التنجيم بين الخرافة والعلم


المحرر موضوع: التنجيم بين الخرافة والعلم  (زيارة 7260 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1791
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                           التنجيم بين الخرافة والعلم
                           الجذور العراقية القديمة

عبد الأمير المؤمن(*)
(خاص للمعهد)


الموضوع منقول من الموقع  الحضارية



تقترن مع التطوير العلمي المعاصر نزعة قديمة ذات جذور خرافية ميثولوجية، تأخذ بيد الإنسان المعاصر إلى اعماق التاريخ الحضاري، دون أن يدري.
فباهتمامه بالتنجيم الخرافي، والإيمان به أحياناً، يكون قد اجترّ افكاراً خرافية ميتة، كانت في وقتها سلطاناً مستبداً بمقدرات ذلك الحاضر والمستقبل. ففي الوقت الراهن تنتشر في ارجاء كثيرة من العالم نزعة تنجيمية و(دكاكين) لأخذ الطالع والفأل وكشف المستقبل، وما شاكل كل ذلك.
ويرجع اغلب هذه الموضوعات إلى فكرة التنجيم التي سادت في الحضارات القديمة، وخاصة الحضارة البابلية و الكلدانية في وادي الرافدين.
وبتتبع تلك الخيوط التنجيمية القديمة نكون قد ادركنا مدى طاقة التنجيم وصموده في اجتياز آلاف السنين للوصول إلى العصر الراهن، واستقراره في قلب العالم الحديث.
التنجيم خرافة لا تستند إلى اساس:
لسنا بحاجة إلى تعريف التنجيم (Astrology)، والدخول في تفاصيله، ففي الموسوعات العامة المتوافرة، والكتب المتخصصة ما يغني عن التكرار وإعادة مادة معروفة.
ولكن لتأكيد ماهيته وطبيعته الخرافية وغير العلمية، ، يكون من المناسب ان نذكره، أو بعض ملامحه، مقارناً بعلم الفلك (Astronomy) (التوأم المضاد الذي عاش معه) ليكون اطاره العام واضحاً في اذهاننا.
فاذا كان المصطلح الواحد (علم الهيئة، أو علم النجوم، أو علم الافلاك...) يشمل الحقلين معاً (الفلك والتنجيم) على مدى التاريخ العلمي قبل الحديث، ففي العصر الراهن أخذ كل اصطلاح موقعه الحقيقي بين العلوم دون ان يمتد إلى غيره. فتحت اطار (علم الفلك) تقع موضوعات فلكلية علمية معروفة، وتحت اطار (التنجيم) تقع موضوعات (فلكية مضادة) غير علمية، معروفة أيضاً، فلا تداخل ولا تجاوز أحد على الآخر(1).
وعلى هذا الأساس، فعلم الفلك، هو علم يختص بدراسة الاجرام السماوية والظواهر الكونية، دراسة علمية منظمة، معتمداً على قوانين ونظريات علمية، ومستخدماً اجهزة علمية وتكنولوجية متنوعة، مستعيناً بعدد من العلوم، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء وانظمة الحواسيب وما إلى ذلك.
في حين يحصر التنجيم نفسه في عدد من القواعد والأصول والأوليات المتوارثة التي لا تستند في غالبها إلى اُسس علمية مقبولة.
فمثلاً يعتقد المنجمون أنّ المشتري والزهرة كوكبان سعدان، وأنّ زُحل والمريخ كوكبان نحسان، اما عُطارد فهو كوكب ممتزج. ولكن ما هو الدليل على هذا الادعاء؟ لا دليل علمياً مقبولاً. لاحظ تعليل «اخوان الصفا»: «والزهرة تدل على امور الدنيا، فان استولت على المواليد دلت على نعيم الدنيا، والمشتري يدل على امور الآخرة وسعادة ابنائها، فإذا استولى على المواليد، دلّ على صلاح الأخلاق والورع والدين، وزحل يدل على نحوسة ابناء الدنيا، وإذا استولى على المواليد، دلّ على الشقاء والفقر والمرض والعسر، والمريخ يدل على نحوسة ابناء الآخرة، فإذا استولى على المواليد دلّ على الفسق والقتل والسرقة والفساد، والزهرة والمشتري يدلان على سعادة الدارين، وعطارد يدل على السعادة والنحوسة معاً»(2).
ويعتقد المنجّمون ايضاً أن لبروج السماء الأثنى عشر طبائع محددة، فهناك بروج نارية وحارة ويابسة، وأخرى ترابيّة وباردة ويابسة، وثالثة هوائية وحارة ورطبة. ونسبوا إلى هذه البروج تأثيرات ودلالاتٍ على تكوّن الإنسان واخلاقه وطباعة ومزاجه وطبقته وصناعته وطالعه. ولكن إلى أي أسسٍ استندوا في أوصافهم هذه؟ لا أسس، ولا أسباب علمية، ولا علل معقولة، إنما خيالات وأوهام لم يثبتها العلم.
ويعتقدون أيضاً أنّ حدوث الكسوف والخسوف، وظهور المذنبات وبعض الظواهر الكونية المثيرة اسباب رئيسية للكوارث والمفاجآت والحروب..
هذه الأفكار واخرى مماثله لها، هي مضمون فكرة التنجيم، وقد بقيت ثابتة أزماناً طويلة، على الرغم من تعدد الآراء واختلاف الاجتهادات ووجهات النظر. ولا شك ان الذي يجمع بينها هدف اساسي ثابت، هو استطلاع الغيب وقراءة المستقبل، والتنبؤ بما سيقع لاحقاً.
وفكرة التنجيم ـ على اجمالها ـ مرفوضة علمياً، لأنها لم تقم على علاقات سببية صحيحة مما يجعل نتائجها غير مضمونة أو هي محل نقاش علمياً على الأقل. ومـُنكرة قرآنياً حيث: «وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو»(3).
وما ورد عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) من رفضه ربط الناس بين موت ابنه ابراهيم وكسوف الشمس، وقوله (عليه السلام): «ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته». خير دليل على تأكيد هذا الرفض.
التنجيم في ظل العصر العلمي الراهن
إذا كانت فكرة التنجيم ـ قديماً مقبولة وشائعة، على مستوى حضارات العالم القديم كله، تتناسب وعقلية المرحلة الزمنية القديمة، وتنسجم وطفولة المعرفة، فلا نعتقد أنها اليوم تتناسب والمرحلة العلمية والتكنولوجية الراهنة وتنسجم مع التطور الحضاري الحاضر.
فمن خلال تطبيقات المنهج العلمي الحديث، والنظريات والقوانين العلمية المحكمة والاجهزة العلمية والحاسوبية المتطورة، لا يجد التنجيم موقعاً مشروعاً يمارس فيه تطلعاته وآماله.
لكن مع هذا الحظر العلمي المفروض على التنجيم، وجدناه حاضراً بيننا، مقتحماً الحياة المعاصرة، ومنتشراً في الجغرافية، في اماكن كثيرة من العالم المعاصر.
وهذا يعني ـ ضمن ما يعني ـ أن العلم والتكنولوجيا المعاصرين ـ على ما يملكان من قوة ـ لا يفيان بحاجات وتطلعات الإنسان الكثيرة، فتبقى الحاجة ماسة إلى حالات من نوع آخر، إلى حالات غيبية، إلى مهدئات أو مسكنات، وهي اما ايمانه حقيقية (ايمان بالمطلق)أو مزيفة. (تنجيم، كهانة، عرافة..).
وفي الشرق العربي والإسلامي، وحيث الإيمان الحقيقي متوافر من خلال الدين الإسلامي، فقد قلّ الإيمان بالتنجيم، وخاصة صورته المتطرفة التي تتعارض والايمان بالله، مسبب الاسباب، فعاش خائفاً متعثراً.
بينما عاش التنجيم في العالم الغربي، وجنوب شرقي آسيا والهند وما جاورها ،عاش مطمئناً، جامعاً حوله اتباعاً وهواة كثيرين يغذيهم ويغذونه.
فمثلاً، بعض الهنود حالياً يذهب إلى المنجم كل يوم، وبعض آخر لا يذهب الا وقت الحاجة، أو قبل الاقدام على أعمال ومشاريع مهمة وكبيرة، كالزواج، وأختيار العمل، والسفر، وعمليات الشراء، وما إلى ذلك.
وقبل الكسوف الذي حدث في 24 اكتوبر سنة 1955م في جنوب قارة آسيا وجنوبها الشرقي، اطلق منجمون من تلك المناطق انذارات تقول إن الكسوف القادم سيجلب معه الشؤم والكوارث والمآسي.
وفي كمبوديا ـ وبمناسبة هذا الكسوف ـ تجمّع آلاف السكان والأجانب، وأنشدَ رهبان بوذيون تراتيل خاصة، وأدت راقصاتٌ رقصاتٍ تقليدية لجلب الحظ.
وفي بنغلادش نصح المنجمون الناس بعدم الأكل، أو ممارسة الجنس، اثناء الكسوف.
وإذا كان إيمانُ تلك الشعوب والمجتمعات بالتنجيم أمراً متوقعاً، باعتبارها شعوباً ذات أديان وافكار تسمح باعتناق مثل هذه الأفكار. فما بالك بالغرب، بشعوب ومجتمعات تعيش في صميم التطور التقدم، وتعد انظمتها الاجتماعية على درجة عالية من النضوج؟! ففي تلك المجتمعات والشعوب اليوم الكثير ممن يؤمن بالتنجيم والحقول المشابهة الأخرى، كالكهانة والعرافة وقراءة الكف وغيرها.
وعلى مختلف المستويات والطبقات، فهناك المثقفون، وغير المثقفين والناس العاديّون، والملوك والرؤساء والوزراء، وهؤلاء الاخيرون لا زال كثير من قصورهم يحتفظ بالمنجمين والعرافين، لاستشارتهم في اعمالٍ يتخوفون منها، بل وحتى في الأمور العادية.
وعلى مستوى الناس العاديين، تجد كثيراً منهم يذهب لزيارة المنجمين والعرافين، لغرض قراءة الغيب والمستقبل أو كشف الحظ أو التسلية.
ويجدون ضالتهم ـ عادة ـ في المعاهد والمراكز او المؤسسات والمحلات المفتوحة المتخصصة بهذا الحقل. والصحف اليومية والمجلات الاسبوعية وعدد من المنشورات تمتلئ بالاعلانات عن هذه المؤسسات والمراكز واسماء الشخصيات المحترفة. وتعثر في الشوارع والساحات على لافتات واعلانات عن هذا المنجم الشهير وتلك المنجمة البارعة، وهذه المؤسسة وذلك المركز.
وهناك احصاءاتٌ عديدة عن عدد المنجمين في العالم الغربي، ويمكن أن نذكر منها: ان الولايات المتحدة الامريكية تقع في طليعة دول العالم في عدد المنجمين، وتأتي فرنسا في الدرجة الثانية، وبريطانيا في الدرجة الثالثة، كما لا يغيب المنجمون عن اكثر الدول تقدماً، كالسويد والدانمارك وسويسرا.
وفي احصاء آخر ورد أن عدد المنجمين في اليابان وحدها، قدر بمئتي الف منجم، يضمهم اتحاد، ينظم شؤونهم ويحافظ على مستواهم المهني. وهناك ارقام ومعلومات أخرى لا مجال لذكرها(5).
التنجيم حالة فكرية من العالم القديم
من المثير حقا أن تجد حالة فكرية بالية كانت شائعة منذ آلاف السنين، تعيش بيننا في الوقت الحاضر. فالتنجيم ـ وهو حالة فكرية ـ حكمت الحضارات القديمة منذ اكثر من خمسة آلاف سنة، لازال بيننا قوياً معافى، وان اختلفت صورته الراهنة عن ذلك القديم. ولاشك ان الاختلاف
ـ وخاصة في الجزئيات والتفصيلات ـ امر طبيعي تفرضه المراحل والظروف. وتبقى الإثارة، في أنه انتقل وبقي آمناً دون أن يستطيع الرفضُ والانكار والاعراض والثورات التي قادها الدين والعقل القضاء عليه قضاءً تاماً.
ولم يكن التنجيم معرفة أو فكراً، كسائر المعارف والافكار القديمة العادية، وانما كان حالة متميزة، قوة فكرية حاكمة، تتحكم في حاضر تلك الحضارات ومستقبلها، وكان المنجمون يؤمنون بقاعدة أساسية تقول: إن هناك أدواراً فلكية تحكم هذا العالم، وان ما جرى ويجري من احداث يخضع لحتمية تأريخية لا تتغير عبر الزمان والمكان.
ولا نبالغ إذا قلنا إن كل الحضارات عرفت التنجيم أو آمنت به ومارسته، بما فيها الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الحديثة. ولكن تتميز الحضارات القديمة بإيمانها المطلق بالتنجيم، وخاصة حضارة وادي الرافدين ووادي النيل والحضارة اليونانية والرومانية، بل طبع التنجيم بعضها بطابعه الخاص. فقد ظلـّل التنجيم البابليين بظلـّه ووسمهم بسمته الخرافية، اما الكلدان ورثة البابليين فقد شاع بينهم التنجيم لدرجة أن اسم الكلداني كان يساوي المنجم(6)، ومنهم انتقل إلى اليونان والرومان والعالم الإسلامي والعالم الحديث.
وليس من السهل الحديث عن التنجيم البابلي والكلداني مستقلاً عن علم الفلك، فالعلم القديم لم يعرف هذا الاستقلال أبداً، وخاصة في تلك الحضارات البائدة، الفصل الحقيقي حدث في عصر النهضة، عصر غاليلو وما بعده.
وحين يتحدث الباحثون عن الفلك القديم، يضعون فلك البابليين والكلدانيين في الطليعة، فهو يقوم على أسس رياضية وعلمية(7).
لقد اكتشف البابليون النظام الستيني في العدّ، فجعلوا الوحدة الكبيرة(60)، وقسّموا الدائرة إلى 360 درجة، وقاسوا الزوايا بالدرجات والدقائق والثواني، وقسّموا اليوم إلى ساعات.
وكانوا رصاداً ممتازين، ميّزوا الكواكب السيّارة الخمسة (عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحل) بين النجوم، وعرفوا أنّ الشمس والقمر والكواكب السيارة تتبع مساراً معيناً في المنطقة السماوية، فحددوا هذه المنطقة، وسموها (منطقة البروج) (zodiac). وقد قسّموها إلى اثنى عشر قسماً (وحدة) والوحدة إلى ثلاثين درجة. وفي سبيل تحديد خط الشمس عيّنوا نقاطاً ثابتة في النجوم الاكثر لمعاناً والتي تشكل اشارات دالــّة على منطقة البروج(8).
لقد أولى البابليون البروج الاثني عشر اهتماماً كبيراً ، واعتقدوا بوجود علاقة بين حياة الناس ومواقع النجوم عند الولادة، ومن الضروري العثور بدقةـ إن شئنا ان يكون التنبؤ ناجحاً ـ على النجم الذي أشرف عند الولادة(9).
وهناك نصّ مسماري معروف الآن يتضمن قراءة طالع طفل ولد في 29 نيسان من عام 410 ق.م، في حين هناك اربعة امثلة اخرى من القرن الثالث قبل الميلاد، وقد قام (A.sachs) بترجمة مثال من عام 263 ق.م هذا نصه: «في السنة 48(من العهد السلوقي في شهر) آذار ليلة الثالث و العشرين ولد الطفل، وكانت الشمس في ذلك الوقت في درجة 30/13 في برج الحمل، والقمر في درجة 10 في برج الدلو، والمشتري في بداية برج الأسد، والزهرة مع الشمس، وعطارد مع الشمس، وزحل في برج السرطان.. ستنقصه الثروة.. وسوف لن يكفى طعامه جوعه. وسوف لن تستمر ثروة شبابه(؟) وسيكون له ثروة لمدة ست وثلاثين سنة وستكون ايامه طويلة [وهناك خمسة اسطر اخرى يصعب فهمها ومشكوك في تفسيرها]»(10).
وعلى مستوى الكواكب السيّارة، اعتقد البابليون بتأثيراتها على الناس، فهي تنبئ بأحداث المستقبل، وتبيّن للناس مخططات الآلهة، والراصدون الخبراء يعرفون كيف يستنتجون الطالع، من شروقها أو غروبها أو ألوانها. ويعتقدون بتأثيراتها على دلالات الناس وتقريرها الطوالع الجيدة والسيئة لبني البشر، ومن خلالها تنبأوا بأمور كثيرة تخص الملوك، منها انتصار داريوش، والاسكندر وانتيغونا وسلقيوس نيكانور(11).
كما ان ظهور المذنبات وخسوف القمر وكسوف الشمس وزلازل الأرض، وأيّ تغيير يحدث في الجو والمناخ، هي كذلك علامات سعد أو نحس للبلاد والشعوب، وللملوك والافراد(12).
وحدد الكلدان ـ باستثناء مدار فلك البروج ـ مواقع 24 نجماً نصفها شمالاً والنصف الاخر جنوباً، واسموها «قضاة الكون» تؤثر المرئية منها على الاحياء بينما تؤثر غير المرئية على الأموات(13).
ولا مجال للاطالة أكثر مما ذكرنا، فحياة سكان وادي الرافدين تقع بشكل اساسي تحت تأثير فكرة التنجيم، تقول مرجريت روثن: «فالبابليون والكلدانيون لتعلقهم بركائز معتقدات وممارسات شبه خيالية، اجتهدوا في الوصول إلى الحقيقة، فتوصّلوا إلى معلومات علمية متطورة. وكان يقينهم باكتشافاتهم تلك انما يكشفون عن سر الآلهة ومصير الانسان»(14).
وهذه غاية الحضارات القديمة كلها.
التنجيم اليوناني الروماني مرجعاً
لم ينتقل التنجيم القديم عامة، والبابلي الكلداني خاصة إلى العالم المعاصر، من ينابيعه الأصلية، بشكل مباشر، وانما جاء ضمن التنجيم اليوناني الروماني. حيث لم تـُعرف الترجمات البابلية والمصرية الا مؤخراً، بعد اكتشاف هاتين الحضارتين آثارياً، وبعد حلّ طلاسم اللغة المسمارية البابلية، واللغة الهيروغليفية المصرية. ففي طيلة القرون الوسطى، وإلى العصر الحديث، كانت السيادة للفكر التنجيمي اليوناني، حيث حكمت افكار بطليموس (القرن الثاني الميلادي) التنجيمية العالم، وهو وان سمّي تنجيماً يونانياً، الا أنه في الحقيقة كان خلاصة للتنجيم القديم.
فقد اكد الباحثون من خلال استقرائهم لجذور الفكر اليوناني، بشكل عام، أن هذا الفكر يستند إلى المعارف القديمة، وخاصة البابلية الكلدانية والمصرية. وأن كثيراً من العلماء والفلاسفة اليونانيين، ذهبوا أو عاشوا في مصر وبابل، وأنّ نظرية فيثاغورس الشهيرة ـ مثلاً ـ ذات أصلٍ بابلي، وأن فكرة الأبراج البابلية، وصلت الينا من خلال الفلك اليوناني.
وكان دور اليونانيين ذكياً، فإضافة إلى ما قدّموا من إبداعات علمية وفكرية، أطـّرو ما تراكم لديهم من معارف قديمة في نظريات علمية وفكرية، فصارت المعارف والافكار السابقة مع إضافاتهم، وكأنها علومُهم (علوم يونانية).
وفي حقل التنجيم، انتقلت عناصر تنجيمية قديمة كثيرة إلى الفكر اليوناني. يقول جورج سارطون: إن العناصر الفنيّة في التنجيم وتفاصيل عبادة النجوم جاءت من بابل ومصر وفارس(15)، وورد أيضاً أن اتصالات نشأت بين المنجّمين الكلدانيين واليونانيين قبل عصر افلاطون(16).
وفي مدرسة الاسكندرية الشهيرة، مركز التقاء الثقافات القديمة، المصرية، البابلية، اليونانية، كان هناك درسٌ في التنجيم، وكانت هناك اعمال وأرصاد بطليموس، حيث انصهر التنجيم القديم في بوتقة التنجيم اليوناني، وتنجيم بطليموس خاصة، ومن هذه المدرسة الفكرية انتقل التنجيم إلى العالم.
أما ما وصل الينا من عناصر تنجيمية فارسية وهندية وصينية، فقد كانت ضعيفة في ظل التنجيم اليوناني المنظم، الذي احتكره امتداد بطليموس. ومثلها كانت متفرقات التنجيم الجاهلي.
ويبقى التنجيم البابلي الكداني هو الاساس، وإن اختلف في تفاصيله عن التنجيم اليوناني حيث كان البابلي، حالة فكرية أساسية على مستوى المجتمع والدولة الرسمية، وهدف عام سعى البابليون من خلاله الى الكشف عن سر الالهة، ومصير الإنسان، كما ألمحنا من قبل.
في حين كان هدف التنجيم اليوناني الفرد الانساني، بشكل اساسي، لا البلد ولا العالم، وقد أذكته عقول يونانية كثيرة، فآمن به العالم الفلكي ادوكسوس (408 ـ 355 ق.م) وعدّ البروج الاثني عشر أعدالاً لكبار الأرباب الاثني عشر عند الاغريق. وعدّه ارسطو (384 ـ 322 ق.م) أحد فروع العلوم الطبيعية، التي تضم الطب والفراسة والكيمياء وغيرها، وعده بطليموس أحد العلوم الفكلية الأساسية.
إذن تحوّل التنجيم من حالة فكرية عند البابليين إلى علمٍ منظم عند الاغريق،علمٍ أصلت أصوله، وفـُرعت فروعه، وخاصة عندما وصل إلى بطليموس (رب الفلك القديم).
ومثلما جمع بطليموس خلاصة الفلك القديم في كتابه الشهير (المجسطي) جاء كتابه الشهير الآخر (المقالات الأربع) ليضع للمنجمين اصول عملهم وتفاصيل اجراءاتهم. وهو كتاب شائع في تاريخ الفلك والتنجيم، تـُرجم إلى اللغة العربية وشـُرح وفـُسر اكثر من مرّة(17). ويذكر الباحثون أنه كتابٌ تنجيمي علمي منظم. كان يدرسه المشتغلون بالتنجيم لا جمهور القراء(18). وفي مخطوطة ابن رضوان في شرحه هذا الكتاب يؤكد أنّه اتمّ الكتب الواصلة الينا، وأحسنها نظاماً واشدّها صحة(19). طبعاً في هذا الحقل.
ومن خلال هذا الكتاب الشهير والافكار التنجيمية اليونانية الاخرى وغيرها، انتشر التنجيم في عالم القرون الوسطى والعالم المعاصر، حيث سيطرت افكاره،واحكمت قبضتها على العقل، وخاصة في قرون الظلام الأوروبي، فكان شائعاً بشكل مثير، حتى على مستوى العقول العلمية الكبيرة، مثل: تيكو براهه، كبلر، غاليلو، وكان يـُدرّس في الجامعات الأوروبية (منها جامعة بادووا، وجامعة ميلانو في إيطاليا) وله مقاعد خاصة.
وعلى الرغم من رفض علم الفلك للتنجيم واستقلاله عنه، في عصر النهضة، باعتباره مادة غير علمية، الا أنه بقي حيّاً نشطاً، أخذ خطه الخاص، وقناته المتميزة، إلى جانب العلوم المختلفة، غير عابئٍ باستخفاف العلم به وازدرائه له.
واليوم، وبعد مضيّ آلاف السنين على التنجيم البابلي واليوناني، تسمع ذات الافكار، والاصلاحات القديمة (مع بعض التطوير) تسمع بالابراج الاثني عشر، تسمع بالحمل، والدلو، والعقرب، والحوت.. وتسمع بالكوكب السعد الزهرة وزميله المشتري، وبالكوكب النحس زُحل وزميله المريخ، وبالكوكب المعتدل عطارد، وتسمع بدلائل سماوية كثيرة تدلّ على احداث أرضية، بشرية، تسمعها من كل انحاء العالم، من وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، في الكتب والمجلات والصحف والمنشورات الأخرى.

الهوامش
_____
(*) باحث عراقي متخصص في تاريخ الفلك وتاريخ العلوم.
(1) في تحديد اصطلاح علم الفلك والتنجيم راجع كتابنا: التراث الفلكي عند العرب والمسلمين، اصدار جامعة حلب : 17-20.
(2) رسائل اخوان الصفا، اخوان الصفا، دار صادر بيروت 1957، ج 1 : 124.
(3) سورة الأنعام : 59.
(4) ربيع الابرار ونصوص الاخبار، الزمخشري، بغداد، 1976، ج1 : 116.
(5) راجع كتابنا: مكانة الفلك والتنجيم في تراثنا العلمي موضوع (الفلك والتنجيم اليوم)، اصدار مركز حمد الماجد للثقافة والعلوم، 1977، دبي.
(6) دائرة المعارف، بطرس البستاني، ج6 : 227.
(7) بلاد مابين النهرين: وبنهايم، بغداد، 1986: 404. وراجع أيضاً علوم البابليين، مرجريت روثن: 99.
(8) علوم البابلين، بغداد، 1980، مرجريت روثن: 103.
(9) تاريخ العلوم العام، اشراف دينيه تاتون، ج1: 121
(10) عظمة بابل، د. هاري ساكز، 562.
(11) علوم البابليين: 97.
(12) المرجع نفسه: 97.
(13) المرجع نفسه: 98.
(14) المرجع نفسه: 9.
(15) تاريخ العلم، جورج سارطون، اصدار دار المعارف بمصر، ج5 : 179.
(16) تاريخ العلم والتكنولوجيا، راج فوربس: 103.
(17)الفهرست، ابن النديم، 374.
(18) تاريخ العلم والتكنولوجيا: 105.
(19) شرح علي بن رضوان اقاويل بطليموس، (مخطوطة) عن كتاب مكانة الفلك والتننجيم): 2.