ما بعد مؤتمر القاهرة
رشاد الشلاه
قوبل البيان الختامي للاجتماع التحضيري لمؤتمر الوفاق الوطني العراقي من قبل الصداميين، ببيان مكتوب كقبله من بيانات، في مكان خارج العراق، و بمفردات غير"عراقية"، خيم على مخيلة كاتبه، ذات الخطاب الجاهلي العنجهي الأهوج، فكتب البيان وهو يردد قول الشاعر عمرو بن كلثوم:
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما تخر له الجبابر ساجدينا
كما قوبل من قبل المجاهدين الظلاميين بالوعيد والتهديد عبر خطاب "إسلامي"، خط بالسيوف أقلاما، وبالدماء مدادا، على أيدي " الشعث الغبر" من الفتية الجهلة بالإسلام. وكلا الموقفين يؤكدان ذعرهما من أية خطوة من شانها صون الدم العراقي المسلم وغير المسلم، المراق على أياديهم.
على كل حال انتهى الاجتماع بنتائج توافقية بين المشاركين فيه، حسب ما ورد في ديباجته. وقراءة متمعنة لفقراته المعالجة للوضع العراقي الراهن توحي بتحقيق خطوة ايجابية على طريق توحيد جهود الفرقاء العراقيين وقناعتهم بأهمية السير بالعملية الديمقراطية الهادفة إلى إقامة نظام ديمقراطي نيابي يستكمل مقومات السيادة الكاملة للدولة العراقية الموحدة، ويحقق المساواة لجميع مواطنيه.
نتائج هذا الاجتماع جاءت لتدلل مرة أخرى على أن الحوار والحوار فقط بين ممثلي التشكيلات السياسية والإثنية والدينية هو الاسلوب الأمثل للتوصل الى حلول لمعضلات القضية العراقية، وبذلك يقطع الطريق على القوى الظلامية الارهابية وحلفائها من الصداميين، و أغنياء الحرب والفوضى الأمنية، والمراهنين على عودة الدكتاتورية، من تحقيق مآربهم، كما أن المتابع لسير تحضيرات عقد هذا المؤتمر وجولات انعقاده ونتائجه يجد أن الجهود والضغوطات الإقليمية و الدولية فعلت فعلها في تقريب وجهات النظر بين من كانوا بالأمس لا يرون إلا أنفسهم وحدهم العراقيين المخلصين لوطنهم، أما الآخرون فلا.
ورغم الصدى الايجابي لهذا "التدخل" في الشأن العراقي إلا انه يؤكد بان القضية العراقية أصبحت قضية إقليمية، بل وعالمية، و الذي يتحمل مسؤولية أقلمتها وتدويلها، الدكتاتور صدام حسين منذ إقدامه على غزو دولة الكويت في آب 1990، وكان بذلك، قد أسس لمشروع ثلم السيادة الحقيقية للدولة العراقية، حيث تتالت فيما بعد حلقات تهديم هذه السيادة، عبر الحصار الاقتصادي، وجولات المفتشين عن أسلحة الدمار الشامل، وتدميرها، وصولا إلى إسقاط النظام بالقوة العسكرية الأجنبية واحتلال العراق، ثم ليتحول البلد إلى مرتع لعصابات الإرهاب واللصوص والمخدرات، وساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية. أما الخاتمة النتنة لهذه المسيرة غير المشرفة، فهي تفجر الحقد الطائفي والمذهبي الأسود.
إن الارتياح لما تم إنجازه في اجتماع القاهرة التحضيري سيبقى موضع ترقب حتى انعقاد مؤتمر الوفاق المؤمل عقده ربيع العام القادم في بغداد، وستكون هذه الفترة فترة اختبار حقيقي للنوايا في الساحة السياسية العراقية يتخللها الاستحقاق الدستوري القريب المتمثل بانتخاب مجلس نواب جديد وحكومة جديدة يقودان البلد لأربع سنوات قادمة.
لذلك تتوفر اليوم أمام القوى العراقية المختلفة فرصة ثمينة لتجسيد حرص كل من يريد الإسهام حقا في بناء العراق الديمقراطي الجديد، وإنقاذه من فوضى الجرائم اليومية، وخلاصه من بلوى المحاصصة والطائفية. وشعبنا بوعيه وغزارة تجاربه لن تنطلي عليه بعد دعوات الصراخ الطائفي والاتجار بشعار
rashadalshalah@yahoo.se المواطنة. [/b] [/size] [/font]