جوان قره جولي يصلي في كنيسة بحلب
في أمسية موسيقية بعنوان
" رحلة مع التراث"، صلى الفنان جوان قره جولي أمام أكثر من أربعمائة شخص على طريقته الخاصة في العزف على العود ، في كنيسة السريان الأرثوذكس بحي السريان في حلب مساء يوم الجمعة.
وقد امتلأت الكنيسة بالحضور نساء ورجالاً، شابات وشباب من أنحاء عدة ومن أصدقاء ومحبي جوان الذين حضروا للاستماع لعزفه الذي أبدع فيه قرابة الساعة، وشد المستمعين إلى صوت أوتار عوده الرنان، فعزف مقطوعات عدة من مقامات موسيقية شرقية كمقام النهاوند، والكرد، والرهاوي، والراست، وغيرها، كما عزف مقطوعات عربية وتركية وأندلسية وكردية وسريانية في جو من الدفء والهدوء وكانت مفاجأته هي عزفه عدة ألحان وتراتيل سريانية منها الصلاة الربانية.
قبل البدء أُضيئت الشموع و أطفأت أنوار الكنيسة، فطغى جو من الخشوع والروحانية في التأمل بين الحضور، وخيم الصمت على الجميع الذين غرقوا في صمت رهيب قلما نعيشه في هذه الأيام بسبب صخب الحياة وأخبار الفضائيات،
" وحان وقت الصلاة ".... قالها جوان بخشوع ظاهر وصوت هامس: في هذا المكان الطاهر يحلو للإنسان أن يصلي ( وكل إنسان يصلي على ليلاه) ولكن المهم أن يصلي، واقترح على الجميع بأن يصلوا على طريقته هو، ألا وهي إغماض العين والاستسلام للصمت والصلاة من صميم الأعماق ( في كل المعزوفات كان الفنان جوان يغمض عينيه عند العزف وكأنه يصلي في نفسه مع عوده وعزفه)، وعزف جوان صلاته الرائعة بمقطوعة ذهبية، فيها من الصلاة معانيها، و من التضرعات أحاسيسها، و من الإنسانية عطاؤها،
إنها صلاة ذات طريقة جديدة معتمدة على الأوتار، فيها تضرع إلى الله ولا تمييز فيها بين دين وآخر أو بين إنسان وإنسان، لها لغة واحدة يفهمها الجميع، فصحى أم عامية كانت لا فرق، فهي لغة عالمية ولا تحتاج إلى مترجمين أو مدققين لغويين ،
ومسك الختام كانت معزوفة لأستاذه المرحوم منير بشير عازف العود الشهير (عازف العود الأول في العالم "كما وصفته النشرة الموزعة" و ابن الكنيسة السريانية كما وصفه المطران يوحنا في كلمته) والذي قال يوماً " أنه وجد في جوان خليفة له في سوريا"
وفي الختام كان لنيافة المطران يوحنا إبراهيم رئيس طائفة السريان بحلب وراعي الأمسية، شكر فيها الفنان جوان و قال عنه بأنه جمع الجغرافيا والتاريخ فذكر أن الفنان جوان ينحدر من أصول رهاوية، وتساءل عن مشاركة العود في احتفالية مار يعقوب الرهاوي التي تقام هذه الأمسية بمناسبة مرور 1300 عام على رقاده في دير تلعدا وهو المولود في قرية عيندابا ( عين الذئب قرب عفرين) وانتقل إلى دير قنشرين الذي تم اكتشافه العام الماضي قرب بلدة جرابلس ومنها انتخب مطراناً للرها ( لجوان قره جولي جذور من الرها- أورفة)،
وتساءل نيافته لماذا العود في هذه الاحتفالية فأجاب بأن مار يعقوب الرهاوي هو أبو الموسيقى السريانية،
كما قال: " إن كنا ندعو إلى وحدة البشرية وتآلف الديانات السماوية، ونتحدث ونتغنى بالوحدة الوطنية والعيش المشترك، ساعين إلى السلام فعلينا أن نبحث عن لغة تجمع بين كل هذه الأديان والأعراق ولا يوجد أجمل من لغة الموسيقى لتحقيق هذه الأهداف والمساعي.
وتوجه إلى جوان قائلاً: " لقد سألتُ المرحوم منير بشير عن من سيخلفه في الفن فأجاب بأن الله يعطي أكثر من منير، و أنت اليوم بحق خليفة منير بشير"
كما أضاف المطران يوحنا واصفاً طريقة إغماض الأعين عند الصلاة التي اتبعها جوان في الأمسية فقال: أتمنى أن تبقى تلك الصلاة هي الأساس في كل حياتنا، ومنها نفتش على الطريق إلى وحدتنا فلا يمكن للوطن أن ينتصر إلا من خلال الصلاة التي نرفعها إلى الله تعالى، و في نهاية الأمسية أهدى الفنان جوان درعاً تكريمياً تقديراً لفنه وجهوده.
أما عن رأيه الفني قال عازف العود الشهير ومدير المعهد العربي للموسيقا السيد
محمد قدري دلال: بأنها أمسية جيدة وعزف ممتاز وجو رائع، استخدم فيها الفنان عدة مقامات واختار معزوفات ملائمة و تمنى تكرار مثل هذه الأمسيات الموسيقية للفنانين.
وفي رده على سؤالنا له حول إمكانية إعادة التجربة فأجاب الفنان جوان بأنها ليست التجربة الأولى له في العزف في الكنائس، فقد سبق له أن عزف في عدة كنائس بدمشق وكنيسة أم الزنار بحمص، وهو يتمنى أن يصلي بنفس الطريقة في الجوامع أيضاً، تعبيراً عن لغة الصلاة الواحدة التي يتلوها العود، كما أوضح جوان كيف أنه كان يهيأ نفسه للصلاة اليوم قبل الدخول إلى الكنيسة وابتداء الأمسية، بسبب هيبة المكان التي استضاف الأمسية ألا وهي الكنيسة،
الفنان جوان قره جولي
هو من مواليد عام 1973 متزوج، درس في المعهدين العربي والعالي للموسيقى بدمشق، تدرب على أيدي مدربين من تركيا و أذربيجان والعراق، عزف في أكثر من 14 دولة عربية وأجنبية، وهو عازف منفرد في الفرقة السيمفونية السورية، و قائد فرقة الموسيقى العربية لأربع سنوات، كتب الموسيقى لأحد عشر فيلماً سورياً، وسبع مسرحيات، يتولى حالياً إدارة معهد صلحي الوادي للموسيقى وقيادة الأوركسترا السورية للموسيقى العربية، قيل عنه من قبل موسيقيين كبار: " من أفضل العارفين الذين التقيت بهم في الشرق.. ديبوجي تشاودري الأب الروحي للموسيقيين في الهند ، من العازفين ذوي الإحساس العالي والمهارة التقنية عالية المستوى.... المرحوم صلحي الوادي، موسيقار موهوب يُنطق الأوتار بأكثر مما تحتمل... الشاعر السوري الدكتور كمال فوزي الشرابي.
ريمون جرجي
حلب 12/04/2008
Ray11968@gmail.com