جولة في اروقة الأمسية الشعرية
للشاعر ميخائيل ممو
بين جمهور متعدد اللغات تألق الأديب الشاعر ميخائيل ممو في أمسية شعرية نظمت له ضمن البرنامج الثقافي في المكتبة العامة بمنطقة روسلت في محافظة يونشوبينغ في السويد مساء الأربعاء المصادف 16 تشرين الثاني 2005 ، انطلق فيها محلقاً على أجنحة الشعر بموازنة البحور الشعرية المتمثلة في لغات ثلاث هي الآشورية/السريانية والعربية والسويدية على مدى ساعتين مراوحاً في تنقله بين عوالم جزر تلك اللغات ليشد انتباه الحضور مع بنية الوعي وعناصر الحركة وسيمفونية المطاوعة مستلباً أياها من معاناته التي نبتت جذورها في ارضية صلدة عاصر فيها ظروفاً اجتماعية وسياسية ونفسية حادة في مرحلة تاريخية متمثلة بمخاض الولادة الأدبية في الوطن الأم ، وعلى وجه الخصوص بما استنبطه من محطات الماضي ومعايشاته المتفاوتة من عمق التجارب التي دونها على صفحات ذاكرته متجسدة فيها صور النخيل الشامخ وخلود الأساطير ولهيب الصحارى الجرداء. ثم نراه وقد باغتنا بإنتقاله محلقاً في أجواء كوكب آخر غطت مساحاته الثلوج مصاحباً قساوة الزمهرير ومتأملاً الحياة الجديدة بمكونات البنية الدلالية والمعرفية لصفات الانسان السويدي وطبيعته المتميزة ، معتمداً ألـْحِـفـَة الأنسانية والحرية والديمقراطية للتخفيف من حدتها على نسيان الماضي الأليم ، حيث جعلته يمتطي فرساً آخر مخاطباً أياه بلغته السويدية التي أوصلته الى الواقع الممكن ليتفوه بعبارات توجت قصائده بعناوين ذات مضامين ايجابية متفاوتة مخاطباً فيها على سبيل المثال الكتاب الأسير الذي لاقى الظلم والكتمان في موطنه الأصلي ليجتاز الحدود خفية ليصل بالتالي الى عالم مغاير مصورّاً أياه لاجئاً في معسكر اللجوء السياسي / الأدبي المتمثل بالمكتبة العامة.
هذا ما لمسناه عن كثب في الأمسية الشعرية المتميزة التي شكلت مفاهيم الـتآخي والتقارب في بناء الوحدة اللغوية في معترك الشعر والأدب. ولكي يكون الحضور أكثر مقربة وانسجاماً من الواقع المعاش لهذه الأمسية ، تفضل السيد جبرائيل مركو وأبان عن فقرات البرنامج ، ومن ثم تبعة المشرف السويدي على ادارة الأمسية السيد بينكت البرتسون ليرحب بالحضور ملقياً الضوء على سيرة الشاعر الضيف مشيراً للكتب التي نشرها واحتوتها المكتبة السويدية ، ومن ثم استطرد قائلاً : ان ما يدعني أتساءل مستغرباً هو أن يكتب ميخائيل ممو بثلاث لغات... يمكنني القول بهذا الشأن بأن عقله يشكل مثلثاً متساوي الأضلاع مثمثلاً كل ضلع بأحدى تلك اللغات لتجمع كل زاوية مجموعة شعرية لذاتها.
وعن العلاقة التي تجمع بين هذه اللغات قال: بأن لغته الأم هي الآشورية ، تنبع من عمق نصف دماغة أو عقله الأيسر لكونها الأقرب الى قلبه ، والعربية تنبع من ثنايا النصف الأيمن الأشد إحساساً ومقربة لأنامله المتطبعة بالكتابة السليمة ، والسويدية تتخذ موقعاً وسطياً من منبع النصفين لتتمثل باللسان كلغة محكية يومياً في عالمه الجديد الذي يناصف ما عاشه في عالمه القديم. كما وأن السيد بينكت دعم تعليقه بقراءات شعرية منتقاة من النصوص السويدية التي صاغها الشاعر ممو في فترات متفاوتة ولأغراض متعددة ، اضافة لعدد من القصائد المترجمة من السويدية الى العربية لشعراء سويديين أمثال دان اندرسون وكاي بولاك ، حيث شاركه المترجم الذي هو ضيف الأمسية بقراءة النص العربي والآشوري بالتناوب بين فقرة وأخرى ، مستهدفاً من ذلك التمييز الإيقاعي فيما يخص الموسيقى الداخلية للنصين وانعدام القافية في الترجمة وليميز السامع طريقة القراءة الشعرية ومدى تأثيرها عليه.
كما وتضمنت الأمسية مشاركة الشاعر العراقي عباس القزاز بتجسيد مشاعره الفياضة من خلال قصيدة متميزة بعنوان " الشمعة " مهداة لزميله ميخائيل اعجاباً بكتاباته ونشاطه وممارساته في الحقل الأدبي. نقتطف منها المقطع التالي :
في بلاد الرافدين
مذ عرفناهُ .. عرفنا
إنّهُ طيبٌ من الأطياب
تحضنهُ السنين
مفعمٌ بالكبرياء
مثل تمّوز العطاء
وهْو من عمق الجروح
لانبالي .. إذ نبوح
باسمهِ الميمُ مودّة
ياءهُ ينبوع عشق دافق لازال بعده
ثمّ خاءٌ كالخليل ..
يحسنُ الصحبة قصده
ألِفٌ يتلو خطاها
ألفة الأحباب عنده
وعلى وقع جميل
جاءت الهمزةُ والياءُ ولامٌ
تختم الإسم الأصيل
فغدا .. ميخا ..و .. ئيل
صارَ إسماً علماً
ميخا وئيل
طيّب المعشرِ فينا
هو منّا وإلينا
بعد ذلك اعتلى منصة الشعر الأستاذ ميخائيل ممو ليتولى دوره في قيادة سفينته بغية الإبحار والإسترسال في هذه الرحلة المسائية منتقياً قصائده من فترة منتصف الستينات ومروراً بالعقود التالية ، قاطفاً زهوره المتفاوتة الألوان والعطرة الرائحة من رياض شعره الغزلي والإجتماعي والقومي والوصفي بفروعه المألوفة بالقصيدة العمودية والقصيدة النثرية وقصيدة التفعيلة من الشعر الحديث لينشر شذاها بإداء متفاوت في تموجاته الإلقائية التلقائية التي شدت السامعين للأصغاء بدقة والرحيل مع مضامين الكلمة السارحة ونغمات الناي وتقاسيم العزف الزامفيري.
ما يمكننا القول بأن الحضور الذي كان أغلبه من متذوقي الشعر والمدرك لأهمية الآماسي الثقافية كان قد امضى امسية جميلة ، تفاعل من خلالها وأجواء الذكريات التي ترسبت في ذواتهم ومخيلتهم وأثنوا على الشاعر المبدع ميخائيل ممو بما رسمه في ذاكرته مآثر لها وقعها ، آملين منه المزيد من هذه الرحلات الفكرية في عالم الأغتراب.[/font][/size]
جمهور الحاضرين في قاعة المكتبة العامة في منطقة روسلت بمحافظة يونشوبينغ في آذان صاغية للقراءات الشعرية
[/color][/font][/b][/size]
السيد بينكت مدير الأمسية يتلو سيرة الشاعر ممو ورحلته مع الشعر
[/color][/font][/b][/size]
السيد جبرائيل مركو يستعرض برنامج الأمسية
[/color][/font][/b][/size]
بينكت يقرأ قصائد ممو بالسويدية الملقاة بالسريانية والعربية
[/color][/font][/b][/size]
الشاعر عباس القزاز يلقي قصيدة يحيي فيها الشاعر ممو
[/color][/font][/b][/size]
الشاعر ميخائيل يشنف آذان الحضور بلغات ثلاث على أنغام موسيقية هادئة مككلاً بذلك الشعر والموسيقى في هيكل الكلمة
[/color][/font][/b][/size]