اجواء ليست للعيد
[/b][/size]
قصة قصيرة .... اندراوس هرمز جاء العيد كعادته يجوب ازقة القرية المزخرفة بالوان الطين المسحورة بسعيرها في مثل هذا الفصل وقد تلوثت لحيته بالرغم من طوله الممشوق حتى ان احد اطفال القرية الاشقياء لم يمنع نفسه من التعليق على منظره رغم وقاره حين تفاجىء به امام الباب فراح يدمدم له بكلمات اغنية لكاظم الساهر تقول كلماتها ( هذا اللون عليك يجنن .. يشبه لون عيونك ) ابتسم العيد ابتسامة خجولة انه يعرفهم جيدا فهم لا يكنون له الاحترام والمودة منذ زمن بعيد والكثير منهم لم يتعرفوا عليه فما زال غبار الشيوعية يغطي مساند رموشهم بالرغم من اختفاء الصحون والكاسات الحمر من موائد افراحهم واتراحهم وهجرة مناضليهم من الشيوعيين القرية الى المدينة او الى بعض الدول الرأسمالية وما تبقى منهم اصبحوا شمامسة اواكليروسيون*..
سبحان الذي يغير ولا يتغير . وقبل ان يتابع العيد مسيرته في تلك الازقة الضيقة المتعرجة ، فاجأته طفلة صغيرة مدت رأسها من النافذة المطلة على احد الازقة الرئيسية بأغنية اشورية للفنان ادور موسى تقول كلماتها (إن مشلختي إن بارمتي إن قاطلتلي له نابلا باثي لباثوخ ) وترجمتها اذا سلختني وذبحتني وقتلتني فلن اريك وجهي .ضحك العيد وهو يرفع عباءته ليغطي بها اساريره المنفرجة ودموعه التي بدت تحبو على وجنتيه خجلا من اطفال لم يمارس واياهم طقوس الاعياد من قبل .
تابع مسيره رغم الثقل الذي احس به يجري في شرايين قدميه مما سهل للطين ممارسة هوايته في التسلق حتى كاد يبلغ مشارف ركبتيه حاول اعادة ترتيب انفعالاته مع اعادة شحن قوته بالكثير من الثقة بالنفس ، قال في نفسه لابد ان يكون هناك اطفال مازالوا يرتشفون نبيذ الطفولة ويسكرون بروحه الحالمة ويميزون بين صوت الناقوس وصوت ارتطام الحجر باضواء البلدية ، خيم حوله للحظة صمت مفاجىء حلق به الشرود الى اجواء قضائية تنهمر على راسه شتى الوان الاتهامات ، حاول الصراخ وهو يدافع عن نفسه ، انا برىء انا العيد انا كالمطر انا كالهواء انا كالفصول انا كالمواسم انا صديق الاطفال انا حبيب الاطفال ، لست انا من اغضبهم لست انا من احزنهم لست انا من ابكاهم ... رعد بازلتي شق الصمت بشتائمه قذف بالعيد خارج تلك الاجواء ليعيد به الى حيث كان واقفا ،وقد التصقت قدميه بالارض حتى اشعار اخر، نظر الى الخلف حيث مصدر الصوت كان مازال ينهمر ليرتطم الصوت بالصدى خارقا كل جدران الصمت ، انه العم اوشانا اخر ختايرة القرية يلاحق صبيا اعدم شتلة الكرمة التي زرعها في فناء بيته للمرة العاشرة تحطيما حتى الموت ، الا يوجد ابن كلب يؤمن لوالده فيزا ليأخذهم ويرحل بهم عن هذه القرية ، يا ابن الزانية ماذا فعلت بك هذه الشتلة المسكينة لتعدمها ، تفو... اللعنة على والديك لقد تركني ابن الحرام اكفر بهذه الليلة المقدسة ، تابع اطلاق شتائمه رشاً من العيار الثقيل وهو يقترب من باب الكنيسة الخارجي وقبل الولوج الى الداخل وضع يده على الصليب ثم قربها من فمه وراح يرسم اشارة الصليب على وجهه وهو يتمتم باسم الاب .(.ياابن القواد ).. والابن ..( يا ابن الخنزير ) .. والروح القدس ..( يا ابن ال.. تفو ....
وهنا تذكر انه امام باب الكنيسة ، استغفر الله العظيم لقد اخرجني عن طوري ابن الصرماية عاد قليلا الى الوراء مبتعدا عن باب الكنيسة ، افرغ كل مافي صدره من الشتائم ، وعندما تأكد من خلوه تماما عاد ودخل الكنيسة من جديد بعد ان رسم اشارة الصليب ثانية وبدون ان تقاطعه الشتائم هذه المرة، كان الخوري يلقي عظة العيد على الموجودين القلة وهم ختياران وثلاثة عجائز ونصف شماس ، وكان موضوع العظة عن شجرة الميلاد ، فما ان سمع العم اوشانا كلمة الشجرة حتى تذكر منظر شجرة الكرمة وهي تصارع الموت تحت اقدام ذاك الشقي ، فعادت جمرات الشتائم تنزع حجاب الرماد عن رأسها لتنطلق كالرصاص عبر نافورة صدره غير آبهة بالمكان والزمان الا ان العم اوشانا تدارك الموقف وهرب خارجا قبل ان تتحول الى طوفان يبتلع الاخضر واليابس ، توجه نحو البيت وهو يشتم العيد والخوري ونفسه وابنه الذي هاجر الى السويد وكل من يصادفه في الطريق واقسم انه سوف لن يصلي بعد اليوم ، استغرب العيد من هذا المنظر وسأل نفسه ما ذنبه في كل ما يحصل ؟ وقبل ان يتابع مسيره نظر الى الخلف ليطمئن الى العم اوشانا فوجده يتعارك مع احدهم ، عويل وصراخ وشتائم وشد شعر ، دفعه فضوله للاقتراب اكثر ، من هذه التي يشدها من شعرها العم اوشانا ؟ يبدو انها زوجته انه يحاول منعها من الذهاب للكنيسة وهي تقاوم بما اوتي لها من قوة ، لكنها سرعان ما انهارت قواها خوفا من كلام الناس فعادت ادراجها صوب البيت وهي تقسم بأنها لن تصلي بعد اليوم شتمت العيد وشتمت الخوري ورئيس البلدية وكل من صادفها بالطريق ، وقف العيد مندهشا لفترة من الزمن ، تأمل وجوه الناس المتجمهرة هناك وهم ينظرون اليه بأزدراء ،حاول ان ينسحب ببطىء ، دار نصف دورة اراد ان يقول شيئا ما ، رفع وجهه قليلا ، تمعن في عيونهم خلسة ، يبدو انه ما من احد يشتهي الاصغاء اليه ، خيم على تلك البقعة من الارض صمت غريب ، حاول البعض الانسحاب الا ان صراخ طفل منعهم من ذلك ، كان يبكي ويطلب الحليب من امه التي كانت تشده صوبها محاولة اسكاته ، لكن محاولاتها لم تفلح ، ازداد صراخه اكثر ، من اين لنا الحليب ؟! لقد باع والدك البقرة ليشتري بثمنها لباسا لكم لتستقبلون العيد ، فخسرنا الحليب والثياب ووالدك الذي لم نرَه منذ ان باع البقرة ولن نراه حتى يصرف اخر فلس لديه ، انه العيد انه العيد الا تلاحظ من في المقهى يحتفلون على طريقتهم الخاصة قالتها بأستهزاء ، انظر.
وقبل ان تنهي كلامها دوى صوت سيارة مسرعة مرت وسط الحشد مخلفة وراءها كتلاً من الطين تتطايرت في الاجواء ، وبدأت بالتساقط على رؤوسهم ، وكأنه بركان استيقظ للتو يقذف حمما قاذورية ، تعالت الصرخات والشتائم من كل جانب وصوب وهم يراقبون سيرها المتعرج كمشية السكران، تقف فجأة امام المقهى المقابل، يخرج منها عنصران مسلحان ، انها دورية الشرطة ، قالها احدهم بحماس ، ركض الجميع صوبها ، لحظات ويخرج الجميع مكبلين ،احدهم يصرخ سيدي والله العظيم انا لم العب ، انا كنت اتفرج فقط ... انا كنت اتفرج.. والله يا سيدي ، يرد عليه الشرطي غاضبا ، والله لأخليك تتفرج لتشبع طوَّل بالك ، وهو يدفع بهم و يحشرهم داخل السيارة ، ثم يغلق الباب بكل ما اوتي من قوة ، يصعد عنصرا الشرطة الى جانب السائق ومعهم اكداس من الورق النقدية ، وقبل ان تقلع السيارة لتغادر القرية ، صرخت المرأة التي كانت تحمل طفلها على ظهرها مخاطبة زوجها : ابو نينوس كل عام وانت بخير، عيد مبارك ،تعيش وتشتريلنا بقر واخذت تجهش بالبكاء ، قال احدهم : ياجماعة لقد تركنا العيد لوحده ، نظر الجميع الى حيث كان واقفا ، فلم يجدوه ، فرد احدهم ساخراً لقد فلَّ يمكن ما عجبو الجو ، ورد آخر بأستهزاء ربما لم تعجبه الكنيسة لانها قديمة وصغيرة ، لماذا لانبني كنيسة اكبر ؟؟.
* * * * * * * * * * * * *
*
كلمة "اكليروس" مشتقة من كلمة "اكليرونوميا" ومعناها "الميراث" أى أن هؤلاء الناس اختاروا الرب نصيباً لهم، وأصبح الميراث الوحيد الذى يسعون إليه هو ميراث الملكوت، أى أنهم أصبحوا مكرسين لله تماماً، لا يعملون عملاً آخر سوى المساهمة فى بناء ملكوت الله فى القلوب، من خلال الخدمة والتعليم والرعاية.
اندراوس هرمزبيروت - لبنان