هل الاقتصاد العالمي في طور التراجع ؟!
بقلم: بيير حنا ايواز – حلب
يبدو أنه كذلك في هذه الفترة .. حيث يتفق معظم الخبراء على واقع وحقيقة التراجع ( تباطؤ )، ولكنهم يختلفون في رؤية مسارين متعاكسين: منهم من يرى ( تشاؤميا ) بحيث يعتقد بأن هذا التراجع سيتزايد مؤديا إلى انهيار مشابه إلى الانهيار ( او الكساد ) الاقتصادي المالي الكبير في أزمة عام ( 1930 ) الشهيرة في القرن الماضي والتي أدت لاحقا بشكل غير مباشر إلى حرب عالمية ثانية. وهناك على النقيض من ذلك ، من يرى بأن طور التراجع هذا حاليا سيكون قصيرا ومعتدلا وستتفعل القوى الاقتصادية ( عالميا ) لتجاوزه والانتقال إلى طور التعافي واسترداد طور النمو والازدهار وفق ديناميكيات وآليات حركة الدورة الاقتصادية العالمية العامة.
الاقتصاد السياسة المناخ:
والسؤال هو: ما هي الأجندة ، أي جدول وبرنامج عمل المنتديات الاقتصادية العالمية في الآونة الأخيرة ، وذلك المنتدى الأخير الذي انعقد في / دافوس / السويسرية في قلب القارة الأوروبية الباردة ؟!
المنتدى في الواقع على 3 محاور أساسية: الاقتصاد ، السياسة ، المناخ ، وبالتالي البحث في أهم المتغيرات العالمية وبالأخص فيما يتعلق بحالة ( الارتخاء ) الاقتصادي العالمي حيث كلمة الارتخاء هنا تعني: الركود ، التراجع ، الكساد ، وحتى الأزمات المصرفية في الأسهم والسندات والأوراق المالية وغير ذلك .
اقتصاديات القاطرة والمقطورة:
المنتدى يبحث في ما يسمى بخطة ( تحريضية ) عبر محرضات أو منبهات أو حوافز بهدف إنعاش الاقتصاد العالمي ومؤشره الأمريكي الذي يشكل حوالي ثلث العالمي . وكلمة ( الخطة ) هنا تعني في واقع الأمر الحد أو التقليل من الأضرار في الفوضى الاقتصادية العالمية وفي قاطرتها الأمريكية ، ولكنها ليست خطة ( تخطيط ) اقتصادي إنتاجي وإنما حاليا هي خطة
( مهدئات ومسكنات ) أولا ثم خطة إقلاع ودفع للقاطرة بالمقويات اللازمة .
الإنعاش بطريقة دولار لكل فرد:
من إحدى محاور المنتدى كان بعنوان ( نفط اقل جليد اكثر في القطب المتجمد الشمالي ) وهذا محور ( المناخ ) والمتغيرات والتخوف من ذوبان الجليد القطبي واحتمالات إغراق أهم الموانئ البحرية في العالم مستقبلا ، ومحور آخر يقترح مثلا توزيع ( ألف ) دولار لكل مواطن فرد أمريكي مع شرط صرفه بسرعة وذلك كوسيلة مباشرة فورية لإنعاش أو لوقف التدهور أو كتدبير إسعافي أولي . وقد رد أحد الخبراء الظرفاء على هذا الاقتراح ( المميز ) بقوله إن كامل المبلغ في فترة قصيرة سيذهب أو يكون في جيوب الصينيين وليس في الأسواق الأمريكية أو القاطرة الأمريكية التي تشد الاقتصاد العالمي الأساسي ( الأوروبي الأمريكي ) .
المنتدى الساخن في دافوس الباردة .. حيث برميل البترول ما زال يدفئ قاعات هذا المؤتمر العالمي ذاته إلى إشعار آخر .
مؤشرات ومظاهر ومخاوف التراجع الاقتصادي:
في أمريكا قالوا وما زالوا يقولون: إنه الاقتصاد .. إنها مخاوف التراجع الاقتصادي ( ريسيشن ) ، سبع سنوات رخاء تليها سبع سنوات عجاف ، وتتزايد المخاوف الأمريكية ( ومعها العالمية ) في احتمالات انتقال الاقتصاد الامريكي من حالة الركود ثم التراجع على شكل ساسلة فوضوية متتالية بسبب ازدياد المديونيات ونفقات الدخول الباهظة في حروب عدوانية ومشاريع للهيمنة على العالم.
والمؤشرات تظهر بوضوح الهبوط المستمر لقيمة الدولار ولغاية دخول البنوك والمصارف الأمريكية ( العالمية ) مرحلة ( المشاكل ).. ولغاية ترقب البعض من الخبراء ( الأزمة الكبرى ) ما لم يتم تدارك الأمر ..
التراجع لغويا واقتصاديا:
لغويا يعني الانحدار ، الانعطاف للأسفل ، واحيانا بمعنى الانهيار او التفكك .. وكلها معان معاكسة لمفهوم ( الطفرة ، الرخاء الرفاه ).
اقتصاديا وإذا كانت الطفرة تعني النمو والازدهار ، فإن التراجع يعني ذلك الطور من الدورة الاقتصادية والذي معه لا تتحقق أية زيادة في الناتج خلال فترة زمنية معينة ، ثم يكون التراجع مثلا ، ( 17 ) بالمئة تراجع خلال ( 9 ) أشهر متواصلة ، ولكن ليس كل تراجع اقتصادي بالضرورة يؤدي إلى انهيار ، حيث التراجع الاقتصادي له نوعان: أولا التراجع المعتدل ويكون عادة على المدى القصير بحيث يتراجع الناتج وتتزايد الأسعار وسرعان ما تتحسن الأمور ويتم تلافي الانهيار . ثانيا التراجع الشديد ، بمعنى أن الاستقرار الاقتصادي قد يصادف في مساره حالات تراجعات معينة وفي حال اشتدادها تتحول إلى الانهيار.
كساد عالمي كبير مرتقب 2009 :
عندما تهتز القاطرة الاقتصادية الامريكية .. لا بد من أن تتأثر كل المقطورات خلفها أو حتى بجانبها .. وهذا تحصيل حاصل لا جدال فيه ، ولكن هناك مقطورات تحمل في طياتها ( قاطراتها الذاتية الخاصة بها ) والتي في نقطة محددة تنفصل عن القاطرة وتسير في مسارها .. مثل الصين والهند وروسيا واليابان .. والعالم اليوم في عصر ( الخيارات المفتوحة والمتاحة ) ، وليس صحيحا ابدا كما يروج بعض الإيديولوجيين ( الجدد ) بأن العالم كله سوف يدفع ثمن او كلفة ( الرفاهية ) الامريكية ! تلك الرفاهية ( التي أصبحت رجعية ومتخلفة ) والتي تستورد اكثر مما تنتج او تصدر وتتورط في حروب عبثية غير محددة الاهداف استراتيجيا ، كما وتفشل تماما في نظرياتها ( في إدارة المخاطر ) اقتصاديا على اقل تقدير .. بحيث ازمة الاستثمار في العقارات تتحول إلى ازمة عالمية تماثل وتحاكي ازمة رغيف الخبز في العالم الثالث وتهريب الدقيق الطحين المدعوم والخ .
القشة التي قد تقصم ظهر البعير:
الأزمة – القشة هنا عبارة عن ( قشة – ازمة العقارات الامريكية ) كلفتها البدائية حوالي ( 15 ) تريليون دولار وما يعادل ( نصف ) ميزانية العالم كله . ثم ترتفع أسعار ( النفط والغذاء ) ، يبدأ التراجع الاقتصادي ، وتبدأ المخاوف والقلق .. في كيفية إنعاش الاقتصادات المتراجعة . وهنا قد تصح مقولات مثل ، مصائب قوم عند قوم فوائد ، وكذلك على قدر اهل العزم تأتي العزائم والخ.
الاقتصاد أهدافه ودورته وأطواره:
واهم أهداف الاقتصاد المعاصر هي: تحقيق نظام اقتصادي يؤدي إلى النمو ، الاستقرار ، الأمن ، العدالة ,آليات اقتصاد السوق المرنة ، وبالتالي يكون مؤشر ( الاستقرار ) من أهم الأهداف .. مع التنويه إلى الأخذ بعين الاعتبار تلك الدورة الاقتصادية الطبيعية التي تمر في أطوار لا بد منها من نمو وصعود وركود وتراجعات ( بدون انهيارات ) على المدى القصير.. والإقلاع من جديد في النمو والازدهار بخطوات مدروسة ثابتة ومستقرة في الناتج والدخل والأسعار . ويبقى التساؤل اليوم: هل الاقتصاد العالمي ( الأمريكي ) قادر على تخطي وتجاوز الانهيار والانتقال من طور التراجع إلى طور النمو والتقدم من جديد .
World Economy Recession Phase 2008
By: Pierre Hanna Iwaz
بيير حنا ايواز
pierreiwaz @ hotmail.com