جملة مفيدة
من شاهق.. الى قفص اتهام
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com للمرة الثالثة، اجلس بمواجهة صدام حسين. لا يهمني ماذا يقول القاضي، ولا ما يقول المحامون، ولا كيف يتصرف الادعاء والحراس ومراسلو الصحف، ولا تاخذني ومضات الشاشة الملونة بعيدا عن وجهه..اُبحلق فيه طويلا، ابحث في ذلك الوجه عن لون يصلح لوصفٍ يرتفع على عمود من سخط، ويتناسب مع علامة استفهام محمولة على نعوش.. وصفٍ يليق بجلاد لا نظير لوحشيته وصفاقته، ولقاتل محترف سقط اخيرا من شاهقٍ الى قفص اتهام.
وفي كل مرة، اجد في عينيْ صدام حسين بئرا من الجرذان السوداء، وصُفرةً تتدثر بحقد بدوي، وتحد للموت هو تحدي الميّت نفسه..نعم، فان "الطغاة لا ينتحرون" يقول ماركيز، وهم يجدون في كل منعطف ساترا يتقون به القصاص، ولغة يتبرأون بها من عيون الضحايا، واتباعا يجعلون منهم محامين منبوذين وشهود زور.
الطغاة يموتون اكثر من مرة، وربما آلاف المرات، فكل روح تزهقها اوامرهم سرعان ما تقتص منهم، ولا تغمض عينيها قبل ان يغمض عينيه الى الابد.
ولا يبخل صدام حسين-كما في كل مرة-عن اطلاق فيض ثعابينه السامة من دهاليز ملامحه الصماء، يطوّح بيديه كمن يعطي اوامر الاغارة على القرى الكردية الامنة، وعلى صرائف الاهوار، وعلى زنازين الاعدام.. انه يقطب حاجبيه كمن لم يرتوي بعد من طاهر الدماء وفائض الرقاب. يتبرم كم يطلب المزيد من المقاصل والمزيد من الغارات والمزيد من السجون والمزيد من الحروب . اتابع كل تلك المشاهد في عينيه وصفرة وجهه، انها تتوالى كطاعون قادم من مستعمرات جذام.
من جانبي لم اكن لاحتاج الى ترخيص لحظور محاكمته، فها هو في محكمتي، وطوع قصاصي، كما هو في ملايين المحاكم العراقية التي تنعقد يوميا في كل منزل اجتاحه غبار السنوات العجاف من حكمه، واحسب ان هذه المحاكم اكثر عدالة من اية محكمة، واكثر شفافية من اي قضاء، واكثر فصاحة من اية مطالعة قانونية منذ حمورابي حتى الآن.
لا حاجة بي لما يقول صدام حسين في المحكمة، وما يردّ به على الاتهامات، وما يعلنه من براءة عما نُسب اليه من "شبهات" واحسب انه لا حاجة لأي عراقي بها، فان سجل هذا الجلاد الاسطوري"الماثل امامكم" منتفخ، عندنا، بوقائع حية عن المذابح الجماعية والسبي والاذلال، وعن الجنايات المرعبة التي ارتكبها وتعف عن ارتكابها الذئاب، وهو صاحب رقبة تتحمل مليوني مشنقة، وصاحب اسم يتسع لمراسيم لا تتورع عن قتل امم كاملة، فوق الملايين التي قتلها في حروب متصلة، شنها في دول وفي منازل.
يجدر ان نمتن لاصحاب المحكمة الخاصة، فقط، لانهم يهيئون لنا فسحة الوقت لعقد محاكمنا الخاصة الاكثر متعة، حيث يستيقظ ضحايانا من تحت الارض، ويأتون من رحلة الفجيعة بملابس بيضاء زاهية، ليدلوا بجمراتهم النبيلة نحو قفص الاتهام الذي تقف فيه كومة سوداء بعيون مُذلَةً الى قصاص، ولون مُنكسر الى عار..وتلك هي العدالة، لو تعلمون.
ــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ــــــــــــــــــــــ
"إخلع نعليك ايها الشاهد الزائف، فان الضحية وراء الباب".
شكسبير [/b][/size][/font]