مثلث الاحتلال ـ الارهاب ـ الطائفية و مستقبل العراق
سامي بهنام المالح
كانت ابرز ملامح مرحلة ما بعد سقوط الصنم هو انطلاق الناس ـ الجماهير في كل مكان و في مختلف الاتجاهات، للتعبير عن البهجة و الحرية و تراكم هاائل من الانفعالات و المشاعر و الاحاسيس المكبوتة، وذلك بطرق و اساليب و اشكال متنوعة كثيرة، كانت في غالبيتها فطرية و جائت كحاجة انية في فضاء مكثف، ضبابي ، منفتح على افاق بدت رحبة و لكنها غير واضحة المعالم. انهزم السجان الجبان و تحرر الشعب و تخلص الناس من عقدة الخوف و كابوس التسلط المرعب البغيض.
لقد سارت الامور بسرعة لم يتوقعها احد، وكان الانهيار شاملا و مفاجئا. و باستثناء كردستان، حيث سلطة الحزبين في اربيل و السليمانية و الاستعدادات الرسمية و الشعبية لمواجهة الاحداث و التطورات و بتنسيق كامل مع القوات الامريكية،
تحول العراق الى بلد من دون سلطة، الى بلد لا تتحكم فيه القوانين و الانظمة، الى وطن مفتوح الحدود.
قوات التحالف، تفاجئت بالانتصار السريع و السهل الذي حققته على نظام صدام حسين و الرعاع الذين ارتبطوا به، و سرعان ما وجدت نفسها في مواجهة ظروف جديدة كليا و مهمات معقدة كبيرة و مركبة لادارة شؤون دولة معطلة لم تكن بالحسبان. الامر الذي عمق الارتباك و البلبلة و الفوضى التي عمت الشوارع و سادت في كل مكان.
المعارضة العراقية، تلك التي كانت متواجدة في الداخل او التي جائت مع قوات التحالف، و التي كانت قد عقدت مؤتمرات كثيرة كان اخرها في العاصمة البريطانية، لم تكن موحدة و لم تكن متهيئة لتلعب دورها، سواء في تحشيد الناس و الجماهير الغفيرة المتحررة و توجيه طاقاتها باتجاه السيطرة على الامور و تنظيم الحياة اليومية و توفير الامن، او في الاعداد لتثبيت سلطة وطنية ببرنامج و مشروع وطني واضح لقيادة البلد.
كل ذلك خلق مناخا مثاليا لعصابات البعث الاجرامية و لعناصر الاجهزة القمعية البوليسية، التي كانت قد هربت و اختفت خوفا من غضب و قصاص الشعب. و كما تبين لاحقا ، فان اجهزة النظام و تنظيمات البعث المنتشرة في كل مكان كانت قد نظمت امورها و تهيأت لظروف ما بعد الانهيار، و كانت قد عقدت تحالفاتها مع العصابات الاصولية و جهزت المئات منها بكل مستلزمات الحرب الارهابية من الاسلحة و الاموال و الوثائق و البيوتات السرية و غيرها من الامدادات اللوجستية.
و في غضون اشهر تحول العراق، المتحرر توا، الى ساحة حرب جديدة، حرب ذات طبيعة جديدة موجهة بالدرجة الاولى ضد الاستقرار و لتدمير امن الناس و ممتلكاتهم و مقدساتهم، و لاحباط جهودهم من اجل البناء و من اجل حياة حرة كريمة.
مما زاد الوضع العراقي تعقيدا، و جعل بدايات العملية السياسية، بدايات عرجاء تفتقد الى مقومات الاستقلالية و التطور، كان تسابق و سعي القوى و الاحزاب السياسية للحصول على اكبر قدر ممكن من السلطة التابعة الخاضعة لسلطة قوات التحالف، هذه القوات التي اصبحت بقرار من مجلس الامن قوات احتلال، بدلا من توحيد خطابها الوطني و جهودها لاخذ زمام المبادرة و استرداد كل السلطة، و التعامل مع قوات التحالف في اطار مشروع وطني واضح و متكامل، يغطي الفترة الانتقالية و صولا الى تهيئة الاجواء الايجابية و تطوير العملية السياسية و تطوير الوعي الوطني الديمقراطي و صيانة حقوق الانسان و امنه و من ثم توفير مستلزمات اجراء انتخابات حرة نزيهة و عملية التحكم الى صناديق الاقتراع.
لقد شكل كل ذلك، مع واقع ضعف التيار العلماني الوطني الديمقراطي و تشتته و عدم مواكبته للتطورات و التغيرات العميقة في المجتمع و الدولة، سواء في فترة الاعداد للحرب او حتى بعدما حسمت نتائجها و ما تمخض عنها على كل المستويات، شكل بيئة ايجابية و ارضية خصبة لنمو التيارات و القوى القومية و الطائفية و العشائرية التي كان اغلبها يتلقى الدعم و الاسناد من الدول و القوى الاقليمية و المحيطة بالعراق.
و لابد من الاشارة الى ان هذه القوى، و خاصة الطائفية منها، تعاملت مع الوضع بذكاء و بسرعة، اذ استغلت فراغ السلطة، و وعي الناس و ايمانهم و انتمائهم المذهبي، والبطالة المستشرية و الوضع الاقتصادي الصعب، لتحشيدهم من اجل الحصول على مواقع النفوذ و الاستيلاء على السلطة المحلية في المدن اولا، و بالتالي تعزيز مواقعها في معادلة العملية السياسية.
و يجدر التذكير، بأن الولايات المتحدة الامريكية و بريطانيا ـ البلدان الذان ادارا العملية السياسية منذ البداية ، لا تتناقض مصالحها و أهداف مشروعها الستراتيجي في العراق و المنطقة، في الواقع، مع نمو العلاقات و التيارات القومية و الطائفية و العشائرية في المجتمع، و لذلك فانها في الحقيقة شجعت هذه القوى و غذت تنافسها و انهماكها في صراعها مع بعضها البعض و تنافسها للحصول على مكاسب انية ضيقة، ذلك على حساب المشروع الوطني الديمقراطي، و لأعاقة تبلور و نمو التيار العلماني الوطني الديمقراطي الحقيقي المستقل بسرعة ، و اعاقة بناء مؤسساات المجتمع المدني و مرافق الدولة المنهارة الاخرى.
لقد ولد مجلس الحكم المؤقت كوحدة لمجموعة هذه التناقضات، التي حاول حاكم العراق المطلق السيد بريمر تغذيتها و ادامتها و جعلها واقعا جديدا يعيشه الشعب العراقي. فالاحتلال اصبح شرعيا. و تحول العراق الى محور يستقطب الارهاب الذي حصد ارواح عشرات الالاف من ابنائه الابرياء، و الحركة السياسية التي استلمت مقاليد الامور، و ان نسبيا بعد رحيل بريمر، باتت مجموعة من تحالفات طائفية و قومية هدفها الاول التشبث بالسطة، كي تحكم و تتحكم و تستثري و تعزز مواقعها بعقلية لا تختلف من الناحية العملية و الممارسة عن عقلية الانظمة الشمولية التي تساوي بين امتلاك السلطة و امتلاك ثروات البلد و المادية و البشرية و الوقوف فوق القانون و التشريعات الاخرى ، مع استثناءات قليلة جدا.
من حسن حظ العراق، ان القوى القومية و الطائفية كانت في حالة توازن قوى. اذ صعب و لا يزال يصعب علي اية قوة منها ان تسيطر كليا و تقصي القوى الاخرى و تحرمها من حرية العمل و التأثير في مجريات الامور. ان هذا التوازن النسبي مع وجود قوات التحالف هو الذي ضمن نجاح الانتخابات التشريعية الاولى مع كل ما رافق العملية من تجاوز و خلل و تزوير.
ان هذا التوازن تمثل عمليا و يتمثل اليوم ايضا في كل ما يجري في الساحة السياسية العراقية، و خاصة في عملية كتابة الدستور و اقراره. اذ جاء دستورا يعكس الاستحقاق السياسي لانتصار التكتلات الرئيسية في الانتخابات، و احتوي كما هو معروف على التناقض الرئيسي بين التوجه الى بناء دولة علمانية ديمقراطية عصرية و بين التهيئة لبناء دولة اسلامية شمولية باسم الديمقراطية المكبلة بالشريعة الاسلامية.
ان الانتخابات القادمة، في ظل الاحتلال الشرعي، و في اجواء العنف و الارهاب السائدة، و استنفار القوى الطائفية الشامل و بقيادة المرجعيات الدينية، ستكون هامة و مصيرية لمستقبل عراقنا النازف.
الملفت لكل من يهمه مستقبل العراق هو ان الغائب الاساسي في هذه الانتخابات الديمقراطية، للاسف ، هو الديمقراطية نفسها.
فالديمقراطية ليست عملية انتخابات هلامية للوصول الى سدة الحكم فحسب. بل انها تعني تعزيز مجموعة من القيم و المباديْ الانسانية و ضمان و صيانة كامل حقوق الفرد دون اي تميز و توفير الامن و لقمة العيش و الكرامة، و الاهم انها تضع القوائم الانتخابية امام مهمات اخلاقية و سياسية و وطنية يأتي في مقدمتها ضرورة الاعلان عن ميزانية البلد و المبالغ الطائلة التي ستكون تحت تصرف السلطة المنبثقة عن الانتخابات و طرح البرامج الملموسة لتتحدث بالملموس عن اوجه صرف و استثمار هذه الثروات، ليتسنى للمواطن المسكين اختيار البرنامج المناسب و الافضل و لكي يتحكم بصوته و يستخدم حقه لمصلحته و مصلحة الشعب و الوطن.
ان عراقنا الحبيب منفتح على مختلف الاحتمالات، اذ ان ممارسة الانتخابات في اطار مثلث الاحتلال و الارهاب و صعود الطائفية ، لا يعني قطعا ضمان تطور العملية السياسية باتجاه تعزيز الديمقراطة و ترسيخ تقاليدها و مضامينها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية. ان مستقبل وطننا مرهون بنتائج الانتخابات، و بالاصطفاف الجديد للقوى السياسية و تحالفاتها ، و كذلك بسياسة الولايات المتحدة الامريكية و كيفية ادارتها لدفة الامور في العراق و مدى نجاحها في تنفيذ مشروع الشرق الاوسط الكبير.
في ظل هذا الواقع، يكون للعمل الجاد لبناء تحالف قوي لكل القوى العلمانية الوطنية و الديمقراطية النزعة، و كذلك تنشيط مؤسسات المجتمع المدني حول برنامج ليبرالي واضح شفاف ديمقراطي بجوهره، و الدفاع اليومي عن حقوق المرأة و حقوق الاقليات و مصالح الناس اليومية، اهمية استثنائية. هذا هو طريق تغير المعادلة السياسية و ثم تغير التوازن لصالح الديمقراطية الحقيقية و لصالح اوسع الجماهير الشعبية، و هذا هو السبيل لتحجيم النزعات الطائفية و تحديد تاثيرها و خطرها على مستقبل العراق الجديد.[/b][/size][/font]