حذار ان نفرط بخصوصية مواقعنا
لقد كانت مدننا وقرانا في سهل نينوى تتمتع بحياة امنة مستقرة تزاول نشاطاتها دون خوف رغم اختلاف قاطنيها دينيا او قوميا مشتركين في قرية او مدينة او مختصين منفردين بها، ومهما حصلت من مشاكل او متاعب كانت تحل داخليا ، وظلت تربطها علاقات التعاون والمحبة كما ظل شعبنا الكلداني السرياني الاشوري سباقا في تلبية كل المناسبات الوطنية لا يبخل بالتضحيات ، يقدم الشهداء دون ان تثنيه الخسارات الكبرى لمواصلة مساهمته في اي عمل يخدم الوطن ويرفع اسمه عاليا ويجعل حبه لارضه ولخصوصيته عامل ايمان بوطنيته لايفرط بها ، تعطيه هذه الخصوصية مناعة الصبر ومقاومة المشاكل وتجاوزها لكن التدخل الذي يحصل احيانا من خارج منطقته يشوه الاجواء الطبيعية في حياته.
ان صيانة خصوصيتنا القومية والدينية ليس تعصبا مادام لايرمي الى التجاوز على خصوصية الاخرين وحياتهم ومادام التآلف والتعاون قائم يوفر الحرية والامن والسلام .
بعد الظروف الصعبة التي مر بها الوطن وبعد ضياع بعض القيم بل معظمها نمت روح الاعتداء على الاخر حتى بين الموكونات الكبرى قوميا وطائفيا من دين واحد فكيف يصبح الامر بالنسة للاضعف والاصغر ، مما يؤسف له انه باسم الدين وعدالته وسماحته يتم الاعتداء وسلب حرية الاخر مما عمق الياس والتذمر وضعف الروح الوطنية الذي حمل بعضهم ان يسترخص حبه لارضه ولوطنه ، منهم الواعون والمثقفون المعروفون بوطنيتهم ليغادروا الوطن ويفضلوا الغربة بمجاهلها ومعاناتها وهكذا كانت الاضطهادات باشدها على المكونات الصغرى منهم شعبنا الكلداني السرياني الاشوري حتى طالت الاعتداءات رجال الدين المسالمين مما حدا بالمسؤولين ليوجهوا نداءاتهم لاحترام والحفاظ على امن المسيحيين ومساواتهم بالاخرين كمواطنين مخلصين ، وكانت محاولات نزيهة ايجابية لكنها لا تقدم الحلول العملية ولا تحد من فرص التحدي والاستحواذ على حقوق الاخرين منها سلبهم لصفتهم القومية والدينية او لحياتهم .
كل يوم تحمل اجهزة الاعلام اخبارا مؤلمة وحوادث مروعة ماساوية قد تخفف وطاتها انها تحصل للاخرين من اديان وقوميات اخرى وانها من صنع الارهاب لكن الذي نحن بصدده هو ما يخص خصوصية مكوناتنا في مدننا وقرانا وما ليس من صنع الارهاب وانما بجهود اناس يدعون الحرية والديمقراطية وباسم القانون والسلطات الرسمية .
في الوضع الراهن وفي غياب القيم وضعف سيطرة القانون يمكن لشخص واحد يتمتع بدعم وقوة القومية الكبرى والدين ان يشوه امن مدينة من مدننا ويمزق وحدتها فقاطن واحد متحصن بدينه في احد قرانا ممكن ان يسلب زوجة لانسان مسالم فتترك الزوج والاهل والاولاد وهم اطفال ، والماساة لا تتوقف بهذا العمل المشين بترك الدين والقومية وانما تمتد الى المستقبل ، وهناك قصص تشهدها وتؤيدها محاكم شرعية اقسم قضاتها على ممارسة العدل، فطفلة عمرها شهر واحد تركتها امها عند ابيها الذي اكتوى بنار فراق زوجته فسعى الى تربية ابنته لتصون قيمها وحين تبلغ سن الذي يختارها احد من ابناء جلدتها وتنعم بزواج شرعي تفاجأ حين تقصد محاكم الدولة لتحصل على عقد زواج يعطيها وزوجها الشرعية القانونية هنا يعترض القاضي معلنا انها مسلمة (بسبب اسلام امها قبل سنين طولية) حسب الشرع والقانون وانها لم تراجع الدوائر المختصة حين بلوغها سن الرشد لتختار ما تؤمن به لذا يعتبر القانون زواجها باطل اما ان شكت واصرت ومهما تالمت وتالم زوجها ملتمسين الحل يسمعان جواب واحدا وهو ان لا حل الا ان يعتنق زوجها الاسلام ليصبح زواجهما مشروع ، هنا تكون العدالة والحرية والانسانية ......
ان التمتع باسثمار قوة الاكثرية عشائريا او قوميا او دينيا في غير حق هي من سمات الشعوب المتاخرة لانها تتيح (بل تبيح) لاشخاص او عوائل ان تشوه حياة الاخرين المفتقدين الى الحصانة وهذه الحالات تتعاظم وتنتشر في الاوضاع الاستثنائية كما في وضع وطننا الان .
ان صيانة خصوصية هذه المدن والقرى لا تنال او تؤثر على الاخرين من اديان وقوميات اخرى ومهم تكرار هذا القول بل توفر فرص ايجابية لمعايشة سليمة تربط ابناء الشعب وتعزز الوحدة الوطنية وتبعد المشاعر السلبية التي تنتاب المغبونين في حقوقهم الدينية والقومية (الانسانية) والتي تجعلهم يعيشون حياة القلق والحذر مبتعدين عن اي تالف او تعامل حين لا يجدون ضمان يحميهم ممن يسلب حقهم وطمانينيتهم في الحياة .
نعود ايضا الى الظرف الاستثنائي وانعدام الامن فان احتمال تسلل الارهابيين الى المناطق الامنة المتمتعة بخصوصية مهما كان الدين والقومية صعب خصوصا بعد ان صانتها وحافضت عليها جماهيرها في اصعب الضروف كما في حياتنا منذ الاف السنين لان المتسلل الغريب تفضحه هويته الغريبة فالكل معروف ومرتبط قرابة ونسابة وبالمعايشة الطويلة فاي تحرك غريب يكون مفضوحا .
ولا ننسى ان صدام حسين سعى دوما الى تشويه الوضع الديمغرافي لهذه الاماكن كما حصل في كوردستان وعمليات التهجير من والى الجنوب ، ليس حبا في التمازج و التالف الوطني وانما لزعزعة الروابط الاجتماعية وبذر الشكوك وعدم الثقة وزرع الاجهزة الخاصة لضمان استحكام السلطة مما تسبب في مشاكل لازلنا نعاني منها حتى اليوم .
نحن نقر اننا شعب واحد والعراق لكل العراقيين وهذا ظاهر بشكل جيد في المدن الرئيسة الكبيرة كبغداد والموصل والبصرة وحتى هذه يحاولون افراغها من البعض ويستولون على ممتلكاتهم بتهجير قسري ، فعلام ملاحقة المدن والقرى الصغيرة لماذا لا يصان بقية امن واستقرار العراق وتراعى بقية العلاقات الوطنية عند هذا القوم المسالم ؟
ان عملية سلب هذه المدن والقرى لخصوصيتها وتشويه طابعها الديمغرافي وعرقلة نشاطاتها الاجتماعية وتقاليدها القومية الجميلة باقحام اخرين غرباء عنها بالتجاوز على اراضي فيها او حولها وهي من حق اهلها وفي هذه الضروف الصعبة التي يستفيد من تازيمها الاعداء ، وما هذه الخطط الا ممارسة لما خطط له في عهد الدكتاتورية نعود ونكرر اننا لسنا ضد اخوتنا وكما قلنا ان العراق هو للجميع ، كما نحترم كل القوميات والاديان ونتعاون معها ونسالمها وهذا ما يفعله ابناء سهل نينوى بمختلف اديانهم وقومياتهم ففيه من غير شعبنا الكلداني السرياني الاشوري قوميات واديان كالكورد والعرب والتركمان والايزيديين والشبك ولكل منهم في مدينته او قريته خصوصية وعادات وتقاليد يقدسها ومع ذلك تربط الجميع علاقات الالفة والتعاون ومشاكلهم يحلونها بالتفاهم والمصالحة (احيانا دون تدخل السلطة ) .
عليه ومن اجل الوحدة الوطنية ومن اجل عراق مستقر وشعب امن سعيد نطالب حكومتنا الوطنية والقوى السياسية وكل اصحاب الضمائر الحية ومن تدفعهم غيرتهم الى المصالحة الوطنية الحقيقية والصحوة الانسانية ، نطالبهم ان تتم مراعاة وصيانة هذه الخصوصية ليس في سهل نينوى فقط وانما في كل انحاء العراق ، وان الاقحام والتهجير وتشويه الواقع الديمغرافي يزيد التباعد ويسيء الى العلاقات الوطنية ويعطي مجالا للارهابين والفاسدين ان يتسللوا من خلال هذه الزعزعة في الاسكان في كل بقعة يصيبها ، وعراقنا اليوم بحاجة الى كل خطوة لصيانة حقوق ابنائه وتفادي المزيد من الفرقة والتمزق الذي يؤدي الى المزيد من الفساد كما نناشد الاقلام الحرة وقوى السلام والاجهزة الاعلامية ان تولي هذه الناحية اهمية خاصة .
وهو كذلك نداء الى ابناءنا في المهجر والذي لمسنا في السنوات الاخيرة انتباههم ويقظة مشاعرهم تجاه الوطن دون تمييز لاي دين او قومية فقط نقول الى اولئك الذين لازالت جذورهم مرتبطة بتراب الوطن ان يجعلوا هذا النداء مطلبا وطنيا وقوميا وانسانيا يتحمل عبئه كل صاحب ضمير حي .
سعيد شامايا