ما هكذا تورد الإبل .. يا د. سعدي
سمير خوراني
S_khorani@hotmail.com samirkhorani@yahoo.com لا يدخل عقلي ومنطقي أن تتفوه شخصية ( اكاديمية)، ورئيس جامعة سابق، وقانوني، وسياسي، وعضو جمعية وطنية بكلامٍ لا يمت إلى أبسط قواعد الدبلوماسية واللعبة الديمقراطية بصلة، ولا ينم عن تفكيرٍ وتأنٍ لما يمكن أن تسببه مثل هذه التصريحات اللامسؤولة بحق أبناء مدينة من ردات فعلٍ قد تصيبه هو شخصياً وقد تصيب قائمته التي يريد أن يدافع عنها، ولا سيما ونحن على أعتاب إنتخاباتٍ جديدة، يفترض به كمسؤول ومنتمي إلى حزب أن يكون حريصاً على الدعاية له، وحث الناس على التصويت للقائمة التي ينتمي إليها، ويستقطب أكبر عددٍ ممكن من أصوات الناخبين لتصبّ في صالح القائمة التي ينتمي إليها حالياً.
حقاً إنه لأمر غريب أن ينبري مسؤول في قائمة انتخابية لإتهام شرائح واسعة من الناس( وهذا يعني ضمنياً الإتهام بالخيانة)، كونهم صوّتوا لقائمة غير القائمة التي ينتمي إليها. أهذه هي الديمقراطية؟! هل الديمقراطية تعني أن يصوِّت الناس للقائمة التي ينتمي إليها، واللاديمقراطية أن يصوِّتوا للآخرين؟! أهذا هو العراق الجديد الحر الذي ( خبصنا العالم به)؟! أهذه هي الحرية التي ملأنا أسماع الناس بها ضجيجاً وصخباً في الصحف والفضائيات والإذاعات؟! أهذه هي حرية التعبير عن الرأي التي أقرَّ بها الدستور الجديد الذي لم يجف بعد الحبر الذي كُتِب به؟! إذا كانت الحرية كذلك أو كما يريد الدكتور سعدي البرزنجي فلنحضِّر (بقجتنا) ونلملم (أغراضنا ) ونشد رحالنا إلى حيث الحرية الحقيقية، ونقرأ على العراق السلام.
هل ينبغي أن تذهب أصوات الناس جميعاً إلى الجهة التي يشتهيها ذلك المسؤول كونها واقعة تحت مناطق إدارته ونفوذه؟ واذا كان الأمر كذلك فما جدوى إقامة الإنتخابات في تلك المناطق أصلاً، فليُجرى إحصاءٌ للسكان ويُقال أنّ جميع أصوات السكان المحصيين هي للقائمة الفلانية، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال.
آهٍ أيتها الديمقراطية، أيتها العروس المفقودة المنشودة، أيتها اليوتوبيا المستحيلة، كم نتحدث باسمكِ، وكم نجترّ حروفكِ ونلوكها كالعشب الميت الذي لا يُغني ولا يُسمن من جوع، مع أنك روحٌ بلا جسد، وهمٌ مجرد، حلمٌ لا يتحقق، كلامٌ في كلام.ٍ
ما أسهل الكلام عن الديمقراطية، وما أصعب تطبيقها، وما أصعب قبول الرأي المخالف لنا. فنحن نريد أن تكون الدنيا( يابيَض ياسوَد)، ونريد الناس إما أن يكونوا معنا أو ضدنا.وهذا لعمري منطقٌ يخالف طبيعة البشر المجبولة على الإختلاف والتنوع.
كنا نأمل من الدكتور سعدي البرزنجي وهو العضو في الجمعية الوطنية المنتخبة، ويمثل الشرعية العراقية، وعارفٌ بأمور القانون ونظريات الديمقراطية وتجاربها في العالم، أن يكون هو من يُعلِِّم الناس الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي، ويحفظ للناس حقوقهم في ذلك، ويحترم إختلافاتهم الفكرية والسياسية والأيديولوجية وتنوعاتهم الإثنية والدينية. لا أن ينقلب عليهم حسيباً رقيباً.
الديمقراطية ليست كلاماً يُقال في المناسبات، ولا خطاباً أو بياناً يُلقى من على شاشات التلفزة والفضائيات، الديمقراطية لسيت وصايا تنزل من السماء، ولا أوامر تخرج من دار السلطان وتُلقى على مسامع الرعية، الديمقراطية ليست كلماتٍ مدونةً في الدستور فحسب(رغم أهمية ذلك بطبيعة الحال)، لا لا أبداً ، ليست كذلك.
الديمقراطية بناء تحتاني، يبدأ من الأساس، من القاعدة ثم يتجه نحو الأعلى، ولهذا فهي عملية معقدة، تتطلب الكثير الكثير من الجهد والعمل الجاد المخلص، على كافة المستويات القانونية والتعليمية والتربوية والإقتصادية والسياسية والإعلامية والثقافية، كما أن الديمقراطية ليست نخبوية، بل هي للجميع، وعلى الجميع أن يذوق ثمارها، لأن الجميع قدّموا ضحايا وثمناً باهظاً، وبالتالي من حقهم ان يتمتعوا بنُسَيماتها. الديمقراطية ممارسة يومية، سلوك معاش، حياة.
واذا كان ثمة أناسٍ ـ من منطلق الشعور بكرامتهم ووجودهم المعنوي وحقهم الطبيعي ـ قد أدلوا بأصواتهم لمن يشاؤون، دون خوفٍ أو وجَل، فهذا يعني أنهم بدأوا يعون ذواتهم، وبدأوا يمارسون مظهراً من مظاهر الديمقراطية، ولكن أن يأتي شخص ما وينغِّص عليهم هذا الحق، وهذه الحرية في الإختيار، فهذا يعني أن الديمقراطية التي ننادي بها كل يوم هي في خطر. أليس هذا نوعاً من الإرهاب الفكري؟! ألا يسبب هذا الإجراء رد فعلٍ معاكس، ويزيد من إصرار الناس على عدم التصويت للقائمة التي ينتمي إليها؟ كيف لم يدرس الدكتور سعدي التبعات المترتبة على هكذا تصريح؟
دعوا الناس يُدلون بأصواتهم لمن يشاؤون، بكامل حريتهم، إذا اردتم أن تعلمونهم الديمقراطية، ومن ثمّ تبنون مجتمعاً متحضراً، أما إذا كانت الديمقراطية أن تحصلوا على أصوات الناخبين لكي تنالوا المكاسب والإمتيازات فهذا بحث آخر.
آخر الكلام: قد أكون مختلفاً معك في الرأي، ولكني مستعدُّ أن أبذلَ حياتي من أجل أن تقول رأيك.[/b][/font][/size]