أسرار الكنيسة السبعة
تعريـف السـر:
في بداية الأمر يجب أن نعرف أن كل أسرار العهد الجديد إنما هي من وضع ربنا يسوع المسيح. وأن الأسرار هي القوى التي تخرج من جسد المسيح الحي، وهي أفعال الروح القدس العامل في جسد المسيح أي الكنيسة.
والسّر هو عمل مقدّس تُمنح فيه للمؤمن، من خلال علامات منظوّرة، نعمة الله غير المنظوّرة.
ويجب أن ندرك أن السر لا يتحقق ببر مَن يمنحه أو يناله، بل بقدرة الله. فكل مرة يُحتَفل بالسر وفقاً لنية الكنيسة، فإن قدرة المسيح وروحه يعملان فيه بمعزل عن قداسة القائم به.
هدف الأسرار:
1. تهدف الأسرار إلى تقديس البشر وبنيان جسد المسيح وتأدية العبادة لله.
2. فرض الإيمان وتغذيته وتقويته وتعبّر عنه بالألفاظ والأفعال. ولهذا السبب تدعى أسرار الإيمان. فالكنيسة عندما تحتفل بالأسرار فهي تعترف بالإيمان الموروث من الرسل.
3. تهدف الأسرار المقدسة إلى خلاص المؤمنين. فالروح يشفي ويغيّر الذين ينالونه ويصوّرهم على صورة السيد المسيح، ويؤلّه المؤمنين. فالروح القدس يعمل في الأسرار، فكما تحوّل النار كلَّ ما تمسّه، يحوّل الروح القدس إلى حياة إلهيّة كلَّ شيء يخضع لقدرته.
4. ومن أهداف الأسرار أيضاً التعبير عن الشركة الإيمانية في الكنيسة التي تهدف إلى توحيد المسيحيين. (فهم شركاء في جسد واحد، هو جسد السيد المسيح).
أنواع الأسرار:
المسيح هو سر قداسة الكنيسة، وهو سر العهد الجديد، وتبعاً لتعاليمه ووصاياه وضعت الكنيسة الأسرار السبعة في ترتيب كالتالي: سر المعمودية وسر الميرون المقدس (التثبيت) وسر الافخارستيّا وسر التوبة وسر مسحة المرضى وسر الكهنوت وسر الزواج. وتتصل هذه الأسرار السبعة بكل المراحل وكل الظروف الهامة في حياة المسيحي: فهي تهب الولادة الجديدة من خلال (المعمودية)، وتهب النمو من خلال (التثبيت والافخارستيا)، وتهب الشفاء من خلال (مسحة المرضى والتوبة)، وتهب الاستعداد لرسالة المسيحيين في حياتهم الإيمانية من خلال (الزواج والكهنوت).
وتقسم الأسّرار إلى ثلاثة أقسام رئيسية وهي:
- القسم الأول يسمى أسّرار التنشئة وهي المعموديّة والتثّبيت والإفخارستيّا. ويطلق على هذه الأسّرار أسم المدخل أو الباب، لأن من خلالها يدخل المؤمن في حياة الكنيسة ليصبح عضو في جسد السيد المسيح. وبالتالي هي ولادة مقدسة (المعمودية)، وختم لا يمحى بقوة الروح القدس (التثبيت).
- القسم الثاني ويسمى أسّرار الشفاء وهي سر التوبة وسر مسحة المرضى. وتسمى أسّرار الشفاء لأنه من خلالها ينال المؤمن شفاء للجسد والروح معاً.
- القسم الثالث ويسمى أسّرار الخدمة وهي سر الزواج وسر الكهنوت. وتسمى بأسّرار الخدمة لأنها تقوم على خدمة الإنسان وتأمين الخلاص له.
القسم الأول
أسّـرار التنشئـة
أولاً - سرّ المعمودية:
- المعموديّة المقدَّسة هي ركيزة الحياة المسيحيّة كلّها. وهي الباب الذي يوصل إلى الأسرار الأخرى. فبالمعموديّة نُعتَق من الخطيئة ونولد ثانية ميلاد أبناء الله، ونصير أعضاء للمسيح، ونندمج في الكنيسة ونصبح شركاء في رسالتها.
- والمعمودية هي غسل الميلاد الثاني والتجديد بالروح القدس. ومن دونها لا يستطيع أحد أن يدخل ملكوت الله. وهذا ما يؤكد عليه القديس يوحنا في إنجيله "لا يستطيع أحد أن يدخل ملكوت الله ما لم يولد من الماء والروح" (يو 3: 5).
- والمعمودية أيضاً هي "استنارة"، فعندما يتلقّى المعمّد الكلمة، "النور الحقيقي المنير كلّ إنسان" (يو 1: 9) يصبح، "بعدما أُنير"، "ابناً للنور"، بل يصبح هو نفسه "نوراً" (أف 5:

.
- والمعمودية هي فصح وعبور من الخطيئة إلى النعمة. فيها تمحى كل خطايا المعمد من الخطيئة الأصلية إلى جميع خطاياه التي أقترفها في حياته.
- يقول القديس غريغوريوس النزينزي (خطاب 40، 3-4) المعمودية هي "أجمل وأبهى عطيّة من عطايا الله، نسمّيها عطيّة ونعمة ومسحة واستنارة وثوب عدم الفساد وغسل الميلاد الثاني، وختماً وكلّ ما هو أنفس النفائس. فهي عطيّة لأنها تُمنح للذين لا يأتون بشيء؛ وهي نعمة لأنها تعطى حتى للمذنبين؛ وتغطيس لأن الخطيئة تُدفَن في الماء؛ ومسحة لأنها مقدَّسة وملكيَّة (على غرار المسحاء)؛ واستنارة لأنّها ضياء سنيّ؛ وثوب، لأنها تستر خزينا؛ وغسل لأنها تطهّر؛ وختم لأنها تحمينا ولأنّها علامة سيادة الله".
مفاعيل المعمودية:
- المعمودية هي ولادة جديدة، واشتراك في حياة الله، هذه الولادة الجديدة هي من فوق أي من عند الله. وهذه الولادة تملأ الإنسان من روح الله.
- بالمعمودية ننال التبني، حيث يصير الإنسان ابناً لله ووارثاً مع المسيح، ولذلك نصبح مسيحيين، نحمل الاسم والختم اللذين لا يمحيان أبداً.
- بالمعمودية نصبح أعضاء في جسد المسيح السرّي، كما نصبح أعضاء أيضاً في جسم الكنيسة التي هي جسد المسيح السرّي.
- بالمعمودية تُغفر الخطايا كلُّها: الخطيئة الأصليّة، وجميع الخطايا الفرديّة وجميع عواقب الخطيئة. فالذين وُلدوا ثانية لا يبقى فيهم ما يحجبهم عن دخول ملكوت الله: لا خطيئة آدم، ولا الخطيئة الفرديّة، ولا ذيول الخطيئة، وأخطرها الانفصال عن الله.
أنواع المعمودية:
- المعمودية بالماء
- معمودية الشهادة أو معمودية الدم: وينالها كل الذين يموتون في سبيل الله، ولم ينالوا المعموديّة، إنّما يعتمدون بموتهم لأجل المسيح ومع المسيح.
- معمودية الشوق: وينالها كل الذين يموتون وهم يرغبون بتقبل المعمودية ولم يتثنى لهم تحقيق هذه الرغبة. ولكن هذه الرغبة يجب أن تكون مقرونة بالتوبة عن خطاياهم وبالمحبة، والتي تكفل لهم الخلاص الذي لم ينالوه بسرّ المعموديّة.
- أما بالنسبة إلى الأطفال الذين يموتون بلا معموديّة، فالكنيسة لا تقدر إلاّ أن تكل أمرهم إلى الرحمة الإلهيّة.
- في حال الضرورة يجوز لكلّ إنسان أن يمنح المعموديّة، بشرط أن ينوي القيام بما تقوم به الكنيسة، ويصبّ الماء على رأس المعتمد، قائلاً: "أعمّدك باسم الآب والابن والروح القدس".
ثانياً – سر التثبيت:
التثبيت يكمّل نعمة المعموديّة. إنّه السر الذي يهب الروح القدس ليرسّخنا ترسيخاً أعمق في البنوّة الإلهيّة، ويدمُجنا، بوجه أثبت، في جسد المسيح، ويُمتّن ارتباطنا بالكنيسة، ويشركنا أكثر في رسالتها، ويساعدنا في أداء شهادة الإيمان المسيحيّ قولاً وعملاً، فنصبح شهود حقيقيين للمسيح.
علامات سرّ التثبيت ورتبته
1. رتبة سرّ التثبيت تتضمّن المسحةَ والتي هي علامةً حسّيّةً، وترمز إلى الختم الروحي. وهذه المسحة تكون بالزيت المعطّر (الميرون)، والذي يرمز إلى موهبة الروح القدس. وهذه المسحة تفسّر اسم "المسيحي" أي "الممسوح" والمستوحى من اسم المسيح نفسه الذي "مسحه الله بالروح القدس".
2. هذه المسحة تكون على مرحلتين، المرحلة الأولى قبل المعمودية المسح بزيت الموعوظين، وترمز إلى التنقية والتقوية؛ والمسحة الثانية بالزيت المقدَّس (الميرون) بعد المعمودية في سرّ التثبيت، وهي علامة التكريس.
3. بهذه المسحة ينال طالب التثبيت "سمة" الروح القدس "وختمه". وختم الروح القدس هذا هو علامةُ الانتماء الكامل إلى المسيح والتطوّعِ لخدمته على الدوام.
مفاعيل سرّ التثبيت
إن مفعول سر التثبيت هو إفاضة نعمة الروح القدس الخاصّة على المعمد، كما أُفيض قديماً على الرسل يوم العنصرة. فيعمل سرّ التثبيت على إنماء نعمة المعموديّة وترسيخها:
1. يرسّخنا ترسيخاً أعمق في البنوّة الإلهيّة التي تتيح لنا القول: "أبّا، يا أبتاه"
2. يزيدنا ثباتاً في اتّحادنا بالمسيح
3. يزيد مواهب الروح القدس فينا
4. يجعل ارتباطنا بالكنيسة أكمل
5. يمنحنا قوّة خاصة من الروح القدس لننشر الإيمان ونذود عنه بالكلام والعمل، فنصبح بذلك شهود حقيقيين للمسيح، ونعترف باسم المسيح بشجاعة ولا نستحيي أبداً بصليبه
6. بسر التثبيت، ننال الختم الروحيّ، روحَ الحكمة والفهم، روحَ المشورة والقوة، روحَ المعرفة والتقوى، روحَ المخافة المقدسة
7. سرّ التثبيت، كالمعموديّة التي يكمّلها، لا يُمنح إلاّ مرّة واحدة. فالتثبيت يَسِمُ النفس بسمةٍ روحيّة لا تبلى، أي "الختم" . وهو الدليل على أنّ يسوع المسيح قد ختم المسيحي بختم روحه، وألبسه قوّة من العلاء ليكون له شاهداً
ثالثاً - سرّ الافخارستيا
- سر الافخارستيا هو سرّ التَقْوى، وعلامة الوحدة، ورباط المحبة، ووليمة فصحيّة، فيها نتناول المسيح غذاء، وتمتلئ النفس بالنعمة، ونُعْطَى عربون المجد الآتي.
- الافخارستيا هي "منبع الحياة المسيحية كلّها وقمّتها". "فالأسرار وجميع الخِدَم الكنسية والمهامّ الرسوليّة مرتبطة كلّها بالافخارستيّا ومترتّبة عليها. ذلك لأن الافخارستيّا تحتوي على كنز الكنيسة الروحيّ بأجمعه، أي على المسيح بالذات".
- الافخارستيا هي رمز شركة الحياة مع الله ووحدة شعب الله، وهي قمّة العمل الذي به يُقدِّس الله العالم في المسيح، كما أنّها ذروة العبادات التي يرفعها الناس إلى المسيح، وبه إلى الآب في الروح القدس".
تسميات هذا السرّ
1. الافخارستيّا: لأنّها أداء شكر لله. نشكر فيها الله على عمل الخلق وعلى كلّ ما صنعه من خير وجمال وبرّ في الخليقة وفي البشريّة.
2. مائدة الربّ: فالافخارستيّا تذكّر بالعشاء الذي تناوله الربّ بصحبة تلاميذه عشيّة آلامه.
3. كسر الخبز: هذه العادة مأخوذة من الموائد اليهودية، كان يسوع يعمد إليها، عند بركة الخبز وتوزيعه، بصفته المتقدّم في المائدة.
4. المحفل الافخارستي: وذلك لأنّ الافخارستيّا يُحتفَل بها في جماعة المؤمنين.
5. الذبيحة المقدّسة، لأن الافخارستيّا تجسّد في الحاضر الذبيحة الوحيدة، ذبيحة المسيح المخلّص، فالافخارستيّا تمثّل ذبيحة الصليب (أي تجعلها ماثلة لدينا).
6. وتُسمّى أيضاً ذبيحة القداس المقدسة، "ذبيحة التسبيح"، الذبيحة الروحيّة، الذبيحة الطاهرة المقدّسة، لأنّها تكمّل وتفوق ذبائح العهد القديم كلّها.
7. الشركة: لأنّنا، بهذا السرّ، نتّحد بالمسيح الذي يصيّرنا شركاء في جسده وفي دمه لنكون جسداً واحداً.
ثمار المناولة
- المناولة تنمّي اتّحادَنا بالمسيح. فالربّ يقول لنا: من يأكلْ جسدي ويشرب دمي يثبتْ فيّ وأنا فيه" (يو 6: 56).
- تحقّق المناولة بطريقة عجيبة في حياتنا الروحية، ذات المفعول الذي يحققه الطعام في حياتنا الجسدية، فتصون حياة النعمة التي تلقّيناها في المعمودية، وتنمّيها وتجدّدها.
- المناولة تفصلنا عن الخطيئة. فجسد المسيح الذي نأخذه في المناولة قد "بُذِلَ لأجلنا"، والدم الذي نشربه قد "سُفِكَ عن الكثيرين لمغفرة الخطايا". وبالتالي، فالافخارستيّا لا تستطيع أن تضمّنا إلى المسيح، من دون أن تطهّرنا من الخطايا السالفة وتحفظنا من الخطايا الآتية: "كل مرّة نتناوله، نخبر بموت الرب. فعندما نبشّر بموت الربّ، نبشّر بمغفرة الخطايا. وإذا كان كلَّ مرة يراقُ دمُه، إنّما يراقُ لمغفرة الخطايا، فعليّ أن أتناوله دائماً لكي يصفح دائماً عن خطاياي. فأنا الذي يرتكب الخطيئة دائماً، أحتاج دائماً إلى علاج".
- كما أنّ الطعام الجسديّ يعيد القوى المفقودة، كذلك الافخارستيّا تقوّي المحبة التي تنزع إلى التناقص في الحياة اليوميّة. هذه المحبة، إذا انتعشت، تمحو الخطايا العَرَضيّة.
- المحبة التي توقدها الافخارستيا فينا تحمينا من الخطايا المميتة الآتية. فبمقدار ما نشترك في حياة المسيح ونتقدَّم في صداقته، يمسي أصعبَ علينا أن ننفصل عنه بالخطيئة المميتة.
القسم الثاني
أسـرار الشـفاء
إن الرب يسوع المسيح، طبيب نفوسنا وأجسادنا الذي غفر للمقعد خطاياه وأعاد إليه صحة البدن، أراد لكنيسته أن تواصل، في قوة الروح القدس، عمل الشفاء والخلاص حتى لأعضائها أنفسهم. وهذا ما يهدف إليه سرّا الشفاء: سر التوبة وسر مسحة المرضى.
أولاً- سر التوبة والمصالحة
" إن الذين يُقبِلونَ إلى سر التوبة يصيبون من رحمة الله مغفرة الإهانة التي ألحقوها به، ويتصالحون في الوقت نفسه مع الكنيسة التي جرحوها بخطيئتهم، والتي تسعى بمحبتها ومثالها وصلاتها في سبيل توبتهم".
فالخطيئة هي أولاً إهانة لله وقطع للشركة معه. وهي، في الوقت نفسه، مساس في الشركة مع الكنيسة. ومن ثم فالارتداد يستنزل علينا صفح الله، ويحقق المصالحة مع الكنيسة، في آن واحد. وهذا ما يوحيه ويحققه، ليترجيّاً، سرّ التوبة والمصالحة.
الأسماء التي تطلق على هذا السرّ
1. إنه يسمى سر الهداية لأنه يحقق سريّاً دعوة يسوع إلى الارتداد، أي العودة إلى الآب الذي ابتعدنا عنه بالخطيئة.
2. ويسمّى سر التوبة لأنه يكرس مسعىً شخصيّاً وكنسيّاً، مسعى اهتداء وتوبة وتكفير يقوم به المسيحي الخاطئ.
3. ويسمّى سر الاعتراف، لأن الإقرار والاعتراف بالخطايا أمام الكاهن هو عنصر جوهريّ من عناصر هذا السرّ. وهذا السرّ، بمفهومه العميق، هو أيضاً "اعتراف" أي تسبيح حمد لقداسة الله وشفقته على الإنسان الخاطئ.
4. ويسمىّ سر الغفران، لأن الله يمنّ على الخاطئ" بالغفران والسلام" بواسطة الحل الذي يمنحه الكاهن.
5. ويسمى سرّ المصالحة لأنه يمنح الخاطئ حبّ الله إله المصالحة: "تصالحو مع الله" (2كو 5:20). وكل من يحيا بحب الله الرحيم، بوسعه أن يلبي نداء الرب: "أذهب أولاً وصالح أخاك" (متى5: 24).
أنواع التوبة في الحياة المسيحية
1. توبة الإنسان الباطنة: قد تتخذ تعابير غايةً في التنوع. ويلحّ الكتاب المقدس والآباء على ثلاثة أشكال لها: الصوم، والصلاة، والصدقة، وهي تعبّر عن الارتداد في علاقته مع الذات (الصوم)، ومع الله (الصلاة)، ومع الآخرين (الصدقة).
2. حمل الصليب كل يوم في حياتنا اليوميّة وإتباع يسوع. ويتم هذا النوع من الارتداد عبر أفعال مصالحة، والاهتمام بالمعوزين، وممارسة العدالة والحقّ والدفاع عنهما، والإقرار بالذنوب أمام الآخرين، والتأديب الأخويّ، ومراجعة الحياة، ومحاسبة الضمير، والإرشاد الروحيّ، واحتمال الأوجاع والصبر على الاضطهاد من أجل البرّ.
من الذي يغفر الخطايا؟
الله وحده يغفر الخطايا. ولأن يسوع هو ابن الله، فهو يقول عن نفسه: "إن ابن البشر له سلطان يغفر به الخطايا في الأرض" (مر10:2)، ويمارس هذا السلطان الإلهيّ: "مغفورةٌ لك خطاياك" (مر5:2). وهو، إلى ذلك، بفعل سلطته الإلهية، يفوّض إلى الناس هذا السلطان، يمارسونه باسمه. فقد أعطى الرب الرسل ما له من سلطان خاصّ على مغفرة الخطايا، وأعطاهم أيضاً السلطة لإجراء مصالحة الخطأة مع الكنيسة. هذا الطابع الكنسي في مهمتهم ينعكس خصوصاً في الكلمة التي وجّهها المسيح رسميّاً إلى سمعان بطرس: "سأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات. فما ربطته في الأرض ربط في السماوات، وما حللته في الأرض حلّ في السماوات" ( مت 16: 19 ). "مهمة الربط والحل هذه التي أعطيت لبطرس، قد أعطيت أيضاً لهيئة الرسل متحدين برئيسهم" ( مت 118: 118، 28: 16-20 ). فالرسول مبعوث "باسم المسيح"، "والله نفسه" هو الذي، من خلاله، يحث ّ ويناشد: "صالحوا الله" (2كو 5: 20 ).
ملاحظة: وتعني لفظتا الحل والربط: أن من تعزلونه من شركتكم يعزل من شركته مع الله، وأن من تقبلونه ثانيةً في شركتكم، يقبله الله أيضاً في شركته. فالمصالحة مع الكنيسة لا تنفصل عن المصالحة مع الله.
خادم سرّ التوبة
بما أن المسيح قد وكل إلى رسله خدمة المصالحة، فالأساقفة خلفاؤهم والكهنة، معاونو الأساقفة، يواصلون القيام بهذه الخدمة. فالأساقفة والكهنة هم الذين يملكون، بقوة سرّ الكهنوت، سلطان مغفرة الخطايا كلّها، "باسم الآب والابن والروح القدس".
الأعمال التي تترتب على التائب القيام بها لتحقيق سر التوبة والمصالحة
إن التوبة تلزم الخاطئ بأن يتقبّل بسرور هذه العناصر كلها: الندم في قلبه، والإقرار بلسانه، وفي تصرفه تواضعاً كاملاً أو تكفيراً مثمراً.
1. الندامة: تتصدر الندامة أفعال التائب كلها. والندامة هي " ألم في النفس وكره للخطيئة وعزم على ألاّ نعود إليها من بعد ". والندامة نوعين:
أ- ندامة المحبة: وتتحقق هذه الندامة عندما تكون نابعة عن حب لله يفوق كلّ شيء. وتسمّى بالندامة الكاملة.
ب- ندامة الخوف: وتكون ناتجة عن خوف وبشاعة الخطيئة، والخوف من العقاب الأبديّ وسائر العواقب التي تهدّد الخاطئ. وتسمى بالندامة الناقصة.
2. الإقرار بالخطايا: الاعتراف بالخطايا أو الإقرار بها، يتيح للإنسان أن يواجه الأخطاء التي اقترفها، ويتحمل مسؤوليتها، ويعود من ثمّ ثانية إلى الله وإلى الشركة الكنسيّة ليعدّ لذاته مستقبلاً جديداً.
3. التكفير: على الخاطئ، بعد أن ينهض من كبوته، أن يسعى إلى استرداد كامل عافيته الروحيّة. عليه أن يضيف على توبته ما يعوّض به عن ذنوبه أي أن "يكفّر عن ذنوبه بما يتناسب وإياها. فثمة خطايا كثيرة تسيء إلى القريب، فلا بدّ من أن نبذل المستطاع للتكفير عن الإساءة (ردّ المسروقات مثلاً، إعادة حسن الصيت لمن افترينا عليه، التعويض عن الجروح).
مفاعيل هذا السر ّ
1. مفعول سرّ التوبة هو المصالحة مع الله فهو يعيدنا إلى نعمة الله ويضمّنا إليه في صداقة قصوى بعد ما انفصلنا عنه من جراء الخطيئة.
2. المصالحة مع الكنيسة. جميع المؤمنين هم في حالة شراكة أخوية مع الكنيسة وفي الكنيسة. والخطيئة تحطّم الشركة الأخويّة، وسرّ التوبة يصلحها ويرمّمها.
3. المصالحة مع الذات، فالتائب الذي شمله الصفح يصالح ذاته في عمق كيانه، حيث يستعيد حقيقته الباطنة، ويصالح أخوته الذين أهانهم، نوعاً ما، وجرحهم، ويصالح الكنيسة، بل الخليقة كلّها".
4. الدخول إلى ملكوت الله، فعندما يرتد الخاطئ إلى المسيح بالتوبة والإيمان، ينتقل من الموت إلى الحياة" ولا يخضع للدينونة".
5. محو العقاب الأبديّ الذي تستوجبه الخطايا الثقيلة، ومحو العقوبات الزمنيّة – ولو جزئيّاً – الناجمة عن الخطايا.
6. السلام وطمأنينة الضمير والتعزية الروحيّة، وتنامي القوى الروحيّة، في سبيل الجهاد المسيحي الروحي.
ثانياً- مسحة المرضى
بالمسحة المقدّسة المقرونة بصلاة الكهنة، الكنيسة كلّها تشفع بالمرضى لدى الرب الذي تألّم وتمجّد ليعزّيهم ويخلّصهم، وتحثّهم على أفضل من ذلك: أن يشتركوا اشتراكاً طوعياً في آلام المسيح وموته، فيؤدوا بذلك قسطهم في ما يعود على شعب الله بالخير.
ومسحة المرضى هذه هي مسحة مقدّسة وضعها المسيح ربّنا سرّاً من أسرار العهد الجديد، بالمعنى الحقيقي والحصري وقد ألمح إليه القديس مرقس في إنجيله حيث يقول: "...ودهنوا كثيرين من المرضى بزيت، وشفوهم" (مرقس 6/13)، وأعلنه يعقوب الرسول أخو الرب، وأوصى به المؤمنين: "ومن كان منكم مريضاً، فليستدع شيوخ الكنيسة ليصلوا من أجله ويدهنوه بزيت باسم الرب. فالصلاة المرفوعة بإيمان تشفي المريض، إذ يعيد الرب إليه الصحة. وإن كان مرضه بسبب خطيئة ما، يغفرها الرب له". (يعقوب5/14-15).
من ينال هذا السرّ
يُمّنَح هذا السر للمؤمنين الذين هم في حال المرض الخطير، أو في حال التعرض لخطر الموت أو الشيخوخة. وإذا استعاد المريض عافيته بعد قبوله المسحة، يجوز له، كلّما جدّ عليه مرض خطير، أن يقبل هذا السرّ ثانية. وحتى في غضون ذات المرض، يمكن تكرار هذا السرّ إذا تفاقم المرض. ويتعيّن قبول سرّ المرضى قبل الإقبال على عملية جراحية خطيرة. ويصحّ هذا الإجراء نفسه للمسنّين الذين تتدهور صحّتهم.
ومن يمنحه؟
الأساقفة والكهنة هم وحدهم خَدَمة سرّ مسحة المرضى، باعتبارهم خلفاء الرسل الذين أوكل إليهم الرب يسوع المسيح مهمة القيام بخدمة أسراره المقدسة.
مفاعيل الاحتفال بهذا السرّ
1. ننال من خلال سر مسحة المرضى موهبة خاصّة من الروح القدس. هي نعمة تعزية وسلام وصبر للتغلّب على الصعاب التي تلازم حالة المرض الثقيل أو وهن الشيخوخة. هذه النعمة هي عطيّة من الروح القدس، تجدّد الثقة والإيمان بالله وتقوّي النفس في مواجهة وساوس الشيطان واجتذاب النفس إلى اليأس والجزع من الموت.
2. ننال من خلال سر مسحة المرضى معونة الرب وقوّة روحه، التي تهدف، ولا شكّ، إلى شفاء نفس المريض، وإلى شفاء جسده أيضاً.
3. ننال من خلال سر مسحة المرضى مغفرة الخطايا التي لم يستطع المريض أن ينالها بواسطة سر التوبة "وإن كان مرضه بسبب خطيئة ما، يغفرها الرب له" (يع5:15).
4. ننال من خلال سر مسحة المرضى الاتحاد بآلام المسيح. بنعمة هذا السرّ يتلقّى المريض من القوّة والموهبة ما يمكّنه من الاتحاد بآلام المسيح اتّحاداً أوثق: فهو مكرّس، نوعاً ما، ليؤتي ثمراً بتشبّهه بآلام المخلّص الفادية. فالعذاب الذي ينجم عن الخطيئة الأصليّة يكتسب معنى جديداً، ويصبح اشتراكاً في عمل يسوع الخلاصيّ.
5. ننال من خلال سر مسحة المرضى نعمةٌ كنسيّة. فالمرضى الذين يقبلون هذا السرّ، "باشتراكهم الطوعيّ في آلام المسيح وموته"، يؤدّون "قسطهم (واجبهم)، في ما يعود على شعب الله بالخير". فالكنيسة، باحتفالها بهذا السرّ، تشفع إلى الله لخير المريض، كما أنّ المريض يساهم هو أيضاً، بنعمة هذا السرّ، في تقديس الكنيسة وخير كل الذين تتألّم الكنيسة لأجلهم، وتقرّب ذاتها، بالمسيح، إلى الله الآب.
6. ننال من خلال سر مسحة المرضى التأهب للعبور الأخير من خلال الشفاء الذي نناله، النفسي والجسدي وغفران الخطايا.
القسم الثالث
أسـرار خـدمـة الشـركـة
أسرار خدمة الشركة هما سرّان: سر الكهنوت وسر الزواج، وهدفهما خلاص الآخرين. لا شكّ أنهما يساهمان أيضاً في خلاص الفرد، ولكن من خلال خدمة الآخرين، ويخولان المؤمنين رسالة خاصة في الكنيسة، ويساعدان في بناء شعب الله.
بفضل هذين السرين، يستطيع الذين تكرّسوا بالمعمودية والتثبيتللكهنوت المشترك بين جميع المؤمنين، أن ينالوا مسحات آُخرى. فالذين يقبلون سر الكهنوت يكرسون، ليكونوا باسم المسيح، "بكلمته ونعمته، رعاة للكنيسة". "والأزواج المسيحيون، من جهتهم، يُقَوون ويُكرسون، نوعاً ما، بسرٍّ خاص، ليضطلعوا بواجبات حالتهم اضطلاعاً لائقاً"
أولاً- سرّ الكهنوت
سرّ الكهنوت هو السرّ الذي يكفل استمرار الرسالة التي أوكلها المسيح إلى تلاميذه ناشطة في الكنيسة حتى منتهى الأزمنة. والكنيسة كلها شعب كهنوتي. فالمؤمنون كلّهم، بنعمة المعموديّة، يشتركون في كهنوت المسيح. هذا الاشتراك نسميه "كهنوت المؤمنين العام". على أساسه وفي خدمته يقوم اشتراك آخر في رسالة المسيح، ينبع من سرّ الكهنوت، ومهمّته الخدمة الكهنوتيّة، يؤديها الكاهن وسط الجماعة باسم المسيح الرأس وبشخصه.
كهنوت الخدمة يختلف اختلافاً جوهريّاً عن كهنوت المؤمنين العام لأنه يولي صاحبه سلطاناً مقدساً لخدمة المؤمنين. هذا السلطان المقدّس، ما هو إلا سلطان المسيح بالذات، ولا يصدر إلا عن المسيح نفسه، بواسطة الكنيسة. والأشخاص الذين نالوا سر الكهنوت هم أشخاص مكرسون نالوا من خلال وضع يدي الأسقف، وصلاة التكريس، نعمة الروح القدس التي تتيح لهم أن يمارسوا خدمتهم لشعب الله بالتعليم (مهمة التعليم) وإقامة الشعائر الإلهيّة (المهمة الليترجيّة) والولاية الرعائيّة (مهمة الإدارة).
الدرجات الكهنوتية
الدرجات الكهنوتية ثلاثة وهي الدرجة الأسقفية والدرجة الكهنوتية والدرجة الشمّاسيّة ولكن ثمّة درجتين اثنتين فقط تشاركان في خدمة كهنوت المسيح: الأسقفيّة والكهنوت. وأمّا الرتبة الشمّاسيّة فتهدف إلى مساعدتهما وخدمتهما. ودرجتي المشاركة الكهنوتيّة (الأسقفيّة والكهنوت) ودرجة الخدمة (الشمّاسيّة) تُمنح كلّها بواسطة سرّ واحد هو "سرّ الرسامة" أو سرّ الرتبة. ويعتبر الأسقف في الكنيسة صورة للآب، والكهنة على أنهم محفل الله ومجمع الرسل.
من الذي يمنح هذا السرّ ؟ ومن الذي يحظى به؟
المسيح هو الذي اصطفى الرّسل وجعل لهم نصيباً في رسالته وسلطته. والأساقفة، بصفتهم خلفاء الرسل فلهم يعود السلطان في أن ينقلوا الموهبة الروحيّة والبذار الرسولي، ولهم وحدهم الحق والسلطان في منح سرّ الكهنوت في درجاته الثلاث.
ويحظى بهذا الدرجة المقدسة كل رجل معمّد دعاه الله إليها. بعد موافقة السلطة الكنسية. وينال الرسامة المقدسة بمثابة عطية مجّانيّة.
مفاعيل سر الكهنوت
1. إنّ هذا السرّ يجعل الكاهن على صورة المسيح، بنعمة خاصة من الروح القدس، ليصير أداة للمسيح لأجل كنيسته. بالرسامة المقدسة يصبح الكاهن أهلاً لأن يمثّل المسيح رأس الكنيسة في وظائفه الثلاث: بصفته كاهناً (يقدم الذبائح عن الشعب ويتشفع فيه لدى الله)، ونبياً (يوصل كلمة الله وتعاليمه إلى الناس)، وملكاً (روحياً على الشعب، هذا الملك يمنحه سلطة الرئاسة وإدارة شأن الرعية).
2. الوسم الذي لا يبلى: فهذا الاشتراك بوظيفة المسيح لا يمنح إلا مرة واحدة، كما هي الحال في المعمودية والتثبيت، وذلك بأنّ سرّ الكهنوت يولي صاحبه، هو أيضاً، وسّماً روحيّاً لا يبلى، ولا يمكن، من ثمّ، أن يتكرر ولا يمنح بطريقة وقتيّة. فالدعوة والرسالة التي تلقاهما يوم رسامته تطبعانه بطابع دائم.
3. نعمة الروح القدس: نعمة الروح القدس التي يتميز بها هذا السرّ هي أن تجعل الإنسان على شبه المسيح الكاهن والمعلّم والراعي الذي أقيم المرتسم خادماً له.
4. وأما الشمامسة، فإن نعمة السرّ تؤتيهم القوة ليخدموا شعب الله، بالاشتراك مع الأسقف وكهنته، في خدمة الليترجيّا والكلمة والمحبة.
أمام عظمة نعمة الكهنوت وأعبائه أوجس الآباء القديسون الدعوة الملحّة إلى التوبة ليستجيبوا، بكّل حياتهم، لذاك الذي جعلهم، بسرّ الكهنوت، خدمة له. ويقول القديس غريغوريوس النزينزي، وهو في مطلع حياته الكهنوتيّة، في هذا الصدد:
" يجب أن نتنقى قبل أن ننقي الآخرين، وأن نتعلم لنعلم، وأن نكون نوراً لننير، ونتقرب إلى الله لنقرب إليه الآخرين، ونتقدّس لنقدّس، ونقود الناس باليد وننصحهم بفهم". " إني أعلم خدمة من نحن، وفي أيّ مرتبة نقيم، ومن هو ذاك الذي نتوجه إليه. أعرف سمو الله وضعف الانسان، ولكنيّ أعرف قوته أيضاً". ( من هو الكاهن؟ إنّه) " حامي الحقيقة، يقف مع الملائكة، ويمجّد مع رؤساء الملائكة، ويرفع إلى المذبح العلوي ضحايا الذبائح، ويشارك المسيح كهنوته، ويجدّد الخليقة ويعيد ( إليها) صورة ( الله) ، ويجدّد خلقها للعالم العلويّ، وأعظم من هذا كله أنّه يُؤَلَّه ويُؤَلِّه".
ويقول خوري أرس القديس:" الكاهن يواصل عمل الفداء في الأرض..."، " ولو كنّا نحسن فهم الكاهن على الأرض، لكنّا نموت لا من الخوف بل من الحبّ..."، " الكهنوت هو محبة قلب يسوع".
ثانياً: سرّ الزواج
هو عهد به تقوم بين الرجل والمرأة شركة تشمل الحياة كلّها، تهدف إلى خير الزوجين وإلى إنجاب البنين وتربيتهم، وقد رقّاه المسيح الربّ، بين المعمّدين، إلى درجة السرّ.
هذه الشركة العميقة، شركة الحياة والحب، التي يقيمها الزوجان، قد أسسها الخالق وجهّزها بقوانينها الخاصة. فالله هو نفسه الذي وضع الزواج.
والله الذي خلق الإنسان عن حبّ، دعاه أيضاً إلى الحبّ، وهي دعوة أساسيّة وفطريّة في كل إنسان. ولا عجب، فالإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، والله هو ذاته" محبة" (1يو4: 8،16). وإذ خلق الله الإنسان رجلاً وامرأة، فحبّهما المتبادل يصبح صورة للمحبة المطلقة والراسخة التي أحب بها الله الإنسان.
يساعد الزواج في التغلب على الانطواء على الذات " والأنانيّة"، كما يساعد في الانفتاح على الغير والتعاون وبذل الذات.
مفاعيل سرّ الزواج
من الزواج الصحيح ينشأ بين الزوجين وثاقٌ، هو من طبيعته دائمٌ ومقصورٌ على اثنين. ثم إن الزواج المسيحيّ يولي الزوجين قوة وشبه تكرّس، بواسطة سرّ خاص للواجبات والكرامة المرتبطة بحالتهما.
الوثاق الزوجيّ
- إن الرضى الذي يتبادله الزوجان عطاءً ذاتيّاً وقبولاً، يختمه الله نفسه. من هذا الميثاق تنشأ مؤسسة يثبّتها الشرع الإلهيّ، حتى في نظر المجتمع البشريّ نفسه. ميثاق الزوجين يندمج في الميثاق القائم بين الله والبشر: " والحبّ الزوجي الصحيح تحتضنه المحبة الإلهية".
- الوثاق الزوجيّ يقيمه إذن الله نفسه، فينجم عن ذلك أنّ الزواج المعقود والمكتمل بين معمّدين لا يجوز أبداً حلّه. هذا الوثاق المنبثق عن الزوجين بفعل إنسانيّ حرّ، وزواج مكتمل، هو واقع لا يقبل النّقض من بعد، وينشئ ميثاقاً يكفله الوفاء الإلهيّ. وليس في مقدور الكنيسة أن تتصدى لهذا الترتيب الذي شاءته الحكمة الإلهيّة.
نعمة سرّ الزواج
- إن للأزواج المسيحيين، في وضعهم الحياتي وحالتهم، مواهبهم الخاصة في شعب الله". هذه النعمة التي يختص بها سرّ الزواج تهدف إلى رفع الحب بين الزوجين إلى درجة الكمال، وتمتين وحدتهما غير المنفصمة. بهذه النعمة" يتعاون الزوجان في تقديس ذاتهما في الحياة الزوجيّة، وفي إنجاب البنين وتربيتهم.
- المسيح مصدر هذه النعمة. فكما أن الله قطع مع شعبه قديماً عهد محبة وأمانة، هكذا أراد الآن مخلص البشر، عروس الكنيسة، أن يلاقي المسيحيين في سر الزواج. فهو يلازمهم ويؤتيهم القوة ليتبعوه، حاملين صليبهم، وينهضوا من كبواتهم، ويتبادلوا الصفح، ويحمل بعضهم أثقال بعض، ويخضع بعضهم لبعض بتقوى المسيح ( أف 5: 21 ) ويحبّ بعضهم بعضاً محبة تفوق الطبيعة، رقيقة وخصبة. وفي مباهج حبّهم وحياتهم العيليّة، يؤتيهم المسيح أن يتذوقوا، طعم وليمة عرس الحمل: من أين لي أن استمدّ القوة لأن أصف وصفاً وافياً سعادة الزواج الذي تهيئه الكنيسة، وتثبته التقدمة وتمهره البركة. الملائكة يعلنونه، والآب السماوي يصادق عليه. ما أروعهما زوجين مسيحيين يوحّدهما رجاء واحد، ورغبة واحدة، ونظام واحد، وخدمة واحدة! كلاهما ابنان لأب واحد، وخادمان لمعلم واحد. لا شيء يفرقهما، لا في الروح ولا في الجسد، بل هما، في الحقيقة، اثنان في جسد واحد. وحيث الجسد واحد، فالروح واحد أيضاً.
فوائد الحب الزوجيّ ومقتضياته
الحبّ الزوجيّ كلّ متكامل يتألّف من كل مقوّمات الشخص: نداء الجسد والغريزة، قوة الإحساس والمودة، توق الروح والإرادة، وهو يهدف إلى وحدة شخصيّة عميقة تتخطى الاتحاد في جسد واحد، وتمكّن الاثنين من أن يكونا قلبا واحداً ونفساً واحدة. ويقتضي الديمومة والأمانة في عطاء متبادل حتى النهاية، ويتوق إلى الخصب. تلك، ولا شك، مزايا كل حب زوجيّ وطبيعيّ، وإنما ينضاف إليها معنى جديد، لا ينقيها ويرسخها وحسب، بل يرتفع بها إلى مرتبة تجعلها تعبيراً عن قيم مسيحيّة مميزة.
وحدة الزواج وديمومته
- الحبّ بين الزوجين يقتضي، من ذات طبيعته، الوحدة والديمومة في شركة شخصيّة تشمل الحياة كلّها: هكذا ليسا هما اثنين، بل جسد واحد ( مت 19:6 ). إنهما مدعوان إلى أن ينموا كلّ يوم في شركتهما، عبر الأمانة اليوميّة للوعد الذي يتضمنه الزواج بتبادل العطاء كاملاً. هذه الشركة البشريّة تتثيت وتتنقى وتكتمل بالشركة في يسوع المسيح، النابعة من سرّ الزواج، وتتعمق في اشتراك الزوجين في حياة الإيمان وفي الافخارستيّا.
- المساواة في الكرامة الشخصيّة التي يجب الاعتراف بها للمرأة وللرجل، في نطاق الحب المتبادل والكامل، تظهر بوضوح وحدة الزواج التي ثبّته السيد المسيح. تعدّد الزوجات ينقص هذه المساواة في الكرامة، ويناقض الحب الزوجيّ في وحدانيّته ومطلقيّته.
أمانة الحبّ الزوجيّ
- الحب الزوجي يفرض على الزوجين، من طبيعته، أمانةً لا تخترق. وهذا نتيجة ما يقوم به الزوجان عندما يتبادلان موهبة الذات. والحبّ يتوخى الديمومة، ولا يمكن أن يعقد لفترة محددة. هذا الاتحاد الحميم، بصفته عطاء متبادلاً بين شخصيّن، وإذا انضاف إليه خير البنين، يقتضي من الزوجين أمانةً تامة، وارتباط الواحد بالآخر ارتباطاً لا ينفصم.
- ولكن السبب الأعمق نجده في أمانة الله لعهده والمسيح لكنيسته. بسر الزواج يصبح الزوجان أهلاً لأن يمثّلا هذه الامانة ويشهد لها، ويضفيا على ديمومة الزواج معنى جديداً أعمق.
- قد يبدو صعباً بل متعذراً أن نرتبط بإنسان آخر مدى الحياة. ولكنه من الأهميّة بمكان أن ننشر البشرى السعيدة أنّ الله يحبّنا حبّاً نهائيّاً لا عودة منه، وأن للزوجين قسطاً في هذا الحبّ الذي يحملهما ويساندهما، وأنهما يستطيعان بأمانتهما أن يقوما شاهدين لله في حبه الوفيّ. إن الأزواج الذين، بنعمة الله، يؤدون هذه الشهادة، في ظروف صعبة جدّاً أحياناً كثيرة، يستحقون شكر الجماعة الكنسيّة ودعمها.
- هناك مع ذلك، أوضاع تمسي فيها المساكنة الزوجيّة، من الوجهة العمليّة، عبثاً لا يطاق لأسباب متنوعة جداً. في مثل هذه الأحوال تقبل الكنيسة بأن يفترق الزوجان افتراقاً جسدياً وتنتهي المساكنة. إلا أن الزوجان يلبثان، أمام الله، زوجاً و زوجة، ولا يحق لهما أن يعقدا زواجاً جديداً. في هذا الوضع الصعب، قد تكون المصالحة أحسن الحلول، إذا أمكن. الجماعة المسيحيّة مدعوة إلى مساعدة هؤلاء الأشخاص ليعيشوا وضعهم بطريقة مسيحيّة، في الأمانة لوثاق زواجهم الذي يبقى غير قابل للانفصام.
- كثيرون هم اليوم، في بلاد كثيرة، الكاثوليك الذين يركنون إلى الطلاق طبقاً للقوانين المدنيّة، ويعقدون مدنيّاً زواجاً جديداً. ولكن الكنيسة تتمسك بأنها لا تستطيع أن تعترف بصحة زواج جديد، إذا ثبتت صحّة الزواج الأول، وذلك أمانة لكلام يسوع المسيح (من طلّق امرأته وتزوج غيرها زنى عليها. وإن طلقت امرأة زوجها وتزوجت غيره زنت)، (مر10: 11- 12 ). المطلقون الذين يعقدون مدنيّاً زواجاً آخر يجعلون أنفسهم في وضع يناقض موضوعيّاً شريعة الله. ولا يجوز لهم، من ثمّ، أن يقبلوا للمناولة الافخارستيّة، ما دام هذا الوضع قائماً. ولا يجوز لهم، لهذا السبب عينه، أن يمارسوا بعض المهام الكنسيّة. وأمّا المصالحة، بواسطة سرّ التوبة، فلا ينعم بها إلا الذين تابوا عمّا فرط منهم من انتهاك علامة العهد والأمانة للمسيح وتعهّدوا أن يعيشوا في العفّة الكاملة.
الانفتاح على الخصب
- في طبيعة المؤسسة الزوجيّة والحبّ الزوجي إنجاب الأولاد وتربيتهم وهم لهما بمثابة الإكليل على الهامة، الأولاد هم أسمى عطايا الزواج، وبهم أعظم الخير للوالدين أنفسهم. والله نفسه الذي قال:"لا يحسن أن يكون الإنسان وحده" ( تك2: 18 ) والذي "منذ البدء خلق الإنسان رجلاً وامرأة" (مت19: 4)، أراد أن يشركه إشراكاً مميزاً في عمله الخلاق. ولذا بارك الرجل والمرأة قائلاً: " أنموا وأكثروا" (تك 1: 28). ومن ثمّ، فكل حب زوجي خالص ومفهوم على حقيقته، وما يصدر عنه من بنية تشمل الحياة العيليّة كلّها، ومن غير أن نقلل من أهمية أهداف الزواج الأخرى، كلّ ذلك يتيح للأزواج أن يساهموا، بنفس شجاعة، في محبة الخالق والمخلص الذي يريد أن يعمل بواسطتهم بلا كلل، على توسيع نطاق أسرته وتنمية طاقاتها".
- خصب الحبّ الزوجيّ يشمل ثمار الحياة الأدبيّة والروحيّة والفائقة الطبيعة التي يرثها الأبناء من والديهم بالتربية. فالوالدون هم لأبنائهم أهم المربين وأولهم. من هنا أن المهمة الأساسيّة النابعة من الزواج والأسرة، هي التجند لخدمة الحياة.
الكنيسة البيتيّة
- لقد أراد المسيح أن يولد ويترعرع في حضن أسرة يوسف ومريم المقدسة. وما الكنيسة سوى "أسرة الله". نواة الكنيسة، منذ عهدها الأول، لم تكن غالباً سوى أولئك الذين "مع أهل بيتهم" كانوا يدخلون في طاعة الإيمان. وعندما كانوا يهتدون إلى الإيمان كانوا يرغبون أيضاً لكلّ "أهل بيتهم" أن ينالوا الخلاص. هذه العيل التي اعتنقت الإيمان باتت جزر حياة مسيحيّة وسط عالم غير مؤمن.
- في أيّامنا هذه، وفي عالم بات، في معظم الأحوال، غريباً عن الإيمان بل مناوئاً له، أصبحت العيل المسيحيّة على جانب كبير من الأهمّية، بصفتها مواقد إيمان حيّ ومشعّ. وهذا ما حمل المجمع الفاتكانيّ الثاني على تسمية الأسرة بالكنيسة البيتيّة، على حد تعبير قديم. فعلى الوالدين، في نطاق الأسرة، أن يكونوا لأبنائهم، في شؤون الإيمان، أوّل المعلمين بالقول والمثال، وأن يعنوا بدعوة كل منهم ولا سيّما الدعوة المقدسة.
- هنا يمارس بطريقة مميزة الكهنوت العمادي، كهنوت رب الأسرة والأم والأولاد وسائر أعضاء الأسرة، وذلك " بقبول الأسرار، ثم بالصلاة والحمد وشهادة السيرة المقدسة، ثم بالكفر بالذات والمحبة الفعّالة". وهكذا يصبح البيت أوّل مدرسة للحياة المسيحيّة تُكسب البنين "ثروة إنسانيّة". في البيت يتعلم الولد الصبر وبهجة العمل، والمحبة الأخويّة، والسخاء في الصفح وإن تكرّر، وخصوصاً العبادة الإلهيّة بالصلاة وتقدمة الحياة.
الأب جان حنّا كاهن أبرشي ينتمي إلى أبرشية دمشق البطريركية. شغل مناصب عدة أهمها: - كاهن رعية القديس بولس – داريا (سابقاً)
- كاهن رعية صحنايا (سابقاً)
- المرشد الروحي العام لإكليريكية سيدة العناية للدعوات الكهنوتية (سابقاً)
- والآن هو المحامي عن الوثاق في المحكمة الروحية لأبرشية دمشق البطريركية في الدرجتين البدائية والاستئنافية، ورئيس دير القديس توما البطريركي – صيدنايا