رسالة مفتوحة الى نوال السعدواي


المحرر موضوع: رسالة مفتوحة الى نوال السعدواي  (زيارة 604 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Ahmed Alnassery

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 15
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رسالة مفتوحة الى نوال السعدواي

أحمد الناصري
الكاتبة الكبيرة نوال السعداوي: تحية تقدير وتضامن، لك ومعك، لجهدك العلمي والأدبي والإنساني، ولجرأتك ومثابرتك وإصرارك على قول ما تريدين قوله. وأنت من أوائل من دخل مساحات الممنوع والمحرم، حيث التابو غير المبرر وغير المقبول، في الجنس والدين والسياسة، وأشكال الاستغلال الخاص والعام الأخرى، حيث الدوائر والخطوط الحمراء المفتعلة، التي أوجدها البعض بشكل أرادوي مفتعل بعيدا عن الاختيارات المعرفية الطبيعية الحرة وبعيداً عن التطور الاجتماعي والتاريخي وسياقاته المتصلة بالعقل.
أتمنى أن تعرفي، وأنت تعرفين حتما، بأنك لست وحدك في هذه المعارك الفكرية والاجتماعية، والتي أداتها المعرفة العالية ضد الجهل الفاقع المزمن، وضد الجمود والتخلف، وضد الأساليب البربرية والهمجية.
السعداوي طاقة هائلة ومتنوعة تستند الى جرأة نادرة في ما تشتغل وتعمل عليه، بسبب قناعاتها العميقة، ومنهجها العلمي الرصين. وهي تشبه شيخ التصوف الثوري الرجل الطاهر والجرئ هادي العلوي، وهي تقتحم ميادين صعبة وشائكة أبرزها موضوع المرأة والدين، والمتطلبات الصارمة للخوض في هذا المجال المعقد والملتبس والممنوع، حيث سيطرة الخرافة والتقاليد العتيقة الحاكمة والتي تتعارض مع الدين أو تتساوق مع الفهم الضيق والمحدود له أحياناً، لذلك لابد من أن تتوفر دراية عالية بالتاريخ الإنساني القديم والحديث، وتاريخ المنطقة بشكل خاص وأديانها وعاداتها، كما يحتاج ميدان البحث الى معرفة معمقة بالسايكلوجيا الاجتماعية والشخصية، ودراية تامة بعلم التشريح، وكل القضايا والموضوعات المترابطة الأخرى.

إن الصراع في منطقنا الآن، كما هو في كل زمان ومكان، يدور بين الجديد والقديم، بين المشروع النهضوي، والمشروع السابق الذي تقادم وتخلف، وانتهت صلاحيته وفائدته بما تجمع عليه من غبار الزمن، وتجاوزته الأسئلة الجديدة والمتجددة يوميا، لكن القديم يقاوم ويستخدم كل الأساليب للمحافظة على السلطة والنفوذ والمصالح، ومن هنا كانت المعارك الشرسة ودعاوى التجريم والتحريم والتفكير مبكرة وجاهزة دائما، لرفعها بوجه من يحاول تجاوز التابو، والخوض في حقول التاريخ والدين. وقد أستمر بعض المفكرين في مشاريعهم بينما تراجع البعض الآخر، وكأنه خيار شخصي، رغم ثقل وخطورة المهمة، مما شجع مراكز وأطراف التحريم على الاستمرار في هجومها الشرس والمنفلت والمزاجي أحيانا. وكانت السعداوي كالعادة من الصامدين الثابتين في مواقفهم ورؤاهم.
ويبدو إن جماعات ومؤسسات الحجب والتكفير والقسر لا تعمل وفق مخطط محدد دائما، فهي أحيانا تتذكر كتب وأعمال أدبية صدرت قبل أكثر من عشرين عاما كما حصل مع رواية الأديب الكبير نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) ومع قصائد نزار قباني، ورواية حيدر حيدر (وليمة لإعشاب البحر) وغيرها من الأعمال الأدبية والإبداعية، كما لوحقت الكتابات الجديدة لنصر حامد أبو زيد، وسيد قمني، والشيخ خليل عبد الكريم.
ولا أدري كيف يسمح رجال الأزهر لأنفسهم التدخل في اختصاص صعب بعيد كل البعد عن عملهم وانشغالاتهم؟؟ وكيف لا يتدخل المتنور منهم لإيقاف مثل هذه التخبطات ؟؟ أو أن يقيموا أقسام مستقلة للنقد الحديث والمعاصر بمدارسة الجديدة ؟؟ أو لا يتدخلوا فيما لا يفقهون به؟؟ فأما أن يمنعوا أنفسهم أو يمنعهم الرأي العام أو حتى المؤسسات الرسمية المختصة وأعني وزارة الثقافة والمراكز الثقافية، وليس المباحث طبعا؟؟
حرية التفكير والتعبير عن الرأي وكتابته وإعلانه هو من الحقوق الطبيعية، حيث لا سلطة على الكتابة والكاتب غير عقله وقناعاته وما توصل أليه بالجهد الفردي أو الجماعي، كما لا توجد مناطق وأشياء محرمة أو مقدسة بالمعنى الضيق والشائع، وبما يسمح لدخولها من قبل أشخاص أو مؤسسات حصرية، قد تخطأ في عملها واستنتاجاتها. ومن حق الباحث والكاتب والروائي تناول أي موضوع وأية قضية قديمة أو راهنة بالطريقة التي يراها، وهناك معيار واحد هو موقف القارئ أو المشاهد كما يحصل في المسرح والسينما مثلا.
ستبقى قضية الإبداع الأدبي قضية فردية، تحتاج الى حرية تامة، لا يحق لأحد التدخل والتفسير، ثم فرض الوصاية أو المنع والمصادرة كما في حالة التعامل مع رواية السعداوي ( سقوط الإمام ) التي تتحدث عن مقتل السادات، فربما يكون النقد والتفسير خاطيء من الأساس. ولا ندري هل هذا الموقف دفاع متأخر عن السادات ونهجه الاستسلامي المدمر؟؟ أم هو توافق وتراضي مع السلطة الحالية؟؟
يزدحم العلم العربي في إشكاليات التجهيل والتخلف وتزداد التهديدات الجدية لوجودنا الإنساني، بفعل ضغط داخلي وخارجي، وتتزايد الأسئلة المعلقة في حياتنا، وتتسع رقعة الموت في فلسطين والعراق، وتتزايد مساحة الجوع والحرمان، وتشتد أزمة الديمقراطية والحريات، ونسير حثيثا خارج التاريخ، ويظهر علينا جندرمة الأزهر ليلاحقوا رواية كتبت قبل أكثر من عشرين عام فقط؟؟ويلاحق ديوان الشاعر أحمد الشهاوي (وصايا في عشق النساء) لأنه أخذ من لغة الصوفية العظيمة بعض من رموزها وإشاراتها؟؟
إننا إزاء محنة العقل الجمعي وجمود وتخلف العقل الآخر، وعدم إنجاز إي شيء هام منذ قرون عديدة. لكن في هذه اللحظة يأتي من يمنع ويهدم عملية التراكم البسيطة والبطيئة الجارية هنا، لتستمر الغيبوبة ويستمر الموات.
لا أدري لماذا يمنع نصر أبو زيد من حق التفكير والكتابة والبحث والاستنطاق؟؟ من يملك سلطة إيقاف التفكير فسلجيا أو اجتماعيا ؟؟ من قال إن أفكار أبو زيد خاطئة أو غير صالحة للتعاطي العام أو الخاص ؟؟ لماذا يريدون كتابة التاريخ بطريقة معلبة وتابوتية، ولذلك تكون أفكار الشيخ خليل عبد الكريم خطيرة ومرفوضة؟؟ من يقرر ذلك ؟؟ لماذا يجري تجاوز عقل القارئ والقفز عليه؟؟ ومن أفتى بصلاحية البحث في هذا المجال ومنعه وتحريمه في مجال آخر؟؟ أنها أزمة الحريات، وأقصد تحديداً أزمة حرية التفكير، وهي الشرط الآدمي الأول للوجود الإنساني الطبيعي والراقي، ولا يوجد شرط أهم منه.
أننا أمام معركة جديدة ومحاولة أخرى لفرض فكر الأسطرة والتغيب، تدور في أكثر من ساحة وأكثر من بلاد، ومن بينها العراق وكارثته. لكن السعداوي وأبو زيد، وقبلهما الرائع هادي العلوي، وكل من يشتغل في ميدان العقل والتنوير، قادرين على الاستمرار في مشروعهم الإنساني والاجتماعي، لأنه خيار حياتي كما هو خيار طبيعي كأحد شروط الحياة، بينما تبقى بعض الأفكار الدينية وبعض الأيدلوجيات الجامدة، تتناطح مع مسارات الحياة وتحولاتها، وتخشى التجاوز والعزل وتستند وتخيف الناس بالغيبي والمقدس والمحرم؟؟