنة يصل عددهم الى خمس كهنة سوياً نظرا لعدد المؤمنين الهائل الذي كان في المنطقة .... اما ابرز من خدم فيها من الكهنة فهم ( الخوري ميخائيل كني , الأب فيليب هيلاي , الأب اسطيفان قلابات , الخوري ( المطران ) حنا بولس , الأب جبرائيل ماري , الأب بطرس كتولا ) و في السنوات الأخيرة خدمها بأخلاص الأباء : نوئيل حنوانا ( 1991 الى 2003 ) , رعد وشان ( 2004 الى 2006 ) , الأب صلاح هادي خدور ( 2004 الى يومنا هذا )...
ان الكنيسة شهدت مراحل عمرانه على مدى عمرها الذي تجاون الأربع عقود كان ابرزها بناء قاعتين و دار لسكن الكاهن مع ملحقاتها و بعض الترميمات , و تحويل الدار البطريريكي ( بعد انتقال غبطة البطريرك الى كنيسة السنك ) الى مدرسة بابل الكلدانية و التي استمر التعليم فيها الى ان اقفلت نهاية السبعينات من القرن الماضي , بعدها تحولت الى دار للكهنة ثم حولت الى مركز للتعليم المسيحي . بعد ذلك اقفل هذا المركز بعد ان اصبح غير قابل للسكن بسبب الدمار الذي لحق به نتيجة الرطوبة و عوامل الزمن التي نخرت جدارنة , لذلك قمنا بالأستغناء عنه رغم حاجتنا الماسة له ,و قد طالبنا مراراً و تكراراً البطريركية الكلدانية بأعمار المركز و لكننا كنا نجابه بالرفض دائماً بحجة عدم توفر ميزانية تغطي هكذا مشروع , الى ان مد لنا الوقف المسيحي يدة مشكوراً لينتشل هذا الصرح الهام و يبدأ بحملة شاملة لأعمارة و أعادتة الى الحياة خدمة للكنيسة و لأيمانة بأهمية التعليم المسيحي في بناء شباب مسيحي حقيقي ,
س/ هل يمكن لك ابونا صلاح ان تحدثنا عن الأوضاع الأجتماعية لابناء شعبنا ( الكلداني الاشوري السرياني ) في منطقة البتاوين اليوم ؟ مشاكلهم ؟ هموههم ؟ سابقاً كما اسلفت كانت المنطقة مزدهرة بالمسيحيين و كانت تعتبر مركز لمسيحي بغداد, و لكن بدأ النزوح من المنطقة شيئاً فشيئاً ففي بداية عام 1980 بدأ الناس بالرحيل عن المنطقة متجهين الى مناطق اخرى من بغداد نتيجة تحول المنطقة الى منطقة صناعية , أظافة الى هجرة عدد كبير من ابنائنا الى خارج العراق عند حلول عام 1990 كانت المنطقة تضم حوالي 2500 عائلة من الكلدان فقط حسب احصائات الكنيسة , و لكن بعد 2003 بدأت عملية الهجرة تشدت جدا نتيجة الوضع الأمني السيء ببعاصمة بغداد رغم ان منطقتنا تعتبر أمنة بعض الشيء ( حيث لا توجد فيها عمليات تهجير بل بالعكس استقبلت العديد من العوائل المهجرة ) حاليا حسب التقديرات الغير دقيقة يتراوح اعداد المسيحيين في لالمنطقة بين ( 400 الى 600 ) عائلة , الحضور الى الكنيسة اليوم غير مشجع بسبب الضروف الغير جيدة و الغير ملائمة و الوضع الأمني السيء .
أما بالنسبة للوضع الأجتماعي لأهالي البتاوين فهم يتوزعون بين الطبقة الفقيرة و المتوسطة رغم ان الفقر بشكل عام يطغي على الحياة في المنطقة , لذلك تشاهد ان كنيستنا فقيرة بأموالها غنية بأيمانها كما ابنائها , فهم أغلبهم بسطاء قرويين يحملون ايمان الأباء و الأجداد ..
.
ان مشاكلهم هي كمشاكل اي منطقة فقيرة بكل ما تحملة من معنى الكلمة , فالبيوت كما تشاهدها قديمة و متداخلة و العمارات قديمة كذلك و شققها صغيرة جداً لذلك تجد عوائل كبيرة في بيوت و شقق صغيرة , كما تجد كثير من المشاكل الأجتماعية التي تظهر نتيجة طبيعة للفقر ,
ماهي نشاطات الكنيسة اليوم ؟؟بالنسبة لنشاط الكنيسة فهو لم يتوقف رغم الظروف الصعبة و هي تسير بالممكن و المتاح لنا من أمكانيات متواضعة , القدادييس تقام في مواعدها و بدون توقف , و لدينا أخوية قلب يسوع الأقدس ( للنساء و الرجال ) و اخوية مريم المحبول بها بلا دنس , و أخوية المحبة و الفرح التي تهتم بالمعاقيين , و نحن لا ننسى ابدا و اجبنا الرعوي في زيارة العوائل بشكل دوري .
اما بالنسبة للتعليم المسيحي و اخويات الشباب فهي من صلب اهتمامنا و هي لم تتوقف في احلك الظروف و كذلك فرقة التراتيل ( الجوقة ) فلدينا جوقة مميزة , و لكن ما نعاني منه اليوم هو ضعفنا المادي فكل تلك النشاطات تحتاج الى الكثير من الأمكانيات المادية و نحن ككنيسة فقيرة لا نستطيع توفير ذلك , أظافة الى انعدام وجود مركز للتعليم المسيحي في الكنيسة , و افتقارنا للعد الكافي من المدرسين فالمدرس الذي يرحل لا يمكن تعويضة بأخر , و رغم تلك الظروف فها انت ترانا نعمل ...
هل هناك من مد لكم يد العون ؟؟؟حقيقتاً لا توجد اي مؤسسة قدمت لنا اي دعم يذكر كل نشاطاتنا تعتمد على قدراتنا الذاتية المتواظعة , حتى البطريريكية طلبنا منها كثير من المرات و لكن لم نتلقى اي رد و لم تقدم لنا اي مساعدة تذكر , أبنائنا هنا فقراء و نحن نقف مكتوفي الأيدي أمام مساعدتهم , لهذا تجد عملنا غير ناظج و غير متطور و لذلك تجدنا نفشل في مواجهة اي ازمة تواجهة ابنائنا .
هذا هو حال البتاوين شعب فقير يعيش في ظل أنعدام اي مستوى للخدمات , شوراع ضيقة و قديمة اكل الدهر عليها و شرب فالبتاوين منطقة منسية , أصابها الأهمال في كل العهود رغم كونها تحمل الكثير من تاريخ بغداد المعاصر , تحدثنا
أم جنفير فتقول :
انا من سكنة المنطقة منذ عام 1979 حيث تزوجت و قدمت لأسس عائلتي في هذة المنطقة لدي اربعة اولاد ( بنتين وولدين ) عشنا فترة طويلة في هذة المنطقة كانت الحياة جميلة جدا و مميزة كنا نعشر كأننا نعيش في احدى قرانا المسيحية فالسكان بأغلبيتهم كانوا من ابناء شعغبنا , الا ان المنطقة تحولت شضيئا فشيئا الى منطقة صناعية و رحل عنها الكثير من ابنائها , كانت العادات و التقاليد المسيحية سائدة و كانت تقام في يوم الأحد اكثر من 3 قداديس بسبب العدد الهائل من المؤمنين , كانت سابقاً المنطقة تسهر حتى ساعات متأخرة من الليل و كنا لا نتخوف من الخروج الى الشوارع , و كانت علاقاتنا الأجتماعية مميزة كنا في الشارع الواحد عائلة واحدة , اليوم انتشر الخوف و الرعب و اصبحت المنطقة موحشة بعد هجرة الكثير من ابنائها , خاصة بعد التدهور الأمني بعد 9/4 ...
انا لدي ابنة خريجة ( علوم احياء ) و ابن ( خريج علوم سياسية ) و هما عاطلان عن العمل بسبب الوضع الأمني السيء فأنا اخاف على ابنتي فالشارع يحمل الكثير من المخاطر و خاصة في منطقة مثل منطقتنا , اما الأبن فتعينى يحتاج الى واسطة و نحن لا نلك بالحقيقة و اسطة تسندنا للتعيين و هو يبحث عن عمل مناسب و لا يستطيع ان يجد اي عمل ...
اما جنيفر ( مواليد 1979 / خريجة علوم بايولوجي ) فحدثتنا قائلة : نحن لا نستطيع اليوم الخروج من البيت فالمنطقة اصبحت منطقة صناعية و هذا يضايقنا بالتأكيد كفتياة , انا عملت في مستشفى الراهبات لفترة و لكني تركت العمل بسبب الوضع الأمنى السيء و كذلك بسبب وضع المنطقة الغير جيد ....
الشاب
فائز شكر ( 23 سنة ) شماس في كنيسة العائلة المقدسة ( كاسب ) يقول :
نحن نعيش في المنطقة منذ سنوات طويلة , المنطقة لم تشهد اي اهتمام من كل الحكومات المتعاقبة , شوارعها غير صالحة و الخدمات سيئة اظافة الى انعدام الكهرباء , نحن كشباب اليوم نفكر بشكل جدي بالهجرة لان الحياة في بغداد اصبحت صعبة و نحن لا نرى اي امل لنا هنا , فمن الصعب جدا ان تبني حياتك في ظل كل تلك التهديدات التي تحيط بك ,بالنسبة للمنطقة فهل ما تزال تحاول ان تحافظ على اجوائها المسيحية رغم الهجرة الكبيرة التي اصابتها و التي تعاظمت في الفترة الأخيرة .... كما استقبلت المنطقة العديد من العوائل المهجرة الأتية من مناطق مختلفة من بغداد و لكونها منطقة فقيرة و قليلة الخدمات فأن المهجرين ما لبثوا ان غادروها متوجهين الى المناطق الأفضل , اليوم نشهد حالة جيدة و هي عودة الكثير من ابنائنا الذين كانوا مسافرين الى سوريا و الأردن و غيرها من الدول , و عودتهم الى وطنهم العراق و هذة حالة جيدة بالتأكيد و نحن نفرح لها ...
اما الشاب
وسيم عصام ( 24 سنة ) عضو في اخوية الشباب في كنيسة العائلة المقدسة فيقول :
منطقتنا عريقة و هي من اولى مناطق التواجد المسيحي في بغداد , لكنها اليوم لم تعد كما الماضي فالهجرة اخذت تضرب المنطقة و النزوح الى المناطق الأخرى من بغداد , نحن في اخوية الشباب لدينا اليوم تقريبا 20 عنصر و نحن نلتقي مرة بالأسبوع و متواصلين في نشاكاتنا كذلك لدينا فرقة للتراتيل و هي مميزة و من الجوقات المتطورة في بغداد , مشكل المنطقة هي كثيرة رغم انها تعتبر منطقة امنة الا ان الوضع الأمني بمجمله في بغداد هو مرتبك رغم التحسن الحالي الا اننا نشعر انة هش و في اي لحظة ممكن لكل شيء ان ينهار , لذلك أجد اننا كشباب لمك يعد امال كبيرة نعلقها على الحياة في بغداد , فأذا نجد الفرصة سنهاجر على الفور .. و فرص العمل كذلك تجدها محدودة و غير ملائمة للوضع الأقتصادي الأخذ بالأرتفاع شيء فشيئاً اليوم الدولة ترفع من رواتب الموظفين و لكن الحال باقي على ما هو علية , رغم الهبوط الملحوظ في قيمة الدولار الا ان المواد مازالت مرتفعة و الأسعار عالية , و ازمات الوقود و غيرها من المشاكل , فاليوم بأي رااتب تستطيع العمل لكي توفر متطلبات الحياة العديدة و التي تضغط عليك كثيرا , انا لا اجد مستقبل واضح المعالم لنا كشباب , يجب ان تجد الحكومة حل لكل تلك المشاكل و خاصة المشاكل الأمنية و الأقتصادية التي يعاني منها البلد ....
شكرت كل الذين تحدثوا الي في هذا التقرير , و تجولنا في منطقة البتاوين لألتقاط بعض الصور فأصطدمنا بعدد كبير من الشوارع المغلقة لأسباب امنية و الأخرى المغلقة لأسباب عدم الصلاحية , كثير من النفايات التي وجدناها منتشرة هنا و هناك , عدم الاهتمام نشاهدة لوحة مرسومة بعناية على كل جدار و شارع و ساحة في ما يعتبر مركزأ من مراكز بغداد التجارية , و شعبنا يعيش وسط كل تلك الظروف الصعبة و المؤلمة و هو يصبو الى مستقبل مجهول , فيما تتعالى الأصوات المطالبة بأستمراره صامداً في ارض الأباء و الأجداد ... فالى متى سيصمد لا أدري ؟؟؟؟













