المسؤول العراقي وبدائية التفكير والتصرف
ــــــــــــــــــــــــ
فوزي الاتروشي
وكيل وزارة الثقافة
المسؤول العراقي حتى لو لم يكن في موقع حساس او رفيع المستوى يتصرف بوحي من المظاهر الزائفة والرتوش الكاذبة لأفهام المواطن انه ارفع منهم واكثر اهمية وان سياجاً سميكاً ينبغي ان يفصلهم عنه , ولأن المنصب هبة او غنيمة في اكثر الاحوال في ظل المحاصصة التي يبدو انها مصرَّة لتتسرب حتى الى المستويات الدنيا من التعيينات لذلك فأن المسؤولين العراقيين جلـََّهم لا كلهم لا يعيرون ساعات العمل او مقدار الانجاز اليومي او اراء المواطنين بهم اي اعتبار . هذا واقع تعيس ضحيته المواطن والدولة والخدمات الحياتية وما الى ذلك من تداعيات تنحدر بالعراق اذا استمر الحال على هذا المنوال الى مستوى الدول الاكثر فشلاً على المدى البعيد ان لم يجر سريعاً تدارك الوضع . وليت تصرف المسؤولين العراقيين اقتصر على الداخل فحسب فالاكثر من ذلك ان بعض هؤلاء الفارغين من اي خبرة عملية او تحصيل علمي او معرفة بالثقافات الانسانية يتصرف في الخارج ايضاً وكأنه في بغداد , فهو عبوس محاط بالحمايات ولا يقترب من الصحافة العالمية ومنابر الاعلام لأن على الاخيرة ان تستجدي من "سيادته"! ان يدلي بتصريح او مقابلة .
وهو لا يحاول ان يكرس التخصيص المالي المعين للزيارة لنشاطات وفعاليات تزيد من رصيده وبالتالي رصيد العراق بين الناس في دول العالم , ويبقى منعزلاً في دول مفتوحة على مصراعيها على الحرية والعمل والانجاز والمبادرات الخلاقة والافكار المبدعة . فتجد اكثر المسؤولين العراقيين في اوروبا يعدون ايامهم ويختصرون برامج عملهم واحياناً يلغون الفقرات المهمة منه وينجزون ماهو سطحي وتكون زياراتهم ثقلاً اضافياً على ميزانية الدولة . وبعضه يعبر عن استغرابه لأن المسؤولين في اوروبا ملتصقون الى حد الذوبان بالمواطنين ولا يكاد المرء يفرَّق في الشارع بين الوزير والمواطن العادي سواء في الملبس او المسكن او المأكل او طريقة التصرف والسلوك في الحياة اليومية . والمسؤول العراقي "الحديث النعمة" ذو الجاه والسلطان والنفوذ المزيـَّف لا يدرك ان رئيس وزراء هولندا لا يتوانى الى استعمال الدراجة الهوائية للذهاب الى العمل , وان الوزراء في المانيا يجلسون في المقاهي العادية والمطاعم السريعة على الشارع لألتهام وجبة "على الماشي"! , وان في دولة راقية الى ابعد حد مثل السويد يذهب رئيس الوزراء الى السينما برفقة زوجته ويقف في طابور الانتظار مثل الاخرين . الشعار الاجتماعي في اوروبا ان المسؤول اسير رأي وقناعات المواطن وان هذه القناعة حين تنعدم يسقط المسؤول مهما كانت الظروف . ولكي لا تجابهنا سهام النقد الجاهزة حول اخذ الوضع الامني في العراق بنظر الاعتبار اقول انني مع اتخاذ اقصى حدود الاحتياطات الامنية وتحصين الوضع الشخصي وابعاده عن خطر الموت المؤكد الذي يحيق بأغلب المسؤولين في العراق , ولكن ما ارفضه ومعي ملايين المواطنين هو الحاح المسؤول العراقي على الابتعاد عن المواطن بحجة تكوين هالة اجتماعية حول نفسه واشعار الاخرين بقوته وجبروته وتميزه عن خلق الله . وما نرفضه ايضاً هو ان المسؤول العراقي لا يغير جلده وعاداته وسلوكياته المتعالية حتى وهو يتعامل اويعيش او يزور القارة الاوروبية فتبقى زياراته على الاغلب دون المستوى المنشود .
علينا ان لا ننسى اننا ننتمي الى عراق مثخن بالجراح ممزق بين الارهاب والحرب الطائفية واثار الحروب السابقة , وان الوطن العراقي على حافة الهاوية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً رغم كونه على قائمة الدول الغنية على الاقل لجهة الميزانية السنوية . هذا المشهد المثقل بالثقوب والشروخ يفرض على المسؤولين العراقيين على كافة المستويات تعلم عبرة في غاية المغزى ان الوظيفة فانية وان المنصب مؤقت وان ما يتصورونه من اهمية ووجاهة اجتماعية هو امر موسمي بالنسبة لهم . وان الذي يبقى في ذاكرة المواطن هو ابداع وعطاء وصدق واخلاص ومواهب هذا الموظف او المسؤول ذاك , والذاكرة الجمعية العراقية لا يمكن ان تختزن الاسماء النكرة والشخصيات الهزيلة والعقول الفارغة والاداء الفج للعمل والاستهتار بالخدمات الحياتية , ان المواطن العراقي منهك ومتعب وهو يستحق ان نكون جميعاً في خدمته قبل ان نكون اسياده .