لقاء تضامني مع مطران الكلدان المخطوف في العراق تحوّل عرضاً لهواجس المسيحيين المشرقيين
من فرّقتهم السياسة من الاحزاب والروابط والتيارات المسيحية في لبنان وشتتهم قوى متصارعة، نجح مطران الموصل المخطوف بولس فرج رحو في جمعهم، ولو لقليل من الوقت، في مقر الرابطة السريانية حيث التقى الجميع وفي مقدمهم رجالات الكنيسة المسيحية لمناقشة ما جرى والبحث في سبل التضامن مع مطران الموصل للكلدان الذي لم يؤذ نملة في حياته، فاذا به ينتهي مخطوفا على يد مجهولين في مكان غير معلوم، في حين سقط ثلاثة من مرافقيه قتلى بالرصاص وهم يحاولون الدفاع عن رأس الكنيسة الكلدانية في تلك الناحية. إنه اسلوب أشار احد الحاضرين العراقيين الى انه معتمد من تنظيم "القاعدة" الارهابي الذي لا يوفر احدا من مرافقي من يراد خطفه، مؤكدا ان الامر ليس من تدبير العصابات الكثيرة المنتشرة والتي تقوم بعمليات الخطف لطلب الفدية، بل من الاصوليين الذين ينتهي بهم الامر الى تصفية المخطوف.
والمفارقة ان المجتمعين للبحث في سبل نصرة المطران المخطوف وجدوا انفسهم مجتمعين في حمأة حديث ملتهب وصريح جدا عن هواجس المسيحيين المشرقيين، بدءا من العراق الى لبنان وفلسطين ومصر، حيث يتعرض الوجود المسيحي في رأيهم "لعملية تذويب منهجية قد تؤدي في نهاية المطاف الى زوال الحضور المسيحي من الارض التي نشأت منها البشارة المسيحية”.
وكان كلام على ان هذا الحدث ليس الاول فقد سبقه قتل كاهن وشمامسة وتفجير الكثير من الكنائس المسيحية في مختلف المناطق الشيعية والسنية، ولم يسلم المسيحيون الا في حمى الشعب الكردي "الذي يبدو انه الاكثر رأفة ووعيا بين كل شعوب العراق المتناحرة". واعتبروا ان المسيحيين، او من تبقى منهم، ينزحون بكثافة من كل انحاء الجنوب والوسط وتحديدا من البصرة والعاصمة بغداد في اتجاه مناطق كردستان ولم يبق منهم الا نحو 400 الف يتمركزون في سهل نينوى حيث يحاولون حماية انفسهم بكل ما توافر لهم من علاقات اجتماعية وسياسية والقليل من السلاح، بواسطة ميليشيا صغيرة جدا يقودها أحد التنظيمات الاشورية المسيحية، في حين غادر 250 الفا من مسيحيي العراق الى خارج البلاد في رحلة لا عودة فيها الى كابوس المجازر والابادة الجماعية التي تتهدد اقدم مجموعة مسيحية في العالم، واكثرها تجذرا في التاريخ، تحت انظار الدولة العراقية والاحتلال الاميركي الذي حمل الديموقراطية الى العراق والترحيل الجماعي الى المسيحيين في بلاد الرافدين.
حرب بكل الوسائل
رئيس "اتحاد الرابطات المسيحية" حبيب افرام طلب "ألا يمر حادث خطف رأس الكنيسة الكلدانية وكأن شيئا لم يكن، في حين تتحرك بيروت لنصرة غزة وكربلاء". ورأى "ان الوجود المسيحي في العراق يتعرض لحرب بكل الوسائل، بحيث يكاد يفرغ من مسيحييه"، وشدد على الحاجة الى التحرك معا.
اما الاباتي بولس نعمان، فقد كان الاكثر ادراكا لحجم ما يجري ضد مسيحيي العراق، وقال بكلمات قليلة "ان الوقت قد حان لاجتماع كل المسيحيين المشرقيين للدفاع عن وجودهم المهدد في الصميم”. وكلام نعمان اثار مشاعر الخوف الدفينة لدى عدد من المشاركين الذين تذكروا بصوت عال "ابتزاز المسيحيين من خلال أخذهم رهائن، وتفجير اماكن عملهم لدفعهم الى الهجرة". وكانت دعوة من احد الحاضرين الى مساعدة مسيحيي العراق للدفاع عن انفسهم، في حين شرح آخر ان رئيس الحكومة نوري المالكي اقر اخيرا بأن من حق المسيحيين الحصول على حكم ذاتي لحماية انفسهم، وان الدستور العراقي نص على حقوق كل المجموعات العراقية. وهنا بادر احد الوزراء السابقين من انصار نظام الوصاية الى التحذير من "مغبة الحديث عن الادارة الذاتية للمسيحيين" لسبب لم يفصح عنه، وانسحب عقب ذلك مباشرة لارتباطه بمواعيد أخرى.
سوريا مؤثرة هناك!
الاكثر وضوحا بين الحاضرين كان النائب السابق في مجلس الشعب العراقي الدكتور سعد عبد الرزاق الذي قدم شهادة عما يتعرض له مواطنوه، شارحا انه من الاجدى مطالبة الدولة السورية بالتدخل في قضية خطف المطران "لأنها تسهل انتقال مقاتلي "القاعدة" وتملك نفوذا مؤثرا في تلك المنطقة". وقال: "اذا التزمت سوريا المساعدة في هذا الموضوع فيمكنها ان تساعد". وبادره احد الحاضرين من اللبنانيين: "من الواضح ان سوريا مؤثرة في اماكن مختلفة"، قبل ان يتدخل حبيب افرام ويطلب حصر الموضوع في خطف المطران.
وقال عراقي آخر انه يشعر بالخجل مما يحصل، في حين ان الدستور العراقي واضح وينص على منح الحكم الذاتي للمسيحيين الكلدان والاشوريين في مناطق تجمعهم.
إحدى الحاضرات استغربت ان يمر خبر وفاة امرأة بداء انفلونزا الطيور في اقصى الجنوب المصري مرات عدة عبر شاشات التلفزة في لبنان وعلى مدى يومين، في حين كان خطف المطران بولس مجرد خبر عادي وثانوي في نشرات الاخبار. اما ممثل "الحزب المسيحي اللبناني المشرقي" فقد رأى ان المسيحيين ليسوا "فَضِّة مَشْكَل" بين السنة والشيعة، مطالبا بالفيديرالية حلا للمسيحيين المشرقيين. وردا على سؤال لسامي امين الجميل عن اللاجئين العراقيين في لبنان، كان كلام على "الحاجة الى مطالبة الحكومة اللبنانية بتحسس معاناة اللاجئين المسيحيين العراقيين في لبنان"، وتشديد على ان ما تقوم به الزعامات المسيحية والكنائس المسيحية في لبنان "ليس على مستوى معاناة اخوتهم المسيحيين اللاجئين الى لبنان".
اما البيان الختامي فقد تلاه افرام، وفيه باسم المجتمعين، "رفض ما يتعرض له المسيحيون في العراق من تفجير دور عبادة وقتل رجال دين وخطفهم وتهجير متعمد، وتوجيه رسائل عدة الى الرئيس العراقي جلال الطالباني ورئيس الحكومة نوري المالكي لتتحمل الدولة العراقية مسؤوليتها الكاملة في ضمان أمن كل مواطنيها والحفاظ على الحقوق الانسانية والسياسية وعلى التعددية، وفعل المستحيل لاعادة المطران سالما الى أبرشيته. وكذلك توجيه رسائل الى القيادة الاميركية العسكرية بصفتها مسؤولة عن العراق وفق القانون الدولي، وعن أمنه وأمن مواطنيه، ورسالة الى مؤتمر الخارجية العرب، لدعم العالم العربي والاسلامي والتصدي لموجات التكفير والالغاء، والاعتراف بحق كل الاقليات الدينية والاثنية في عيش كريم حر”.
كذلك قرر المجتمعون توجيه رسالة الى الفاتيكان وجميع المرجعيات المسيحية الروحية "للدعوة الى مؤتمر عاجل حول مصير المسيحية المشرقية، واخرى الى الامم المتحدة، لترسل مبعوثا خاصا لمتابعة مصير هذه الاقليات الدينية والقومية. أوليس هذا من صميم عملها ودورها؟ ألا يستحق خطف مطران بيانا او اجتماعا؟ وتوجيه رسالة الى وسائل الاعلام في لبنان بأن تضيء على قضية المسيحيين على انهم جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمعات والاوطان وإن ما يجري معهم ولهم مرفوض، ودعوة الى كنائس لبنان والشرق لاعتبار يوم الاحد 9 من الحالي يوم صلاة من أجل سلام العراق وبقاء المسيحية أصيلة فيه وفي المشرق. والتوجه الى المرجعيات الدينية الاسلامية في لبنان التشديد في صلاة يوم الجمعة في 7 الحالي، على المحبة وعلى نبذ الخطف ورفض التعرض للدين الآخر واستنكار خطف المطران. واخيرا دعوة المسيحيين في العراق قبل كل شيء الى الصمود ، رغم كل المحن، والتشبث بالارض والتوحد في الرؤية لانهم اذا خسروا أرضهم لن يربحوا شيئا.
وأبقى المجتمعون لقاءاتهم مفتوحة.
• دعت مطرانية بيروت الكلدانية الى "لقاء تضامني مع الشعب العراقي، وخصوصا المسيحيين في معاناتهم اليومية والاعتداءات التي يتعرضون لها، في دار المطرانية بعبدا – برازيليا. يبدأ اللقاء بمؤتمر صحافي الحادية عشرة قبل ظهر غد لرئيس الكنيسة الكلدانية المطران ميشال قصارجي. ويقام قداس العاشرة والنصف قبل ظهر الاحد المقبل في كاتدرائية الملاك رفائيل على نية الشعب العراقي.