نيسان التأسيس والمسيرة القومية – 3
بين الإتحاد الآشوري العالمي والحركة الديمقراطية الآشورية
أبرم شبيراسبق وتطرقنا في القسمين الأول والثاني عن الإتحاد وزوعا وبمناسبة تأسيسهما في نيسان وذكرنا بأنه بسبب إختلاف طبيعة تأسيس وظروف كل واحد منهما جعل الحديث عنهما مختلفاً بعض الشيء. والآن نحاول بقدر المستطاع المقارنة بينهما وهي مهمة ليست بالسهل بسبب قلة المعلومات التفصيلة عنهما خاصة بالنسبة لزوعا إضافة إلى كونها مهمة جديدة من نوعها في المقارنة بين تنظمين قوميين من تنظيمات شعبنا ولكن مع هذا سنحاول بقدر المستطاع تحقيق هذه المهمة رغم القصور الذي سيشوبها والذي نأمل من مؤسسي التنظيمين أن لا يبخلوا على شعبنا في ملئ الفراغ الكبير الذي نعانينه في التوثيق السياسي.
1. من حيث ظروف السياسية: تأسس الإتحاد ضمن ظروف إقليمية وعالمية وبتأثير منهما من جهة وظروف وطن الأم، العراق من جهة أخرى، وكان تأثير الظروف الأولى ووقعها وفاعليتها أقوى بكثير من الثانية وهذا يظهر بكل وضوح في غياب موفودين من العراق مباشرة عند تأسيس الإتحاد. وقد إختصرنا هذه الظروف في نقطتين في القسم الأول من الموضوع. أما بالنسبة لزوعا فقد تأسس في ظروف عراقية صرفة متأثرة بنوعية السياسة التي مارستها أنظمة الحكم في العراق تجاه الآشوريين والتي تصاعدة حدتها في زمن نظام حزب البعث. تأسس الإتحاد في ظروف أكثر شفافية وديمقراطية وفي بلد أوربي ديمقراطي (مدينة باو في فرنسا) في حين تأسس زوعا في ظروف صعبة وعصيبة ومحفوفة بالمخاطر والمهالك وفي ظل نظام عرف بالإستبدادية (نظام البعث في العراق). أي بعبارة أخرى الإتحاد تنظيم مهجري في حيث زوعا تنظيم وطني.
2. من حيث المؤسسين: تأسس الإتحاد من شخصيات معروف في المجتمع على مستويات إجتماعية وثقافية أكثر من سياسية ومعظمها من المقيمين في المهجر وكانت المبادرة من جهة ثقافية، على الأقل من حيث الشكل، في حيث كان مؤسسو زوعا معظمهم من الشباب وطلاب الجامعات ولم يكونوا معرفين على المستويات الإجتماعية والثقافية في الوطن ولا في المهجر كما جاء زوعا إلى الوجود من إندماج وتوحد بعض التنظيمات القومية الصغير.
3. من حيث التنظيم الهيكلي: كان بحكم ظروف التأسيس والتكوين أن يكون تنظيم الإتحاد عالميا مفتوحاً يقارب أسلوب الجمعيات أو جماعات الضغط ويتوافق مع طبيعة الإنظمة الديمقراطية التي نشط فيها ومع أوضاع مجتمعنا المشتت في إرجاء العالم. في حين كان تأسيس زوعا قائماً على تنظيم الخلايا والمحليات والفروع والمعروف بتنظيم لينين، مؤسس حزب الشيوعي الروسي. وهو التنظيم الذي يتوافق مع ويتحصن من السياسات الإستبدادية التي تمارسها السلطة ضد معارضيها، وبالنتيجة يكون النظام الداخلي للإتحاد مختلفاً كلياً عن النظام الداخلي لزوعا.
4. من حيث العضوية: عضوية الإتحاد قائمة على إنضمام الأحزاب والجمعيات والأندية وغيرها إليه ولكن مع هذا شهد الواقع إنضمام الأفراد إليه أيضا. ومن المعلومات المتوفرة لدينا أن هذه الأحزاب والجمعيات تدفع إشتراكاتها العضوية ولكن ليس لدينا معلومات عن دفع الأفراد إشتراكات عضويتهم في الإتحاد. في حين عضوية زوعا قائمة على الأفراد ويتطلبها إجراء تنظيمية معينة عند طلب الفرد الإنضمام إليها وهناك إشتراكات محددة يدفعها العضو.
5. من حيث الإلتزام: إلتزام العضو في الإتحاد هش وتقريباً غير موجود أو قد يكون بشكل غير مباشر وعن طريق الجمعية التي ينتمي إليها وحتى هذا يفقد أهمية الإلتزام بالإتحاد لأن الكثير من أعضاء هذه الجمعيات والأندية لا يعروفون فيما إذا كانت جمعيتهم أو ناديهم مرتبط بالإتحاد أم لا. في حين الإلتزام في زوعا موجود وواجبات العضو وحقوقه واضحة ومبينة في النظام الداخلي يتسوجب عليه الإلتزام الصارم بهما وإلا خضع للمحاسبة الحزبية.
6. من حيث المضمون: بسبب طبيعته التشكيلية القائمة على مجموعة من التنظيمات الإجتماعية والثقافية والرياضية وحتى السياسية فأن مضمون الإتحاد لم يتحدد بالسياسة فحسب بل خلط الأمور الثقافية والإجتماعية بالأمور السياسية والقومية في حين المضمون الوحيد والواضح لزوعا هو السياسة فحسب و لاغيرها. غير أن هذا لا ينفي وجود منظمات نسائية وشبابية وخيرية مستقلة ولكن ملحقة بزوعا. فالمنظمات الملحقة تكون لها إستقلالية مالية وإدارية ولكن تسعى إلى تحقيق أوإلى إكمال أهداف تصب في نهاية المطاف في أهداف الحزب.
هذا بشكل مختصر عن بعض وليس كل نقاط الإختلاف بين الإتحاد وزوعا والذي كان الهدف من هذا العرض هو بيان إختلاف طبيعة ونوعية ونشاط وهدف كل واحد منهما. فزوعا كتنظيم سياسي حزبي مارس السياسة وشارك في نشاطات سياسية وإنتخابية وحصل مقعد أو مقاعد في البرلمان العراقي أو في برلمان إقليم كردستان وعقد تحالفات سياسية وحزبية مع غيره من أحزاب أمتنا أو الأحزاب العراقية. وكان من المفروض للإتحاد أن يمارس نشاط يتوافق مع طبيعته في كونه تجمع فدرالي مهمته الأساسية هو التنسيق بين المؤسسات والجمعيات التي تنظوي تحت لوائه وتمثيلها على المستويات الإقليمية والدولية. فإذا كان قد وفق بعض الشيء في الحصول على عضوية في واحد أو أثنين من التنظيمات العالمية غير الحكومية فأن الواقع خلال أربعة قرون من عمر الإتحاد يبين بكل وضوح عدم توفيقه في المجالات القومية الأخرى والسبب الرئيسي في ذلك يرجع إلى التناقض الفاضح الذي أوقع الإتحاد نفسه فيه والذي تمثل في خروجه عن "جلده" وإلباس نفسه جلداً آخر لا يتوافق مع طبيعة وأهداف تأسيسه.
لا شك فيه إطلاقاً أن الفكرة التي تأسس الإتحاد من أجلها هي فكرة نبيلة وقويمة كما سبق وأن أكدنا عليها مراراً وتكراراً غير أن الفقر في الأدوات التنفيذية والممارسة الواقعية جعلت من هذه الفكرة مجرة فكرة مطلقة مثالية لم يستطيع أن تنقلها إلى الواقع العلمي. فكما سبق وأن شرحنا بأن الطبيعة الفدرالية للإتحاد جعله أن يكون تنظيماً تنسيقياً وممثلاً لتنظيمات وأحزاب وجمعيات أمتنا غير أن الواقع يظهر بأن مثل هذه المهمة لم تتحقق فالمتحكمين في شؤون إدارة الإتحاد يظهر بأنه لاعلاقة لهم بالنتظيمات الملحقة أو المنضمة للإتحاد. فمثل هذا الإنظمام ماهو إلا شكلياً فقط ذلك لأنه لا نرى أي ممثل من هذه التنظيمات عضواً في اللجنة التنفيذية للإتحاد فهذه الأخير ما هي إلا مجرد مجموعة أشخاص لا يعرف عنهم حتى طريقة إنتخابهم ولا يمثلون إلا أنفسهم ويتصرفون تماماً كما تتصرف الأحزاب السياسية أو تنظيمات قومية أخرى ويدخلون في تحالفات ويعقدون مؤتمرات قومية مع غيرهم من الأحزاب والتنظيمات القومية في حين كان يجب أن يكون هو المظلة التي يجتمع هؤلاء في ظلها.
أدرك بعض قادة الإتحاد هذه الإزدواجية في خلط الأمور السياسية مع غيرها من الأمور لذلك، وقبل أكثر من عقديين من الزمن، لجاً إلى تأسيس ما سمي بـ "الذراع السياسي" ليكون الواجهة السياسية للإتحاد في تعامله بالشؤون السياسية والحزبية. وفعلا بدأ الذراع السياسي وبقيادة بعض أعضاء الإتحاد المتمرسين والضالعين في الشؤون السياسية والقومية بالنشاط المكثف فعقدوا تحالفات مع بعض التنظيمات والأحزاب السياسية للآشوريين كما عقدوا مؤتمرات ولقاءات مع مجموعات سياسية عراقية وشاركوا في الكثير من نشاطات المعارضة العراقية قبل سقوم نظام البعث المقبور في العراق مما خلق هذا النشاط نوع من التناقض والصراع بين الذراع السياسي والقيادة المتحكمة في الإتحاد وبالتالي وصلوا إلى الطلاق النهائي بينهم إما بترك أعضاء الذراع السياسي لتنظيمهم أو لجوء البعض منهم إلى تأسيس تنظيم سياسي آخر.
كان الغرض من خلق الذراع السياسي هو تحقيق هدفين: (الأول) إعطاء واجهة سياسية واضحة للإتحاد وبقصد (ثانيا) التعامل بالسياسة بشكل مباشر وسلس ومع بقية الأحزاب السياسية الآشورية. غير أن هذه المحاولة التي كانت تشبه حال من يحاول وضع القدمين في حذاء واحد لم تأتي بالنتيجة المرجوة حيث آلت معظم تحالفات الذراع والإتحاد إلى الفشل بعد فترة وجيزة لا بل لم تكن فكرة الذراع السياسي بالأساس مقنعة لبقية الإحزاب السياسية. فكل هذه الإحباطات أدت بالنتيجة إلى تقلص دور الإتحاد وتراجع سمعته بين أبناء شعبنا ولم يعد له أي نشاط او ذكر إلا في مناسبة ذكرى تأسيسه وهي الذكرى التي بالكاد يسمع الناس عنها لا بل وحتى أعضاء الإتحاد نفسهم. ومن الجدير بالذكر أحتفل الإتحاد في إستراليا بالذكرى الأربعينية للتأسيس في يوم 12 من شهر نيسان 2008 ولكن هناك محاضر الإجتماع الأول للإتحاد تؤكد في إعتبار 10 من نيسان يوم التأسيس.
لقد كان عام 2007 عام الإحباطات للإتحاد حيث أنهى الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي المعروف بـ (فيدريشن) والذي يضم أكثر من 34 تنظيماً، أنهى عضويته في الإتحاد وسبب بذلك خسارة معنوية كبيرة له وقد برر الفيدريشن طلاقه من الإتحاد في فشل هذا الأخير تحقيق أي هدف من أهدافه والخروج عن نهجه المعروف والذي من أجله تأسس. وكان الإتحاد أيضا قد تعرض إلى إحباط كبير آخر في عام 2006 عندما إستقال الدكتور عمانوئيل قمبر من منصب السكرتير العام للإتحاد وهو شخصية قومية متمكنة ومتمرسة في المجال القومي والسياسي ولم يعلن في إستقالته إسبابها غير الشخصية منها ولكن المتداول عنها هو أنه إستقال بسبب تصرف بعض أعضاء قيادة الإتحاد بشكل مخالف لنهج الإتحاد، ولم يعد يعرف لحد الآن فيما إذا جرى إنتخاب جديد للسكرتير العام أم لا ولكن من المؤكد أن السيد فريدون درمو من لندن يمارس مهماته كسكرتير عام بالوكالة.
أن الغرض من بيان النتائج المحبطة التي وصل إليها الإتحاد ليس طبعاً التقليل من شأنه وتاريخه وفكره والأهداف النبيلة التي كان يسعى إلى تحقيقها، بل الغرض هو إعادة إرسال رسالة أخرى إلى الإتحاد على ضرورة الرجوع إلى الأصول التاريخية للإتحاد والتمسك بها وتعديل ما يمكن تعديله ليتناسب وهذا الزمن. فمن الأخطاء الكبيرة التي إرتكبها الإتحاد هو تصغير وحصر نفسه في شكل حزب سياسي والبدء بالتصرف مثله كمثل بقية الأحزاب الأخرى وفقدان صفته الفدرالية ودعوته في كونه مظلة قومية وبهذا التصرف أفقد ثقة بقية الأحزاب به ولم تستطيع التعامل معه. فكيف نتصور حزباً سياسياً أن يأتي وينظم إلى الإتحاد وليس له أي دور في رسم سياسته وتطبيقها لا بل والأنكى من ذلك هو تصرف الإتحاد والتعامل مع غيره من التنظيمات الفدرالية التي تتبنى نفس الفكرة فبدى تصرفهم كأنهم مجموعة أحزاب أو زمر سياسية تتصرف بالضد من أحزاب سياسي أخرى. من هنا نقول، لو كان المتنفذين على شؤون الإتحاد فعلاً جادين في صيانة فكرته النبيلة في جمع شمل أبناء الأمة تحت لواء تنظيم عالمي فدرالي عليهم أن يتصرفوا كموظفين في الإتحاد لا كقياديين لحزبن حينذاك يستوجب عليهم توجيه دعوات لجميع الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية وليكن ذلك حصراً بالموجودة في المهجر فقط لعقد إجتماع عام يتم فيه إنتخاب قيادة للإتحاد من ممثلي هذه الأحزاب ومن ثم يتم إختيار هيئة تنفيذية له وبهذه الحالة يمكن، على الأقل نظرياً، الإقتراب من الفكرة الأصلية للإتحاد في تحقيق التنسيق والتعاون بين الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية المنضمة إليه وبالتالي يتناغم نشاطهم نحو تحقيق أهداف الأمة أو على الأقل توحيد الخطاب السياسي لهم.