جملة مفيدة
تعذيب المعتقلين والتبرير بـ(لكن)
عبدالمنعم الاعسم
/كثير من الذين تصدوا لفضيحة التعذيب البشع في معتقل الجادرية مارسوا لعبة الخلط بين الاشياء بطريقة متعسفة، تبريرا للجريمة أو جسرا لغيرها، بمن فيهم الوزير المعني بالحادث بيان جبر الزبيدي، فقد امتشق معارضوه سيوف الخطابة البتارة، وسفح غيرهم السيول من الدمع على خارطة العراق التي تتلوى تحت سياط اكثر من جلاد، واكثر من همجي، فيما تعلل اصحابه وؤيدوه بالمذابح التي يرتكبها قطاع الطرق للتقليل من شأن وخطورة هذه الخطيئة المشينة.
/خلط الاشياء ببعضها صارت صنعة سياسية واعلامية مفضوحة، لكنها-في الوقت نفسه- رائجة على نطاق واسع..في الكيمياء لا يمكن خلط العناصر بطريقة عشوائية او كيدية او لاعتبارات الدعاية، فانها قد تودي بحياة صاحبها وببشر آخرين، وكان جابر بن حيان، رحمه الله، قد اكتشف وسيطا بين الاشياء المتنافرة التي يراد خلطها سماه إكسير الحياة، لتصنيع الذهب من المعادن الخردة، وقد كفانا الله شر هذا الاكتشاف، وإلا اصبح الذهب برخص الزبالة، الامر الذي يعتقده الكيميائيون المعاصرين مجرد فرضية اطيح بها.
غير ان معدة البشرية هضمت الكثير من الاطعمة السياسية الفاسدة المصنوعة من (خلطة) لاشياء متنافرة، وتشاء كلمة( لكن) الاستدراكية ان تصبح اكسيرا لهذه الخلطة، فيقول معسكر الوزير الزبيدي انه يدين اعمال التعذيب في المعتقل وسيعمل على معاقبة المتورطين فيها(لكن) الامر يجري مع قلة من المعتقلين الخطرين الذين ارتكبوا قتولا مروعة، اما هيئة علماء المسلمين فتقول انها تدين اعمال الارهاب والاختطاف والتفجيرات المروعة التي تجري في طول البلاد وعرضها (لكن) ملف المعتقلين الذين يتعرضون للتعذيب يجب ان يكون تحت يد الامم المتحدة والمجتمع الدولي.
/في حالة الوزير الزبيدي، كان ينبغي ان يتوقف الحديث عند ادانة التعذيب والسعي لكشف المتورطين فيه باعتباره عارا في جبين اي سلطة ترتكبه بصرف النظر عن الخطيئة او الجريمة التي ارتكبها المعتقل، ولا يصح المضي ابعد من اعلان الاسف والمضي في التحقيق ومعاقبة المتورطين والاعتراف بوجود ثغرات في جهاز وزارة الداخلية وضمان معالجتها، اما ما ارتكبه المعتقلون فله معالجة اخرى، في موضع مختلف، من غير الحاجة الى تلك الـ(لكن) المعيبة التي لا مكان لها في واقع الامر إلا في حال يريد الوزير تبرير الانتهاكات التي تدينها العهود والمواثيق الدولية الموصولة بحقوق الانسان.
/وفي حالة هيئة علماء المسلمين، فان ادانة الارهاب واعماله المتوحشة بحاجة الى مزيد من التدليل على مصداقية المشاعر، لزوم التوقف وتقديم حساب المسؤولية عن هذه الاعمال وحساب الجهود المبذولة على الارض لوقفها، وذلك لا يحتاج الى (لكن) التبريرية التي برعت الهيئة في استخدامها كلما ارادت التهرب من لزوم ربط الاقوال بالافعال، ثم، لماذا ينبغي ان تتدخل الامم المتحدة في قضية معتقل الجادرية ولا ينبغي لها ان تحشر انفها في قضية الارهاب؟.
/ ان تعذيب المعتقلين على يد ضباط الداخلية الذين-كما يقال- تدربوا في ايران، او استعيروا منها، او –كما يقال- انهم من حزب وزارة الداخلية، او-كما يقال ايضا- لا هذا ولا ذاك، بحاجة الى معالجة سريعة عادة ما تلجأ لها الدول المدنية المتحضرة، من دون الحاجة الى (لكن) الفجة.
/وان حمية المطالبة بتدخل دولي لوقف التعذيب الوحشي ينبغي ان تمتد الى طلب التدخل لوقف الارهاب المتوحش، بعيدا عن الـ(لكن) وإلا سنصدق -ما يقال- ان بين هيئة علماء المسلمين واولئك الذين يرتكبون الجرائم التي تعف عنها الذئاب ثمة اعتبارات لا تفصلها كلمة(لكن).
ـــــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــــــــ
"اني احب البطولة واقدر الشجعان، إلا اني اكره الوحشية"
كريستينا –ملكة السويد 1650
aalassam@hotmail.com [/b][/size] [/font]