سلاما لروحك العزيزة يا عادل كوركيس
لطيف نعمان
في ( مراثي المرافىء الصغيرة )*رثيت العديد من الفنانين ،والاحبة.ولعل أقرب من رثيتهم كان والدك الذي أستحق الرثاء بحق وحقيقة لأنه أبوعادل.ولكن يا صديقي لماذا لم يكن لك أبناءً وبناتاً .. ؟..قبل ثلاثون عاماً كم ألحت الخالة أم عادل ، وكم أيدتها أنا في ذلك .. ولكن..
..............
عندما التقينا بعد غياب دام خمس سنوات أحتضنا بعضنا البعض ، شممتك عميقا، قلت مستغرباً : يا عادل ماعدت أشم فيك رائحة السكائر .قلت لي تركتها منذ ثلاث سنوات .. كبرت فرحتي لأنك ستزداد عافية .. ولكن.. هل تذكر عندما وطأت قدماك بيتي تجمع أفراد ألأسرة حولك يقبلوك :هذا هو العزيز عادل ، حلت البركة في البيت .. يا صديقي ملأت بيتي بوجودك ، بكلامك العذب ،بحبك ، بطيبتك التي تفوق الوصف،وكأننا أمتلكنا الدنيا بمقدمك ..
بالرغم من تلقيك نبأ وفاة شقيقتك أم مظفر قبل سويعات وأنت في طريقك الى أربيل ، كنت صبوراً جلداً ، تضحك، وتضحك . لكني كنت أقرأ بين ثنايا ضحكاتك حزناً دفيناً كلما أتيحت لك فرصة الاختلاء أو أنقطاع الحديث ، لابل كنت أخالك تبكي فكتوريا كلما كنت تختلي في غرفتك،ويقيناً كنت سترثيها مثلما رثيت أبو عادل لأنها كانت عزيزة الى قلبك.
في أخر لقاء معك كم كنت جميلا ،وعذباً،ورائعا،مجلسك لايمل ،وحديثك يملأ الدنيا فراشات وزهور .
................
كأني بك جئت الى عنكاوا لتودعنا الوداع الاخير!!!
وكاني كنت أعلم أن شيئاً ما سيحدث عندما التقطت لك صورة بالهاتف النقال .. وأسفاه لقد كانت الصورة الاخيرة .. وا أسفاه لقد كان العشاء الاخير.. تلك الصورة أستعنت بها يوم نشرت خبر رحيلك على هذا الموقع.في صورتك تفيض جمالاً وعذوبة ورونقاً.. كنا قد هيئنا أنفسنا للأحتفال بنيلك شهادة الماجستير في المسرح ..المسرح الذي احببته وعشقته حد لا يصدقه الا المسرحيون الذين عاشروك..المسرح الذي منحته كل شيء حتى حياتك ..
...............
ليلة سماعي نبأ رحيلك عنا حلمت بالاتي :
سافرت الى بغداد، وصلت عتبة داركم ،ما أن لمحت الوالدة هرعت اليها لأعانقها وأنا أصرخ : أين عادل.. ؟ أين عادل..؟
.. ولكن أم عادل واقفة شامخة وهامتها مرفوعة لا تحرك ساكناً .. صرخت بقوة وأنا أهزها : أين عادل ..؟ أين عادل..؟... ولكن ...! قفزت الى ذهني ساعتها مسرحية (الاشجار تموت واقفة ) ل الخاندو روكاسونا .. لقد كنت شجرة يانعة مليئة بالثمار العذبة ، كنت شجرة شامخة جذورك ممتدة في عمق الوطن . حتى في رحيلك كنت شامخا لم تثنيك المغريات .. لم تطأ رأسك لأحد.تسلحت بأباء عظيم .رغم كل الذي كان يحيطك . رغم المحن والصعوبات بقت نفسك غنية ، وقلبك الكبير كان يسع الارض كلها .. قلب ذاق الامريين من مصاعب الحياة،وغربة الاخوة والاخوات.. قلب حتى لوكان من صخر لتفتت . ولكن قلبك قاوم كل المحن ولم يخطر ببال أحد أن يتوقف هذا القلب العظيم فجأة وبدون سابق أنذار..
..................
لا أعرف ما الذي جعلني أتذكر عندما كانت تستعر حملات ( الجيش الشعبي ) ، والتطوع المزعوم، كنت تمثل دور الشيخوخة بلحيتك الكثة البيضاء ، بالرغم من شبابك ،فكان تنطلي عليهم اللعبة بسهولة،لقد كنت ممثلاً ناجحاً في أجتيازالامتحان.
...................
سألوني لماذا تحزم حقيبتك للسفر الى بغداد؟ لم يعد لعادل أحد من عائلته لتعزيه.. الجميع هاجروا بسبب ضروف العراق السيئة.أجبتهم لابد أن أذهب.أشتقت الى مكتبة عادل الثرية.أشتقت الى لوحاته الزيتية،وجدران غرفته البهية،وسياج داره،وأشجار حديقته، وسريره،وفراشه،وملابسه..أشتقت الى العزيزة أم عادل بالرغم من مرضها الذي أفقدها التركيز والتمييز بين هذا وذاك،على الاقل سأشم فيها رائحة عادل الزكية..أم عادل التي ملأت البيت اسئلة كل ساعة وهي تقول:أين عادل؟ هل سافر هو الاخر خارج الوطن وتركني وحيدة ؟!! ألم يقل أنا ذاهب الى عنكاوا ليزور لطيف وأعود قريباً؟!
..................
يا صديقي عادل أحبك الجميع،ولن أنسى ما دمت حيا وفاء تلك الانسانة الرائعة سوسن التي بكتك طويلا وهي تبنت مشكورة الاتصال بجميع معارفك من الاهل والاصدقاء مستعينة بالعناوين من خلال هاتفك النقال ..
سوسن أغرقتنا بالدموع وهي تنحب كل ساعة وفي كل مكالمة مع المعارف لنقل الخبر الحزين.. سوسن التي كانت عونك في طبع كتاباتك ورسالة الماجستير ..و..و..و .. لقد تعلمت سوسن منك الوفاء مثلما علمتنا جميعاً .تعلمنا منك معنى الصداقة، معنى المسرح ، معنى القراءة والكتابة. أذكر مرة شرحت لبعض الاصدقاء عن الديالكتيك ،والمادية،والمثالية علمتنا حتى السياسة . علمتنا معان عظيمة في الاخلاق والاباء.. تعلمنا منك الكثير الكثير .. وكنا بأمس الحاجة لنغرف من بحر أخلاقك .. ولكن..
...................
ماذا أقول عن عادل كوركيس..؟ المخرج،الممثل،الرسام ،الخطاط،مهندس الديكور،الكاتب،المترجم،المبدع أبداً.. أحير ماذا أقول، ولكن كل هذه المواهب والطاقات بكفة ،وعادل الانسان بكفة. يا صديقي لم تكن مبدعا في الثقافة والفن فحسب،بل في مختلف مناحي الحياة الاخرى،لابل حتى في مجال الطبخ،وتدبير المنزل.لقد كنت أبا لأمك المريضة،وكنت أماً وأبناً لها. ترى من ذا الذي سيهتم بأم عادل؟ ما كان لك أن تغادرنا بهذه السرعة،وأنا المدرك أكثر من أي أنسان أخر ضروفك والمحن التي أحاطتك..أنا أكثر الاصدقاء الماماً بما كان قد ألم بك لا بل حتى أكثر الاهل والاخوة أنفسهم.. كم حاولت،كم سعيت..ولكن..
• ( مراثي المرافىء الصغيرة) : كراس يحتوي على
مجموعة قصائد شعرية
للراحل.