مقاومة ام ارهاب . . ؟
1 من 2
د. مهند البراك
تستمر وتزداد معاناة شعبنا بكل اطيافه وانتماءاته من غدر وظلم ووحشية الأرهاب، الذي طالب الكثيرون منذ وقت مبكر بتنفيذ السبل الفاعلة لمواجهته، وحذّروا من مخاطر استشرائه ان بدأ او اذا ما تمّ السكوت عنه او استخدامه بشكل مباشر او غير مباشر، او كما تصوّر ويتصوّر البعض بامكانية اللعب به او معه ضد آخرين . .
بل انه يمكن ان يستشري ويصبح وسيلة مريعة لجر كل الجهات المتصارعة اليه ليصبح كثير التنوّع ووفق واقع البلاد اليوم . . كدفاع عن النفس او كدفاع عن الآخرين او كوسيلة لتحقيق مواقع، في صراع مرير من نوع اكثر تعقيداً، لن يكن الخاسر الأكبر فيه في النتيجة النهائية الاّ الشعب بكل فئاته.
وبعيدا عن النظريات والهمس العالي والأيحاءات، فان الناس تعرف جيداً ماهي المقاومة ومن هم المقاومون وبأية اخلاق ومعاني وبأية روح بذل وعطاء تمتّعوا ويتمتعون . .
من حركة المقاومة الفلسطينية الباسلة وحركة المقاومة الكوردية اللتين شكّلتا نموذجي قمة النضال ضد الظلم والطغيان طيلة الربع الأخير من القرن الماضي وظروفه . . حين حوّلت المقاومة الفيتنامية ارضها لهيباً تحت اقدام الغزاة وشكّلت منارة هادية لكل للمناضلين من اجل حرية الأوطان وحين شكّل الثائر جيفارا نداءا ابيا للشباب داعياً للنضال من اجل الحرية . .
والى المقاومة المستميتة لشعب العراق بكل فئاته ومكوناته واطيافه ضد الدكتاتورية ومن اجل الحرية وكرامة الأنسان في عراقنا الحبيب.
ورغم اهتزاز العالم بانهيار نظام القطبين الأعظمين، واهتزاز وتداخل الصور والأحلام والأماني وفصاحة الخُطَب واللعب بالكلمات، ومحاولات تجيير وترويج مفاهيم بائسة عن (صراع الحضارات) لبث اليأس والرعب واللاأدرية بين الناس، ولأجبار الناس على الركوع وجعلهم سهلي الأنقياد للـ (المقسوم) لايفكرون، ولطمس معالم وسبل الأمكانات الواقعية للتقدم الأجتماعي في عالم اليوم، وكأن الأقوام البشرية لم تحقق طيلة قرون من شئ، سوى العودة الى الماضي والبدء من مفاهيم الأنسان الأول والعصر الحجري والأزمنة الجليدية . .
رغم كل ذلك بقي الأنسان انساناً كما كان ويكون، الكائن الذي يطمح الى حياة افضل والى الحرية والى الأمن والسعادة والأستقرار باذلاً مضحياً من اجلها . . وبقيت الحرب والأرهاب محارقاً للبشر، وبقي الظلم ظلماً مادامه يستهدف حرية وكرامة الأنسان وحقه بالحياة وبحياة حرّة لائقة .
وفي الوقت الذي تقرّ الشرعية الدولية بالحق في كفاح البشر من اجل الحرية والحياة وبالتالي بالحق في مقاومة المحتل . . فأن شعبنا لاينسى باي حال من حطّم بلادنا ومن سحقها ومن اهان ابنائها وخاض بكرامتهم وقيمهم وحطّم وشوّه احلامهم طيلة خمسة وثلاثين عاماً.
لقد حطّمت الدكتاتورية المنهارة وكبار مجرميها واجهزتها روح البلاد وسحقت انسانها وشوهته وخلقت فيه عدوانية وحقداً هائلاً، عبّر عن نفسه بترك الشعب المضيّع عاضاًّ على جروحه، حاكمه الظالم لوحده ليواجه جيوش الأحتلال، ليواجه المصير الذي اصرّ هو على رسمه له و اصرّ على تعبيده بالدم وبارواح الملايين . .
وعلى ذلك ترى غالبية العراقيين ان المسؤول الأول عن فتح البلاد للأحتلال وللنهب والسلب، ولعصابات الظلام والتكفيرهو الدكتاتور البائد الذي هرب من المواجهة، والذي يحاول مواصلة دوره الوحشي بعد ان فقد العرش، على تصوّر استعادته.
وفي الوقت الذي يعرّف عدد من اخصائيي علوم الأجتماع والسياسة والقانون الأرهاب، بكونه الأعمال والنشاطات العنيفة التي تستهدف المدنيين بلا تمييز (كمجاميع بشرية ليست طرفاً مباشراً في النزاع المعني ) لخلق حالة اجتماعية يجري التخطيط لتكوينها قسراً (صنعها قسراً) على الأخرين كـ . . اشاعة رعب اجتماعي (جماعي)، اشاعة روح يأس وشلل، اثبات وحشي للوجود لعدم الألتفات اليه ولعدم الأعتراف به كقادر اوحد على صنع المصير! خلخلة اوضاع لأمرار خطط سياسية او عمليات تخدم متدثرين باردية ورع وتقوى واقنعة زائفة . . يدفع المدنيون العزّل اثمانها ارواحاً وممتلكاتٍ وقيم، وخاصة فقرائهم بنسائهم ورجالهم واطفالهم .
بل ان قوى الخير والتغيير والتقدّم، المخلصة للبلد المعني ولحريته وضمان مستقبل لائق له، لم تستخدم العنف الاّ بسبب انغلاق كلّ الأبواب السلمية للنضال من جهة، واستخدمت العنف ضد آليات الدمار والقهر التي تحكّمت بشعوبها، وليس ضد المدنيين العزّل من ابناء شعبها ذاته، كما يقوم به الأرهابيون اليوم بدعاوى باطلة من قبيل (ايقاظ الشعب النائم او تثويره ؟!)، ( التوصّل الى القنبلة البشرية كسلاح فتّاك بيد المحرومين!) او (لتنوير الناس وصحوتهم !) . . وغيرها مما لاتصمد امام منطق الشرع والعلم، بتقدير اوسع المعنيين.
لقد استخدمت القوى المخلصة العنف لأسباب كانت الجماهير تريدها وتدفع بها ومحضتها ثقتها ودعمتها بالأرواح والمال والسلاح . . لأنها كافحت من اجل تحقيق اهداف طالب الشعب بها والتفّ حولها لأنها جسّدت ارادته، وكانت ان اقترفت اخطاءاً بفعل سوء او ضعف تقدير موقف او مواقف، او ان اساءت استخدام العنف . . كانت تكشف ذلك وتتراجع عنه وتعلن عن ماهية ثمنه *. في الوقت الذي تصرّ قوى العنف فيه، وهي تتابع بفرح لئيم تزايد نزيف دماء الأبرياء وتزايد صراخ المدنيين المستمر منذ اكثر من ثلاثة عقود، الذي لم ينقطع حتى اليوم.
يتفاقم الأرهاب الذي لايمكن بتقدير الكثيرين ان يمثّل مقاومة شعب العراق ولاارادته الطبيعية وحقه في الحياة كباقي شعوب العالم . . التي دلل عليها مجدداً منذ ان ترك الدكتاتور الهارب ليواجه مصيره، ومنذ مشاركته في الأنتخابات والتصويت بنسب كانت اكثر من المتوقع، رغم الرعب وتأثير تركات الدكتاتورية على السلوك والتصرّف.
وترى اوسع الأوساط ان الأرهاب لايستهدف الأحتلال، بل هو اما يخافه او يسعى لأدامته رغم كل صيحات النفاق، او انه يستهدف الأنتقام من الشعب ـ حيث تكمن خبرته وعلومه الحقيقية ـ ويحاول معاقبته وتركيعه على تركه صدام . . والاّ فاين مقاومة المحتل في وقت يذبح الأرهابيون و(المعارضون العنيفون) ويقتلون ابناء البلد من المدنيين العزّل بنسائهم واطفالهم وشيوخهم . .
المؤلم انه لم يؤدي ولايؤدي الاّ الى تقاتل العراقيين بينهم، بل وادى الى تثبيت الميليشيات المسلحة في وقت ينافقون فيه بالدعوة لحلها، وقد يؤدي الى تزايد مطالبات الناس باطالة الأحتلال مادامه يشكّل وسيلة فاعلة لايملكونها، من اجل حماية ارواحهم وارواح بناتهم وابنائهم وكرامتهم وارزاقهم.
ان اوسع اوساط العراقيين لايمكن ان تنسى ان المسؤول الأول عن الأرهاب في البلاد هو صدام ونظامه بصولاته الأرهابية الدموية المخيفة، المدروسة على اساس اشاعة الأرهاب في المجتمع وفق (سلّم درجات تطوّر المجتمع ) . . من ابو طبر، القتل ذبحاً، القتل بالفؤوس، القتل بالكلاب المتوحشة والنمور، الأذابة بالأسيد، الى بناء وتوسيع منظمات الأرهاب المطلقة اليد في الداخل وفي المنطقة كمنظمة حنين والمنظمات المتنوعة للمخابرات العراقية الصدامية المرعبة الى منظومات الأرهاب التي استهدفت النضال العربي التحرري ونضال المقاومة الفلسطينية الباسلة كمنظمة الأرهابي ابونضال، منظمة مجاهدي خلق وغيرها.
الى مفارز الأعدام والمفارز الخاصة ومفارز المهمات الخاصة واتباع اساليب الحط من الكرامات و(التحقير) كاستحصال اثمان الأطلاقات التي جرى تنفيذ احكام الأعدام بها من اهالي المعدومين، الى (فدائيو صدام) سيئة الصيت من ذوي الملابس السوداء آكلي لحوم الكلاب، الى منظومات قتل المدنيين الجماعي من ضحايا القبور الجماعية وضحايا الأسلحة الكيمياوية في الجبال والأهوار، اضافة الى خطط (تحطيم المعارضين الناشطين واحتضانهم!) بطرق التعذيب والأحكام الثقيلة ثم العفو مقابل خدمات! وتحويل السجون الى (معاهد) لتخريج كبار الأرهابيين من الذين جرى اختيارهم لوحشيتهم واحقادهم والعمل على تفجير و (تنمية) حقدهم على المجتمع بشكل مبرمج تحت اشراف متخصصين بشؤون صنع الجريمة.
اضافة الى اجراءاته الرامية الى تحطيم وتشويه وهزّ الشخصية العراقية، بعقوبات قطع الأذن ووشم الجبهة وقطع اللسان للهاربين من الخدمة العسكرية ولمن نال الدكتاتورية بكلمة . . في جهود هدفت الى تدجين وتخويف المجتمع، من اجل خلق ( مجتمع الأمن الذي يخبر فيه الأبن عن ابيه ان انحرف ؟!) وعلى اساس المقولة الوحشية (ارعب الناس، يطيعوك ثم يحبوّك) وتحريف المقولة الشعبية وتبشيعها (امام المايشوّر . . يسموّا ابو الخرق)**، والبحث عن (عقوبة اقوى من الموت) باعتبار ان الموت لايشكّل عقوبة قاسية (فاعلة) لمن عارض صدام !!
من جانب آخر، ورغم ان تطورات تجري بشكل معقد تنبئ عن احتمالات تخلي قسم عن السلاح وعن اساليب العنف في المعارضة والأنضمام الى العملية السياسية الداعية الى استكمال مقومات بناء البلاد وبناء الطمأنينة وجدولة رحيل القوات الأجنبية . . ورغم وعود بتغييرات يمكن ان تجري في المنطقة قد تساعد على تجفيف تمويل او قطع شرايين تسليح الأرهاب، بعد انكشاف تبلور استقطابات اكثر وضوحاً للأقطاب الأقليمية، تنسجم مع حركة في اصطفاف الأقطاب الدولية؛ الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، دول الأتحاد الأوربي، اليابان، الصين وروسيا والهند . . الاّ ان عدوى الأرهاب ومواجهة الأرهاب بالأرهاب المؤدية الى تزايد انواع الأرهاب لاتزال تشكّل مخاطر هائلة على الجميع! سواءاً في البلاد او في محيطها الأقليمي والدولي.
الأمر الذي يعود الى اسباب متنوعة يقف على رأسها ضعف الأهتمام ببناء المقومات الأكثر فاعلية في مواجهة الأرهاب وتجفيف منابعه، بحل مشاكل الفقر وصعوبات المعيشة والضائقة الأقتصادية والبطالة والجهل والمرض والمخدرات التي تتفاقم معاناة الناس واوسع الفئات الكادحة جراّءها . . اضافة الى الفساد الأداري والطائفية المقيتة ونزعة الأحتكار والأستبداد، واستمرار لغة العنف بل وتصاعدها بتقدير عديدين، وتسلل الأساليب الأرهابية الى عدد من المفاصل الحكومية ووحدات قوات الأحتلال واحزاب الحكم. (يتبع)
27 / 11 / 2005 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* راجع تقييمات ودراسات عن : منظمة بادر ماينهوف الألمانية، مقابلات ريجس دوبريه 1996، دراسات عن الألوية الحمراء في اوروبا، عن التوباماروس في اميركا اللاتينية، وثائق عن الجيش الفرنسي السري وارهابه المعادي لأعلان استقلال الجزائر، وثائق عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقضية الكف عن خطف الطائرات، مذكرات جيفارا النسخة الأصلية عن دار التقدم .
** المقام الطاهر الذي لا يلبي الدعوات ولايستطيع تحقيق مراد ورجاءات المظلومين، ويدعى ابو الخرق (اسمال الملابس)، لأنه لايحتوي الاّ على رجاءات وتوسلات السائلين الموثقة بقصاصات المراد الخضراء المدفوعة الثمن .[/b][/size][/font]