الحزب الشيوعي العراقي مركز الإتصالات الإعلامية ( ماتع )ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مفيد الجزائري:
العراق متحف الثقافات المتنوعة
أقام مجلس النواب العراقي وبعثة الأمم المتحدة الخاصة في العراق، أمس الأربعاء 21 أيار 2008، احتفالاً بقصر المؤتمرات ببغداد، لمناسبة (اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار و التنمية).
حضر الحفل أعضاء في البرلمان، ووزيرا الخارجية و العلوم و التكنولوجيا، وأعضاء في السلك الدبلوماسي و البعثة الدولية، وتضمن إلقاء ثلاث كلمات، لرئيس لجنة الثقافة والإعلام البرلمانية النائب مفيد الجزائري، ووزير الخارجية هوشيار زيباري، والممثل الخاص للأمم المتحدة دي مستورا.
وفي أدناه نص كلمة النائب مفيد الجزائري:احييكم جميعا، باسم مجلس النواب، في مستهل احتفالنا، سوية مع المكتب الخاص للأمم المتحدة في العراق، باليوم العالمي للتنوع الثقافي من اجل الحوار والتنمية.
يشكل العراق، بعمقه التاريخي، والتنوع الكبير في طبيعته، وبيئته، وسكانه، فسيفساءَ غنيةً من لغاتٍ، ومعتقدات، وتقاليدَ، ومأثورات، وفنون، وعمارة، وأزياءَ، وصناعات شعبية، وأعيادَ، وطقوس.
الشواهد الثقافية المتنوعة على رقعة الفسيفساء هذه لا تتجاور فقط، بل تتجذر في أعماق التاريخ، مثل طبقات تراكمت فوق بعضها و تداخلت في ما بينها.
العراق بلد لغات ولهجات شديدة التنوع: العربية، الكردية ( بلهجاتها المعروفة)، التركمانية، السريانية، المندائية، الارمنية.
والعراق حاضنة أديان: الإسلام ( بطوائفه وملله المعروفة)، المسيحية (بكنائسها الشرقية والغربية)، اليهودية( حتى بضعة عقود خلت)، المندائية، الأيزيدية، أهل الحق ...إلخ.
والعراق مسرح أنماطِ حياةٍ وتقاليدَ : زراعيةٍ وصحراويةٍ وجبليةٍ ومدينيةٍ عريقة... يمتد من قمم الجبال في الشمال نحو البحر جنوبا، ومن تخوم العالم العربي شرقاً حتى بوابة آسيا غرباً.
والعراق متحف لفنون العمارةِ في أنماطها الأصلية: كالزقورة، بيت القصب، الجوامع، المنازل المدينية التقليدية، خيم البادية، الأبنية الحجرية، البيوت الطينية.
والعراق بلد أطيافٍ من الموسيقى الشعبية، والأزياء، والطقوس، والرموز، يتجسد فيها ثراء الماضي، وتعدد البيئات، وتباين أشكال التعبير لدى الجماعات المتعايشة فيه.
العراق المتنوع هذا .. طبيعيّ ٌ أن يشارك البلدان الأخرى، ومنظمتها الجامعة – الأمم المتحدة، إحياء اليوم العالمي للتنوع الثقافي من اجل الحوار والتنمية.
فالتنوع الثقافي، بوصفه مصدرا وحافزا للتبادل والتجديد والإبداع، هو سمة مشتركة وتراث مشترك للإنسانية، وهو ضروري - كما جاء في إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي، الصادر في تشرين الثاني 2001 – ضروري للجنس البشري ضرورةَ التنوع البيولوجي بالنسبة للكائنات الحية.
ومن هنا خاصةً الحاجة إلى صيانة التنوع الثقافي، لصالح أجيال الحاضر والمستقبل. إلى جانب كون ذلك يعني أيضا، قطع الطريق على مظاهر الانكفاء والانغلاق ونزعات التفرقة، القائمة على الأصولية، والتي ترسخ الانقسامات وتكرسها، تحت عنوان الاختلافات والخلافات الثقافية.
لكن حفظ التنوع الثقافي، باعتباره عملية تطورية، غيرُ ممكنٍ من دون الاعتراف بالآخر المغاير، المتنوع، في مجتمع مثل مجتمعنا العراقي، وفي أي مجتمع آخر يتسم بالتعددية. فمن الاعتراف هذا تنبع قيم التسامح والوئام والتضامن المتبادل، وعليه يقوم اعتماد الحوار وسيلة حصرية للتواصل بين الثقافات.
وليس هذا الكلام نظريا مجردا بالنسبة إلينا، نحن العراقيين.
فالتأثير الايجابي المديد والعميق للتنوع الثقافي في مجتمعنا، وما اثمره من مثل تسامح وتعاطف وتكاتف، تجذرت وتأصلت بمرور الزمن، هو ما حماه في النهاية من السقوط في هاوية الاحتراب والانهيار، رغم دأب وإصرار القوى التي ظلت تدفعه نحو هذه الهاوية في السنوات الأخيرة. وهو ما يعينه اليوم على إعادة إرساء أسس الوحدة الوطنية، وتعزيز هذه الوحدة وتكريسها، تمهيدا لإعادة البناء الشاملة لوطن العراقيين المتنوعين الموحدين.
الاختلاف رحمة. قلنا ذلك دائما، ونكرره اليوم. وعلينا ترجمة فضائل الاختلاف والتنوع، في سياسة تخدم السلام والاستقرار والتنمية المستدامة في بلادنا، الطالعة لتوها من ظلمات الاستبداد والتعصب والقسوة.
سياسةٍ تضمن حرية التعبير وتأكيدَ الذات ( على المستوى الجماعي كما على المستوى الفردي ) والمساواة، واحترامَ الخصوصيات الثقافية وفتحَ مسالك التفاعل في ما بينها.
سياسةٍ ديمقراطية تؤمّن الحق في المعرفة والاختيار، وتجعل من التمايز والاختلاف أساساً للتلاحم الاجتماعي الطوعي، ومصدراً لإدراك أبعاد وثنايا تجربة الإنسان في العراق وفي العالم عبر التاريخ.
سياسة تربوية تنشر قيم التسامح والفضول المعرفي والذوقي تجاه الآخر منذ المراحل الأولى للتعليم.
سياسة تواكب تطور الحياة في عصرنا، وتنطلق في ذلك من حقيقة أن كل إبداع إنما يزدهر بالاتصال والتواصل مع الثقافات الأخرى، لكنه ينهل أصلا من منابع التراث الثقافي. فلكي نقترب من بعضنا، نحن أبناء هذا العالم، اقترابا فعلياً لا ظاهرياً، نحتاج أن نحمل معنا ألوان ثقافات الماضي وأصالة تراثه.
السيدات والسادةبناء على ما تقدم نتطلع اليوم، في مجلس النواب، إلى مناقشة الاتفاقية الدولية حول حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافية، التي كانت منظمة اليونسكو قد تبنتها خريف 2005، والنظر في انضمام العراق إليها.
وسيأتي ذلك بعد مصادقة برلماننا، في مجرى السنتين الماضية والجارية، على انضمام العراق إلى اثنتي عشرة اتفاقية وبروتوكولا دوليا، كان بين آخرها اتفاقية اليونسكو في شأن حماية التراث الثقافي غير المادي.
إنها خطوات متتابعة على طريق المزيد من انخراط بلادنا في الجهود الدولية المشتركة، على مختلف الصعد، في اطار منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها ووكالاتها المتخصصة المختلفة، وفي الاتفاقات والعهود الدولية المنبثقة منها.
وهي تؤشر واقع العراق الجديد، المنعتق من الدكتاتورية، ومن الحصار والتمزق والانغلاق والعزلة التي جرتها عليه، والعائد إلى العالم ديمقراطيا، منفتحا، موحدا في تنوعه، ومتوجها نحو الاعمار والبناء والتنمية المستدامة.