رسالة تعـزية
118/2008
14/3/2008
صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال البطريرك مار عمانوئيل الثالث دلي بطريرك بابل الكلي الاحترام
السادة المطارنة الأجلاء أعضاء السينودوس الكلداني المحترمين
أبرشية الموصل الكلدانية
آل رحّو الكرام
ثُمَّ رَجَعْتُ وَرَأَيْتُ كُلَّ الْمَظَالِمِ الَّتِي تُجْرَى تَحْتَ الشَّمْسِ فَهُوَذَا دُمُوعُ الْمَظْلُومِينَ وَلاَ مُعَزٍّ لَهُمْ وَمِنْ يَدِ ظَالِمِيهِمْ قَهْرٌ. أَمَّا هُمْ فَلاَ مُعَزٍّ لَهُمْ (الجامعة 4 : 1)
بقلوب مكلومة، وعيون دامعة، تلقينا النبأ الحزين، استشهاد أخينا الجليل سيادة المطران مار بولس فرج رحّو، بينما كنا نصلي إلى الله في أيام محنته الأخيرة، لينقذه من براثن الأشرار، الذين برهنوا للعالم أنهم من أصناف الوحوش الكاسرة، لأنهم قضوا على براءة إنسان خدم الإنسانية، والكنيسة، والوطن، بكل جوارحه، وبإخلاص منقطع النظير.
إنها صفحة قاتمة جديدة يُضيفها المجرمون إلى الصفحات المأساوية من تاريخ العراق المعاصر، فعوضاً عن التفكير الجاد للعمل معاً من أجل إعادة السلام والأمن والطمأنينة إلى قلوب العراقيين مسلمين ومسيحيين، داخل العراق وخارجه، نراهم يُمعنون في تفتيت العراق وتقسيمه وشرذمته إلى فئات ومجموعات تدك بيدها أسوار هذا البلد الحضاري، الذي عُرف كوطن أنموذج للإخاء الديني، والوحدة الوطنية، والعيش المشترك.
الراحل الغالي الحبيب الشهيد المطران فرج رحّو، ـ وقد عشنا مع بعضنا سنوات في الموصل ـ كان كل حياته مسالماً، محباً للعراق، مفتخراً بأرض الآباء، متمسكاً بتراب الوطن، ومثمِّناً العلاقات الطيبة التي تربط بين أبنائه وبناته من كل الشرائح والأطياف والأديان والمذاهب. صحيح أنه كان متحمساً، غيوراً، مؤمناً، مدافعاً عن كرامة العراقيين، ولكن هذه الصفات أهّلته في أن يختم حياته بالشهادة، فبرهن على حيويته ورؤيته للعراق العظيم الواحد الموحّد، عراق الآمن، عراق المستقبل بكل مواطنيه من كل الأديان، الذين عاشوا مع بعضهم حاملين لواء الوطن في قلوبهم وعاملين من أجل مجده.
صاحب الغبطة....
إنها لحظات صعبة جداً لكل العراق، لكل الأوفياء في العراق، لكل المواطنين في العراق دون تمييز، وهي أيضاً صعبة جداً في هذه الأيام بالذات، والكنيسة الكلدانية تعيش آلام السيد المسيح، فجاء نبأ استشهاد المطران مار بولس فرج رحّو ألماً جديداً يُضاف إلى آلام العراق في محنته الصعبة، وهي أيضاً مرحلة صعبة للكنيسة الكلدانية، لأنها تَخسر أميراً من أمرائها، وحبراً من أحبارها، وعاملاً مُجِدّاً من العاملين فيها، ووجهاً كريماً من وجوه الطائفة العزيزة، حمل رسالة المحبة لأخوته، بل يخسر العراق صورة من صور التلاحم التي عملتْ من أجلها الكنيسة الكلدانية عبر تاريخها الطويل المعمَّد بالدم، ولكنها أيضاً ساعة مجد للكنيسة الكلدانية، لأنها تُضيف شهيداً عظيماً إلى شهداء العراق الخالدين في كل تاريخه، خاصة إلى الكهنة : الأب بولس، والأب رغيد، والشمامسة، والمرافقين للراحل العزيز، وغيرهم ممن استشهدوا على مذابح الخدمة والعطاء والمحبة من أجل العراق. وأرجو أن يكون استشهاد الأخ المطران فرج رحّو ورفاقه، شهداء القرنين العشرين والحادي والعشرين في العراق، سبب ترسيخ للإيمان، وتثبيت للعقيدة، ودعم لفكرة البقاء عند المسيحيين في العراق بصورة خاصة، والعيش تحت كنف المواطنة الصالحة، لأن شهادتهم تنفع كلَّ مسيحيي الشرق الأوسط.
فبينما أعزي غبطتكم، وبواسطتكم الأحبار الأجلاء، أسأل الله أن يَمُدَّ في أعماركم لتقودوا دفة الكنيسة الكلدانية إلى ما فيه الخير والعز والديمومة، لتتواصل في عروق أبنائه دماء الحضارة النهرينية، وثقافة الآباء الميامين.
وأعزي بواسطتكم أبرشيته المكلومة الجريحة الممتدة على خشبة الآلام في هذه الأيام.
وأعزي أخوته المطارنة في مدينة الموصل، وكل المسيحيين في هذه المدينة العريقة الحبيبة، التي أعطت للعراق هذا الشهيد الجليل.
وأسأل الله أن يتغمد راحلنا الشهيد المطران مار بولس فرج رحّو بواسع رحماته، ويجعل مثواه مع الأحبار الراحلين، والعاملين المجدين، والشهداء الأبرار، وفي أحضان شهداء المشرق القديسين، ومع كلمات السيد المسيح اختم : أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا (يوحنا 11 : 25).
المطران يوحنا ابراهيم
رئيس طائفة السريان الأرثوذكس بحلب