قصة شاب فلسطيني يتحدى المرض والفقر والاحتلال


المحرر موضوع: قصة شاب فلسطيني يتحدى المرض والفقر والاحتلال  (زيارة 5896 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل remon10

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 262
  • الجنس: ذكر
  • اجعلنى شمعة تحترق فى سبيل اضاءة للاخرين
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • [img]http://www.ankawa.com/upload/248/1.jpg[/img]
    • البريد الالكتروني


قصة شاب فلسطيني يتحدى المرض والفقر والاحتلال
بقلم : ربيحة علان علان 

يصعد بشار ناصر نجما أصيلا في سماء فلسطين متحديا المرض الذي خلف في جسده إعاقة دائمة ؛ فما سمح بشار للمرض أن يمس شيئا من عقله أو إرادته .. ويتحدى الفقر ليجعل من أبسط ما توفر له من أدوات سبيلا لتحقيق أحلامه وآماله .. ويتحدى احتلال غاشم لازم حياته أكثر مما لازمه المرض


ولد بشار ناصر في 29-2-1980 م لأسرة مكافحة من قرية دير قديس قضاء رام الله .. وقرية دير قديس من القرى الفلسطينية القريبة من خط الهدنة لحرب 48 وفوق ما صادرت السلطات الصهيونية من الأراضي فإن ما بقي من أراضي قرية دير قديس مستهدف بشكل خاص الأمر الذي ترجمته السلطات الصهيونية عبر العديد من الضغوط على سكان هذه القرية لتصبح حياتهم أكثر صعوبة . وبالإضافة إلى هذه الصعوبات التي لونت حياة أسرته ولد بشار ناصر في وضع صحي بالغ التعقيد ؛ فيقول :" ولدت في مستشفى رام الله الحكومي وأُدخلت مباشرة إلى غرفة العناية ".. المركزة- الإنعاش؛ كنت بين الحياة والموت ؛ بل أقرب إلى الموت من الحياة

حمل بشار معه منذ الولادة مرض اسمه "لين العظام " أو هشاشة العظام " وهذا المرض يعني أن العظام لديه ضعيفة لدرجة كبيرة ولا تتحمل أي .كدمات حتى وإن كانت خفيفة فهي تتكسر بسهولة

وكان لبشار نصيب من الحياة فعاش برغم تنقله بين أغلب مستشفيات الضفة الغربية والمستشفيات الاسرائيلية .. ووجد الأطباء صعوبة كبيرة في تحقيق نتائج مقبولة من علاجه وهو في سن مبكرة ؟ سن التكوين ؟ فكلما أجريت لبشار عملية يعود العظم فينكسر وتصبح لديه تقوسات في اليدين والقدمين . ومنزل أسرة بشار منزل قديم على نمط منازل قرى فلسطين القديمة فشكلت طبيعة هذا المنزل خاصة درجاته الحجرية الضخمة عقبة ومشكلة أمام ...بشار الطفل الذي لم يستطع السير على قدميه بل كان يستخدم عربة أطفال من نمط العربات التي تتوفر للأطفال عند تدريبهم على السير

ويقول بشار :" نشأة وأهلي يتخوفون في طفولتي أن تكون إعاقتي ذات أثر على مستوى تفكيري .. وعندها بدأ الناس يقترحون على أهلي أن أُدخل إلى مدرسة داخلية .." وعليه وفي سن السادسة من عمر بشار حملته والدته إلى مدرسة داخلية في مدينة رام الله وكانت هذه المدرسة متخصصة في العناية بالأطفال ذوي الإعاقات الجسدية والعقلية .. وبعد أن أجرى الطبيب المسؤول هناك فحص لمستوى الذكاء عند الطفل بشار أذهلته الإجابات التي تلقاها من بشار فطلب من والدته إعادته معها إلى القرية وأن تدخله المدرسة هناك كسائر أطفال القرية بعد أن أعرب الطبيب للأم عن ثقته بأن طفلها سيكون قادر على الاندماج مع سائر الأطفال العاديين

عندها التحق بشار بمدرسة القرية .. كان الوضع التعليمي في القرية في تلك الفترة صعب ؛ كان هناك مدرسة مكونة من صف واحد هو الصف الأول الأساسي فقط وفيه معلمة واحدة هي المعلمة ومديرة المدرسة في نفس الوقت ثم هناك مدرسة أخرى في مكان آخر من نفس القرية تتكون من الصفوف الأساسية الثاني إلى السادس فقط وهذا كل شيء في القرية ، وعلى الطلبة الذين ينوون إكمال تعليمهم الإعدادي والثانوي التوجه إلى بلدة نعلين المجاورة ، غير أن الطريق إلى نعلين والمسافة بين المنطقتين ( قرية دير قديس وبلدة نعلين ) كانت من الصعوبة بحيث يمتنع بعض الأهالي عن إرسال بناتهم وأبنائهم أحيانا لصعوبة الطرق وانتشار المستوطنات الصهيونية هناك ..

وعندما التحق بشار في الصف الأول الأساسي كان يستخدم وسيلة للتنقل هي دراجة هوائية ثلاثية العجلات من نوع تلك الدراجات التي نوفرها للعب أطفالنا حديثي السير .. وفي الصف الأول تصادف أن كان هناك طفلة أخرى مع بشار تتمتع هذه الطفلة بجسد قوي وكبير نظرا لتأخرها عن سن التعليم عامين .. لعبت هذه الطفلة دورا مهما في استمرار بشار في التعليم فقد كانت تحمله إلى مقعد الدراسة وتساعده في التنقل داخل المدرسة المكونة من صف واحد وساحة ترابية .. حصل بشار على المرتبة الأولى بين التلاميذ والتلميذات في الفصل الأول ؛ غير أن طبيعة المدرسة والطريق إلى البيت وطبيعة البيت كلها كانت صعبة حتى على الطفل العادي الذي كان لا بد أن يقع ويتعرض لكسور وجروح .. وهذا ما حدث مع بشار فهو طفل كسائر الأطفال يحب الحركة واللعب ولم يستسلم يوما لفكرة كونه ذو عظام أضعف من الآخرين الأمر الذي تسبب له في الوقوع أكثر من مرة .. وكان يعني لبشار الوقوع أو أي كدمة بسيطة كسر عظامه ومكوثه في المنزل بل في الفراش حتى يجبر الكسر .. ولهذا ...السبب لم يستطع بشار العودة لإكمال الفصل الثاني من الصف الأول

في هذا الوقت وعندما وجد والد بشار أن طفله الأول في هذا الوضع الصعب ؛ وزوجته لن تستطيع مواجهة هذا العبء لوحدها قرر الاستقالة من عمله في المملكة السعودية والعودة فورا إلى قريته ليتابع حالة طفله ؛ وكان هذا الوالد أستاذ للغة العربية إلا أن السلطات الصهيونية التي كانت مسيطرة آنذاك على شؤون التربية والتعليم في الضفة الغربية منعت هذا الوالد الملتزم دينيا ورجل المبادئ من الالتحاق بوظيفة في التعليم بل و ضيقت عليه فكان يعمل داخل إطار القرية في أعمال البناء وغيره وكل ما يشغل تفكير هذا الوالد المكافح أن يساعد طفله قدر الامكان على مواجهة الحياة .. فعكف على تدريس طفله المادة الدراسية كما كان يجب أن يحصل عليها في المدرسة .. وتابع بشار بعد ذلك دراسته بين المدرسة شهر أو شهرين وبين الفراش ينتظر جبر كسره شهر أو شهرين ، هذا النمط من الانقطاع عن الدوام ( منذ الصف الأول حتى السادس الأساسي) لم يعني انقطاع عن الدراسة بل تواصل في دراسته بجهد ذاتي.. تخلل ذلك مرحلة قرر الأطباء فيها لبشار سلسلة من العمليات الجراحية وهو في الصف الخامس مما يستدعي انقطاع طويل عن المدرسة فاتفق مدير المدرسة ووالد بشار على تأجيل التحاق بشار عام كامل على أن يعاود الالتحاق في الصف الخامس في العالم التالي .. في تلك الفترة وبينما بشار يجري العلميات في المستشفى حدثت حرب الخليج الثانية وتعطل الدوام المدرسي للجميع وعندما انتظم الدوام في أعقاب انتهاء أزمة الحرب كان بشار بصحة جيدة والتحق في المدرسة لكنه رسميا بلا اسم وبرغم حصوله على مرتبة بين أوائل المدرسة فقد كان عليه قانونيا إعادة الالتحاق في الصف الخامس .

كان بشار خلال فترة الدراسة الابتدائية بأكملها يستخدم الدراجة الهوائية ذات العجلات الثلاث لتنقله من وإلى المدرسة .. وخلال تلك الفترة وأثناء متابعته للعلاج في مستشفى "جبل داوود للعظام " تحسن وضعه الصحي بشكل ملموس حتى أصبح بمقدوره المشي مرتكزا إلى عكازات ، غير أن بشار الطفل الشقي يقول في ذلك ": مشيت فترة قصيرة على عكازات ؛ وكنت مولعا بكرة القدم مولعا بها جدا جدا كنت لا أحب ضياع أي مباريات دون أن أشاهدها كنت أتابع أخبار اللاعبين والأندية .. وفي تلك الفترة تخيلت نفسي في لحظة ما أضرب بقدمي كلاعبي كرة القدم وكان أمامي علبة فارغة فضربتها ووقعت لحظتها وتسبب هذا الحادث بأني لم أمشي بعدها أبد .. كنت يوم ذاك في الصف السادس الأساسي "

وبعد أن أنهى بشار الصف السادس كان لا مجال أمامه وأمام من أراد إكمال تعليمه من أبناء القرية إلا الذهاب إلى بلدة نعلين حيث تتوفر مدرسة بصفوف إعدادية وثانوية .. يقول عن ذلك :" كانت المواصلات صعبة جدا إلى نعلين ، توفر السيارات كان قليل وشارع المستوطنات هو البديل ولم تكن السيارات تدخل إلى وسط قريتنا ولذا علينا أن نذهب مشيا في الصيف والشتاء وكنت صغيرا وكان مستحيلا علي الذهاب في تلك الظروف الصعبة على الطفل العادي فكيف أنا وأنا أتنقل على دراجة أطفال هوائية ؟؟".. السلطات الإسرائيلية كانت ترفض فتح المزيد من الصفوف التعليمية وفقا لخططها الدافعة للتجهيل وزيادة صعوبة حياة الفلسطينيين خاصة في تلك القرى المستهدفة بالمصادرة الكاملة .. لكن بشار أصّر على تحدي هذه السياسة أصر على حقه في التعليم وحق الفتيات من بنات قريته اللواتي كان العديد منهن يتركن التعليم .. تكتل بشار مع أصدقائه في البلدة ورفضوا جميعا الذهاب خارج القرية للإكمال تعليمهم وأصروا على أن يتعلموا في قريتهم .. كتب بشار كتابا إلى مدير التربية والتعليم يطالب فيه بحقه وحق أبناء وبنات قريته بفتح صفوف دراسية في القرية .. لم يكن الأمر بهذه السهولة وكان الأهالي لا يتوقعون موافقة السلطات الإسرائيلية لان طلبات الأهالي رفضت دائما .. ولذا أخذ الأهالي يدفعون أبنائهم للذهاب إلى نعلين للدراسة لكن التلاميذ يصرون على الرفض بل كانوا يتوجهوا يوميا إلى منزل بشار ثم يذهبون معا إلى مدرسة القرية فيعتصمون هناك حتى الساعة العاشرة صباحا ثم يتوجهون إلى رام الله للاعتصام أمام مكاتب مديرية التربية والتعليم بينما يبقى بشار في مدرسة البلدة معتصما لأنه لا يستطيع الذهاب مع أصدقائه إلى رام الله ... بقي التلاميذ على هذا الوضع حتى مضي أسبوعين من الدوام الدراسي عندها اضطرت السلطات الإسرائيلية للموافقة على فتح الصف السابع في القرية . يذكر بشار بكل سعادة وفخر ذاك اليوم التاريخي من حياته وحياة أبناء وبنات قريته فيقول :" اقتربت من حالة اليأس أخذت أبكي طويلا وأقول أريد أن أتعلم بأي طريقة أريد أن أكمل تعليمي .. وعند مساء ذاك اليوم جاء إلى بيتنا مدير المدرسة وهو في غاية السعادة وقال أن الموافقة .." ... وصلت للتو وأنه أراد أن يبشرني بهذا الخبر المميز والخاص

وهكذا أنهى بشار وأصدقائه الصف السابع في القرية ، ومع بداية الصف الثامن كانت المشكلة ذاتها ؛ لكن هذه المرة كان إيمان بشار وأصدقائه والجميع من حولهم أقوى بتحقيق فتح الصف الثامن فتقدمت المدرسة بطلب إلى السلطات الصهيونية فتأخر الرد يوم أو يومين لكنه في النهاية جاء .. وهكذا فتح الصف التاسع والعاشر

بعد الصف العاشر كان الأمر يبدو أكثر تعقيدا ؛ فلا أبنية في المدرسة لفتح صفوف جديدة ولا يوجد موافقة رسمية ؛ لكن الجميل في الموضوع كما يقول بشار أن السلطة الوطنية الفلسطينية كانت قد استلمت شؤون التربية والتعليم وبرغم أن فاعلية السلطة الوطنية لم تكن سحرية إلا أنهم طلبوا توفر صفوف ومن ثم الموافقة تكون ممكنة .. عندها قاد بشار وأصدقائه حملة " أطرق الباب" حملة لجمع التبرعات من أهالي القرية لأجل بناء صفوف دراسية ، يقول بشار :" كنا حوالي 20 طالب وطالبة والأغلبية كانت للطالبات ؛ قسمنا أنفسنا لمجموعات كل أربعة أو خمس منا معا ، كان الطلبة يطرقون أبواب القرية وفي آخر النهار يأتون إليّ في منزلي ويسلمونني ما جمعوا من مبالغ ، كما قمنا بعمل حفلة خيرية حتى توفر لدينا المبلغ فبنينا الصف الحادي عشر ثم الثاني عشر ( التوجيهي) . وعندها جاءت الموافقة من السلطة الوطنية لفتح الصفوف وكنا أول فوج "توجيهي يتخرج من مدرسة قريتنا .. وكانت نتائجنا مشرفة وحصلت مدرستنا على شهادة تقدير وأشاد بها مكتب التربية والتعليم

وبينما يأخذ القلق والاضطراب طلبة الثانوية العامة( التوجيهي) على تحصيل النجاح والمعدل .. كان بشار واثقا من حصوله على معدل مرتفع ولم يكن يشغل تفكيره سوى حلمه بالالتحاق بجامعة بيرزيت ..وعن ذلك يقول بشار :" أول مرة حصلت فيها على كرسي متحرك كنت في الصف الثامن الأساسي ؛ وفي الصف التاسع أخذنا أستاذ في رحلة إلى جامعة بيرزيت .. أحببت هذه الجامعة جدا جدا .. دخلت مكتبتها .. تعلقت بطلابها وبأبنيتها وبكل شيء فيها وصممت في نفسي أن أدخلها .. وكان الناس يسألونني : ماذا ستفعل يا بشار بعد التوجيهي ؟ كنت أجيبهم بكل تلقائية : أنا ذاهب إلى جامعة بيرزيت ..فيستغربون ويدهشون ويقولون : كيف ؟ وهل يمكنك ذلك ؟الطريق صعبة وشاقة وهل تتحمل هذه المشقة وهذه المصاريف الكبيرة ؟؟ .. كنت أقول لهم : سأذهب والله سييسر لي أمري إن شاء الله ".. وأنهى بشار الثانوية العامة وحصل على معدل 92% .. وعندها سلم من حوله بمدى تصميمه على المضي في مشوار حياته كأي شاب فلسطيني آخر ولم يكن من الجميع إلا أن شجعوا بشار على الاقدام على ما نوى عليه .. رئيس اتحاد المعاقين الفلسطينيين قال لبشار :" أنت أمل وقدوة لكل المعاقين في فلسطين عليك أن تثبت نفسك وتستمر ليعلم "...الجميع أن الجامعات الكبرى كجامعة بيرزيت ليست حكرا على أحد وأن المعاق بإمكانه مواصلة مشواره كالآخرين ما دام هناك إرادة وعمل

ودخل بشار جامعة بيرزيت ولكن ... قال بشار :" ومع دخولي إلى الجامعة بدأت الانتفاضة وبدأت الإجراءات الصهيونية الظالمة ؛ لم يكن في حساباتي أبدا هذه الحواجز والاغلاقات وغيرها من الممارسات العنيفة التي تمارس ضد شعبي ؛ كان الناس مندهشين من مجرد خروجي من البيت إلى رام الله ومن رام الله إلى الجامعة ، لكن لا أحد يستطيع التصديق كم من العقبات والطرق القاسية التي أصبح علينا اجتيازها للوصول "إلى جامعاتنا

منذ التحق بشار بجامعة بيرزيت وسير العملية التعليمية يتعرض للتعطيل ولمدد خانقة إضافة إلى ما لحق بالفلسطينيين من دمار اقتصادي ونفسي ؛ الأمر الذي جعل بعض الطلبة يتوقفون عن مواصلة تعليمهم بسبب الطرق أو المشاكل المادية ؛ غير أن بشار ما زاده هذا الوضع إلا تصميما وتحديا فهذه رسالته كما يقول ؛ "هنا علي أن أصمد وأن أستمر فأنا أحمل رسالة تمثل المعاقين والشبان الفلسطينيين ومهما كانت الأوضاع صعبة سأستمر إن شاء الله

ويذكر لنا بشار بعض من ذكرياته على الحواجز الصهيونية فيقول :" مع بداية الانتفاضة وضع الصهاينة حاجزا بين قريتنا وبين رام الله اسمه حاجز عين عريك كان هذا الحاجز في البداية يحتاج قطعه إلى مواصلتين كان علينا استخدام مواصلة لقسم من الطريق ثم السير نحو القسم الآخر ؛ كان يحدث عندها أزمة كبيرة نتيجة لعدد السيارات المتوقفة ؛ كان الشخص العادي بالكاد يتسلل من بين السيارات ليمر كان الأمر بالنسبة لي صعب للغاية فكيف أمر أنا بكرسيي المتحرك ؛ كنت أضطر للانتظار ساعة وأكثر لأتمكن من المرور .. ثم هناك حاجز آخر ينتظرني في طريق الجامعة ألا وهو حاجز صردا ؛ وهو أصعب .. كنت أجد نفسي كثيرا قد توقفت في دور طويل على كرسيي المتحرك كسائر السيارات .. بعد مدة أصبح حاجز عين عريك شبه مستحيل فقد حصنه الصهاينة بخنادق ومنعوا المرور عبره ، أصبحنا نذهب عبر طرق عكسية تأخذ وقتا أطول بكثير وغالبا ما كانت خطرة كطريق مستوطنة حلميش أو طرق صعبة جبلية ووعرة .. كان الجنود عديمي الإنسانية وفي حالات يسمحوا لي فيها بالمرور نظرا لحالتي إلا أن سماحهم لي بالمرور لا يعني مطلقا أن أمرّ مباشرة باستخدام سيارة بل أقطع الطريق على صعوبتها وهكذا يكون سماحهم لي لا يعني رحمتهم لحالتي

وذات مرة بدأ الدوام الجامعي وكانت الطرق مغلقة ومستحيلة خاصة بعد عملية حاجز عين عريك الفدائية لكن بشار صمم أن يذهب إلى الجامعة حتى وإن استشهد كما قال .. اقترب بشار وصديقه من جنود حاجز عين عريك وكانوا قد وضعوا دبابة قرب الحاجز وأخذوا يهددون كل من يمر بالموت ؛ بشار وصديقة أصرا على المرور وبعد مجادلة طويلة مع الجنود أمر الجنود خلالها بشار وصديقة بإلقاء بطاقات الهوية على الأرض وأن يخلعا ملابسهما عن البطن والصدر والجنود مشهري بنادقهم من بعيد خوفا من أن يكون بشار وصديقه ملغمين .. وفي النهاية مرّ بشار إلى جامعته

بعد فصلين جامعيين أي بعد حوالي العام قرر بشار وصديقين له الحصول على سكن قرب الجامعة بعد أن أصبح الذهاب يوميا من البيت وإلى الجامعة شاقا جدا .. ويذكر لنا بشار تجربته في السكن الجامعي وهو في غاية السعادة ؛ فالسكن الجامعي عنى له الاستقلالية التامة ورغم أن بشار تعلم دوما الاعتماد على نفسه في البيت من حيث الاستحمام والأكل والأمور الشخصية العديدة لكن في السكن وبعيدا عن والدته سيكون أمام اختبار الاستقلالية الحقيقي ، وهو فخور بأنه حقق هذا الحلم ويعلق على هذه التجربة بالحديث عن برنامج تجربه دولة السويد واسمه " استقلالية الحياة " ؛ حيث يجعلون مجموعة من المعاقين في شقة مستقلة وحدهم ليتدبروا أمور حياتهم كما لو كانوا طبيعيين ؛ فيعلق على ذلك بشار بالقول :"أنا فعلت ذلك وحدي".. ثم يذكر لنا يومه الأول في السكن الجامعي ويأخذ بالضحك وهو يقول :" قررنا أن نحضّر العشاء وكان هذا أول يوم في حياتي أمسك فيه سكينا وحبة بندورة لصنع الطعام وبعد قليل انتبه اليّ أصدقائي حيث يدي مبتلة بعصير البندورة ..كان شكلي مضحك .. فأخذنا نضحك "ثلاثتنا ونحن في غاية السعادة

جامعة بيرزيت كبناء هندسي تحوى الكثير من الصعوبات أمام تحرك شاب على كرسيه كبشار ، فأبنيتها مليئة بالدرجات وحتى المداخل البسيطة لا تخلوا من الدرج ؛ إدارة الجامعة بدوائرها المختلفة وبعامليها وأساتذتها وطلبتها أحاطوا بشار بعنايتهم وحبهم لما وجدوا فيه من جدية واجتهاد وتحدى .. فتقوم دائرة التسجيل بترتيب محاضرات بشار في أماكن أكثر ما تكون قربا من المداخل ، وصُُُُمم حمام في كل بناية بحيث يناسب استخدام شخص يتحرك على الكرسي وصمم مدخل مستوي يسهل دخول الكرسي المتحرك عند كلية التجارة حيث بشار هو طالب سنة ثالثة قسم ...المحاسبة

وأكثر ما يلفت الانتباه في أثناء تعاملنا مع بشار إضافة لروحه المرحة الشجاعة المميزة ؛ هو حجم الصداقة والمحبين له ، في كل مرة ألتقي فيها بشار أفاجأ بوجود أصدقاء جدد له ، ويشعر المراقب لمجموعة أصدقاء بشار بقدر رائع وطيب من الصدق والمحبة والتعاون والإخلاص ؛ وفي هذا الزمان الذي بات أغلبنا يشتكي ندرة الصداقة الحقيقية .. والتي هي بالتأكيد حية وفي أروع صورها بين بشار وأصدقائه .. يقول بشار :"أحب التعاون ، اليد الواحدة ، أحب أصدقائي ؛ هم كل حياتي ، أحب إثارة جو من المرح والفرفشة بيني وبينهم .. إخلاصنا متبادل .. أصدقائي يقولون لي : لا يوجد مثلك في العالم . أقول لهم : لا .. يوجد واحد آخر اسمه بشار وعلى كرسي أيضا .. يعيش في ألمانيا لكن يختلف عني بشيء واحد .. يقولون ما هو ؟ "أقول : ليس لديه أصدقاء رائعين مثلكم

وأخيرا : فبشار الطالبة في كلية التجارة جامعة بيرزيت تخصص المحاسبة سنة ثالثة يهوى المطالعة والشطرنج وكرة القدم ويقول عن الأخيرة :أحب كرة القدم جدا وأشاهد المباريات دوما وأحمل أملا في داخلي بأن ألعبها .. أما أسعد لحظات حياة بشار فهي بين أصدقائه كما يقول .. وبشار يخطط لمواصلة تعليمه لأعلى الدرجات العلمية لكنه سيترك لنفسه مجالا بعد التخرج من البكالوريوس ليمارس الحياة العملية لعام أو اثنين ليكّون نفسه وهو على أمل وتصميم للتواصل مع الجمعيات والنوادي والنشاطات التي تخدم المعاقين خاصة والمجتمع المحلي بشكل عام فبشار يحمل مجموعة أهداف سيحاول تحقيقها إن شاء الله وهي أولا : نصرة قضايا المعاقين وحقوقهم ودمجهم في المجتمع ثانيا : نصرة قضايا المرأة وحقوقها ؛ ثالثا : نصرة قضية فلسطين بالسعي لتحقيق وحدة داخلية وعمل على تجذير الانسان الفلسطيني في أرضه .وسعي لتحصيل حقه ومقاومة الظلم والاستبداد الصهيوني

أسرة بشار تتكون اليوم من اثني عشر فردا ؛ الوالدين وعشرة من الأبناء والبنات . وفي هذه الأسرة المتواضعة الدخل للغاية ثلاث من المعاقين هم بشار وأخت له أصغر منه سنا لكنها أفضل منه في الحالة الصحية فهي تمشي برغم الإعاقة وتدرس إدارة أعمال في جامعة القدس المفتوحة سنة ثانية وأخ في الصف الرابع حالته متماثلة مع حالة بشار .. وبرغم هذا الضغط على العائلة وكون رب الأسرة اليوم يعمل مدرس وبالكاد يكفي راتبه هذه الأسرة الكبيرة ذات الوضع الخاص إلا أن هذه الأسرة نجحت في إيصال أبنائها الأربعة الكبار إلى مرحلة التعليم .الجامعي والباقون في المدرسة
وأنهي تقريري هذا بكلمات "بشار" إذ يقول لنا : " الحياة جميلة وليست معقدة ونحن نتحكم بها ونطوعها بإرادتنا وليست ظالمة لإنسان دون آخر فكلنا يحيى صعوبة ما في حياته لكن كيف نعالج الأمور هذا هو الفرق .. والتحدي هو سيد الموقف دائما وحلاوة الدنيا بصعوبتها أحبوا "...بعضكم أيها الناس وإن شاء الله تتحقق أحلامي وأحلامكم
remon10 remon10 remon10 remon10 remon10 remon10 remon10 remon10 remon10 remon10

بــــسم الذى وهبى لى الحياة


غير متصل e.valantine

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 169
  • الجنس: ذكر
  • تمنيت الموت ولكني خشيت دمعتان دمعة امي ودمعةحبيبتي
    • مشاهدة الملف الشخصي
شكرا على هذه القصة الرائعة واتمنى من جميع الاخوة والاخوات الاعزاء الاستفادة منها
وشكرا على مجهودك الجميل
تقبل مروري
ايفان


غير متصل remon10

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 262
  • الجنس: ذكر
  • اجعلنى شمعة تحترق فى سبيل اضاءة للاخرين
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • [img]http://www.ankawa.com/upload/248/1.jpg[/img]
    • البريد الالكتروني
ايفان حبيبى شكرا انت دائما المسبق فى الرد الله يخليك لينا ويحميك من كل شر
شكرا ايفان
remon10

بــــسم الذى وهبى لى الحياة

غير متصل Nadia Hanna

  • اداري منتديات
  • عضو مميز جدا
  • *
  • مشاركة: 2401
  • الجنس: أنثى
    • مشاهدة الملف الشخصي
قصة رائعة اخ ريمون بيها معاني رائعة يسلمووووووووو
يحميك الرب



غير متصل remon10

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 262
  • الجنس: ذكر
  • اجعلنى شمعة تحترق فى سبيل اضاءة للاخرين
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • [img]http://www.ankawa.com/upload/248/1.jpg[/img]
    • البريد الالكتروني
شكرا استاذة نادية على مرورك
يحميكى يسوع
remon10

بــــسم الذى وهبى لى الحياة

غير متصل جولييت دانيال اينشكي

  • اداري
  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 539
  • اجعلوا دائما من حياتكم فعل عطاء
    • مشاهدة الملف الشخصي
الحياة جميلة وليست معقدة ونحن نتحكم بها ونطوعها بإرادتنا وليست ظالمة لإنسان دون آخر فكلنا يحيى صعوبة ما في حياته لكن كيف نعالج الأمور هذا هو الفرق .. والتحدي هو سيد الموقف دائما وحلاوة الدنيا بصعوبتها أحبوا "

شكرا يابسمةاسكندرية لِما تنقلوه اناملك الرائعة التي تعكس كم انك تشعر بالاخر وتحس به ، هنئيا لابشار انه  عرف كيف يعش حياته  لقد عاش بشار ملي الحياة ..

اشكر الله لوجود مثل بشار في حياتنا لاننا نستمد القوة منهم .. واسال الرب ان يعطينا القوة والارادة ف يمواصلة حياتنا بصعوباتها وآلمها ..


جوجو


اهلا وسهلا بكم في منتدى التأهيل الاسري لذوي الاحتياجات الخاصة
http://www.ankawa.com/forum/index.php/board,88.0.html

غير متصل shakar

  • عضو مميز متقدم
  • *******
  • مشاركة: 30717
  • الجنس: أنثى
  • الرب نوري و خلاصي فمن من اخاف
    • مشاهدة الملف الشخصي
روووعة عاشت الايادي ياوردة


غير متصل remon10

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 262
  • الجنس: ذكر
  • اجعلنى شمعة تحترق فى سبيل اضاءة للاخرين
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • [img]http://www.ankawa.com/upload/248/1.jpg[/img]
    • البريد الالكتروني
شكرا shakar على المرور الرائع تحياتى لحضرتك
وكمان شكرا مشرفتنا الغالية جدا علينا
كل يوم وانا معكم فى المنتدى بقول شكرا ليسوع انى عرفنى عليكى جوجو ومنك حبيت اكون عضوا فى المنتدى الرائع
يسوع يجعلنا اخوة للناس والغريب قبل القريب
تحياتى shakar  تحياتى جوجو
remon10

بــــسم الذى وهبى لى الحياة