هذا ما قُلناه ... تخبطات
الأب بشار متي وردة
لربما يتسأل كثيرون آلت بنا الأحداث ليقف سياسي مسيحي ويُصرّح بمواقف يعوزها قراءة سياسية متعمقة للأحداث ومُجرياتها، ولا تمت بصلة للمسيحية. ومع أني لست خبيراً بشؤون السياسة، إلا أنني كنت آمل أن أسمع لخطاب مسيحي التوجه، لاسيما وأن الحدث يُعنى بالوفاق والمُصالحة، وما ذا يستطيع أن يتحدّث عن المُصالحة بإنسانية وعمق ومسؤولية مثل المسيحي؟
كان الأجدر بالسيد اليوسفي أن يكون صوتاً يُسهّل ويُمهد للحوار والتوافق لا أن يأخذ موقفاً مع الأطراف، والتي ونظراً لحسابات اجتماعية ودينية وحضارية مُعقدة ستتوحد إزاء الآخر المُختلف يوماً ما. فاليوم الثاني والثالث شهد لقاءات ومُصافحات ونقاشات لم تكن متوقعة للوهلة الأولى، ولكنهم سيتفقون، ويكون اليوسفيي وغيره أطرافاً ثانوية في اللعبة السياسية وواجهات لمُهاترات مصيرها أن تتغير بتغير الظروف والمناصب.
ناهيك عن أن لكل طرف من الأطراف المُتفارقة والمجتمعة حول طاولة النقاش اليوم موقف وتسجيل حافل بانتهاكات الآخر لحقوقه، ولنا نحن أيضا تسجيلنا للمظالم التي عاشها ويعيشها أبناء شعبنا. ولكن المناسبة والحدث تجعلنا نتجاوز ما بين أيدينا مترجين مُستقبلاً أفضل للأجيال القادمة. كرامة شعبنا تُنتهك في ميادين عدّة، ولا من مُصغي ومُستجيب لأنينه، ولكننا رُغم ذلك، نحاول أن نرسم ابتسامة عميقة بعمق تاريخنا وحضارتنا نحن المسيحيون أبنا ء العراق، ساعين لأيام أفضل، ولفرص يكون فيها الحوار ودياً أكثر مما هو عليه الآن.
كُنا نأمل منه كصوت مسيحي أن يحمل للحاضرين فرص وإمكانيات للحوار وتضميد الجراح لا تعميقها. كُنا ننتظر منه أن يُعلي من شأن المُصالحة ويُبين فرص الحياة فيها، وأن يُعين الفرقاء ليلتزموا مسؤوليتهم لا على الماضي فقط، بل تجاه مستقبل الوطن الذي يبحث عن مُخلصين يُريدون بناء سلام عادل. كُنا نريد صوتاً يُوقظ المُستمعين من الاستغراق في الماضي والاسترسال في الذكريات المؤلمة ليتحاورا لا خلف جدران التحفظات التي بنوها ويُريدون الاحتماء خلفها وحماية مصالح ومناصب، بل يتصافحوا واثقين واحدهم بصدق نوايا الآخر. كنا نطمح لخطاب يُشجع ويحث على الالتزام بمغامرة المصالحة والسلام، لا أن يُوقف المترحلين عند محطات وأحداث مازالت تتكرر.
والآن، وبعد هذا الزلزال المُدوي: أين أنتم يا ساسة المسيحية؟ هل ستكتفون بنشر التنديد والاستنكار وبيانات البراءة من تصريحات ومواقف اليوسفي إلى يوم الدين؟ أو لم يحن الوقت الآن إلى الحضور معاً والتحاور من أجل خطاب سياسي مسيحي صريح من الأحداث ومُجرياتها؟ هل ستنتظرون يوسفي آخر ليُوقظ هموماً أخرى؟ ما الذي ستُهيئونه للمؤتمر القادم من مواقف؟ ماذا ستُقدمون للعراقيين من برامج تُساعدهم على لملمة الفرقاء وتوحيد الصفوف، رغم الاختلافات (هذا أذا استطعتم أنت تجاوز اختلافاتكم)؟
اننا واعون أن الأحداث والمواقف المتباينة من رؤساء الكنائس لم تكن عاملاً مُساعداً في توحيد الصفوف، لكنكم أنتم مَن رغب في الإصغاء إليها رغبة بالمناصب. أننا ندرك حجم المسؤولية المُلقاة على عاتقكم، ولكننا نتطلع إلى مَن يسمو بالمرحلة ليفتح ابواب حياة حقيقية أمام أبناء شعبنا الذين سيعطونكم الثقة لأن تحملوا تطلعاتهم وهمومهم أمام ساسة العراق.
هناك تنازلات ولكنها تسوى لأجل شعبنا الرائع. هناك مجال للحوار كي تتثبت حقوق شعبنا فيواصل رفد العراق بحضارة إنسانية مُتميزة بأنها مسيحية الرؤية والتوجه. إذا كنتم تنتظرون من الكنيسة أن تُشير إليكم بموقف وتوجيه، فأتمنى أن تتعلموا الدرس ولا تحاولوا اقحام الكنيسة (حتى إن أراد رؤساؤها) بشؤونكم، مع أني مُقدّر لأهمية المرحلة وحاجة الجميع إلى كراسي برلمانية. يتطلب الحدث منكم موقفاً شجاعاً، ووضوح رؤية ووحدة خطاب.
يكفينا تخبطات، فنحن بأمس الحاجة لخطاب واضح وجريء وصريح وموحد لسياسينا المسيحيين فيه ندافع عن كرامة إنسان تُهان بالقتل والاختطاف والابتزاز والفساد. إن أخاف اليوم الذي فيه يتفق فراقاء اليوم على توجه، فيُقدمونا نحن المسيحيون ذبيحة على مذبح السياسة تكفيراً عن اختلافاتهم، ويكون الوقت قد فات للأسفِ. [/b] [/size] [/font]