التاريخ يعشعش بنا والحاضر بالريش
زيد ميشوغريب أمر الإنسان الشرقي ، يحب ذكر سيرة الأسلاف ويتفيَّء تحت ظلال نخلةٍ ينتظر بَلحَها حتى يسقط فيتغذَّى منه حلاوةً. يتفاخر بأبطال أكَلَ الدود لحمَهم وتلاشت عظامهم منذ قرون، وسلاحُه اليوم لايُشهَر إلا بوجه إبن بيئته! يتكلم عن عباقرة إكتشفوا العلوم ويتباهى بأن إنطلاقة شُعلة الحضارة كانت من أرضه واليوم كل ما يُصنَع في أرضه ليس سوى نتيجة فكر مُستورَد أو مصنعٍ ُستورَد وبمواد أوَّلية مستورَدة . لغتُه حافظت على أهم الفلسفات والعلوم بعد ترجمتها، واليوم لغتُه تتطوَّر كمشي السلحفاة مقارنةً بعَدْوِ الغزال في تطوّر لغات العالَم الأخرى.
يتكلَّم عن قُوَّاد واجهوا الأعداء ودحروهم وقُوَّادُه اليوم أداة في يد الأعداء ضد شعوبهم.
فبالرُغم من أنَّ حاضرَه ليس سوى ماضٍ غابر إلا أنَّنا نراه يُزمِّر ويُطبِّل لماضيه وحاضرُه أسيرٌ لذلك الماضي . العالم بعجلةٍ يسير للأمام ويُسابق الزمن، بينما عجلة زمانه تُسابق الماضي ليُصبح أقدمَ من التاريخ نفسه!
كل لحظة تُعاش هي ثلاثيَّة الماضي والحاضر والمستقبَل؛ ماضٍ نستفيد من تجاربه وليس بيَدنا إسترجاعُه، وحاضر نحياه بخبرة الماضي الذي يجب تطويره كون أن الإنسان في تطوُّر عقلي وكل يوم يخزن في رصيده معلومات جديدة ، ومستقبل مجهول لانعلمه، إلا إنه لنا وللأجيال اللاحقة لكن بعد إن تُبنى أسُسه في الزمن الحاضر .
فكيف لإمرِئٍ أن يكون ماضيه ماضياً وحاضره ماضياً ومستقبله لامحال سيكون فقرة من فقرات الماضي؟
قبل 30 و 40 سنة كانت أفلام إسماعيل ياسين تمنحنا الضحك لأنها كوميديا مناسبة لمفاهيم ذلك الجيل ، في الثمانينات والتسعينات كنا نسأل عند مشاهدتها كيف إشتهر هذا الممثل ولماذا إعتبرناه ممثلاً كوميديَّاً؟ كان لنا الحق في ذلك التساؤل، كون أنَّ فكرتنا عن الأشياء إختلفت وتطورت ، بينما الآن وفي المستقبل لو فرضنا على أبنائنا مشاهدة أفلامه سيبكون وسيلعنون أبو الفن الكوميدي .
فلنجرِّب أن نعيش حاضرنا لأننا لانريد لأبنائنا أن يلعنوا أبو التاريخ فقد أصبح لهم بسببنا أتفه من أفلام إسماعيل ياسين نجم الكوميديا في زمانه؛ رحمه الله. إلا أنه لم يمُت كتاريخنا بل أتى مِن بعده مَنْ أخذ من فنِّه وحدَّثه.
إسماعيل ياسين