دور العلمانية في قيادة الدولة والمجتمع


المحرر موضوع: دور العلمانية في قيادة الدولة والمجتمع  (زيارة 647 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صبري يوسف

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 15
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
دور العلمانية في قيادة الدولة والمجتمع


 إن بناء وقيادة دولة مثل العراق ليس سهلاً، لأن العراق بلد الحضارات، يتوزَّع فوق جغرافيته خليط وموازييك متشابك، وفيه رؤى مذهبية وقومية ودينية متنافرة، فالذي يريد بناء العراق وقيادة العراق عليه أن يفهم هذا التضادّ بين تفاسير الرُّؤى، لهذا السََّبب نجد أنفسنا أمام واقع يصعب أن نصيغ منه رؤية موحَّدة يتفق عليها الجميع بحسب تطلُّعات كلّ طيف من هذه الأطياف، لهذا لا بدَّ أن يضع بعين الاعتبار كل من يتصدَّى لمعالجة هذا النُّفور وهذا التضادّ من وضع حلٍّ لهذا الواقع المتناحر على أن يكون مُرضياً ومناسباً لكل الأطراف، وإلا سيمرُّ العراق في حالات غليانية إلى أجلٍ مفتوح، ولم أجد أجدى من أن يتَّفق العراقيون على أن أطيافهم تحمل رؤى تتصارع مع بعضها بعضاً، لأنها قائمة على عقائد ومبادئ وتوجهات مذهبية ودينية وقومية غير متجانسة مع توليفة هذا الخليط العراقي، وأنا أرى لكي يتجاوز العراقي محنة هذا الصراع المرير عليه أن يجد مخارج صحّية وعملية وعلمية وحضارية وإنسانية بحيث أن تقود هذه الرؤى إلى إنقاذ العراق من حمَّامات الدم الذي مرّ ويمر وسيمر بها طالما كل طرف يسحب اللحاف صوبه، فقد انكشف العراق وتمزَّق اللحاف ولم يعد بالإمكان جرَّ اللحاف أكثر لأنه أصبح العراق ـ اللحاف في مهبِّ الصِّراع، صراع تنافر الرُّؤى!

من هذا المنظور يتجلَّي لي بكلِّ وضوح أن أرجح خطوة لبناء عراق جديد هو النظر إلى حضارة العراق، قبل مجيء الأديان، فقد كان العراق في أوج حضارته، وحالما هبطت وحلَّت الأديان في عالم الشَّرق، جرّت معها الحروب والويلات على العراق وعلى المنطقة بأسرها، لأن الإنسان حتى هذا اليوم لم يفهم الأديان إلا من زاوية ضيّقة، والغريب بالأمر أن أرى كل هذا الصِّراع في الدِّين الواحد، فكيف سيكون حال الصِّراع بين الأديان، فإذا كان الدِّين الواحد يتصارع عبر مذاهبه فكيف سيتفق مع طوائف ومذاهب أديان أخرى، لهذا ما على الإنسان المعاصر في العراق والعالم العربي والغربي والكوني سوى أن يفتح عينيه جيداً، ويقرأ الأديان جملةً وتفصيلاً، ويتمعَّن بكلِّ كلمة وكلّ جملة ويقرأ الدِّين الواحد ويركِّز على مذاهبه ومواطن صراعاته وخلافاته مع مذهب آخر، ويحتكم للعقل ويجد حلاً لهذا الخلاف المذهبي أولاً، لأن القائد الرُّوحي والديني عليه أن يفهم ويعي جيداً أنَّ أيَّة رؤية مذهبية تقود إلى خلاف وصراع دموي هي رؤية لاتمتُّ للدين والأديان بصلة، لأن الدين أي دين على وجه الدنيا، عليه ان لا يتضمَّن أية صراعات وخلافات مذهبية دموية بين طوائفه ومذاهبه، وعلى الأئمة والشيوخ وعلماء الدِّين ورجالات الدِّين الذين تخصَّصوا بفقه الدِّين والمذاهب أن يجدوا عوامل لقاء وحوار واتفاق مع المذاهب الأخرى، لا أن يعمّقوا عوامل الخلاف والاختلاف والصراع، لأن الحوار العقلاني هو الطَّريق الذي سيقود هؤلاء إلى برِّ الأمان وبالتالي سيقودهم إلى تجاوز مسبِّبات الصِّراع، ويجب أن تضع المراجع الدينية المذهبية في الاعتبار أن الخلافات على أفكار ورؤى خلفاء ورجالات دين ممكن مناقشتها ومحاججتها، للوصول إلى نقاط ورؤى مشتركة بين المذاهب المتناحرة وليس كلّ ما قيل من قبل رجالات دين من حيث الرُّؤية المذهبيّة هو القول الفصل لكل زمان ومكان، لأن متغيرات الزمان والمكان تجعل من بعض الرؤى التي كانت مناسبة منذ عهود سابقة غير مناسبة الآن.

إنّي أرى أنَّ أيّ دين يتخلَّله اختلافات في المذاهب عليه أن يعيد النَّظر في أسباب الخلافات ويجد حلولا لها بالحوار وليس بالصراع فكلّ مشاكل الكون ممكن معالجتها بالعقل والحوار والنقاش والنقد البنّاء، ولا يوجد فكر ثابت غير قابل للتغير والتطوُّر على وجه الدُّنيا، ومن جهة أخرى على كلِّ دين من الأديان أن يعالج خلافاته المذهبية والطائفية ثم يجد طريقاً للحوار مع الأديان الأخرى، وأنا أرى أن أكثر خلافات وصراعات الشَّرق قائمة من منظور خلافات مذهبية في الدِّين الواحد وبالتالي تختلف مع الأديان والمذاهب الأخرى، وأتساءل بكل بساطة إذا كان أيّ دين يقود إلى صراع وتناحر وحرب وتصفيات فيما بين مذاهبه، كيف سيتَّفق مع دين آخر ومذاهب ومعتقدات أخرى؟!

لهذا على كل رجالات الدِّين، في كلِّ الأديان أن يضعوا بعين الاعتبار أن هذا الزَّمن هو زمن الحوار وتقبُّل الآخر، هو زمن العقل، هو زمن محاججة الصَّواب نفسه للوصول إلى قمّة الصواب والحكمة والمنطق والرقي والتطور، ولا يجوز لأي دين تكفير دين آخر، ولا يجوز لأي دين الغاء الدين الآخر، بل يجب على كلِّ رجالات وعلماء الدين الواحد التواصل مع بعضهم ومع أديان أخرى لمعالجة نقاط الخلاف فيما بينهم، وكل توجّه ديني في دين ما يجب ألا يقود إلى تكفير الآخر ولا إلى الصِّراع مع الآخر ولا إلى الغاء الآخر وعدم قبول الآخر، لهذا نحن علينا إيجاد نقاط وعوامل وحوافز مشتركة بين الأديان، لأننا عندما نصل إلى هذه المرحلة من التوازن والتواصل فيما بين الأديان بشكلٍ راقي وحضاري وإنساني، عندها سينتفي الصِّراع والاحتراب وسيتم التركيز على تنمية وتطوير وتخليص البلاد من المآزق التي تمزقها، وبالتالي التركيز على إنسان جدير بأن يقود هذا الكوكب إلى مرافئ السَّلام.

قبل أن أدخل في تفاصيل وضع العراق، أودُّ الإشارة إلى أنني إنسان يحب ويعشق السَّلام والوئام بين البشر، ويؤلمني أن أرى كل هذا الجَّحيم الذي يتفاقم بين بني البشر وأسكت عليه، لهذا أودُّ أن أقول كلمتي، متضامناً ومادّاً يدي إلى كل إنسان على وجه  الدُّنيا يهدف إلى تحقيق السَّلام العادل بين البشر، لأنني أرى من الغباء البشري أن يستشري كلّ هذا الصراع بين البشر في الوقت الذي نحن مجرد ضيوف على وجه الدنيا، فلماذا لا نحكِّم عقلنا ونحلُّ مشاكلنا كبشر، فهل من المعقول أن يهبط علينا كائنات من كواكب أخرى وتحل مشاكلنا؟! وأندهش كيف لا يسخِّر الإنسان عقله المستنير كي يفتح طريق الخلاص لكلِّ البشر لتحقيق العدالة والسَّلام بين البشر، لأنَّ خيرات الأرض تكفي لكلِّ البشر، فلماذا كلّ هذه الحروب والويلات والخلافات والصِّراعات التي لا طائل منها، وأرى في الكثير من الأحيان وكأنَّ بعض البشر هم أخطر من الحيوانات الضارية وحشيةً وافتراساً، فلماذا لا نركِّز على إنسانية الإنسان ونستأصل من قلبه كلّ ما هو ضارّ وشرّير، وكل ما يعيق تطورُّه وتحضُّره، كي يعيش في حالة تليق به كإنسان في هذا الكون الوسيع!     
 
أودُّ التوقُّف عند ما يحصل في العراق، هذه الرقعة الجغرافية التي كانت يوماً ما مهد الحضارات، وما قدَّمته بلاد ما بين النَّهرين للبشرية من حضارة لا يمكن لأيّ عاقل أن ينكرها، فلماذا لا يعود إلى سابق عهده ويتشرَّب قيم الحضارة والخير والسَّلام، جنباً إلى جنب مع بقية حضارات الشَّرق والعالم؟!

انَّني كنتُ وما أزال ضدّ الأنظمة العربية في قضية قيادة الدَّولة والمجتمع، وبالتالي ضدّ النَّظام العراقي البائت، وضدّ الحكومة الحالية منذ سقوط الصَّنم حتى الآن، وضدَّ النظام الغربي ـ الأميريكي في مسالة تعاطيه وتدخله في الشأن العراقي والشرقي، لأن القضية متداخلة بشكل غير عادل وغير منطقي وغير إنساني، فلو لم يتواطأ نظام القائد الضرورة، ضرورة التواطؤ مع الغرب، لما حصل ما حصل في العراق من حروب مع إيران ولما تمَّ غزو الكويت، لأن نظام الغرب وتحديداً أميريكا قادَ صدام حسين إلى ما وصل إليه، لهذا فكلاهما يتحملان الجزء الأكبر لما حصل من ويلات، فيأتي المواطن ضحية مؤامرة الأنظمة المتعاقبة، وأودُّ التركيز على نقطة واضحة للجميع وهي أن وضع العراق بالرغم من ديكتاتورية صدام حسين فإنه كان يضبط الأمن وعلى علات ديكتاتوريته التي ما كنتُ يوماً أوافق عليها، بل كنتُ ومنذ البداية ضدّ حربه مع أيران وضدّ تدخله وغزوه للكويت، فكل هذه النتائج جاءت من جراء تواطئه مع الغرب، لهذا قدّم صدّام حسين العراق، بلاد ما بين النهرين، بلد الحضارات على طبق من ذهب للغرب وقاد الغرب ـ بقيادة أميريكا ـ العراق إلى براكين الدم مستغلاً نقاط ضعف المواطن العراقي الذي ما يزال لا يرى أكثر من بضعةِ سنتيمترات بعيداً عن أنفه، وإلا فما هذا التوجّه العقيم في طريقة بناء الدولة، أيعقل في الألفية الثالثة أن يفكر أي عاقل في بناء الدولة، أية دولة، على أساس مذهبي وديني وطائفي وعشائري، ولو دققنا فيما يذهب إليه واقع الحال في العراق، لوجدنا أنّه على مشارف التقسيم، تقسيم العراق إلى فيدراليات هشَّة، وهذا هو طموح التوجه الجورج بوشّي، لأن العراق الموحَّد يشكل قوة وتعاضداً ومواطنة، وعندما يتم تقسيمه يسهل أكله وتدميره ويتفشَّى صراعه، لماذا؟ لأنه سيمرُّ في حالة غليانية مفتوحة بين المذاهب والقوميات والأديان، وكلّ هذا ليس لصالح أي طرف من الأطراف، حيث سيزداد الصِّراع الدموي بين السنّي والشيعي وبين العروبي والكردي والكلدوي آشوري السِّرياني، لأن تقسيم العراق سيؤدِّي إلى قتل العراق والعراقيين معاً! لأنه لو تمَّ تقسيمه سيكون مسرحاً لصراعات طويلة الأمد، صراعات لها أول وليس لها آخر، ولو لم يتوحّد العراق ويتجاوز الصِّراع المذهبي والديني والطائفي والقومي، سيمرُّ في حروب طائفية ومذهبية ودينية مجنونة مثلما حلَّ في لبنان وأكثر، ولهذا لا خيار أمام العراق سوى اللُّحمة الوطنية وتحقيق حقوق المواطن بكل أطيافه وأديانه ومذاهبه، وما لم يتجاوز السّياسي العراقي هذا الخلل سيصاب بعقم مسموم إلى أجلٍ مفتوح.

لهذا أؤكِّد على أن المَخرج الحقيقي للعراق ولكلِّ الشَّرق هو بناء دولة قوامها العلم وإحترام الأديان والقوميات، ويبدو لي أن الشَّرق العربي من محيطه إلى خليجه يحتاج إلى قرن أو قرنين كي يفهم هذه المعادلة التي تبدو لي واضحة قراءتها، فأنا أرى أنَّ أوروبا ما كانت ستنهض لولا أنها قرأت واقع الحال حالها وفصلت الدِّين عن السياسة، ولو وجدنا أنَّ هناك أحزاب بتسميات دينية مسيحية إلا أنها مجرد تسميات وغير قائمة على صراعات بل على أسس ديمقراطية انتخابية، ومهما يكن من أمر فإن أغلب الأحزاب التي تسيطر في الغرب غالباً هي أحزاب علمانية، وحتى الأحزاب التي تحمل تسميات مسسيحية في الغرب تحمل في برامجها توجهات علمية وكأنها علمانية ومسيحية بمجرد التسمية، وأنا لست ضد التوجه والتسمية الدينية سواء كانت في الغرب أو الشرق لكني ضد التعصب الديني الأعمي وضد الغاء الآخر.
لهذا من الضروري أن ينتبه الشرق إلى معادلات الحياة والتحولات التي تطرأ في العالم، فعمر الأديان هو ألفين عام أو أكثر بقليل، وهناك حياة على الأرض قبل الأديان الثلاثة، يقدَّر عمرها  بملايين السنين وأكثر، لأننا لو عدنا للعلم لوجدنا أنه يقدر عمر الإنسان على الأرض بملايين السنين! لهذا فأنا أرى أن الدين، جاء متأخراً جداً وهو حديث العهد مقارنة بعمر الإنسان على الأرض، ولو دققنا بتقدم البشرية فإننا نجد أنها بنَت وغزت الفضاء الكوني من خلال العلم، والأديان هي رائعة للأخلاق والضمير الحي، لكنها غير قادرة على بناء الدول بشكل حضاري وتقدمي، لكنها تساهم في بنائها، ولكن يستحيل أن يتم قيام الدولة على أساس ديني بالمطلق، لأن النزوع الديني هو روحاني أخلاقي خالص، بينما بناء الدولة أو بناء جسر في الدولة لا يقوم إلا بموجب معادلات رياضية علمية خالصة، ومن هذا المنظور أرى أن بناء الدولة في الشرق لا هو علماني ولا هو ديني، هو تابع للغرب الناهض، لأن هذا الغرب يرى أن الشرق غير جدير بقيادة نفسه لهذا يطرح نفسه قائداً بديلاً له، سواء عندما كان يستعمر الشرق أو الآن عندما يخلخل كياناته بأفكار وصراعات وحروب ومتاهات لا تقود إلا إلى المزيد من الضعف، والنظام العربي وما يجاوره في الشرق لا يفرز فكر تنويري لأن ليس لديه توجهات وموسسات لبناء مواطن حرّ ومستقل وديمقراطي، لهذا تصبٌّ الأنظمة والمعارضات في خانة واحدة هي الصِّراع المفتوح على جبهة الحروب، وليس على التكامل والتضامن والتعاون، بينما في الغرب تخلَّصت الحكومات والمعارضات من الصِّراع الدموي، بل صراعها كأحزاب هو صراع تنافسي ديمقراطي قائم على الفكر العلمي الحرّ، فتجد السياسي الذي يخسر في المعركة الانتخابية يبتسم لخصمه ويقدم له باقة ورد ويتعشى معه، بينما في العالم العربي يخطِّط لقتله، ويتحول المعارض إلى عدو للنظام المهزوم وبالتالي يصبح أكثر ديكتاتورية من النظام الذي أطاح به، لأن علاقة النظام بالمعارضة بالأساس قائمة على الكراهية والعداء والخوف من كلا الجانبين.

لهذا فلا مخرج ولا حل طالما قيام الدولة في الشرق يتوقَّف على هكذا معادلة مخرومة، معادلات محكومة ومنتهية بالصِّراع الدَّموي والقتل والسجون المفخَّخة بالزنازين المعتمة، وهكذا فمستقبل العالم العربي سيبقى حروباً مفتوحة فيما بين الأنظمة والمعارضات لأنها أنظمة غير منظَّمة، وهي غير علمية وغير دينية بالمفهوم الروحاني الأخلاقي للأديان، لهذا لا بدَّ من الساسة والأنظمة الشرقية العربية وغير العربية من الاستفادة من تجاربها، ولو قارن السياسي الشرقي ذاته بالغرب الناهض سيجدُ بحسب واقع الحال أنه يحبو على بطنه وليس له علاقة بالسياسة بقدر ماله علاقة بسدَّة الحكم حتى ولو ذهب الوطن الذي يقوده إلى بوَّابات الجحيم، وهذا ما حصل مع قائد البوابة الشرقية ومع الكثير من بوابات الشرق العتيد بالتخلف والتحجُّر الفكري المفتوح على زيادة ميزانية الزعيم، إلى درجة أنه أصبح أكثر غنى من الدولة نفسها! بينما في دنيا الغرب فمهما يصبح القائد السياسي غنياً فإنه لا يصبح أكثر غنى من بعض رجالات الأعمال العاديين!
 
أنا لست ضد الديمقراطية في أميريكا، ولا أعتبر أميريكا الشماعة لتبرير تخلف الشرق، لا، أبداً، العالم العربي متخلف حتى النخاع، لهذا تنظر إليه أميريكا كبقرة حلوب لا يعرف صاحبها كيف يحلبها، فتقول لماذا لا أحلبها له وأعطيه كوبا وآخذ كوباً أو كوبين من الحليب! وأنا أرى أن الغرب كاستعمار، لو يحكم العالم العربي، سيكون حكمه أقل استغلالاً مما يحكمه الزعماء العرب، لأنه سيستغل خيرات البلاد والأوطان وبنفس الوقت سيطوِّر البلاد في الكثير من مناحي الحياة، لأن الغرب ينظر إلى الشَّرق كمشروع تجاري اقتصادي، فمن مصلحته عندما يستعمر الشرق أو أية بقعة في العالم أن يطورها كي يستطيع أن يقنع المواطن الذي يستعمره بأنه جدير بالبقاء والاستمرارية، ولكن الأنظمة العربية لا تفكر بالمواطن، لأنها سحقت رأيه وسحقت تطلعاته لهذا عندما يخالفها في الرأي تزجّه في السّجن، ولهذا أرى ان الاستعمار الغربي لو يحكم العالم العربي سيكون أكثر رحمة من استغلال الأنظمة العربية وأكثر قدرة على تلبية متطلبات المواطن، فهل من المعقول أنَّ أكبر دولة في العالم العربي، مصر (أم الدنيا) لا تستطيع أن تؤمِّن لمواطنها رغيف خبز وقد شاهدتُ مؤخراً برنامجاً بثته قناة الجزيرة بالصوت والصورة، يبيِّن البرنامج للمشاهد أن هناك الكثير من المواطنين قُتلوا على أبواب الفرن سعياً للحصول على رغيف الخبز، أين أنتِ يا أم الدنيا، وقد رآكِ مواطنكِِ إحدى خرائب الدنيا؟!
 
لو نظرنا إلى واقع الحال للمواطن العربي، وسألناه أيُّهما أفضل أن يقدِّم لكَ العدو، الاستعمار، الغرب، أي ظالم على وجه الدنيا لقمة الخبز ويحافظ على كرامتك وتكون حراً فيما تريد قوله، أم حاكمك الذي لا يستطيع تقديم رغيف الخبز والكهرباء والماء لكَ ولا يستطيع الحفاظ على كرامتك؟ فإنه على الأرجح ستكون أكثر الأصوات لصالح مَن يحقق للمواطن العيش الكريم والحرية حتى ولو كان الاستعمار، وهكذا لقد ولّى زمن الشعارات والكلام الفارغ، وعلى الأنظمة العربية أن تهتم بمواطنها على أساس أنه ابنها ومن لحمها ودمها، لا أن تتركه يجوع ويلهث خلف لقمة الخبز، ومهدد بالسجن عندما يفشّ قهره بكلمة ما ورأي ما ويقول كلاماً من حرقة قلبه! تخيّل أيها المتابع العزيز، كان لملك السويد الحالي اجتماع في الدانمرك منذ سنين، فاستقل سيارته وبدأ يقودها بسرعة أكثر مما يسمح له قانون السير، فأوقفه شرطي مرور، وطلب منه رخصة القيادة، فقال له العفو أنا الملك ولدي إجتماع في الدانمرك ومستعجل، فقال له شرطي المرور، أعرف أنكَ الملك لكنك خالفت قوانين السير، فأخذ شرطي المرور من الملك شهادة السواقة وخالفه مثله مثل أي مواطن، وقرأت بأم عيني كيف قال الملك في الصفحة الأولى من الصحف السويدية في اليوم التالي بعد عودته من الدانمارك، لقد كان غباءً مني أن أقود السيارة بسرعة أكثر من المسموح به، مع نشر صورة الملك في صدر الصفحة وهو في سيارته موقوف على قارعة الطريق.
تخيَّل أيُّها المواطن الشَّرقي، إلى أيَّة درجة يتم محاسبة المخالف حتى ولو كان ملكاً، وفي المقابل نجد في بلاد الشَّرق، الملك والزَّعيم يقطع السير ويمنع منعاً باتاً أن يقطع أي إنسان الشارع الذي مرَّ فيه ويرافقه عشرات السيارات إلى أن يصبح استنفار تام لمرور قائد البوابة الشرقية، وهنا أودُّ أن أشير إلى أنه عندما يصل الملك والزعيم والمسؤول العربي إلى مرحلة محاسبته من قبل شرطي لو قاد سيارته وخالف السير، عندها ممكن أن يصل  العالم العربي إلى المرّيخ!

إن النظام العربي هو نظام اقصائي وبعض المعارضات أكثر ديكتاتورية من الأنظمة التي تطرح نفسها بديلة عنه لأنها ترعرعت في جو ديكتاتوري لهذا لا يوجد أي حل لبناء العالم العربي ومن يتاخمه إلا ببناء طفل جديد يترعرع في بيئة وجو ديمقراطي وضمن برامج علمانية أخلاقية ديمقراطية إنسانية تنويرية بعيداً عن لغة التكفير والاقصاء والقمع، وهذا يتطلب معجزة، وقد ولَّى زمن المعجزات، هذا الزمن هو زمن العلم والحرية والعدالة والمساواة، وعندما يُمنح المواطن هذه المبادئ الأساسية سيحقق الديمقراطية، وسيصبح في مستقبل الأيّام قائداً ديمقراطياً كتحصيل حاصل، فمتى سيتحقَّق هذا الأمر وهذا الطموح؟!

أنا أقدِّر أن العالم العربي يحتاج ما بين قرن إلى قرنين وربَّما أكثر، كي يحقق هذا الطموح، سيأتي زمن ربما يكون بعيد عن زمننا، سينقلب الأبن على أبيه، وعلى جده وعلى كل ما هو عتيق ومتخلف ومتحجِّر، ويتوقف مجئ هذا الجيل على مدى توافر عوامل تنشئته وتشبّعه بقيم الحرية والعدالة والمساواة.
 
الموضوع عميق للغاية، قدَّمت بعض وجهات النظر، وهي قابلة للنقاش والحوار، ويبقى الحوار مفتوحاً، حيث انني أطرح وجهات نظر وأفكار، ممكن أن أصيب في بعضها ولا أصيب في بعضها الآخر وهي خاضعة للنقاش والتفنيد والتحليل، لأنني لا أرى فكراً ثابتاً ونظرياتٍ ثابتة، وأخلاقاً ثابتة، كل فكر ممكن أن يتغير نحو الأفضل، ولولا تطور الفكر لما وصلت البشرية إلى هذا التقدم المذهل، ولكن حتى النظرية البديلة أو المتوالدة عن سابقتها ما كانت ستتم لولا وجود أفكار مَن سبقها ولهذا الفكر البشري هو سلسلة تراكمية تطويرية مفتوحة، وكل مَن يبقى ثابتاً في مكانه من حيث صيغة الرؤية والتفكير، هو أسير التخلف، وإلا لماذا نجد كل جيل متقدماً عن سابقيه مع الأخذ بعين الاعتبار الفروقات الفردية والحالات العبقرية التي ممكن أن يحققها فرد ما يتجاوز عصره بعقود أو قرون من  الزمان، وهؤلاء قلة قليلة! 

يسرني عندما أتلقى وجهات نظر جديدة سواء توافق أو تخالف وجهات نظري وتحرّضني على التفكير لأن هذه العملية التحريضية ممكن أن تعمق رؤاي أكثر فأكثر، ومن خلال تجربتي في الحياة وتخصصي في العلوم الاجتماعية والفلسفية، وصلت إلى قناعة أن الإنسان في تطور مذهل في كل يوم، فلماذا لا يفتح المرء ذهنه لهذا التطور، ولا يسعني إلا أن أشير إلى أنَّ قرابة مائة مفكر وفيلسوف أوروبي ساهموا في تغيير وتطوير وتحديث أوروبا برمتها، فلولا المفكر والمبدع والفيلسوف والفنان لما تقدم أي مجتمع من المجتمعات البشرية، لكن الكارثة أن المفكر والمبدع والفيلسوف في دنيا الشرق معرَّض للتفريق عن زوجته أو زجه في عتمة الزنازين أو طرده من وظيفته وموقعه، لأن الحاكم هو عبقري عصره في دنيا الشرق، وكلامه منزل  من السماء، حتى أنه أخذ مكانة أكثر من الأنبياء والقديسين والملائكة، فلا تجد مَن يحتج على حماقاته حتى ولو زج البلاد والعباد بحروب أزلية، أليس من الجريمة بمكان  أن يغرق لبنان بحروب طائفية سنينا عديدة والآن جاء دور العراق، ومَن يدري دور مَن سيكون بعد العراق، لهذا أعود إلى النقطة التي بدأت بها مقالي الأول، لأركز في هذا المقال على ضرورة أن ينشأ جيل يحمل بذور الحرية والعدالة والديمقراطية، ولا يخشى أن يقول كلمته، لأنني لا أجد المواطن في الشرق يفكر بشكل حر وبفردانية خلاقة، تفكيره يتماشى مع ما يماثل حالات القطيع، يعيش حالة قطيعية، ولا يميز فردٌ عن آخر لهذا  يهب كل المواطنين ويحرقون الدنيا لأبسط الأمور، لماذا لا يهب ويقف ضد الحروب، مع أن حروب العالم العربي أغلبها تطحن ذاتها، أنا من أنصار السلام والتآخي بين البشر، من أنصار العدالة والمساواة والحرية وتحقيق الديمقراطية بعيداً عن الاستغلال، وعلينا نحن البشر أن نفكر بطريقة لحل مشاكلنا كبشر، ولا يجوز حل مشاكلنا على حساب تفاقمِ مشاكل الآخرين.
 
بقي أن أشير إلى أن العلمانية مهمة جداً في قيادة الدولة والمجتمع، لكن على مَن ينهج منهج العلمانية أن لا يقلِّل من شأن الأديان كحالة أخلاقية روحانية تساهم في تنقية وتصفية قلوب البشر من الشوائب العالقة في الحياة، وعلى أصحاب الرؤى الدينية، أن يضعوا بالاعتبار أن الدين أي دين غير قادر على قيادة الدولة والمجتمع وغير قادر على بناء علاقات ومؤسسات وسن قوانين وشرائع تناسب المتغيرات المدنية والحياتية عبر سير الحياة، لأن الأديان ثابتة غير متغيرة بينما المجتمعات البشرية تتغير وتتطوَّر بشكل دائم، والثبات من المنظور العلمي يعني الجمود، لهذا فإن الرؤية العلمية تستوعب الأديان وتحللها كجانب اخلاقي وقيمي ضمن كل زمان ومكان، وبالتالي تضع الأحكام والقوانين بحسب ما يناسب متغيرات العصر في كل زمان ومكان، لهذا لايمكن لأي دين على وجه الدنيا أن يسنَّ قوانين وشرائع تصلح لكل زمان ومكان، وإلا لبقيت تلك القوانين ثابتة غير متغيرة وبالتالي ستكون غير قابلة للتطور لأنها ستكون مستندة إلى نصوص لا يمكن المساس بها، من هذا المنظور فإن العلم قادر على نقض ذاته وتطوير ذاته من خلال التقدم اليومي والإبداع اليومي والاختراع اليومي، ويبقى المجال مفتوحاً دائماً للتطوير وإلا سيبقى الإنسان أسير رؤية أحادية ثابتة لو اعتمد على الجانب الديني فقط، بينما لو اعتمد الجانب العقلي والعلمي، مشبّعاً بأخلاقيات الأديان، فانه أمام اكتشافات علمية تقوده إلى قمة التنوير والتطوير في كل حين وعلى مدى كلِّ العصور!
 
صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
sabriyousef1@hotmail.com