الديمقراطية والانتخابات
الديمقراطية تعني حكم الشعب وهي شعار يرفع على نطاق واسع وان مفهومها يكتنفه شيء من الغموض ويكثر حولها الجدل وان هذا الجدل ينذر ببقاء الديمقراطية مجرد شعار يحرمنا من الاستفادة من المد الديمقراطي الذي يشهده العالم فضلا عن خسارتنا لأمكانات يتيحها لنا المنهج الديمقراطي في الحكم والذي يشمل ما يطلق عليه بالعملية السياسية والتي بدأت بالانتخابات ونظام الحكم والفدرالية وفصل السلطات والحريات الفردية والتي بدورها تشمل حرية التعبير عن الرأي وحرية المعتقد وامور اخرى كثيرة لامجال لذكرها في هذا المقال .
من هذه المقدمة نستخلص بان الديمقراطية ليست عقيدة وانما هي ممارسة منهج ولها مفاهيم عديدة فكل يعبر عنها حسب وجهة نظره فالقسم من السياسيين والمفكرين يعبرون عنها على انها حرية فردية غير مطلقة واخرون يقولون بانها حرية مطلقة بحدود معينة اما ابراهام لنكولن فيقول في الديمقراطية (( ان حكومة من الشعب يختارها الشعب من اجل الشعب يجب ان لا تزول عن وجه الارض )) حيث بمقولته هذه يحاول ترجمة سلبيات الحكم الفردي او قلة من الافراد ، وان معاناة العراق لعقود طويلة من الحكم الفردي جعلت العراقيين يتلمسون الفرق بين الاثنين ، لكننا لسنا بصدد هذا الان انما نريد ان نبين شيء من مفهوم الديمقراطية .
للديمقراطية مجوعة من الاسس تستند عليها وتترجمها في الممارسة الصحيحة حيث من دون هذه الاسس لا تستطيع اي حكومة او سلطة الادعاء بأنها ديمقراطية ومن هذه الاسس .
اولا الدستورية : تعني الدستورية سيادة القانون وان الحكم في البلد يكون بموجب بنود دستورية لا يمكن تجاوزها او التعديل بها الا من خلال اليات معقدة مثل موافقة ثلثي اعضاء البرلمان وموافقة مجلس الوزراء ومجلس الرئاسة واحيانا استفتاء شعبي عام كل هذه اجراءات تحدد سلطة الحكومات من انتهاك حقوق الشعوب وتساعد في ارساء المباديء الديمقراطية ، لأن الدستور يكتبه الشعب من خلال ممثلين عنه فهو كما قيل عنه العقد الاجتماعي بين الحكومة والشعب .
ثانيا الانتخابات الحرة النزيهة : ان ممارسة انتخابات حرة ونزيهة هو اساس من اسس الديمقراطية حيث ينص الاعلان العالمي لحقوق الانسان في المادة ( 21) ((على ان لكل شخص حق المشاركة في ادارة الشؤؤن العامة لبلده اما مباشرة او من خلال ممثلين عنه ينتخبون بحرية)) وتأتي نزاهة وحرية الانتخابات من خلال عدة ضوابط منها .
1- الاقتراع السري : ان الفقرة الثالثة من المادة (21) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي ينص (( الانتخابات تجري بالتصويت السري بأجراء مكافيء من حيث ضمان حرية التصويت )) ان هذا المعيار ناشيء عن قناعة المجتمع الدولي بأنه لابد للانتخابات لكي تكون حرة حقا بأن تكون الية سير الانتخابات بالنسبة للناخبين لها سرية ولا يحق للحكومات او الاحزاب او المنظمات او اشخاص اصحاب نفوذ وقوة او اي جهة كانت ان تكشف عن صوت الناخب اثناء اداء الانتخابات او بعدها وان وجود مراقبين من الكيانات السياسية ومراقبين من المفوضية العليا للانتخابات وفصل مقصورات الاقتراع ونزاهة المسؤؤلين الرسميين ان كانت مفوضية او اي جهة اخرى يساعد الناخبين من الادلاء بصوتهم بحرية اكثر.
2- حرية التعبير عن الرأي والذي تحميه المادة (19 ) من الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي جاء فيه (( لكل انسان الحق في اعتناق اراء دون مضايقة وله الحق بحرية التعبير ويشمل هذا الحق الافكار والاراء والاتجاه دون اعتبار لأي حدود)) ولكن ضمن شروط منها .
أ- احترام حقوق الاخرين
ب- ان لا يؤثر على النظام العام والاداب العامة
ثالثا حرية الاعلام : ان حرية الاعلام تعتبر ترسيخ لمباديء واسس الديمقراطية وتتمثل بحرية التعبير عن الرأي من خلال الوسائل المقروءة والمسموعة والمرئية بحرية دون قيود كون الاعلام الحر يعتبر سلطة رابعة تنتقد الحكومة والمؤسسات والمسؤولين في مراكز القرار على اخطائهم ومغالطاتهم .
وتشمل حرية الاعلام ايضا التعبير عن الافكار اثناء الفترات الانتخابية دون الطعن والتجريح بالمرشحين او القوائم المنافسة .
رابعا مبدأ فصل السلطات : ان مبدأ فصل السلطات وتقسيمها الى تشريعية وتنفيذية وقضائية والاهتمام بأستقلالية كل سلطة يحمي الشعب من عملية احتكار السلطة من قبل شخص او مجموعة من الاشخاص ويجعل كل سلطة تعمل كرقيب على السلطات الباقية وهذه العملية تحدد صلاحيات كل سلطة وتمنعها من تشريع قوانين جائرة بحق المواطنين وترسم مسار كل سلطة وفق صلاحياتها دون التجاوز على صلاحيات السلطة الاخرى وتجعل الحكومة ملحق وتابع وليس الآمر، وتكون مجبرة بممارسة نهج ديمقراطي في تعاملها بما يخدم المصلحة العامة .
من خلال شرحنا البسيط لبعض اسس الديمقراطية تبين بأن الديمقراطية هي نهج وممارسة وليست عقيدة او شريعة وان هذا النهج توصلت اليه الانسانية عبر مرارة تجارب نظم حكم فردية او قلة حاكمة .
في الختام استطيع القول على الرغم من الممارسات الديمقراطية التي مورست في العراق بعد حل مجلس الحكم والحكومة المؤقتة وانتخاب حكومة انتقالية والاستفتاء على الدستور وحرية الاعلام لكننا لم نصل الى الحد الادنى المقبول في مستوى ممارسة النهج الديمقراطي ولكننا كما قال روبرت دال ان ديمقراطيتنا هي ( نظام حكم الكثرة ) او بمعنى فرض الاكثرية على الاقلية حيث تجاوزنا حكم الفرد والاقلية المطلقة الى حكم الاكثرية ونحن ساعون انشاء الله الى حكم الشعب من خلال الانتخابات القادمة ، لأن شعبنا يطمح الى نظام ديمقراطي منضبط بالمباديء الديمقراطية ومؤسسات دستورية تمكنه من ان يكون مصدرا للسلطات .
لؤي فرنسيس نمرود
15/11/2005