اليسار الآن


المحرر موضوع: اليسار الآن  (زيارة 699 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Ahmed Alnassery

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 15
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
اليسار الآن
« في: 18:10 22/05/2008 »
اليسار الآن
أحمد الناصري
Alnassery3@hotmail.com



في البداية أود أقتراح هذا العنوان ( اليسار الآن) للدخول في معالجة مسألة اليسار، والحديث الرحب والمعمق عن اليسار، وعن حالته الراهنة، وكيفية استنهاضه، وهو أخف وأرق وأقصر من عناوين كثيرة متداولة. كما يتيح هذا العنوان المختصر، الحديث عن أزمة اليسار الآن بالتحديد، وعن تبعثره وضعفه، والمهام والخطوات الأساسية المطلوبة للنهوض به، للمساهمة الجادة والكبيرة، في معالجة الكارثة الرهيبة التي يمر بها شعبنا ووطننا، للتخلص من براثن الاحتلال الأمريكي، وتبنيه للطائفية السياسية، وضرب الروح الوطنية الحديثة، بأعتبارها المهمة الرئيسية الأولى التي تواجهها بلادنا، من خلال برنامج عام للتحرر الوطني، ومعالجة وحل المشاكل التي تعصف بحياة الشعب ومصير الوطن.
لا يزال اليسار يثير عاصفة من الجدل الحامي المتزايد، حول أزمته وسبل معالجتها، وربما يشكل ذلك الجدل والبحث في حالة اليسار جزء من الأعتراف به وبدوره والحاجة الموضوعية أليه، والعمل الجاد لعودته بعد غياب قسري تعددت أسبابه. كما إن عملية المراجعة والنبش في الماضي اليساري، من خلال نقده، ليست عملية مضرة أو إنها بلا طائل ولا جدوى، اذا ما ربطت بالحاضر والمستقبل. لكنها تكون مرضية وضارة، عندما تجري عملية ربط الحاضر بالماضي، وشده أليه بشكل تعسفي ومفتعل، او جر الحاضر الى عقل الماضي  وربطه بأساليبه وظروفه، وفرض شروط  وأحوال الماضي عليه، او الجلوس في كهوف الماضي، ورفض مغادرتها. وتلك معضلة تاريخية تتعلق بمنهج التفكير، ولا تزال بعض الحركات والشخصيات تلجأ اليها وتتمسك بها، على عكس الواقع وحركته الدائمة، ورغم كل شيء، ورغم كل المعطيات المتغيرة. إن الماضي، وبعد لحظة واحدة من مغادرته يتحول الى درس وذكرى تجاوزتها الحياة، وهذه ليست دعوة لآلغاء الماضي فهو موجود ولا يمكن الغاءه، لكن السؤال كيف نستمر ونعمل اليوم وغداً.
نبدأ بأسئلة أساسية وموضوعية، حول دور اليسار وواجباته وأمكانياته وعمله ومستقبله. فهل هناك حاجة لليسار في مجتمعاتنا وحياتنا السياسية الآن؟؟ وهل اليسار قادر على ترتيب أوراقه من جديد، والعودة والتواجد الكبير والمؤثر، في ضوء التغيرات الكثيرة المعروفة؟؟ وماهي المشاكل الداخلية، الفكرية والعملية التي تواجه اليسار أو تمنع عودته الكبيرة حتى الآن؟؟ هل تأخر اليسار في العودة المطلوبة، وهل هناك ظروف قاهرة تمنع العودة؟؟ ربما تساهم حزمة الأسئلة الأساسية هذه وغيرها من الأسئلة التي تنبثق في سياق البحث والنقاش، والأجوبة عليها في كشف ومعالجة جوانب معينة في وضع اليسار الآن في بلادنا، وتشخيص سبل النهوض به.
حركات اليسار، بأعتبارها حركات أجتماعية مجددة ومتجددة، بما تحمله من أفكار وأهداف وطنية وحداثية متنوعة، وبما تملكه من رؤية وحلول للمشاكل التي تواجهنا الى جانب الخبرة العملية، وأكتشافها لأساليب عمل جديدة ومتطورة، وقدرة على أجتراح المئآثر الثورية، تبقى في قلب الحركة الفكرية والسياسية وتتفاعل وتنتج التحولات الاجتماعية، في بلادنا وفي كل البلدان، المتطورة والمتخلفة. وهي تتبنى في العموم الفكر السياسي النقدي التغييري، الذي يعطيها القدرة العالية والمستمرة على العمل. وتستفيد من الماركسية والنظرية الاشتراكية وقضية العدالة الاجتماعية والوقوف ضد الظلم بكافة أشكاله، وضد الاستعمار والاستغلال والتبعية، وتفتح آفاق واسعة للتحرر والتقدم، وتدافع عن حقوق الانسان والمرأة، والفئات الفقيرة والكادحة والمفقرة.
إن قدرة اليسار في البقاء والأستمرار، متأتية في حالات وتجارب عديدة، من قدرته على التحليل وأكتشاف أساليب متقدمة ومتطورة في العمل الوطني والجماهيري والثقافي، بسبب طاقته الداخلية وحراكه الدائم، ووجود وصعود وانجذاب طاقات شابة ودماء جديدة، الى صفوفه بصورة دائمة.
هل لازالت هذه الموصفات والقدرات موجودة ومتوفرة في حركات اليسار اليوم في بلادنا، ام انها تلاشت وأندثرت بشكل نهائي، بسبب الأستبداد والدكتاتورية والقمع الدموي الطويل، وتغييرات وتشوهات أجتماعية وسياسية ونفسية كبيرة، وظروف وأخطاء داخلية وخارجية معروفة؟؟ أعتقد إن كل شيء كامن في أعماق التجربة وحواملها، ويمكن لأساليب وأفكار معينة أن تتقادم وتصبح لاغية وغير صالحة، بعد ان تحل محلها أفكار وأساليب وطاقات جديدة، وفق المنطق الطبيعي للحياة.
إن الحاجة الى اليسار الوطني العراقي، شديدة وكبيرة، لأسباب عديدة منها محنة الاحتلال التي يواجهها شعبنا ووطننا، والخراب والفشل السياسي الذي يمر به الوضع الحالي، والفراغ السياسي الموجود حالياً، والعودة الواضحة والكبيرة الى الموقف الوطني العام والموحد والتمسك به، والنتائج المدمرة للحرب والاحتلال، وفشل كل المشاركيين في العمل السياسي الحالي، في حل المشكلات التي تواجه الناس، بل هم جزء رئيسي من المشكلة وليس من الحل، نتيجة تبعيتهم للاحتلال وطائفيتهم المقيتة وتخلفهم ودمويتهم وفسادهم. مما يتيح لليسار الوطني، أن يساهم في طرح البدائل والحلول الوطنية المطلوبة.
لا يزال الشعب العراقي يواجه ويقاوم حملات وموجات التفتيت والتمزيق العاتية التي تعرض لها، وهو متمسك بوطنيته العميقة والراسخة، مما يسهل قضية طرح البرامج والخطط والأفكار اليسارية الوطنية بسهولة كبيرة، وبثها ونشرها من جديد في تربة لا تزال صالحة ومعطاءة. وهذا هو الواقع الذي نعتمد علية ونتحرك فيه بالأساس. وهذه النقطة ليست ثانوية أو عابرة، بل هي الركيزة الأساسية في العمل الوطني الحالي.
التجربة اليسارية في البلدان المتخلفة والضعيفة التطور، تختلف تماماً عنها في البلدان المتطورة، في المهمات التي تواجهها وطرق وأساليب العمل، حيث إن ثقل التخلف والتخليف والتقاليد تجعل من التحرك اليساري يسير في وسط شائك ومعقد ومتداخل، وتظهر أشكال لا تخطر على البال، يجب معالجتها والتعامل معها بدراية. فهنا يمكن أن تظهر يسارية وماركسية ( عشائرية وقبلية) كما في تجارب اليمن والصومال وأثيوبيا وأرتيريا وبعض المنظمات في كردستان/ العراق. ونواجه دائماً القمع والاستبداد المنفلت الذي يدق ويسحق لحم وعظام اليسار، ويجعله في حالة نزف دائم لطاقاته، تمنع عملية التدريب والتدرج الطبيعي والتراكم المطلوب في العمل.
إن عملية عودة اليسار القوية حول العالم، وأصداءها الرائعة، من خلال تجارب جديدة ناجحة، وعبر تجديد أفكاره وأساليبه، وبسبب تفاقم المشاكل القديمة والجديدة ووصولها الى مستويات غير معقولة او مقبولة، بسبب سياسات النهب والاستغلال الراسمالية، حيث تتفاقم مشاكل التخلف والتبعية والفقر والجوع والغلاء والتضخم، ومشاكل المرأة والطفل، ومشاكل البئية والهجرة، يعطي الأمل لليسار في بلادنا لطرح أفكاره وبرامجه.
دعونا نلتقي لقاءاً عاماً، لقاءً صداقياً. دعونا نلتقي على مواقف عامة صغيرة وبسيطة، ربما تتطور وتكبر. دعونا نلتقي في مائدة حوار مفتوحة، للسماع والتعارف والتعاون التدريجي من البيسط الى المعقد، وتبادل الخبرة والآراء والتجارب، دون أن نخشى الأختلاف والتباين، فهو من طبيعة الأشياء. فقد مر وقت طويل على التباعد والتشرذم وعدم اللقاء، وغياب ثقافة السماع البسيطة. كما مر وقت ثمين في زمن الاحتلال، وهو زمن دامي وقاسي وغير طبيعي، زمن استثنائي بكل المقاييس.
 إن قضية الاحتلال وحدها تتطلب منا التحرك السريع في الداخل والخارج لطرح صيغ جديدة مقبولة في حدها الابتدائي للتحرك والانطلاق الأولى ثم نرى النتائج، التي أتمنى أن تكون كبيرة وهامة. بينما سيكون التردد والآنتظار المفتوح، بلا جدوى ولا فائدة، في جميع الاحوال، وهو نوع من الخسارة والنزف والتوقف الغير مبرر في أحيان كثيرة، ونوع من الانتظار السلبي لظرف مثالي لا يأتي من دون عمل أبداً.
اننا بحاجة الى برنامج عام للتحرر وطني، بأفق وطني ديمقراطي واضح، لبلد يقبع تحت الاحتلال العسكري الاستعماري المباشر، وهذه لحظة نادرة لليسار الوطني الديمقراطي، كي يصب خبرته وتجاربه التاريخية المعروفة، ويساهم في سد الفراغ الراهن. علينا انجاز هذه الخطوة الاجرائية بسرعة، والانتقال الى خطوات عملية وتطبيقة كثيرة أخرى، للمساهمة في التصدي للحظة الوطنية الخطيرة التي نمر بها الآن، لحظة الاحتلال والارهاب والدم والموت والتدمير والتخريب والفساد والتفتيت والتشوية العارم لكل شيء، التي يعيشها شعبنا ووطننا.