وقفة مع شهيد عصر الانفلات الامني
مار بولص فرج رحو
أديب سليمان
قبل ان أخوض في كتابة هذا الموضوع سأستعين بقراءة من القرآن الكريم من سورة المائدة (81و82) تتطابق ولحد بعيد مع استشهاد الاسقف الراحل بولص رحو"لتجدن اشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود والذين اشركوا، ولتجدن اقربهم مودة للذين امنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون واذا سمعوا ما انزل الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشهيدين"
جملة أمور هزت كياني خلال متابعتي لمجريات الجريمة النكراء التي راح ضحيتها ثلاثة من شبابنا الابرياء ، و خطف اسقف جليل وراع صالح في مدينة الموصل،حيث كان يرأس أسقفيتها، ثم تصفيته بشكل مروع يدعو الى الدهشة والاستغراب. أما البيان المقتضب الذي أدلى به ممثل وزارة الدفاع مسؤول عمليات الموصل فقد كان بمثابة التصريح بطيّ كل ملفات الجريمة المقرفة هذه واعتبارها من الجرائم التي تعود الشعب العراقي على سماع تفاصيلها كل يوم ، وما أن توارى جثامين المجنى عليهم الثرى؛ حتى تبدأ الذاكرة العراقية بتناسيها ،لأنها تكون مشغولة بأمور يومية حياتية اخرى كالكهرباء والبنزين وغيرها ، فمن شاشة فضائية عشتار أطل علينا العميدخالد عبدالستار المتحدث الرسمي بأسم وزارة الدفاع مركز عمليات نينوى بتصريح مفاده "تيسرت لدينا معلومات حول وجود اتصال ما بين الخاطفين وجماعة مقربة من المطران وعلمنا بطلب مبالغ كبيرة جدا كفدية ولكن للأسف حدث إخفاء لهذه المعلومات عن القوات الامنية المكلفة بعمليات البحث وفي الساعة الثالثة يوم الخميس 13/ شباط الجاري تسلم الطب العدلي جثة المطران فرج رحو من قبل وكيل المطرانية ،حيث تم العثور عليها في حي الانتصار" ولا ينسى الضابط توجيه نصائحه للمواطنين بابلاغ الشرطة ،بكل ما لديهم من المعلومات وعدم إخفاء اية معلومة، ،قد تكون مهمة في الوصول الى الجناة .
لا أدري بأية عقلية يتصرف هؤلاء الحكام والمسؤولون الامنيون تجاه قضية كبيرة وشائكة كقضية استشهاد الاسقف الجليل بولص فرج رحو؟ هل يتصرفون بعقلية رجل البوليس المحنك كالبوليس البريطاني والامريكي الذي والحمد لله أصبح من أقرب أقربائنا ؟وعلى الاقل تقدير من الجائزوالضروري قد تعلمنا منهم بعض خصالهم البوليسية الجيدة ، أم بعقلية العراقي الذي بات قلقا على حياته ووجوده ولوكان في داخل مراكز شرطتهم؟ ألم يسمع أخونا الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع أن رجال الكنائس وجميع المسيحيين في جميع انحاء العراق وخاصة في الموصل مهددون؟ وقد أتخذ منهم مشاريع للقتل والترويع ، وتطلب منهم الجزية مقابل مكوثهم في ديارهم ، وفي وضح النهار؟وهل يستطيع هذا المسؤول الامني أن يذكرلنا أعداد العوائل المسيحية المهجرة من مدينة الموصل وتسكن في أقليم كردستان أو في أطرافها وما هي الخطوات العملية التي أتخذت من أجل أعادتهم ، ومتى؟ وما هي المساعدات التي تلقتها هذه العوائل من لدن حكومتنا الوطنية ( الله يحفظها)؟ وكيف أقدمت على الهجرة؟ ومن الذي اجبرها على ترك الديار؟ وهي محملة بعشرات القصص المؤلمة والمفجعة ، أم يخشى على نفسه من الخروج لاستقصاء الحقائق ؟ والكل يعلم وحسب ما يذكر في الاعلام أن هناك تحشيد لقوات هائلة في الموصل للبدء بعملية عسكرية كبيرة مشابهة لما حدث في بعض مدن شرق وغرب العراق ،ولم تبدا العمليات لحد الان ، والكل يعلم أن يوم الذي اختطف فيه الاسقف الشهيد كان ذات اليوم (29 / شباط – الجمعة)الذي تزامن مع زيارة رئيس الوزراء الاستاذ نوري المالكي لمدينة الموصل للأطلاع على التحشيدات العسكرية وغيرها من الامور، لربما الذي خدم في الجيش يعلم أكثر مني ، في وسط عسكري ، كله ملغم بالقوات والدروع ، والخوذ الفولاذية أو البلاستيكية ،ووسط زيارة كبير القوم وما يحضر لها من دعم عسكري كبير ، وسط كل هذا تتمكن شرذمة مجرمة من اختراق الصفوف وفي وضح النهار وأمام الملأ لتمطر بوابل من الرصاص سيارة شهيدنا وبقرب سيطرة للقوات الامنية ليتم بعدها اختطافه ،ثم الاعلان عن العثور على جثمانه الطاهر ملقى في حفرة ،وحسب بعض الروايات ، أن لم يتصل الخاطفين ليبلغوا عن مكانها لما كان بأستطاع من أنتشلها بالوصول اليها ،وحتى عندما أتصلوا نصحوا هؤلاء بعدم البحث عنها ليلا لأن قواتهم منتشرة في تلك البقعة ليلا ولديهم أعمال الدورية وما شاكل ذلك ، تصورو معي أخي القاريءأضافة لأستشهاد ثلاثة شبان أبرياء ،كانوا برفقة الاسقف الشهيد ، بدون أن تتحرك هذه القوات المعدة للهجوم الكاسح المنتظر،والكبيرة جدا ، للتطلع على الاقل عن كثب لما يحدث في هذه المحلة التي تدعى (حي النور)أو حي الانتصار ، هل يضحكون على ذقوننا أم ماذا ؟ كل مرة يطالعوننا بمقولة ثم يناقضوها بأخرى ، قالوا المسيحيين شأنهم شأن أخوانهم المسلمين، الكل مستهدف في عراق اليوم ،ولكن أن كنا جميعا هكذمستهدفون لما لا يطلب من الجميع الجزية أومغادرة الوطن كما يطلب من المسيحيين؟ إذا كنا جميعا سواسية أمام الارهاب الذي بات يشمل الكل بظلامه فلماذا هذه الفتاوى التكفيرية و الداعية الى انهاء الوجود المسيحي واستئصاله من الوطن ؟..واليوم بعد اقتراف هذه الجريمة البشعة بحق الاسقف الشهيد ، يقول السيد الناطق باسم وزارة الدفاع ، بأن المقربين من الاسقف الشهيد ،أخفوا عن الجهات الامنية طلب الفدية ، وكأنهم يريدون أن يقولوا: الذنب ذنبكم لماذا لم تعاونونا على القبض على طالبي الفدية ،حقا انها مهزلة كبرى وتلاعب رخيص بعقول وعواطف شعبنا ،لقد حصلوا على معلومة أنهم طلبوا الفدية، ويبدو أن هذه المعلومة الخطيرة عند الحكومة كبيرة جدا مع العلم ، معظم وسائل الاعلام وفي مقدمتها عنكاوا كوم قد كتبت بشكل علني أن المختطفين يريدون فديةكبيرة ، وبناء على توصيات من الرئاسة ومن القادة راحوا يبحثون عن الجناة ، لو أنهم فعلا بحثوا عن الجناة ،لما سمحوا لهؤلاء المقربين ( حسب أدعائهم ) بمفاوضة الجناة أولا وكان يجب أن يتم مسك كل حيثيات وتفاصيل الجريمة ، وأن تتم كافة الاتصالات عن طريق غرفة عمليات خاصة تعمل ليل نهار ،لو أنهم صادقون حقا بما يدعون ما سبب تقديمهم لمثل هذه التبريرات التي هي أقبح من الذنب ذاته؟ ألا يعرفون بأن المواطن لوتعامل في مثل هذه القضايا الخطيرة كدفع الفدية وغيرها يمكن ان يرتكب أخطاء قاتلة ، لعدم معرفته بالامور الامنية، وتخوفه من ايصال المعلومة الى الجهات الامنية يكمن في عدم ثقته بهذه الاجهزة ، لأن مشكلتنا الرئيسية في العراق تكمن أولا، بأن معظم هذه الاجهزة مخترقة من قبل الارهاب والارهابيين ..
شاء هذا الناطق باسم وزارة الدفاع أم أبى ونحن أيضا شئنا أم أبينا ومعنا جميع الذين يودون التقليل من شأن مثل هذه الجرائم أو تسويفها بحجة ان العراق كله مهدد ،وأن المسيحيين يجب أن يكونوا حمامة السلام وحتى لو أستمر ذبح هذه الحمامة عشرات المرات .. لو دققنا النظر بالحال التي الت اليه المسيحية نجد بأنها تمر بأسوأ ازمنتها لا فقط في العراق وحده وأنما في جميع بلدان ذات الاغلبية المسلمة ، وبتنا نحن ( مسيحيو المشرق) للأسف ندفع ثمن صراع الغرب مع الشرق كما تروج له وتسميه الكثير من الدوائر التي لا تريد التقدم لدول الشرق أو التي تدعى بدول العالم الثالث ، وبات همها الاكبر انهاك هذه الدول بالصراعات الطائفية ، لتبقى الى الابد في تخلفها عن ركاب العلم والحضارة ولتضل كل حياتها تابعة ذليلة لها ، ولتكون العملية سهلة وبدون شبهة او أي اثر رجعي ورخيصة في آن واحد، فما عليهم سوى تأجيج بعض النعرات الدينية والطائفية ،واستخدام بعض الجهلة والاميين المغرر بهم من التيارات الاسلامية المتشددة والتكفيرية ، لتجنيدهم باسم المحافظة على القيم الدينية والمعتقدات وزجهم في عمليات دنيئة الغاية عند مرتكبيها تصفية العملاء ،والمسيئين الى الاسلام وقيمه السمحاء والاسلام الاصيل المستند الى القران الكريم والسنة النبوية منهم براء طبعا ، أما الثمن الفادح الاخرفهوما يقع على المستهدفين بمثل هذه الحملات الترويعية ..
لنعد قليلا الى التاريخ، تؤكد جميع المصادر بما لا يقبل الشك ، أن وجود المسيحية في بلاد ما بين النهرين وعموم الشرق ، يمتد الى القرن الاول الميلادي والتلميذ الذي جاء يبشر بها هو مار توما الرسول ، وهذا الوجود تعرض الى أعتى وأعنف الاضطهادات عبر جميع العصور ، وجميعها كانت مغلفة بالعامل الديني ،فمن أجل المحافظة على الدين يتوجب أبادة معتنقي الاديان الاخرى ، وبحجة المحافظة على الامن القومي لقوميتك فما عليك إلا أن تسحق القوميات الاخرى وتعمل على صهرها وإذابتها في القوميات الكبيرة والقوية والكثيرة العدد. لقد باتت هذه العقلية تسود في الشرق للأسف لها مريدوها وأنصارها ودعاتها حتى بين المثقفين ، كل الاضطهادات التي حصلت في التاريخ يعلل مرتكبوها أسباب تصفية المسيحيين وغيرهم بأنهم عملاء لدول الغرب او للدول التي غالبية سكانها من المسيحيين ، فقد وصموا بعمالتهم لبيزنطا وتارة أخرى لروسيا القيصرية وطورا لفرنسا وأخرى لأنكلترا وهذه المرة لربما يوصمونهم بالعمالة للأمريكان ، لأنهم تآمروا على الشعب العرافي وجلبوا الدبابات الامريكية لتحتل العراق ليسرحوا ويمرحوا ويعيثوا فيه فسادا. إن هذه التهم تتكرر في كل زمان ومكان حسب قرب المكان من هذه الدولة او تلك.
سوف لا اناقش ماذا حدث وكيف في الماضي البعيد ، لأن هذه أصبحت ذكريات قديمة ، ولربما فتح هذه الملفات السوداء سيكون ضررها أفدح علينا اليوم ، ولكن ما أريد مناقشته ما يحدث لنا اليوم..
الجيش الامريكي الذي جاء الى العراق ليس بجيش مسيحي كما كان ابان الحروب الصليبية ، كما يصوره البعض من مثيري الفتن ، لأن لأمريكا مصالحها وأجنداتها وهذه المصالح والاجندة لا تتفق ولا تتجانس مع الدين أي كان هذا الدين ، بل أغلبها يتقاطع أويتعارض مع الدين، وفي أمريكا لا يوجد دين رسمي للدولة كما هو عندنا ولا أحد يعترف بسلطة الكنيسة ورجالاتها ،و للكل حرية وحق ما يعتقد به من معتقدات . هذا بالنسبة الى أمريكا أما نحن ابناء المسيحية المشرقية فقد تربينا على ذات القيم والمباديء التي تربى عليها اجيال من أخواننا المسلمين ، نحن نمتلك ذات العلاقات الاجتماعية المحافظة والعشائرية التي لا تزال سائدة في مجتمعاتنا سواء عند المسلمين او المسيحيين وعلى السواء،وما نشاهده عبر بعض وسائل الاعلام اليوم من مظاهر غربية ، انما نعتبرها طارئة وهي قد دخلت علينا عبر وسائل الاعلام وغيرها ولم تسلم المجتمعات الاسلامية منها أيضا، لأنها إحدى مظاهر العولمة كما يصفونها . أما موقفنا تجاه الغرب وأمريكا والقضايا الاخرى مثل القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا التي تهم منطقة شرق الاوسط برمتها ، فلا أتصور مطلقا بأن هناك مسيحياً سواء في رام الله وبيت لحم أم في عنكاوا يستطيع أن ينكر الحق الفلسطيني المغتصب في أرضه ، فقد نشأنا سوية واشتركنا في معارك 1949وحرب حزيران وتشرين وذقنا مرارة الحروب وويلاتها وأصابنا ما أصاب غيرنا من شهداء ونكبات وغيرها وسفكت دماؤنا سوية مع أخوتنا المسلمين ولم نبخل بالتضحية من أجل الوطن يوما وكانت حتى كنائسنا ، ترشدنا منذ الطفولة على حب الوطن والدفاع عنه إذا ما تعرض لأعتداء ، وما يؤخذ على هذه الكنائس ورجالاتها بأن ما قدموه للثقافة والفكر العربي يفوق عدة أضعاف ما قدموه للغتهم وثقافتهم القومية ، وجل هؤلاء الاباء الرهبان والكهنة والاساقفة يصرحون بأنهم عرب أقحاح ، يخدمون بصدق وتفان القضايا العربية ،فأين تكمن هذه العمالة لأمريكا وقد غرست في أذهاننا عبر جميع المواد الدراسية منذ الروضة ولحد ألان ، بأن الصهيونية وأمريكا هما أساس كل أوجاعنا ومصائبنا؟ فلولا الصهيونية لعادت ألينا ثرواتنا وتمتعنا بخيراتنا ، ولرجعت فلسطين المغتصبة ألى أهلها الشرعيين وأصبحت بيوتنا وحارتنا مضيئة بالكهرباء ،وسياراتنا الفارهة مملوءة بالوقود ولا زلنا نعتقد من خلال التربية التي زودونا بها ، بأن أسرائيل هي سبب مصائب في العالم أجمع و بأستطاعتها أن تعمل ما تريد ، وكأننا بهذا نخلق لها سلطة الخالق ، ومن يعارض هذا ، سوف ينعت بالعميل والجاسوس للأجنبي وبأنه خطر على الامن القومي يا ترى نستطيع نحن المسيحيين معارضة كل هذه المباديء التي نشأ عليها الشرق وترعرع متغذيا على حيثياتها ؟ فمن الطبيعي جدا وسط هذه المفاهيم السائدة مننذ اكثر من قرن من الزمن أن ينسحب على السكان المسلميين وغيرالمسلمين هؤلاء نتيجة الاضطهادات المتلا حقة في هذه المجتمعات أصبحوا يوصمون تارة بالأقلية وطورا بالطائفة و لا بد ان تعمم عليها ذات المفاهيم السائدة؛إذن أين يكمن الخلل ؟
الخلل في رأي لا يكمن في القوميات والمكونات الصغيرة و افكارها ورموزها وتطلعاتها ،وإنما الخلل يكمن في تفكير الاكثرية التي تود فرض ما لديها من معتقدات ومن أفكار ورموز ، تارة عن طريق سن الدساتير والقوانين التي تخدم اهداف وتطلعات الاكثرية ، وأن لم تنفع هذه القوانين والدساتيرفي أخضاع الاقلية والانتقاص من حقوقها ، ومن تمثيلها في العديد من مفاصل القيادات العليا في قيادة البلدان المشرقية ، تلجأ هذه الاكثرية الى أساليب التصفوية أوعن طريق ممارسة الضغوط والتعسف والانتقاص من حق الاقلية سواء الدينية او القومية ،ومن أجل حفاظ ابناء القوميات الصغيرة على ارواحهم يلجأ هؤلاء الى بعض الامور منها
1- الهجرة وترك الاوطان وهذا يتم أما بشكل جماعي كما حدث لشعبنا أبان الحربين الكونيتين وبعد جريمة سميل 1933 أو عن طريق الهجرة الفردية كما حدث ابان السبعينيات وربما قبلها ، لتلكيف ولكثير من مناطق تواجد أبناءشعبنا وكذلك ما نشهده منذ 1990 ولحد يومنا هذا من هجرة منظمة أومتقطعة وحتى من أقليم كردستان الذي يختلف من حيث الامان والاستقرار عن بقية مدن وقصبات العراق.
2- قد يلجأ المضطهد الى حمل السلاح والدفاع عن وجوده وحياته أن عجز القانون عن حمايته ، وهذا شأن كل الكائنات الحية فعندما تجدمكامن الخطرتحدق فيها ، تعد نفسها للدفاع ودرء الأخطار هذه والمسيحيون في هذا الشان أي حمل السلاح والدفاع عن انفسهم ، في تصوري لا يقدمون عليه الا بعد أن تستنفذ كافة الطرق الاخرى وفي مقدمتها طريق القانون والحفاظ على الحياة والوجود بواسطة قوة القانون وقوة الدولة . وان أقدموا على هذا الفعل مرغمين فأنهم ليسوا أقل شأنا في حمل السلاح والدفاع عن الذات عن غيرهم، لاسيما وقد خبروا فنون القتال والمعارك نتيجة تجاربهم الطويلة سواء في الخدمة العسكرية والحروب التي خاضها أبناؤهم أو من خلال عمليات الكفاح المسلح ضد النظم الدكتاتورية، وتطلق اليوم بين الحين والاخر دعوات تدفع أبناءنا لحمل السلاح لحماية أنفسهم ،رغم المصداقية والاهمية التي نوليها لمثل هذه الدعوات ، وخاصة إذا كانت صادرة من الداخل ، ومن أشخاص يمكن أن يجعلوا من هذا الامر حقيقة وذلك عن طريق انخراطهم هم أنفسهم بهذا الطريق أو دفع أحد أبنائهم في مقدمة من يحمل السلاح ، أما الدعوات عبر الانترنيت ومن ابنائنا في الخارج ،فهذه الدعوات الريمنتكونترولية ،ليس من حق مطلقيها إملاء هذه الطريقة أو غيرها على من هم في الداخل ،إلا في حالة قرارهم العودة ووضع أنفسهم وأمكاناتهم ، في طليعة من يحمل السلاح دفاعا عن النفس ، وهذا في تصوري ،لن يحدث لأن أكثر من يطلق هكذا دعوات قد غادرنا وهاجر ، تحت ظروف أقل تعسفا ، فهو لم يتحمل بعض شظف العيش إبان الحصار الاقتصادي فكيف به يعود اليوم ليحمل السلاح الذي ينصحنا بحمله؟ ولكن مع هذا ومع ما يحمل تحقيق هذا المطلب من صعوبة ، يبقى هذا الاحتمال قائما لحين اكتمال بعض متطلباته ،وخاصة أذا ما أستمرت هيبة الدولة ومؤسساتها في التدهور المستمر .
3-هناك طرق اخرى تلجأ اليها الاقليات في مثل هذه الحالات كالتحالفات وإيجاد الانصار من ما بين القوى المتنفذة والكبيرة ، في الماضي كانت هذه الاقليات الدينية تعقد مثل هذه التحالفات مع العشائر القوية وكثيرة الافراد، اما اليوم فيمكن أن تلجأ الى القوى السياسية أو حتى الدينية المعتدلة من الجهة المقابلة.
كل ما ذكرناه يمكن ان تلجأ اليه الاقلية المسيحية وتجربه اليوم ، وخاصة في حالة غياب القانون ،وعدم تمكن الدولة من فرض الامن والامان ، وأن أستطاعت الدولة في بسط نفوذها كما هو الحال عليه في اقليم كردستان على سبيل المثال ،نجد ان ابناء هذه القوميات الاصيلة يكونون في طليعة أبناء الوطن متفرغين لبناء الوطن وخاصة ، أنهم يتميزون عن أقرانهم لما يتمتعون به من علم وثقافة، وهذ التفرغ للبناء والاعمار لا يتم ألا حينما يتحقق السلام ويعود الامان والشعور بالطمأنينة على مستقبلهم وحياتهم .