هل نقض المسيح شريعة موسى؟
في أكثر من مرة في العظة على الجبل، قال السيد المسيح "سمعتم أنه قيل للقدماء ... وأما أنا فأقول لكم ... (مت5).
فهل معنى هذا أنه نقض شريعة موسى، وقدم شريعة جديدة؟
كما يظهر من قوله مثلاً: سمعتم أنه قيل عين بعين، وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم: من لطمك على خدك الأيمن، فحول له الآخر أيضاً ..." (مت5: 38، 39). والأمثلة كثيرة ..
السيد المسيح لم ينقض شريعة موسى. ويكفي في ذلك قوله: "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 17، 18).
إذن لا نقول فقط، إن شريعة العهد القديم لم تُلغَ ولم تُنقض. بل أن حرفاً واحدا منها لا يمكن أن يزول.
إذن ما معنى: قيل لكم عين بعين، وسن بسن؟
إن هذا كان شريعة للقضاء وليس لتعامل الأفراد. بهذا يحكم القاضي حين يفصل في الخصومات بين الناس. ولكن ليس للناس أن يتعاملوا هكذا بعضهم مع البعض الآخر. إن فهم الناس خطأ أنه هكذا ينبغي أن يتعاملوا!! فإن السيد المسيح يصحح مفهومهم الخاطئ بقوله: من ضربك على خدك، حول له الآخر أيضاً. سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتُبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يُسيئون إليكم ويطردونكم" (مت5: 43، 44).
هنا لم ينقض السيد المسيح الشريعة القديمة، وإنما صحح مفهومهم عن معنى القريب إذ كانوا يظنون أن قريبهم هو اليهودي حسب الجنس. أما السيد المسيح فبين لهم أن قريبهم هو الإنسان عموماً، ابن آدم وحواء.
فكل إنسان يجب أن يقابل إساءته بالإحسان. فالمفهوم الحقيقي للشريعة هو هذا. بل أن هذا يتفق مع الضمير البشري، حتى من قبل شريعة موسى ... وهذا ما سار عليه الآباء والأنبياء قبل شريعة موسى وبعدها.
إذن شريعة الله هي هي، لم تُنقض ولم تُلغَ. إنما السيد المسيح صحح مفهوم الناس لشريعة موسى، ووصل بهم إلى مستوى الكمال، الذي يناسب عمل الروح القدس فيهم.