الكلاسيكية الموسيقية والغنائية العربية في ذمة من?!
غادا فؤاد السمان
--------------------------------------------------------------------------------
أن تضيق الملامح الفنية او ان تنحسر او تتماهى او تندمج, كما نشهد اليوم, فلا ريب انه تخبط آخر في الهوية لا يقل شأنا عن المخاطر التي تحيق بالمنطقة, وليس سواها العربية طبعا, ولابد من التنبه لعواقب التغاضي المستقبلية, والانعكاسات السلبية التي تنجم عن ضياع السمات الفنية الصانعة للحضارة والمؤسسة لتاريخ أمة نظير سواها. أهمها خواء المخزون الحضاري الذي هو في حقيقة الأمر, واحد من الواجبات الثقافية التي تتطل ب المتابعة والتدقيق بجهد وأمانة واخلاص والتفاني لتظهير وتصدير أصدق الحالات, وذلك لخلق موروث حقيقي للجيل بل للأجيال القادمة.
فالفن هوي ة, والهوية لا تقر إلا بالتراكم الانتاجي والزمني, المستمد والمرتكز على المبادئ والقيم, كعمل خلاق وأخلاقي في آن.
ولاشك ان الموسيقى هي الوجه الآخر للحضارة أيا كانت كينونتها الابداعية عربية أم غربية فالموسيقى الغربية الكلاسيكية التي مرت بعدة عصور كان أهمها عصر (الغريكولاتين) ثم عصر الـ(الرومانتيك) ثم عصر (البيانو), ثم عصر الـ(الجاز),بعده عصر الـ(البلوز والروك والبوب... الخ). تعتمد في انشاءاتها اللحنية على (الميجور والمينور) لرسم احداثياتها الموسيقية, بامكانية لحنية أحادية تسمى النزعة الـ(توناليس) أو الطونالية والطنينية.. في حين نجد أن الموسيقى العربية (الكلاسيكية الفصحى) تمتاز عن هذين الحقلين الغربيين بـ(النصف صوت وثلاثة ارباع الصوت وخمسة أرباع الصوت) وربما حتى اللانهائية الرقمية في التصنيف الجزيئي, مما أفسح المجال واسعا للخلق والابداع وحرية الخيار المقامي, وتعدد النغمات وتنوعها التي تتماشى والحالة الابداعية عاطفية كانت أم عقلانية أم روحانية أم وجودية أم وجدانية أم وجدية التي تبلغ حد التجلي الصوفي في بعض الابداعيات اللحنية, وهكذا تمكنت فعلا من ايجاد هوية موسيقية خاصة سميت بعدة نعوت وصفات وأسماء وألقاب ومصطلحات أقر ببعضها ولا يزال البعض الآخر منها قيد الجدل والمقاربة والسجال المفتوح بين الباحثين والمؤرخين والمشتغلين جديا بهذا الغمار يؤكد أهمية - الموسيقى العربية- التي شغلت الباحثين والدارسين الذين اشتقوا لها تسميات عدة منها (الموسيقى العربية الكلاسيكية- الموسيقى العربية الفصحى- الموسيقى العربية المقامية- الموسيقى العربية الشرقية- الموسيقى النغمية الشرقية- الموسيقى العربية الأصلية- الموسيقى العربية الطربية- الموسيقى العربية الايقاعية, ... الخ).
ويبدو أن هذه التسميات وسواها قد ساهمت الى حد بعيد في تكريس الجملة الموسيقية الشرقية العربية- المتقنة- جملة فنية لها مصداقيتها ومدارسها وتقاليدها ومواقعها وأهدافها ومبدعوها.
وتعتبر الموسيقى لغة حية وعلما قائما بحد ذاته له قواعده وأسسه وأصوله ومناهجه ومدارسه منها (الكلاسيكية- التراثية الشعبية/ الفلكلور أيضا (الرائجة وهي تنحسر في مجالين هما (الرصين والخفيف) و(الكلاسيكية حسب ترجمتها عن القاموس الفرنسي La rosse تعني : <<الفني الجيد الذي مضى عليه زمن واستطاع ان يصمد مع مرور الزمن وقد تحول الى مدرسة يحتذي بها الآخرون وهي مأخوذة من كلمة (classe) أي الصف, وهكذا اتسع الصف واصبح مدرسة لم تعد الكلاسيكية منهاجها الأوحد بل صارت (التقليدية) سمتها الاشتقاقية التي حافظت على أصالتها وعراقتها مع بعض الاجتهادات الذاتية التي تتجلى في (التفريد والارتجال). ويجمع حملة لواء الموسيقى العربية الأصيلة على انها تتصل بقطبين حيويين جدا يوفران الشحنة الابداعية فيها, الأول:
اللغة العربية :التي تحمل في كل حرف من حروفها الابجدية الثمانية والعشرين, الدلالة والوزن والايقاع والحالة التي تسمح بالتقطيعات - العروضية- حيث تتشكل التفعيلة الوزنية والتي تقترن اقترانا وثيقا بالصبغة اللحنية ك-(الفرح, والحزن, والاقدام, والتقهقهر, والحث, والتروي, والتصعيد, والتأمل)... الخ.
الثاني: أحكام التجويد وأصول الترتيل القرآني, والتواشيح الدينية, كل ذلك كان أساسا لتهذيب الحاسة السمعية, وصقلها كمطلب ضروري لتغذية النفس وارضاء الروح, وإن أول آلة موسيقى عرفت كل مزايا الموسيقى وخصائصها هي الحنجرة البشرية التي تجيد تجسيد المقام النغمي, كموسيقى لحنية وأداء مموسق دون الاتكال على أي آلة لحنية غير الحنجرة, وخير مثال على ذلك المقرئ الشيخ (عبدالباسط عبدالصمد) الذي يؤدي التجويد القرآني بإطراب بالغ, وتفريد لا يضاهى إذ يبلغ وقعا في الذائقة والنفس والروح أبعادا يصعب على الكثيرين بلوغها بذات العمق والدلالة والتجلي . أيضا نلحظ الموسيقى اللحنية المقامية في (الأذان) الذي يرفع في المساجد لتحديد أوقات الصلاة والذي يعتمد مقام الحجاز ويتيح امكانية عرض الع رب الصوتية ومهارة التجوال بين (الجواب والقرار) بشكل صريح وواضح.
ومن هنا نلحظ أن الأذن العربية التي أجادت الفصاحة اللغوية اللفظية, امتازت أيضا بالبلاغة الموسيقية من خلال مرونة الاوتار الصوتية والتي جاءت الآلات الوترية على شاكلتها متنوعة ومطواعة, خلاف الآلات الموسيقية الغربية التي تعتمد النفخ والأصابع بحركات محدودة, لا تفسح للمؤدي خارج نطاق الملحن أن يتفرد أو أن يرتجل نهائيا.
لهذا نجد أن الرعيل الاول للموسيقى العربية الذي عرف (فصاحة اللغة وبلاغة الموسيقى واصول التجويد وقواعد الانشاد) قد صمد حتى يومنا هذا وقد رسخ بصمته كالوشم على جدران الذاكرة كـ(صالح عبدالحي وعبده الحامولي وزكريا احمد والقصبجي وغيرهم...) وقد ساهم أيضا تنوع البيئة العربية وتعدد لهجاتها, باغناء الألوان الفنية وتنوع قوالبها الموسيقية التي عرفت حسب المناطق وطبيعتها, ففي بلاد الشام اشتهرت (الميجانا والدلعونا والمعنى والعتابا والموّال... الخ) كما انفردت حلب بما يسمى (القدود) لوفرة الخامات والاصوات الجيدة مثل (محمد خيري وصباح فخري وصبري المدلل وأديب الدايخ وآخرين..) , كما ازدهرت في العراق (المقامات العراقية والمقامات البغدادية) وعرف هذا اللون الغنائي رواجا لافتا حتى يومنا هذا وخاصة ان من يؤدي هذا اللون الغنائي يتوجب عليه اتقان الأداء وتمتين الخبرة اضافة للصوت الجيد أصلا وقد برع في هذا المجال كل من (محمد القبانجي وناظم الغزالي وانعام محمد علي وغيرهم) وأيضا ثمة في مصر حركة فنية ساهمت في اغناء رصيد الفن العربي عموما والفن الموسيقي خصوصا وقد عنيت بما عرف بالأدوار والموشحات الكلاسيكية والتقليدية ومن رواد هذه المدارس (الشيخ سلامة حجازي وماري جبران وصالح عبدالحي ومنيرة المهدية وألمظ وغيرهم) وفي الستينيات والسبعينيات دخلت التقليدية الكلاسيكية المرحلة التجديدية مع (محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ وأسمهان وسعاد محمد وليلى مراد وفايزة احمد ومحرم فؤاد وكارم محمود وآخرين...).
غير أن الموسيقى العربية لم تسجل حضورا منفردا بمعنى أنها ارتبطت ارتباطا وثيقا بالكلمة, فكل جملة موسيقية لحنية تعتبر قالبا موظفا توظيفا طرديا مع الجملة الكلامية (الشعرية) فصيحة كانت أم محكية, لهذا كانت الأغنية مثار الجدل والبحث في كل عقد من الزمن, او حقبة من الحقب.. فأم كلثوم مثلا تعتبر صورة لحقبتين فنيتين, الحقبة الأولى أم كلثوم والقصبجي والسنباطي, تختلف تماما عن أم كلثوم محمد عبدالوهاب وبليغ حمدي وسيد مكاوي وغيرهم.
وهكذا نجد أن الجرأة المبكرة في المزج اللحني المقامي لصنع الموسيقى التقليدية آنذاك قد سهل انزلاق البنية اللحنية عن السلم الموسيقي العربي, كما قلّص المسافات المتنوعة واختزل التدرجات المقامية التي كانت فيما مضى هاجس الملحن لصنع اللحن وخاصة ان الدراية والموهبة والمهارة والدربة كانت الدافع الأساس للتعامل مع المقامات الموسيقية العربية بشكل عشقي أولا وأخيرا, والتي يجهلها اليوم أكثر من 90% من المقبلين بشغف على عالم الغناء والذي يروج لهم السماسرة والتجار بشكل مريع على حساب الفن والذائقة والهوية, إذ يخفق هؤلاء بمعرفة الحد الأدنى من المقامات الموسيقية المتداولة في التأليف اللحني أهمها (مقام الصبا ومقام الرست ومقام الحجاز والبيات والهوازن والعراق والعشاق... الخ). لنجد أن التأليف الموسيقي الغنائي اليوم يقوم على الخلط الايقاعي, والاستيراد العشوائي للقوالب اللحنية الغربية, والاستعراض المجاني للتقنيات الالكترونية وهلم جرا.
الغريب في هذا الأمر أن موجة (التهجين) حاليا لا تقتصر على مطربي (الطفرة) وإنما تعدت لنجوم الطرب في العالم العربي مثل (وردة الجزائرية وميادة الحناوي وعلي الحجار وآخرين).
وخاصة بعد شيوع الظاهرة (الشرنوبية), في حين نجد أن (هاني شاكر) استطاع الحفاظ على لونه الرومانسي الطربي مثابرا على تكريس الأصلح اذا لم نقل الأجود.
ويلاحظ أن اللون الموسيقي الغنائي السائد في المغرب العربي ككل, لا يزال قيد المحلية المحكوم بايقاعات مميزة ومختلفة لا يصلنا عنها الشيء الكثير, لأنه ظل داخل حدوده الجغرافية, لم ينطلق منها إلا بعض الأصوات الجادة التي استطاعت أن تتجاوز محليتها بحكم بعض الريسيتالات التي تقام في عموم المنطقة العربية منهم (عبدالوهاب الدكالي- سلاف ولطفي بشناق) في حين تميزت الموسيقى الجزائرية عن سائر المنطقة المغاربية العربية والتي عرف فيها اللون (البدوي والوهراني والراي) من خلال لون الراي الذي شاع ليس في المنطقة العربية فحسب, وإنما في عالم الغرب أيضا الذي استقطب العديد من مغني الراي وساعد على انتشارهم العالمي مثل (الشاب مامي والشاب خالد وسواهم) ولعل المزج المشروع في موسيقى الراي التي تستند على لغة مزدوجة وهي (العربية والفرنسية وربما البربرية والأمازيغية كذلك) وهو استناد أصيل نسبة الى خضوع الأرض الجزائرية الى (128) سنة من الفرنسة, مما فتح الأنظار على شيوع نمط الراي لتقليده والعمل على غراره كالمزج والخلط باستسهال مشين, لتسريع الخطى نحو النجومية والعالمية, إلا أن التعثر كان واضحا ومريعا.
يبقى القول أن الموسيقى العربية الكلاسيكية اليوم تعاني من أزمة وجود هوية شأنها بذلك شأن الوجوه الأخرى من القضايا المعلقة في عالمنا العربي, تحتاج الى بحث ودأب لتجديد ملامحها وتأكيدها بعيدا عن الطفيلين والعبثيين باسم الفن, وباسم الحداثة, وباسم التجريب.
ونستطيع تبين غنى المقامات العربية الموسيقية المقامية اللحنية وتنوعها أمام محدودية الموسيقى الغربية وايقاعاتها الصاخبة نسبيا ومن هنا كانت فكرة الفن للفن محض تبادل ثقافي وتواصل معرفي وتآلف حسي , وجداني, روحاني, واع, منسجم همه الأول احترام التجربة كمحاولة شخصية ومن ثم احترام الذائقة المتلقية على اختلاف شريحتها وسويتها, وفي مقدمة هذا كله كان الارتقاء بالفن والرقي بالذائقة حين كان الفنان يرى أن الموسيقى هي مفتاح آخر من مفاتيح البحث والتجلي والكشف والانخطاف الطوعي, ويؤيد بعض المنظرين الحلبيين رؤيتهم عن قيمة التعمق في الحس الموسيقي والتأمل المعرفي للمدلول الكلامي والمقامي بما يسمى (الومضة) بل ويضيفون مصطلح متعارف عليه فنيا عرف بـ(الكوما).
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم, هل ما يقدم من تجارب دمج وتغريب في الموسيقى والألحان حاليا هو نتاج عبثي آني.
يقدم لذائقة تالفة ومنتهية الصلاحية حيث تتفاعل معها الجموع وتحتشد للرقص والخلاعة معلنة سهولة قيادها, شأنها شأن الجوانب الحياتية الأخرى كالمشاريع السياسية العربية التي تطرح تباعا وتتبعها القطاعات والقطعان دون حول أو حيلولة?!
وإذا كان النمط (الرائج) فيما مضى وهو ليس بالزمن البعيد يعتبر رائجا (رصينا) حيث كان يعرض لموضوع انساني بصورة ما وهو ذو قيمة لحنية وفنية عالية ويعتمد في ذلك كله على الترجمة الأدائية الغنائية التي تعتبر المكمل الاساسي للصياغة الكلامية اللحنية الفنية كما كانت عند (محمد عبدالوهاب- نهاوند- أم كلثوم- فريد الاطرش- فايزة أحمد- نجاة الصغيرة- سعاد محمد- عزيزة جلال- فيروز... الخ
وتواصل الفنانة (ماجدة الرومي) مسيرتها الفنية المميزة وتحرص حرصا شديدا على استقطاب واسع لجمهورها العريض ومع انها تراعي تقديم ما يتناسب وروح العصر وهي موقنة تماما أنه الاعلام والبدع المرئية ولكنها تقول:
بقدر حبي لجمهوري الكبير. أجد في نفسي حبا أكبر لفني وهذا يحتم علي الإخلاص في اختيار الأرقى والاصيل وهو أمر مرهون بالكلمة أولا وبموهبة الملحن الحقيقية ثانيا, وبمصداقيتي مع المتلقي ثالثا, وبأدائي وصوتي الذي أعمل عليه دون كلل وبشكل مستمر, واضافة الى هذا وذاك تبقى الأخلاق الانسانية والاجتماعية والسياسية هي هاجسي الأكبر.
لهذا أنا اختلق مجتمعي الذي أريده في ذهني وأناضل من أجل تحقيقه في الواقع. وهكذا وجدت توازني الفني ودوري الفاعل أمام نفسي وأمام الأجيال المتعاقبة التي أجد معها كامل ثقتي وتفائلي فالفن المبتذل عارض والأصيل متوارث ولا شك أنه رسالة مسؤولة لا غاية تبررها الوسيلة كما يفعل المنتجون والمروجون الذين صنعتهم الصدفة.
إذا وكما ترى الفنانة (ماجدة الرومي) الفن مسؤولية كبيرة ورسالة انسانية أكبر لها موقعها الاجتماعي الحضاري على حد سواء. وهي فنانة معاصرة لها مكانتها وتميزها وأعمالها الرائجة الرصينة وهذا مقياس آخر على صحة وعافية المتلقي على الرغم من الكم الانتاجي الفني الهابط المتراكم.
وأتساءل مجددا ما الذي يدعو هذا المتلقي عينه الذي يتفاعل كليا مع الرصين لأن يمعن في التغاضي عن مغبة شيوع الرائج الخفيف المخرب?
ولعل الآراء التي تعمق الرؤية الفنية وتساهم في تظهير موضوع العلة تقريبا والتي تتفق جميعها على جوهر واحد وتتفاوت في أسلوب الطرح مما يساعد على تفعيل المهمات الاضافية الملقاة على عاتق الكثيرين, والمعنيين جميعا دون استثناء في احياء المعنى الحقيقي لرسالة الفن واعطاء القيمة الفضلى لصيغ التداول الفني القادم إذ استعصى على الحالي دون ريب.
الفنانة المصرية (نادية مصطفى) وهي من الأصوات التي تحثنا على مزيد من الثقة والتفاؤل لعدم انزلاقها بالتيارات الطارئة وتقول:
الجملة الفنية لم تنته, والمواهب الحقيقية لم تختف كليا مشكلة الجيل الجديد هي الاقبال المتسرع الذي يلاقي حماسا مماثلا لدى شركات الانتاج التي تقوم بدورها بعملية الاصدار المتهو ر الذي ينقصه الحب للفن, والتجربة, والخبرة, والبحث, والجدية, والاجتهاد والأسس والقواعد والأصول والمعرفة العلمية.
ومع ذلك لا يمكن لأحد أن يجزم بزوال الفن.
فالفن هو وجه من وجوه الانسانية ومعانيها الخيرة ولا أعتقد أن الانسانية الخيرة قد زالت تماما على الرغم من كل التلميحات المتزايدة تباعا ...).
ولا شك أننا جميعا نتفق ونادية مصطفى على عدم انتهاء المواهب وعدم زوال الفن نهائيا لكننا جميعا نرثي ما آلت اليه الاذن العربية ومضامينها الاستماعية البثية المتبادلة المرئية الاعلامية ولتقدير هذه الأزمة يقول: د. نداء أبو مراد: في الواقع هناك مشكلتان اساسيتان تتفرع عنهما المصائب الأخرى الأولى: مركب النقص حيال الغرب.
الثانية: تتمثل في الخلط بين الاصناف الموسيقية المتعددة وعدم وضوح التصانيف والحدود بين هذه الأنماط الموسيقية وخاصة على الساحة الثقافية العربية, مما نجم عن ذلك خلال القرن العشرين وصولا الى حقبتنا <<التعيسة>> هذه ظاهرة تهميش متعم د لنطاق الأصالة والفن للفن في نطاق المسموع العربي.
المطلوب والملقى على عاتق المهتمين هو اعادة الاعتبار الى نطاق الأصالة واعادة الثقة الى مفهومية <<التقليد>> على انها ليست تكرارا , إنما هي انتقال لطاقة ابداعية من جيل الى آخر وهي قابلة للتجدد بل هي أساس للتجديد المتأصل.
وعن نفسي كموسيقي مؤد وملحن وكرئيس لمؤسسة الموسيقى الفصحى العربية وصاحب تيار موسيقي مشهود, أتحمل قسطي من العبء في هذا المسار الصعب والصعوبة تكمن في اقناع الحكومات التي لا تعي خطورة المستقبل ليس كجيل قادم فقط وإنما كهوية مهددة بكل ما في الكلمة من معنى.
عندما لا تدعم البرامج الفنية وتياراتها التثقيفية الحقيقية بما فيه الكفاية على العكس ما نشاهده في أوروبا حيال الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية وكما في الهند أيضا حيال موسيقى <<الراغا>> الكلاسيكية الهندية والحال كذلك في ايران حيال موسيقى <<الرديف>> الفارسي, وهذا واجب على المجتمعات حين تحافظ على التنوع المسموع وتساند النطاقات الأصيلة في انشطتها الفنية لعلمها أنها كنوز لا تثمن وربما الغيرة على مكانة الفن وأصالته قد دفعت بالدكتور نداء أبومراد بتحويل دفة مساره من عالم الطب إلى عالم البحث والاحتراف الأصيل للفن وانقاذه.
كذلك الباحث د. فيكتور سحاب قد وضع كامل امكاناته واجتهاداته وجهوده لتأليف العديد من الكتب التي أثرت دون ريب المكتبة العربية وذهنية المتلقي الذي يميز الضوء من العتمة ببصيرة سليمة لهذا فهو يرى ان اهم اسباب انحسار الموسيقى العربية الكلاسيكية هو:
فقدان الثقة بالحضارة العربية وانماطها التربوية, ونتاجاتها الثقافية, والانسياق التام وراء جماعة معجبة اعجابا <<أبله>> بالحضارة الغربية الطاغية علما ان الحضارة الغربية قد بنت صرحها الشامخ حين اغترفت من الحضارة العربية الاسلامية ولكنها اعادت انتاج ضروب الفنون والآداب بأنساقها الخاصة ليقينها بنفسها وثقتها بحضارتها دون منازع.
الطامة الكبرى أن نظل منساقين هذا الانسياق المجحف لتقليد ظاهر النتاج الغربي. ولا نقتدي بعمق الموقف الغربي الواثق بأنماطه وأنساقه الحضارية, والمشكلة أننا واهمون بالسير في الاتجاه الصحيح ونحن في الحقيقة ننفق الوقت الثمين في الركض نحو سراب أجوف.
ما الفارق اذن بين أن يغزو الأجنبي الأرض أو ان يكتسح اللغة والثقافة والموسيقى أليست الثقافة والموسيقى واللغة سمة جوهرية في كياننا واستقلالنا ووجداننا القومي أو ليست مركزية في صنع وحدتنا القومية?
وفي تأكيد استقلالنا عن الحضارات الاخرى او ليست العمود الفقري في كياننا الحضاري والثقافي الذي يميزنا عن غيرنا من الأمم?!
لقد نشأ كل عباقرة الأدب والموسيقى العرب الكبار في القرن العشرين على حضارة قرآنية اسلامية عربية عريقة ومذ أقلعنا عن تربية أبنائنا على هذا النمط حصدنا الخيبة والسطحية والاسفاف والهشاشة.
والسؤال الذي لابد منه, هل دارسو الصولفيج المتمظهرون بمظاهر علم الموسيقى اليوم قد أفادوا فعلا الموسيقى العربية بشيء? أم أن البصمة ستقتصر على محمد القصبحي / ومحمد عبالوهاب/ وأم كلثوم/ وابناء المشايخ المقرئين?!
من يزرع قمحا لا يمكن أن يحصد زؤانا ومن يملأ الإبريق ماء لا يشرب منه زيتا لقد ظهر عندنا عباقرة ونعرف كيف تربوا ونشأوا.
وظهر العديد من الأقزام في موسيقانا اليوم ونعرف بماذا يتلطون, وماذا يدعون, وليس علينا إلا أن نختار, ولكن إذا اخترنا, لابد أن نتحمل التبعات لهذا الاختيار ونعتمده فلسفة تربوية شاملة نعممها في مدارسنا وبيوتنا ومؤسساتنا الاعلامية ومعاهدنا الموسيقية وإلا فسيظل السؤال يطرح مرارا وتكرارا في مؤتمراتنا, ونخرج بتوصيات مع وقف التنفيذ لنعود في مرحلة مقبلة الى قصة ابريق الزيت وهكذا..
ونعمق الاستفسار اكثر.. ترى هل حقيقة بوسع الجهاز التربوي الحاضر أن يعي مسؤولية دوره في النطاق الاسري والمدرسي وقيمة التنشئة الواعية الصحيحة?
لنشهد جيلا مبدعا كما حصل في المدارس السوفييتية سابقا والروسية حاليا التي تجعل من مادة الموسيقى <<السيمفونية>> والرقص المتمثلة بـ<<فن الباليه>> منهاجا أساسيا في قوام التدريس المدرسي مما أتاح له أن يوجد مسرحا مرموقا كـ(البولشوي) ليصمد على مدار اكثر من قرن من الزمان.
ودون ريب فان انحسار الفن الأصيل قلل من امكانية توفر المسارح الراقية مثل الـ(إلبرت هول) في المملكة المتحدة, والـ(الاولمبيك) في فرنسا و(دار الاوبرا) في مصر, و(قصر الاونيسكو) في لبنان وغيرها.
ولا ريب أن جمهور المسارح ذات التاريخ والتراث والعراقة والاصالة يختلف تماما عن المسارح التي تعتمد على الآنية حسب توفر الاماكن الشاسعة والمساحات العامة والهواء الطلق وهي غالبا ما تكون وليدة الصدف التجارية لتخدم أمزجة الفنانين والمروجين ليس إلا.
ويتجلى الفرق الشاسع بين الجمهور الذي يأتي للاستماع, من غيره الذي استهوته التقليعات الدارجة لدى فرق الروك مثلا والبوب التي لا تحتاج عادة الى مسرح له تاريخه وتراثه ومناخه وعراقته واصالته وانما هي وليدة الصدفة التجارية البحتة التي يستثمر بعض الفرق لتستثير غرائز الجمهور الذي ينقاد بفعل الدعاية والاعلام وهما العاملات الأساسيان في صنع الفن الطارئ والحفلات المركبة التي لا تقوم على الشرعية والمصداقية حيث تجعل من الأمكنة الشاسعة والساحات العامة والهواء الطلق مسرحا آنيا قوامه الصخب والتوصيلات الكهربائية المعقدة ومكبرات الصوت الصناعية والمقاعد البلاستيكية ان وجدت وغالبا ما تكون هذه الاماكن معدة فقط للصراخ وتفريغ مكبوتات الجسد ان لم نقل تفجير المتناقضات الأخلاقية.
وليس خراب الذائقة عبئا على المستمع العربي فقط وانما على الغربي كذلك ولعل جيل الخمسينيات حتى نهاية السبعينيات قد شهد عصرا ذهبيا يوازي الحقبة العربية ربما.... ولا يسعني الجزم هنا إلا ان نتاج المرحلة المذكورة لا يزال اسرا حتى يومنا هذا فمن بوسعه ان يتنكر لـ(جاك بريل- ايديث بياف- شارل ازنافور- ميراي ماثيو- ديمس روسز- ليز مانيللي- جريس ديبرج- بوب مارلي- خوليو ايغلاسيس- ستيتنغ وغيرهم). الذي كان يتميز عند هؤلاء , الحس (الهاموني) الممزوج في الموسيقى الغربية التي توازيها (الاتروفينيا) <<التوزيع>> في الموسيقى العربية تقريبا.
ولعل تعدي اليد التجارية لخلق وترويج الفن البديل فرض الخروج من المكان وخصوصيته بعد الانصراف عن الكنيسة المهد الأول للفن بجدرانها العالية الحافلة بالفن التشكيلي الخالد وقببها العالية, وظهور المسارح الرومانية ذات المدرجات الحجرية التي حافظت على توزيع الصوت عبر الشحنات الكهرومغناطيسية مع تردد ذبذبات الأثير انطلاقا من القاعدة المنخفضة التي شكلت قاعدة محورية للصوت.
ولتوضيح هذه المفارقة يقول المهندس (محمد شرف الدين) وهو دارس ومهتم بالموسيقى والثقافة العربية الى جانب الهندسة المعمارية التي يراها مكملا حضاريا فنيا تتواكب والفنون قاطبة وفي مقدمها الموسيقى:
إذ ثمة علاقة وطيدة بين الموسيقى والمكان والزمان وهذان الأخيران مترابطان لا ينفصلان أبدا فلا تحديد لمكان بدون العامل الزمني الذي يضفي صبغته ومناخه وتاريخه متعاقبا بين (ليل نهار, شتاء صيف ... الخ).
والصوت والموسيقى هي متتاليات زمنية متناسقة تضفي حضورها على المكان كالمرح والحزن مثلا... ومن المعلوم تاريخيا أن لا وجود للمسارح في العمارة العربية بل كان ديوان الحاكم (خليفة او سلطان او والي .. الخ) كذلك الازقة الضيقة او الاروقة المسقوفة هي المكان الذي يتم فيه الغناء والرقص وما شابه.
أما في عهد الرومان فقد كان للمسرح حضوره وهندسته ومكانته وكان يراعي في تصميم المسارح او الكنائس الجدران والقبب والعقود العالية, وقد ساعدت في حينها انسيابية الجدران وامتداداتها الشاقولية الشاهقة بعدم (تكسير) الصوت وبالتالي خلق ارتدادات عكسية تسبب بعض التشويش احيانا بفعل دوران الصوت وتحويمه داخل القاعات فترة زمنية أطول مما ينبغي لها كي تحقق المعادلة المطلوبة بتوازن الايقاع وتوزيعه وتناسقه النغمي ولهذا بدأت الهندسة تنحو شكلا آخر في التصميم حيث فرشت أرض القاعات بالسجاد وغلفت جدران المسارح بالموكيت لأنها تساعد على امتصاص الصوت مما انقص من وتيرة الصوت وتواتراته وهكذا أدخلت المعدات الكهربائية ومكبرات الصوت كعامل مساعد للتوازن النسبي بين احداثيتي الزمان والمكان كما لعبت الهندسة الصوتية دورها الأمثل لاستخلاص <<البرهة السماعية>> ووصولها الى اذن المتلقي وفق تقديرات مدروسة لا مجال لشرحها هنا, غير أن هندسة الصوت بدأت تفقد مصداقيتها بتطفل الكثيرين الذين يفتقدون الى العلم والمعرفة والاختصاص ويكتفون بالخبرة والجرأة ومع زيادة الانتاج الالكتروني وتفاقم الأزرار فيها, تنامت التجارب الصوتية, مما أفسح المجال للهواة أن يتصاعدوا على هيكلية البنى اللحنية كالنباتات المتسلقة لكنها مع الوقت كانت تدرك هشاشتها.
وهنا تجدر الاشارة الى أن المواد العازلة أو الحجر العازل للصوت هو المستعمل في بناء القاعات والصالات والمسارح والكنائس وحتى المدرجات منها.
كما يفترض دائما أن يكون مصدر الصوت هو المكان المنخفض في القاعة وأن تكون خلفيته معلقة لمنع انسياب الصوت عكسيا..
ويرى الملحن احسان المنذر أنه لم تعد الأغنية الكلاسيكية هي الشائعة والسائدة وإنما الأغنية الهابطة هي الرائجة أيضا ويقول: إن إقبال المرو ج والمنتج لتحصيل الربح السريع جعله يفضل الأغنية الراقصة دون النظر الى القيمة او القيم الفني ة, وسهولة الترويج جعلت من المطرب نفسه شريكا فاعلا في الازمنة الحالية, الذي وجد في الأغنية الهابطة شبابه الدائم وتجاوز بذلك حدودية الموهبة التي لا توجد أصلا, فالأغنية الكلاسيكية لها مواصفات وامكانيات ومقدرة صوتية من يملكها حتما لن يقدم على السطحي والمسف.
فمثلا نجوم البوب في أمريكا اليوم تستقطب ما بين 40 الى 50 الف صوت مثل (مايكل جاكسون- مادونا) بينما نجوم العالم العربي يضطر السماسرة الى نصب المسارح المؤقتة مثل مدرجات الملاعب, او الساحات العامة مما يجعل بطاقة الدخول رخيصة نسبيا تتيح لكل الشرائح الاجتماعية الاقبال عليها وخاصة الشعبية فيعتقد هؤلاء أنهم صنعوا <<جمهورا>> عريضا في الحقيقة هو لا يملك الحد الأدنى من الثقافة الفنية ومن خصوصية معنى النجم والمنصة والصوت والاستماع ... الخ.
وهكذا تبدو الأزمة أنها ليست أزمة شخصية فقط وأن هناك أغنية لا تروقني وظواهر فنية مدعية تستفز إنسانيتي.
نحن أمام أزمة عامة وشاملة وصرخة وغيرة جسيمة يحملها كل الحقيقيين لهذا ينبغي تسليط الضوء تباعا وعدم الاستكانة بحجة الحياد والجديد والطفرة.
كلنا مسؤول وكلنا رعية فلنحسن الطلب بشأن مالنا وما علينا وربما في مقام قادم سأواصل القصي عن الأغنية الملتزمة والسياسة والقومية في ذمة من?.. أيضا وأيضا