سقراط و تأسيس علم الاخلاق


المحرر موضوع: سقراط و تأسيس علم الاخلاق  (زيارة 20120 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1792
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                        سقراط وتأسيس علم الاخلاق
بقلم يوحنا بيداويد
ملبورن / استراليا
15/5/2008

عندما يذكر عصر الذهبي للفلسفة اليونانية، يتم ذكر سقراط كأب روحي  لهذه الفترة، فالثلاثي  سقراط، افلاطون، ارسطو هم بمثابة  ثلاثة اعمدة التي حملت رأس الهرم الذي كونته الحضارة الاغريقية في اوجه عصرها في زمن ارسطو.
لا يعرف  عن حياة سقراط الا القليل ، لكنها كانت كافية لينال الشهرة الواسعة في التاريخ، ولحد الان يذكر كشهيد لكلمة الحق، كلما تكررت جريمة مشابه لموته يذكر اسمه بفخر واجلال. سقراط الذي حكم عليه اليونانيون الاعدام ( الموت بالسم) اعطى بطولة نادرة في التاريخ عن التزامه الخلقي بما امن به، وبما علم للشباب، وكمواطن صالح ملتزم بقرار حكومته.
يحدد المؤرخون فترة حياته بين 470-399 ق م، كان اثيني الاصل. عاصر فترات الثورات والحروب التي كانت تطحن ما يدعى اليوم بدول منطقة البلقان.

معظم ما وصل لنا عن حياته، هو عن طريق تلميذ الشهير افلاطون الاستقراطي. لم  يكتب سقراط اي كتاب فلسفي عن اعماله بنفسه  وانما كانت طريقته في التعليم هي الجدال والحوار الذي اصبح  كمؤسس لاسلوب العملي في التدريس.
لم يكن سقراط يشابه الفلاسفة الذين سبقوه في موضوع بحثه مثل البحث الميتافيزيقي وايجاد العلل لقوة المحركة للكون وتكوين الطبيعة،وانما كان يهمه كثيرا الموضوع الاخلاقي.  كيف يمكن ان نعيش حياة سعيدة ؟ ولذلك يعتبرمؤسس لدى الكثير من العلماء والفلاسفة هذا الحقل من الفلسفة (  الفلسفة الاخلاقية).

 كانت المبادئ والاخلاق الجديدة التي  يعلمها لتلاميذه السبب الذي جعل حكماء اثيناء ان يحكموا عليه بالاعدام بحجة انه يزرع افكار الشريرة الباطلة بين ابناء اغنياء الاستقراطيين في اثينا ، يدعوالى التخلي عن عبادة الهة اثينا وتحريض الشباب على عدم اطاعة الحكومة وعلى القيام بثورة على القيم القديمة وتعاليم الدينية للالهة اليونان وكذلك اتهام القيادة الحاكمة بكبح افواه الناس من المطالبة بحقوقهم وحرياتهم.

 كان دائما يؤكد لتلاميذته ومستمعيه ( ان الشيء الوحيد الذي يعرفه هو انه لا يعرف شيئا !!.)   يبدو  ان هذا الموضوع حمله على اكتافه خلال سبعة عقود من عمرة، حيث ان معظم محاضراته التي شملت الكثير من المواضيع  تبدا بسؤال الاستفهامي مثل ما هوالجمال. ما هو الخير؟ ما هي السعادة ؟ ما هي الفضيلة؟ وما علاقتها بالنفس؟ ما هي العدالة؟ ما هي المواطنة الصالحة؟ ركز على الدقة في التعبير، فقال يجب ان يعرف الناس  معنى الدقيق لكلامهم وعباراتهم ويتم تحليلها جيدا.

 من خلال الجدال والحوار كان المتحاورون يصلون الى نقطة التي يريدها سقراط وهي التركيز على معرفة النفس ولهذا كان يستخدم القول المشهور( اعرف نفسك بنفسك!)(1) لدفع الناس  للحفز وتذكيرهم بمسؤولياتهم لمعرفة الحقيقة ومن ثم تطبيقها في الحياة.
 عبر التاريخ اصبح البحث عن معرفة الذات علم ، اليوم يدعى ( علم السايكولوجي) علم النفس.
محور فلسفته هي دفع الانسان لمعرفة الخير والفضيلة، فالبحث عن ماهية الشيء يعني معرفة فضائله او مجموع القيم الخيرة فيه، وفي الانسان الجزء الخير و الاهم هو العقل (الجزء الالهي ) او هو النفس اي الروح (2) لذلك الخير هو الفضيلة الخاصة بالنفس، ومعرفتها  واجب وفي النهاية تؤدي معرفة الخير والشر الى ضمان التصرف السليم  لدى الانسان.ومنها يتم  استقرار النفس والتخلص من القلق اي ولادة السعادة القصوى هي معرفة الحقيقة .
ولهذا شاع عنه بأنه قال في كثير من الاحيان  كان هناك هناك صوت الهي يناديه ويرشده في خطبه وتعليمه ،اتيا  من اعماق نفسه ( اي الجزء الالهي فيه الانسان).
 
كانت نهاية كل الجدالات و الحوارات، يعترف الحاضرون انهم لا يعرفون الحقيقة الكاملة. وان النتائج  التي وصلوا اليها، هي عبارات وهمية فيها الكثير من الشك و  التناقض مع العقل (لوغوس) او المعرفة الاكيدة في حينها، دائما كان يميل الى جانب الصف الضعيف من المتحاورين كي  يجعل الطرف الاخر ان يشك في صحة معرفته .
 ان المواضيع التي طرحها سقراط هي مواضيع حساسة خطرة ومهمة تتناول العلاقة بين الفرد والمجتمع الموضوع الذي عالجه كل الاديان والفلسفات ، لذلك يعتبر هذا اعظم انجاز له.

قال عنه ارسطو (امران اثنان علينا ان ننسبهما الى سقراط وبحق، الاول التاسيس عبر اعطاء الخبرة الاولية، ومن ثم ارساء المفاهيم العامة بين الناس)(3)

كان مرغوبا بين ابناء الاثينيين ، لقد ازداد اعدائه بمرور الزمن، وحينما بلغ السبعين من عمره ، قدم الى المحكمة بتهمة تخريب فكر الشباب وتشجيعهم على ترك عبادة الهة اثينا ، يبدو التهمة الاولية كانت جعل سقراط على اعترافه بانه حرض اهالي اثينا عن طريق اتهامه في كبح ولجم هم من قبل القيادة الحاكمة لذلك الزمان.
يقال ان لو كان اعترف بذنبه، ربما كان يترك لحاله كي يقضي باقي حياته الشخصية كما كانت العادة متورثة  في اثينا في ذلك العصر.

الا ان سقراط ابى ان يتنازل عن اقواله ومبادئه، وراح يدافع عن نفسه في المحكمة، بأقوال اخطر بكثير من الاولى مزيدا الطين بلة، حيث صرح امام المحكمة وتلاميذه بأن  الله  قد ارسله لتعليم الفلسفة وتطبيق مبادئها.
يقال سئل على الرغم من انه وجد مذنبا، ما هي العقوبة التي يظن يستحقها، كان جوابه غريبا فيه شيئا من الاستهزاء والتفاهة ، ثلاثون منية؟ (4) . وعندما تم التصويت على قرار حكمه، كانت اغلبية الحكام  والشعب صوتت ضده وبعقوبة الاعدام عن طريق شرب السم ( 5 ).
اجاب سقراط لهذا القرار،  فقبل بصورة سريعة و مدهشة قرار المحكمة، ومنع تلاميذته  وافراد عائلته من الطلب لايقاف القرار.

يقال سقراط لم يشذ عن الفلاسفة قبله او بعده، فهو كان مقصرا كثيرا  بأتجاه اولاده وزوجته، ولذلك كان كثرت الجدالات بينهما، لكن زوجته كانت تحبه وتشاركه احيانا  الجدال وتبدي رائيها في المواضيع التي كان سقراط التي كان يثيرها بين الحاضرين.

على الرغم من عدم تأسيسه اي مدرسة على عكس تلميذه افلاطون وسقراط والاخرون الا ان مدرستين ادعتا انهما ينتميان اليه وهي:
المدرسة الابيقورية: الذين ارجعوا السعادة الى اللذه وجعلوا من اللذه غاية كل تصرف
والمدرسة الكلبية: الذين بالغوا حسب رائيهم باحتقار سقراط  للحياة المادية  واتخذوه مبدأ الرئيسي لفلسفتهم مثل ديوجين الكلبي الذي كان يعيش في برميل الاوساخ.


موت سقراط :
لقد كتب افلاطون اللحظات الاخيرة من حياة سقراط في اروع وصف  يذكره تاريخ الادب العالمي الى حد اليوم. لانه يعتبر شهيد الاول لدفاعه عن حقوق الانسان وحرية الفكر . رفض طلب الالتماس من السلطة كي تعفو عنه . حينما عرض عليه تلاميذته اقتراح تهريبه، رفض هذا الخيار ايضا. ربما رائ انها افضل طريقة لتعليم الناس كيف تكون مخلصة لوطنها او مجتمعها ولمبادئها هي قبوله الشهادة.

كتب افلاطون هذه اللحظات ربما لم يكن قد بلغ العشرين من عمرة، حيث يصف سقراط كاب روحي لهم، ويذكر حوار الذي كان يجري بينهم وبين كريتو الشخص  الذي يبدو كا سقراط يعتمد عليه كثيرا ، ربم كان احد اصدقائه او تلاميذته ، وكيف يعتذر له مسبقا السجان  عن تقديمه السم له وانه لا يفعل ذلك الا اكمالا لمهمته، ويصف كيف يدعى السجان  سقراط بأنبل انسان في هذا المكان، ويتوقف في وسط حديثه ويخرج وهو مجهشا في البكاء، ثم يطلب سقراط من كريتو ان يأمر الخادم لتحضير السم. فيجاوبه كريتو ان الشمس لا زالت بعيدة عن المغيب، فلم الاستعجال،ولماذا لا يشرب وياكل ويتمتع بأخر لحظات في هذا العالم. فيرد سقراط (هل تريدني ان اضحك على ذاتي مثل هؤلاء؟). وعندما حضر الخادم كاس السم، يسال سقراط مرة اخرى السجان
(هلا تعلمني يا صديقي افضل طريقة لمناولة هذا الكاس لانك عارف اكثرمني في هذه المهمة؟)
. فيجيب السجان ان افضل طريقة هي ان تتناول الكأس ومن ثم تمشي الى ان لا يقويان ساقيك على حمل جسد فيبردان حينها تستلقى على السرير لحين بلوغ السم كل جسمك فتنتهي حياتك.

يصف هنا افلاطون سقراط الشجاعة الكبيرة التي امتلكها كعادته امام تلاميذه بعدما ابعد النساء و الاطفال من هذا المكان. ويستمر في وصف اللحظات الاخيرة من حياة سقراط، حيث يقول مازحا مع السجان وسأله ( ما رائيك لو قدمنا هذا الكأس لاحد الالهة؟ هل افعل ذلك ام لا ؟ فيرد السجان يا سقراط  نحن نحضر ما يكفي لمهمتنا. فيرد سقراط افهم من هذا يجب ان اصلي للالهة كي يسهلوا رحيلي من هذا العالم الى العالم الاخر، لذلك هل ممكن ان تمنح لي صلاتي. ومن ثم رفع الكأس وشربها بهدوء تام وبدون تردد.

لقد تمالكنا شعورنا الى حد هذه اللحظة، ولكن حينما شاهدنا الكأس فارغا، لم نعد نتمالك انفسنا فانغمرت عيوننا بالدموع، وخرجنا الى الخارج، حينها بكيت والدموع تنهمر مني وانا حزينا على مصيبتي كيف افارق سقراط هذا الصديق العزيز.
 كريتو خرج قبلي هو الى الخارج، في تلك البرهة علت صرخة ابولودورس الذي كان مستغرقا في البكاء لوحده. كان سقراط محتفظ بهدوء، ثم قال سقراط ما هذا الصراخ والصخب، لقد ابعدت النساء عن هنا كي لا اشعر بالاهانة في مثل هذه الطريقة.
استمر سقراط يمشي ونحن جالسون ننظر عليه الى ان لم تعد ساقاه على حمله، ثم تمدد على سرير،كان السجان كان يراقب ساقي سقراط فيدوسها بين حين واخر ويسأله هل يشعر بيده وكان سقراط يجيبه بالنفي الى احس السجان ان ساقي سقراط  اصبحتا باردة، شعر سقراط بذلك وقال ستكون النهاية عندما يصل السم الى القلب. ثم بدأ يغطي رجليه وقال

كلماته الاخيرة:-
يا كريتو انا مدين الى اسكيبيوس ارجوك لا تنسى دفع هذا الدين، فقال كريتو سأدفع هل هناك شيء اخر؟ فلم نسمع الجواب، بعد دقيقة او دقيقتين سمعنا حركة ، فقام الخادم بتغطية وجهه وقام  كريتو بأغلاق فمه وعينيه.

 


____________
1 هذه العبارة: اعرف نفسك بنفسك كانت منقوشة على معبد دولفي
2 الجزء الروحي في الانسان كان يعني العقل في الحضارة الاغريقية
3 (المصدر:اطلس الفلسفة ص 37).
4 منية: وحدة نقود في زمن سقراط او وحدة الكتلة لشيء ما
5 كانت المادة المستخدمة كسم هي شراب نبات شوكران





غير متصل فيان ساوا متي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 871
  • صلاة البار مفتاح السماء، وبقوتها يستطيع كل شيء
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: سقراط و تأسيس علم الاخلاق
« رد #1 في: 16:09 22/05/2008 »
لوحة وفاة سقراط

انا قلم رصاص صغير في يد الله ..يكتب به رسالة حب الى العالم!!!

عندما نستطيع أن نتألم ونحبّ، ترانا نقوم بعمل كبير، بأعظم ما يمكن عمله في هذا العالم. إننا نشعر بأننا نتألم، إنما لا نشعر بأننا نحب وذلك لألم كبير يُضاف إلى تألمنا... غير أننا نعلم بأننا نريد أن نحب. والرغبة في الحبّ هي الحبّ با

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1792
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: سقراط و تأسيس علم الاخلاق
« رد #2 في: 01:14 25/05/2008 »
 الاخت فيفيان ساوا متي
شكرا على الصورة
بالحق تعبر الصورة ما كتبه افلاطون عن اللحظات الاخيرة من حياة استاذه سقراط

يوحنا بيداويد