آن الآوان لتحويل فكرة الحكم الذاتي الى مشروع عملي
القسم الثاني
بقلم: وســام كاكوتنويه: أعتذر لقراء موقعي عشتار وكلدايا بسبب وقوع خطأ في القسم الأول من هذا المقال إذ أن تاريخ إنقعاد مؤتمر واشنطن هو 14-16 نيسان 2008 وليس 14-16 أذار 2008، فضلا عن أخطاء بسيطة أخرى.
تقول (لندا هيرد) في مقالة لها منشورة بتاريخ 30-11-2005: "يصف يينون العالم العربي الإسلامي بأنه بيت مصنوع من أوراق مصفوفة سوية من قبل الأجانب ومُقسمة عشوائياً الى دول، وجميعها مؤلفة من أقليات ومجموعات عرقية يُعادي أحدها الآخر". هذا الكلام لا يخلو من التجني ومع هذا فإن الخريطة الآتية تُبّين تصور المحافظين الجدد للمنطقة وهي مُتجاوبة مع النص السابق وقد إطلعتُ عليها أيضاً من خلال مؤتمر واشنطن الآخير Iraq Action Days بين 14 و16 نيسان 2008.
بعد قرن من الزمان قضته بريطانيا ومن ثم أميركا ودول أخرى في التخطيط لضمان مصالحها في العالم كان العرب (ونحن معهم) خلاله مُنشغلين بصراعات وأمور أخرى ولم تكن لديهم (لدينا) أية خطط لضمان مصالحهم (نا) بأي شكل، مع نسبية هذا الكلام، ولم يكن لديهم حتى تفكير ستراتيجي عميق للمستقبل بإسثناء القليل جداً، يُمكن الآن النظر الى دخول أميركا الى العراق بنفس المنطق أو السيناريو القديم فقد نظر العراقيون الى الدخول الأميركي بمثابة إنهاء لفترة مُعينة من الحكم وكان أملهم، مثلما كان أمل العرب عندما كانوا تحت السيطرة العثمانية، هو خلق نموذج جديد من الديمقراطية وقد إشتغل الإعلام وأطراف كثيرة على إبراز مفهمومي الديمقراطية والحرية والتخلص من نظام طاغي للترويج لعمليات عسكرية مُبرَرّة وحالما دخلت القوات الأمريكية والبريطانية العراق دخلت المنطقة في الوجه الثاني من التقسيم وستُتخذ إجراءات مُختلفة وستُستعمل وسائل كثيرة، منها ما لم نسمع به وما لم نعرفه، لكي يتم تقسيم العراق الى مناطق اصغر وبإدارات أكثر وهناك جهات على الأرض من العراقيين يهمها القيام بخطوة التقسيم (الفدرالي)، كما توجد دول في الجوار تتمنى هذه الخطوة في العراق وكل المُعطيات تُشير الى ان عميلة التقسيم قادمة لا محال رغم تشبث الكثير من العراقيين بعدم الخضوع لذلك ولكن المعادلة غير متكافئة بين الطرفين مثلما لم تكن متكافئة بين العرب والإنگليز في مرحلة ما بعد العثمانية.
بإزاء هذه الحالة ماذا سيحصل لشعبنا عند حصول عملية التقسيم (الفدرالي) التي لا أتوقعها أن تتأخر أكثر من بضعة سنوات، هذا في حالة عدم ضرب إيران من قبل أميركا في المستقبل القريب، أما إذا تم ضرب إيران فإن العملية ستجري بشكل أسرع لأن الصراع في المنطقة سيجعل سكانها أكثر ميلاً الى حماية مصالحهم الذاتية الخاصة، ففي إيران توجد مجموعات ديمغرافية وإثنية مُختلفة وستُضاف مصالحها الديمغرافية الخاصة الى المصالح الديمغرافية الخاصة الأخرى في العراق وبهذا ستتسع دائرة المصالح الديمغرافية الصغيرة مع بعضها وستتعزز وتُصبح عملية قبول الفكرة أكبر، ومثلما فُسح المجال لملوك من الأردن لحكم العراق وإزدادت الفجوة بين العراقيين والملك القادم من الأردن لدرجة إنهم قتلوه في النهاية هكذا سيحصل للسيطرة الإيرانية في العراق بعد ضربها وتوجد بوادر خلاف وصراع شيعي – شيعي في العراق الآن، وكان يوجد خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية خلاف وصراع مُشابه، فقد نظر الشيعة العراقيون، في معظمهم، الى الإيرانيين المُماثلين لهم في المذهب بإعتبارهم شعب آخر مُختلف ومُعادي وإزداد إحساسهم هذا عندما وجدوا إن إيران ضعيفة وإشتغل الإعلام على إظهارها مُعتدية وتُحاول التجاوز على حقوق العراقيين أجمعهم بضمنهم الشيعة وهكذا تبع الشيعة والسنة والعراقيين في أغلبهم نظام الحكم العراقي القوي في حينها، مع المعرفة الكاملة بوجود تنظيمات شيعية عراقية في إيران وكذلك في العراق منذ فترة الحرب العراقية الإيرانية ولكنها لم تكن قوية لتؤثر في عكس التصور الذي بنته الحكومة السابقة في الشيعة العراقيين، إلا أن هذه الصورة إنقلبت تماماً عندما دخلت أميركا الى العراق وقلبت نظامه القوي، فأصبحت إيران قبلة انظار مُعظم الشيعة العراقيين وتنظيماتهم لأنها ما زالت تمتلك ما يكفي من القوة وأيضاً لأنها تدخلت لإيجاد مصالح لها في الأرض العراقية. صورة الوضع الإيراني هذه في العراق لن تدم طويلاً إذا ما تم ضربها من قبل أميركا، صحيح إن العملية قد لا تكون سهلة وإن الظروف ليست مُتماثلة بالضبط لما كانت عليه ظروف العراق ولكن لا شيء يبدو مُستحيلاً الآن، وما دامت إيران قد دخلت ضمن هذه الستراتيجية العامة فإن المسألة ليست إلا مسألة وقت لأن الصورة الكاملة للمشهد في المنطقة لن تكتمل إلا بضرب إيران وحينها ستُصبح المنطقة مجموعة كيانات أشبه ما تكون بالمستقلة وسيُفكر الشيعة العراقيون بعيداً عن الشيعة الايرانيين، كما سيرى السّنة أنفسهم مُجبرين على التفكير بما يُعزز مصالحهم وما هذا الضغط الواقع على السّنة الآن إلا لجعلهم يتخلون عن التفكير الشامل بالوطن الواحد وسيضطرون في النهاية الى قبول ذلك لأن المسألة أكبر من أن يستطيعوا التعامل معها، والأكراد من جانبهم لن تكون لديهم مُشكلة في قبول الوضع الجديد لا بل إنهم يُهيئون له بشكل فيه الكثير من الإستيعاب للمستقبل القادم، في سياق هذا الفهم يُحاول التركمان أيضأ أن يتشبثوا بحصتهم وتُحاول تُركيا أن تضع ثقلها بجانبهم وبوسائل مُختلفة كأن تكون ضرب حزب العمال الكردستاني أو اللعب بورقة الأكراد داخل تركيا للمناورة مع الأكراد وجعلهم يقبلون بحصة للتركمان أو لتركيا وغيرها. يبدو أن كل الأطراف تمتلك مؤازرين وقوى تقف الى جانبها لكي تُعزز من إمكانية حصولها على ما ترغب به، ولكن مَنْ سيُساندنا ويقف معنا؟ أين سيكون شعبنا الكلداني السرياني الآشوري حينها أم ليس مطلوبا منا التفكير بما هو أبعد من الخطط القصيرة الأمد!؟
إن اللاعبين الأساسيين في المنطقة في ظل هذا الوجود الأمريكي في العراق هم: أميركا بالدرجة الأولى وتليها بريطانيا ويأتي بعدهما اللاعبون الداخلون الى الملعب بدوافع اخرى مثل الدفاع عن المصالح والنفس وهم إيران والى حد ما تركيا والسعودية وإسرائيل وربما الكويت ويوجد توجه جديد الآن لفرنسا للقيام بدور ما، كما وتحاول جهات أخرى أن تدلو بدلوها لأسباب إنسانية مثل الڤاتيكان ولكن دورها سيبقى ضمن هذا الإطار إذا لم تجعل لها دور أكبر من خلال التنسيق مع اللاعبين الكبار فضلاً عن الأطراف العراقية. السؤال هنا هو: مَنْ من الأطراف العراقية سيقف لجانبنا ومَنْ سيقف مُحايداً ومَنْ سيقف ضدنا عند طرحنا لمشروع الحكم الذاتي (وليس فكرة الحكم الذاتي لأن مرحلة طرح الفكرة قد عبرناها) ؟
للإستدلال المنطقي يُمكن أن ندرس هذه الأطراف من خلال تجاوبها مع فكرة الحكم الذاتي التي تم طرحها قبل فترة من الزمن وهي كالآتي:
1- الأكراد بشكل عام لم يُظهروا إعتراضاً قوياً مُعلناً على إقامة الحكم الذاتي لشعبنا لا بل إن بعض الشخصيات القيادية الكردية أظهرت تأييداً واضحاً ومُعلناً لإقامة الحكم الذاتي لشعبنا في مناطقه التاريخية وهذا يُعطينا تفاؤلاً كبيراً لا سيما إذا إلتقت المصالح بيننا، والمصالح هنا لا تعني بالضرورة إلحاق الحكم الذاتي لشعبنا بالمناطق الكردية فهذا الإحتمال قد يكون أو لا يكون وارداً لدى أي طرف، ولكن هناك أكثر من مفهوم وسيناريو يُمكن العمل عليه لصياغة مصالحنا وجعلها تلتقي مع المصالح الكردية.
يتمتع الأكراد في كردستان العراق بكونهم أصبحوا يمتلكون ثقافات مُختلفة من العالم فالفترة التي قضاها الأكراد في الخارج خلال الصراعات التي إمتدت لعقود من الزمن جعلتهم أكثر مجموعة عرقية في العراق قادرة على فهم أهمية الحكم الذاتي لشعبنا لا سيما وإن أبناء شعبنا ساهموا بشكل فاعل في نشاطات الشعب الكردي ونضالاته كما إن شعبنا في الأساس ينحدر من هذه المنطقة وكل هذه مُميزات يُمكن العمل عليها مع الأخوة الأكراد لتعزيز مشروع الحكم الذاتي لشعبنا. إذن العلاقة بيننا وبين الأكراد هي علاقة عيش مُشترك على نفس البقعة الجغرافية وعلاقة نضال مُشترك، وفي نفس الوقت هي علاقة تبادل مصالح وهذه كلها يُمكن العمل عليها لتطويرها إعلامياً وسياسياً للوصول الى النتيجة المرغوبة من الطرفين. لذا يُمكن القول أن الإستقراء الأولي يُبين إن الأكراد سيتصرفون بإيجابية مع مشروع الحكم الذاتي لشعبنا وتوجد ستراتيجية يُمكن العمل عليها لتعزيز القبول الكردي للحكم الذاتي لشعبنا.
2- الشيعة العراقيون لا يرون في الحكم الذاتي لشعبنا أي شكل من أشكال التهديد لهم وربما لن يُعطوا المسألة الكثير من التفكير في الوقت الحاضر ولكن مصلحتهم الحالية التي تتناسق بشكل أو بآخر مع التفكير الإيراني تميل الى الفدرالية وهي ستُحاول جهدها أن تدعم قيام هذه الفدرالية سواء برغبتها أو برغبة إيران أو برغبة أميركا وحلفائها والشيء الذي يجب الإنتباه إليه في حالة الشيعة هي إن مركز قرارهم ليس حكومياً بل دينياً فالمرجعية هي الأساس في إتخاذ القرار لذا فإن عملية التطبيق في تفكير وسلوكية الشيعة ليست مُعقدة أبداً فكل المطلوب هو تبني المرجعيات الدينية لمشروع الفدرالية وعندها ستكون المسألة أشبه بالمُنتهية بالنسبة للشيعة عموماً، فالفترات السابقة في التاريخ الشيعي تُظهر بشكل واضح إنه لم تكن توجد قيادات سياسية شيعية خارج مُباركة المرجعية الدينية وفي أحيان كثيرة مارست المرجعيات الدورين الديني والسياسي، وحتى لو كانت الوجوه السياسية مُختلفة فإن المُباركة المرجعية مُهمة لا بل لازمة جداً لوجود أي سياسي أو تنظيم، وربما ينبغي أن نُلاحظ هنا إن الوضع الحالي للصراع بين الأطراف المُتنازعة في العراق يكشف جلياً إن إيران تضع ثقلاً كبيراً فيه وتقوم برسم الكثير من الأدوار السياسية للأطراف سواء بالتدخل العسكري المحدود أو من خلال رجال الدين والسياسيين الموالين لها والأسباب مُختلفة منها الدفاع عن مصالحها ومصالح أصدقاءها أو لدفع الأذى عنها، وهذا الوجود الإيراني يُحبذ فكرة الفدراليات لانه مُقتنع من إن إمكانية السيطرة على كل العراق ليست واردة أو مُتاحة للشيعة ولا حتى للسّنة العرب بعد أن أخذ الأكراد وضعاً خاصاً بهم فضلاً عن إن الأميركان والسعوديين لا يريدون للسيطرة الإيرانية أو الشيعية في العراق أن تستحوذ على كل العراق لذا فإن الشيعة العراقيين والإيرانيين سيكتفون بالممكن وهو الفدرالية لتأمين عدم ظهور دولة عراقية سنية جديدة تُسيطر على كل العراق فالسيطرة السنية العربية التي مارست إدارة العراق لفترات طويلة أخذت طبيعة العراق الواحد في الإدارة، أي دولة عراقية واحدة خاضعة بكليتها لإدارة سنيّة، لذا يقع هذا الضغط على السّنة الآن ومن كل الجهات لدفعهم الى التخلي عن منظومتهم الفكرية المُتعلقة بالعراق الواحد لأن أميركا لا تريد، فضلاً عن الأكراد طبعاً، وإيران لا تريد والشيعة في العراق لا يريدون بعدما خسروا الكثير من الطموحات السياسية خلال فترات سابقة. هذا التحليل رُبما يُفسر السلوك الأمريكي تجاه النشاط الإيراني في العراق، فأميركا ترغب في تعزيز فكرة الفدرالية بمساعدة السلوك الإيراني لذا فإنها سمحت وستسمح لإيران، لفترة محدودة، بكل هذا النشاط داخل العراق فضلاً عن نُقاط إلتقاء أخرى لا يسع المجال لذكرها هنا، ولكن المُشكلة التي ستجعل من هذه المُعادلة مُختلفة هي إن الأميركان تتبدل الوجوه لديهم بين فترة وأخرى تبعاً لمصالحهم أما الإيرانيين فالوجوه لديهم باقية دائماً الى حد ما لذا عندما تنتفي الحاجة الى الإيرانيين مع تعزيز القبول الفدرالي وتطبيقه ستنقلب الوجوه السياسية الأمريكية الجديدة على إيران بسهولة وهذه مسألة معروفة في أميركا بشكل كبير فأي موضوع تقوم بطرحه على أو عن طريق شخص مسؤول في أميركا سيسمعه أو يقرأه ولكنه لن يُعطيك الجواب بالنفي أو القبول حتى لو بدا إيجابياً أو أعطاك إجابة مُتفائلة فإن الخطوة التي تليها هي إن هذا الشخص الذي تطرح الفكرة أو الموضوع عليه سيتبدل بحجج مُختلفة كأن تكون مثلاً إنه إنتقل الى منصب آخر أو إنه في إجازة أو أحيل على التقاعد أو إنه نُقل للعمل في دائرة أو ولاية أخرى وهكذا تتعدد الأسباب والنتيجة واحدة وهي إيجاد المُبرر لتبديل الموقف وبالتالي لن ترى هذا الشخص وغالباً ما يقولون لك إنه توجد بيروقراطية كبيرة في أميركا ولكنها ليست إبداً بيروقراطية غبية بل مبنية على أساس واحد وهو السيطرة على توقعات المُقابل وقد سمعتها من أكثر من طرف مسؤول في أميركا فكرة السيطرة على توقعات المُقابل Control Expectations فكل ما يُمكن أن ننظر إليه بإعتباره منطق واضح يؤدي الى نتيجة منطقية واضحة يتعامل معه المسؤول الأمريكي بمنطقهِ الخاص لذا فإن ما يجعل لعاب الأمريكي يسيل هو مصالحه فقط وليس مصالح الآخر، إلا إذا إرتبطا سوية، وقد سبق وأن كتبتُ سابقاً عن الفشل الذي لحق بالخطاب الآشوري وكذلك بالخطاب والسلوك العربيين لأنهما لم يعطيا للإنگليز مصلحة ثابتة لديهما في حين إن اليهود فهموا ذلك وتعاملوا معه بجدية كبيرة لذا فازوا بإسرائيل. لكي لا يتوسع الموضوع الى تفاصيل أخرى أود أن أبّين مسألة واحدة وهي إن التكتيك المرحلي لأميركا الذي إعتمد على فسح المجال للإيرانيين للعمل بحرية غير مُتوقعة في العراق نابع من إلتقاء مصالح بشكل مرحلي لتعزيز هذا التقسيم في العراق وبمجرد أن تُصبح عملية ضرب إيران مُعززة لهذا التقسيم وللتقسيم الإيراني ستتغير اللهجة الأمريكية وسياستها وستظهر كل الملفات التي تُؤيد ضرب إيران ولكن من قبل سياسيين أمريكيين آخرين غير أولئك الذين باركوا، علنا أو خفية، التعاون الأمريكي الإيراني في هذه المرحلة وبهذا الشكل فإن السياسة الأمريكية العامة ستُحقق أهدافها الطويلة الأمد رغم تغير الوجوه والسياسات المرحلية، وقد لاحظنا كيف إن رجالاً من الكونگرس ومسؤولين آخرين زاروا العراق خلال فترة الحكم السابق ومع هذا فإن هذه الوجوه لم تتخذ، عندما حانت ساعة التنفيذ، موقفاً غير ذلك الذي يخدم مصلحة أميركا وإنتهى دور الحكومة العراقية دون أن تجد حليفاً أمريكياً واحداً يقف الى جانبها لا سيما من أولئك الذين زاروها في فترات سابقة!
بالنسبة لشعبنا وقضيته يُمكن، من إستقراء الأحداث، تصنيف الشيعة الى مُحايد غير مُبال الآن لأنهم لا يرون لشعبنا بُعداً في العملية السياسية والصورة النهائية الكبيرة، لذا نحن غير مُهمين بالنسبة لهم وهذا لا بأس به تماماً لهدفنا في الحكم الذاتي، ويُمكننا لتعزيز وضعنا مع الشيعة أن نكسب أحد المرجعيات ونحن بذلك نكسب كثيراً لصالح هدفنا.
3- السُّنة العراقيون (العرب) يُعانون كثيراً من الثقل الواقع عليهم من قبل أميركا وحلفائها وكذلك من قبل بعض الشيعة ومؤازريهم والسبب واضح وهو بالنسبة لأميركا هذا الخوف الدائم من كون السّنة بحكم سيطرتهم على الحكم في العراق لعقود عديدة - كما قلنا سابقاً – ينظرون الى العراق كحالة واحدة للحكم إدارياً ولا يقبلون أو يُناقشون الفدرالية لا بل إنهم يتعاملون بعنف أحياناً مع مَنْ يُروج للفدراليات وهم بذلك يخسرون الأكراد في شمال العراق والشيعة في جنوبه وأجزاء من وسطه، وأميركا لا تريد هذا الفكر الذي ساد كل العقود الماضية لأنها كما قلنا ترغب بالتقسيم سواء كان فدرالياً أو إنفصالياً (في وقت لاحق)، المسألة الثانية في الفكر السّني العراقي وحكمه هي إن السنّة العراقية تفكر بالعراق كجزء (قُطر) من الوطن العربي وهذه مشكلة ثانية بالنسبة لأميركا وأيران، وإن كان العراق كبلد واحد مُتماسك غير مرغوب به من قبلهما فكيف الحال بإلصاقه كقطر أو كجزء بالوطن العربي الكبير. صحيح إن الدول العربية لم تعد الى حد ما تُفكر بالوحدة العربية على الأقل من الناحية العملية لأن الخطاب العربي ما زال يحمل بعض التوجه الوحدوي الضعيف نسبياً، ولكن هذا ليس كافياً بالنسبة لأميركا وإيران وإسرائيل ففي كل الحروب التي نشبت بين الفلسطينيين واليهود وجدنا إن العرب عموماً ومن أقطار مُختلفة يميلون بشكل أو بآخر الى المشاركة ضد إسرائيل، وحتى مع إيران فعندما قامت الحرب العراقية الإيرانية ساندت الكثير من الأنظمة العربية العراق.
إذن التفكير الوحدوي حتى لو كان غير جغرافي فإنه موجود في المستوى العملياتي وهذا لا يفيد اي طرف من الأطراف التي أشرنا إلى إلتقائها، ولو ذهبنا الى أبعد من ذلك نستطيع أن نُفسر لماذا سُمح للنشاط الشيعي بالإنتشار خلال العقدين ونصف العقد الاخيرين فقد إنتشر الى لبنان وتأثرت به سوريا بشكل مُتعاون والآن العراق فالوجود الشيعي بهذا الشكل المُنتشر في العالم العربي بين لبنان وإيران والعراق وسوريا وازن النشاط والتفكير والسلوك السّني الذي غالباً ما لم تستطع إسرائيل تسييره لصالحها في مناسبات عديدة ولو لاحظنا بشكل أعمق لوجدنا إنه منذ أن إنتشر النشاط الشيعي وسلوكه في العالم العربي إنتهت الحروب العربية الكبيرة ضد إسرائيل ولم تعد غير مناوشات بسيطة هنا وهناك وحتى حزب الله في الحرب الأخيرة لم يُؤثر على إسرائيل مثلما كان الحال مع الحروب العربية الأخرى التي كانت تشارك فيها جيوش كبيرة ومن عدة دول عربية بثقلها مرة واحدة ضد إسرائيل، كما إن إسرائيل من جانبها لم تُقدم على القضاء الكامل على حزب الله في لبنان رغم إنها كانت قادرة عسكرياً على فعل ذلك، وقد ينظر البعض الى وجهة النظر هذه بشكل آخر ومن زوايا أخرى لذا حدّدتُ الموضوع بالتفوق العسكري، ولكن الدور الشيعي لم ينته بعد ومتى ما تحققت الأهداف المطلوبة من قبل أميركا وإسرائيل فإن النشاط الشيعي في العالم العربي سينحسر بشكل واضح الى مستوياته المقبولة ضمن المقاييس التي تعمل عليها الجهات الدولية، على أية حال هذا الموضوع نسبي وقابل للنقاش مُستقبلاً لأن الستراتيجية المرسومة للمنطقة قد تستوجب زيادة النفوذ الشيعي في المنطقة لفترة أطول نسبياً ليتم إجراء توازن أفضل بين السنة والشيعة وهذا كان سيتعزز بشكل أفضل ولمدة أطول لو أن إيران أظهرت إعتدالاً أكبر في سياساتها مع دول المنطقة، ولكنها على ما يبدو تستعجل الأمور وتدفع بها بإتجاه ضربها عسكرياً. لنرجع الى الصورة العراقية، النتيجة هي إن التفكير والسلوك السّني العراقي لا يتناسبان مع التفكير والسلوك الأمريكي والإيراني لذا يقع عليهم ضغط كبير لتحييدهم ولهذا السبب تم بشكل أو بآخر تسليم الحكم للشيعة. تحييد الفكر السّني، من وجهة نظرهم، واجب لإنجاح المُخطط الكبير في المنطقة وربما يكون مفيداً التذكير هنا بأن مرونة التفكير والمناورة في مثل هذه الحالة تكون عالية جداً لدى السّنة ويستطيعون التعامل مع مواقف مُتناقضة برؤى مُتفاعلة، ولكنهم سُحبوا الى ما لا يمتلكون القدرة على السكوت عليه فمثلا ملاحظة ما حصل منذ دخول أميركا الى العراق يعكس بما لا يقبل الشك إن الحرب في العراق مطلوب منها أن تتحول الى حرب سنية – شيعية، وقد جرت مثل هذه المحاولات عندما دخل الإنگليز الى العراق في بدايات القرن العشرين وكانت المناقشات واضحة في هذا المسعى بين الإنگليز والثوار العراقيين ولكنها لم تُحقق ذلك النجاح في حينها أما الآن فالمسلك الذي تم إتخاذه أقوى وأقسى وأشرس لتعميق هذا الإختلاف بين الشيعة والسنة العراقيين وكانت لأميركا وبريطانيا وإيران وبعض العراقيين أدواراً كبيرة في هذا الإتجاه وتعميقه، وتعاون معهم فيه بعض المسؤولين العراقيين، فلننظر الى موعد إعدام صدام حسين في أول أيام العيد وكيفية إظهار توقيع المالكي على قرار الإعدام في قنوات التلفزة العالمية والإقليمية والمحلية مرات ومرات عديدة ونرى كيف كانت العملية مدروسة لوضع شرخ كبير بين الشيعة والسنة لا يُمكن تجاوزه بسهولة وغيرها من الأحداث التي تنصب في نفس هذا المسعى الذي يرمي الى إبقاء خلاف دائم بين السنة والشيعة، وكذلك ما تم تناقله بخصوص قيام السيد مُقتدى الصدر بتنفيذ حكم الإعدام وإظهار صوره بشكل تحليلي وإستنتاجي في وسائل الإعلام العالمية. الحبل، بالطبع ليس ممدوداً على الغارب للشيعة أيضاً لذا نرى إن الأمور في بعض الأحيان تُدفع بإتجاة خلق مشكلة أو صراع شيعي – شيعي وذلك لكي يُضمن عدم تحول الشيعة في النهاية الى قوة صلبة لا يُمكن التعامل معها أو تحييدها في الوقت المطلوب.

ما يهمنا في الوضع الحالي هو الموقف السّني بالنسبة لشعبنا الكلداني السرياني الآشوري، يبدو إن السّنة من الناحية المبدئية لن يقبلوا بالحكم الذاتي لشعبنا، مثلما لن يقبلوا بالفدراليات، وقد عكست سلوكياتهم في الموصل هذا التصور وربما كانت الموصل واحدة من المناطق الأكثر رفضاً لفكرة الحكم الذاتي لشعبنا، وسبب ذلك ليس الخوف من المسيحيين وزيادة تأثيرهم الى مستويات خطرة وليس الخوف من أن تؤخذ مناطق من الموصل وتُعطى للمسيحيين عند تطبيق الحكم الذاتي فهذا ليس صحيحاً أو إنه تفسير محدود الصحة، ولكن بسبب طبيعة تفكيرهم المبني على التوجه القومي للعراق الواحد المُتجانس مع الوطن العربي الواحد وكذلك بسبب كون تركيبتهم الفكرية والإدارية مبنية على الحكم الواحد للعراق الواحد وهذه مسألة تُواجه حالياً عدة إعتراضات من أميركا وإيران والشيعة العراقيين والأكراد العراقيين ولهذا السبب قلنا إن المُعادلة غير مُتكافئة بين الطرفين رغم كل الدماء التي أريقت لحد الآن للحفاظ على التوجه السنّي.