المســــــــــيح ليس حزبيــــــــــا
بقلم : أوشــــانا نيســـــان
Oschana@hotmail.com تابعت وأتابع بشغف تطورات هذا الصراع التقليدي الذي بدأ يلوح برأسه من جديد هذه الأيام ضمن رجالات كنيسة المشرق الآشورية. هذا الصراع الذي تعّود أن يستمد قوته من لدن الخلافات التاريخية العرقية والمذهبية المستشرية خارج جدران كنيستنا العريقة ، باعتبارها مؤسسة دينية مسيحية ــ أقلوية لا تنتمي إلى مؤسسات الأكثرية( المسلمة).
صحيح أنني اعترف وكعلماني إلى حد النخاع لست في الموقع المناسب لتقويم الصراعات المذهبية التي تتفاعل داخل الكنيسة ورجالاتها ولكنني كعضو منتمى لهذه الكنيسة"قد" يحق لي أن أرفع راية الاعتراض بوجه الصائدين في الماء العكر.
فالسجالات العقيمة التي نسمعها هنا وهناك يقابلها التصريحات الرسمية لقيادات حزبية محسوبة على القيـادات " المتنفذة"، حول قرار المجمع السينهادوسي الأخير والمنعقد في شيكاغو بداية نوفمبر الجاري،أن دلت على شئ فأنها تدل بحق على حراجة الوضع النفسي المزري الذي ألت أليه مسيرتنا السياسية، القومية، الفكرية وحتى الدينية.
ففي الوقت الذي يقر فيه إيضاح من المكتب السياسي للحركة، بنهجه السياسي القومي الوطني بعدم الخلط بين عملها ومواقفها السياسية وبين عمل واختصاصات كنائسنا المتعددة في شؤونها الطائفية ونشاطها الديني الإيماني، كما ورد في الإيضاح الصادر من المكتب السياسي للحركة بتاريخ 15 تشرين الثاني 2005، يستفسر عضو المكتب السياسي للحركة نفسها ماهيّة الكنيسة ويقول: إن موقفنا يتركز على معرفة ما هي الكنيسة وما هي اختصاصات ومجالات عملها وما هي اختصاصات ومجالات العمل السياسي. زهريرا نت 22 تشرين الثاني 2005.
ندرك أن عضو المكتب السياسي لأي تنظيم حزبي "باستثناء بعض أحزابنا السياسية"، لديه من الدراية ما تؤهله على معرفة دور الدين وتأثيره في مجتمعاتنا، ولاسيما دور وتاريخ كنيستنا الآشورية والتي احتفلت قبل خمس سنوات بمرور ألفي عام على وجودها، باعتبارها وريثة أقدم كنيسة وجدت على وجه المعمورة، والكلام للحبر الأعظم المرحوم مار يوحنا الثاني عام 1994.
فصل الدين عن السياسة
جاءت مهمة فصل الدين عن السياسة في مقدمة الأولويات الدينية والقومية التي رسم من اجلها قداسة البطريرك مار دنخا الرابع منذ عام 1976 ولحد يومنا هذا. لآن المطلع على أحداث الخميس الأسود المصادف 6 تشرين الثاني 1975يوم مقتل قداسة مار أيشاي شمعون بيد داود ملك ياقو ملك إسماعيل، يعرف جيدا أن الجريمة هذه دبرت طبقا لطموحات الزعامات العشائرية المتأصلة ضمن المجتمع الآشوري حتى النخاع ومؤامرات دوائر النظام العربي الشمولي وأجهزته القمعية أكثر من انتماءها إلى حقيقة الزواج الذي أعلن عنه البطريرك بنفسه ضمن رسالة بعثها إلى نيافة الأسقف دنخا بتاريخ 1 أب 1973، والكلام لقداسة البطريرك ماردنخا الرابع.
ومن الزاوية هذه ينبغي على القاصي والداني أن يتمّعن ولو قليلا عن ظلال الجريمة البشعة تلك وانعكاساتها على كرسي بطريركية المشرق الآشورية داخل العراق وخارجه. تشجعها على الدوام ، النكسة السياسية التي تلازم طروحات الزعامات الآشورية التقليدية وتراجعها هذه الأيام بعنف أمام زحف طلائع النخبة الكادحة من مثقفي أبناء شعبنا المسيحي بجميع تسمياته.
هذه القيادات التي تعودت أن تتوارى تحت عباءة العشيرة عند الإخفاق، رغم مسئوليتها الكاملة عن ظاهرة التمزق والتشتت وحتى التخلف بين أبناء الشعب الواحد واتباع الكنيسة الواحدة لأكثر من قرون .
فالأسلوب الذي أختاره مارباوي في صد أبواب بيت الله، كنيسة مار يوسف في سان هوزي بوجه راعي الكنيسة ومدبرها قداسة البطريرك مار دنخا الرابع، هو نهج معاد لنهج السلام والمحبة الذي كان ولا يزال يبشر به مار باوي بنفسه.
والتصرف هذا يجب أن يدان ويستنكر بشدة من قبل الخيرين والمؤمنين من أبناء شعبنا الآشوري، لكي يكون التصرف هذا عبرة لكل رجل دين آخر يفكر في تخريب ما تبقى من البنيان الكنسي التصّدع أصلا، أو أي رجل سياسي آخر يركب رأسه ويضحي بجميع ثوابت الأمة وعلى رأسها نهج استغلال الصراعات الكنسية في سبيل الفوز بالكرسي السياسي الهزاز.
فالضجة الإعلامية التي أحدثتها كلمة المحامي ميناس إبراهيم اليوسفي رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي، خلال الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الوفاق الوطني العراقي الذي عقد في القاهرة بتاريخ 19 تشرين الثاني الحالي في القاهرة، تصب ضمن المنهل هذا. ولاسيما عندما يحاول المحامي المذكور إقحام اسم ورسالة سيدنا المسيح ضمن قائمة الإرهابيين والهاربين عن وجه العدالة والقانون، رغم معرفته التامة، أن المسيح ليس إرهابيا وليس حزبيا ولا يمكن اختزال رسالته السمحاء ضمن القائمة التي تمثل أولئك اللذين تفننوا في حز رؤوس الناس الأبرياء كالخرفان. أو ليس هو المسيح الذي قال، طوبى لصانعي السلام على الأرض.
أما الضلالة الكبرى باعتقادي، أنها لا تنتمي إلى ذيول الضلالة التي أختارها مار باوي اليوم ومن سبقوه لأكثر من 1574 عام، ولا ضمن النهج الاستغلالوي الذي تختاره الأكثرية من قياداتنا السياسية هذه الأيام، بل في سياق الخلل الذي يكمن في قدرة الأمة رغم أقلويتها وحجمها الصغير على التصّبر والتسامى فوق فسحة الجراحات، تلك التي توازي حجم الأمة بكثير. حيث بإمكان أي منشق سياسي أو أي مرتد على عقبيه أن يفوز بقلوب البعض ، الأمر الذي تخفق في تحقيقه الصفوة من سياسينا ومثقفي شعبنا المسيحي على الدوام.
وبهدف وضع القراءة هذه ضمن سياقها الصحيح، يجب البحث عن السر القابع وراء حرص كاهن مخضرم كمار باوي في التنازل عن حريته الفردية واستقلالية كنيسته، كنيسة المشرق الآشورية، وبالتالي القبول بدوره كرقم إضافي يضاف إلى الآلاف أن لم نقل الملاين من الكهنة والأساقفة التابعين لكنيسة روما الكاثوليكية. مع تقديري واحترامي لكنيسة الكاثوليك وبقية الكنائس المسيحية في العالم. يقابله في الغموض هذا السر الدفين وراء حرص "القيادات الآشورية المتنفذة" في المراهنة على عطاءات الأكثرية واغراءاتها أولا، ثم العودة إلى صفوف الأمة عند الخسارة أو أي إفلاس سياسي محتوم. [/b] [/size][/font]