هل من عقدة نسوية لدى رئيس الوزراء العراقي الراهن؟
كاظم حبيب
في بداية العشرينات خاضت هيئة تحرير جريدة الصحيفة البغدادية, ومعها جمهرة واسعة نسبياً من مثقفي ذلك الزمان, معركة سياسية كبيرة حول الموقف من المرأة وحقوقها وحول فتح مدارس للبنات وحول قضايا الحجاب والسفور.
وقفت في حينها طليعة المثقفين الديمقراطيين العراقيين بصرامة وفعالية إلى جانب المرأة وحقوقها وتعليمها ومساعدتها على التخلص من قيود الحجاب المتشدد ومنحها الحرية في ممارسة ما تراه مناسباً لها.
وفي ذات الوقت وقف المحافظون من رجال الدين وبعض المثقفين الرجعيين من المدرسة العثمانية والفارسية مناهضين وجهة القوى الديمقراطية وداعين المرأة العراقية إلى رفض دعوات نزع الحجاب [العباءة وقناع الوجه الأسود (البوشية)] وأن تحافظ على حجابها وتمارس عملها في البيت والمطبخ, وبعيداً عن العلم والتعليم والحياة السياسية والاجتماعية والثقافية.
ورغم كل الجهود الكبيرة التي بذلت من جانب القوى الرجعية, استطاعت المرأة أن تنطلق إلى رحاب الحرية ولو ببطء شديد. ثم كانت ثورة تموز 1958 التي أعطت المرأة دفعة هائلة نحو الأمام وامتلأت شوارع بغداد بهم وهم يهتفون ويهزجون للحرية والديمقراطية والمساواة بين المرأة والرجل. ولعبت رابطة المرأة العراقية دوراً بارزاً ومتميزاًَ وأساسياً في هذه المسيرة الظافرة للمرأة العراقية.
كما وقفت الأحزاب السياسية العراقية الديمقراطية إلى جانب مطالب المرأة العادلة. فصدر قانون الأحوال الشخصية, الذي يعتبر واحداً من أهم قوانين ثورة تموز, رغم محدوديته ونواقصه, إذ أنصف المرأة جزئياً واعتبر إنجازاً كبيراً من منجزات الثورة ومواقف قائد الثورة الخالد والمغدور عبد الكريم قاسم الذي كان من أنصار حرية المرأة ومساواتها بالرجل.
وبسبب هذه الموقف الجرئ من المرأة وقانون الأحوال الشخصية أيضاً وقفت كل القوى الرجعية ضد عبد الكريم وسعت إلى إسقاطه, وهو ما تحقق لها في كارثة شباط/فبراير عام 1963.
وخلال الفترة المنصرمة, أي بين سقوط حكومة عبد الكريم قاسم وسقوط البعث الصدامي, تعرضت المرأة العراقية إلى الكثير من الإشكاليات والتجاوزات وسرقة البعض من تلك المنجزات التي تحققت لها عبر نضالاتها من جهة, ومشاركة واسعة من الديمقراطيين الذكور في هذا النضال من جهة أخرى.
إلا أن الإجهاز الكبير على حقوق المرأة من الناحية الفعلية بدأ عملياً في هذه الفترة بالذات, أي في فترة وصول قوى الإسلام السياسي الشيعية إلى السلطة العراقية, حيث يحتل الدكتور إبراهيم الجعفري منصب رئيس الوزراء ممثلاً عن الائتلاف الوطني العراقي الشيعي.
فمنذ تشكيل هذه الوزارة تجرأت القوى الدينية الغيبية والرجعية على شن حملة شعواء ضد حقوق المرأة رغم تثبيتها في الدستور العراقي بفضل النضال اليومي للمرأة, وبفضل مواقف قوى التحالف الكردستاني والقوى الديمقراطية والعلمانية في الجمعية الوطنية.
وبدأ الجعفري باتخاذ جملة من الإجراءات القمعية التعسفية بحق المرأة العراقية واغتصاب حريتها والإساءة لكرامتها الشخصية, حين قرر رفض قبول وجود أي امرأة غير محجبة في دوائر مجلس الوزراء. وبالتالي ابتدأ بمصادرة إرادة وحرية المرأة التي تعتبر جزءاً أساسياً من حقوق الإنسان.
ثم عمم هذه القاعدة على بقية الوزارات التي يقف على رأسها وزراء شيعة من الائتلاف الوطني العراقي وعلى الكثير من دوائر الدولة. وقد ساهمت مع غيري في رفض مثل هذا الإجراءات التعسفية وغير الشرعية ودعوت مع غيري إلى محاربته وإدانة رئيس الوزراء بسبب هذه التصرفات الرجعية الهوجاء وغير العقلانية والمخالفة للائحة حقوق الإنسان والدستور العراقي الذي ما يزال حديث العهد وحصل على تأييد الشعب.
ولكنه تجاوز اليوم بتصرفاته غير العقلانية كل الحدود حين سمح لوزير التربية بمنع التدريس المختلط في عدد من المجالات الدراسية ما بعد الثانوية في العراق, في حين كان العراق أحد البلدان السباقة إلى تحقيق اختلاط الإناث والذكور في مجالات التعليم في الدراسات الجامعية بفضل نضال المرأة العنيد والقوى الوطنية والديمقراطية العراقية.
إن الدكتور الجعفري لا يتصرف بصورة فردية وتعسفية إزاء المرأة في العراق فحسب, بل وإزاء الكثير من القضايا السياسية التي لا يأخذ بها أراء السادة الوزراء ونوابه في مجلس الوزراء, وكأنه يعتبرهم "خراعة خضرة", مما أجبر البعض منهم إلى التهديد بالاستقالة إن استمر الدكتور الجعفري بممارسة سياساته الفردية غير السليمة وعدم استشارة مجلس الوزراء ورئاسة الدولة.
وزاد في الطين بلة مواقف رئيس الوزراء الطائفية الشيعية في مؤتمر القاهرة, التي تحدث عنها الزميل الصحفي العراقي السيد عدنان حسين ووضعها بحق في مستوى واحد مع طائفية حارث الشيخ ضاري السنية, فكلاهما مصاب بمرض الطائفية السياسية, وكلاهما يسيء إلى العملية الديمقراطية في العراق. يضاف إلى ذلك فضائح التعذيب التي كشف عنها النقاب في أقبية وزارة الداخلية ومن قبل حليفه في الائتلاف الوطني العراقي والمسؤول السابق لمنظمة بدر وعضو قيادة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي لا يختلف في طائفيته عن أي طائفي متشدد, وأعني به وزير الداخلية بيان باقر صولاغ.
إن السياسة التي مارسها الجعفري خلال الأشهر الأخيرة وهو على رأس الحكومة المؤقتة, والتي ستبقى حتى نهاية الانتخابات القادمة, رغم قصر الفترة, ألحقت وستلحق أضراراً فادحة بالفرد والمجتمع العراقي, وخاصة بالمرأة العراقية.
وتقع على عاتق علماء النفس الاجتماعي, كما أرى, مهمة تفسير العقدة النسوية التي يعاني منها رئيس الوزراء العراقي المؤقت والتي تدفعه إلى اتخاذ مثل هذه المواقف غير الإنسانية إزاء المرأة. إذ من حقه أن يمارس هذه السياسية على أهل بيته, ولكن ليس إزاء كل المجتمع العراقي.
إن سياسات ومواقف الجعفري ينطبق عليها بالتمام والكمال هذين البيتين من القصيدة التي قيلت بمناسبة أخرى مشابهة في النصف الثاني من العقد الخامس من القرن العشرين, وأعني بهما:
هي طرطرا هي طرطري تقدمي تأخري
وزارة من گرگري يرأسها الجعفري
مع اعتذاري لعدد من السادة الوزراء الذين يرفضون سياسة الجعفري جملة وتفصيلاً ولا يتفقون معه في ممارساته التعسفية إزاء المرأة العراقية.
واليوم تقع على عاتق العراقيات والعراقيين مهمة حمل راية النضال السلمي والديمقراطي ضد سياسات الائتلاف الوطني العراقي, ضد سياسات الجعفري الذي يترأس حزب الدعوة, وضد كل السياسات الطائفية التي تميز بين أفراد المجتمع على أساس الدين والمذهب والفكر, كما تميز بين المرأة والرجل ضد المرأة وحقوقها.
إن على المرأة العراقية أن ترفع صوت الاحتجاج عالياً إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنظمات حقوق الإنسان وإلى الرأي العام العالمي وتطالب بإيقاف هذه السياسات الرجعية الخائبة التي يمارسها رئيس الوزراء بحق المرأة العراقية وحقوق ها الأساسية, خاصة وأن الجمعية الوطنية غير قادرة حتى على تطبيق بنود الدستور في هذا الصدد التي تمنح المرأة حقوقاً متساوية مع الرجل, إذ أنه حتى لم يعد يحترم هذه الجمعية والشعب العراقي.
إن الجعفري, إن سار على هذا الدرب وتسلم رئاسة الوزراء مرة أخرى, والعياذ بالله, سيسير على الدرب الذي سار فيه صدام حسين ورهطه, أي صوب الدكتاتورية المقيتة. وهو ما يفترض مقاومته بكل السبل المشروعة والديمقراطية رغم عدم ديمقراطية رئيس الوزراء.
إن على المرأة العراقية أن تعي ما يراد لها من جانب قوى الائتلاف الوطني العراقي إذا ما حصلوا على نسبة عالية في الانتخابات, كما يفترض أن يعي الرجال ذلك ويحرموا هذا الائتلاف الطائفي وكل ائتلاف ديني وطائفي آخر من أصواتهم في الانتخابات القادمة.[/b][/size][/font]