مشاكسةشعوب و حكومات
• الفرق بين الشعوب والحكومات في الدول النائمة ان احدهما ينظر الى الحياة ومتغيراتها بالعين المجردة، بينما ينظر اليها الآخر بمنظار مستقبلي بعيد المدى قد يجتاز احياناً خط الخيال. فالشعوب على عجلة من امرها اً، لاتكاد تنظر الا امام قدميها بينما الحكومات صابرة متحسبة متأنية وذات ستراتيجيات بعيدة المدى واذ تطالب الشعوب الفقيرة برغيف خبز اسمر ورأس بصل وقدح من شاي الحصة التموينية الذي لاطعم له لتملأ بطونها الخاوية، وبسقف من سعف النخيل فوق جدران من طين يقيها زمهرير الشتاء ولهيب الصيف فأن الحكومات تفكر بتوفير وجبات دسمة من لحوم الغزلان لكل مواطن خلال الخمسين سنة القادمة وبمساكن خيالية وسيارات فارهة تعمل بالطاقة الشمسية لذوي الدخول المحدودة خلال الخمسمائة سنة القادمة وما على الجياع والمحتاجين الا الانتظار فالصبر مفتاح الفرج.
• الى ذلك فالشعب البطران الذي يملأ معدته الخاوية بالشعارات الحكومية البراقة وينخدع لفرط طيبته ووطنيته معاً بوعود بعض السياسين الخيالية في هذه الدوله او تلك التي يكررون رفعها في كل دورة انتخابية دون ان يحققوا اياً منها، ويعيد في كل مرة تسليم قيادته ومقدراته ومصير ثرواته وكل حاضره ومستقبله لهم، موهماً نفسه بأمكانية تحقيق حلم واحد على الاقل من بين مليار وعد خائب ويغفو على آمال الجنة الموعودة انما يخدع نفسه بكذبة ان ((الديمقراطية هي حكم الشعب)) في الوقت الذي يراها فيه بعض السياسين والمسؤولين الافذاذ في بعض الدول ((ركوب الشعب)) لتحقيق اهدافهم المشروعة وغير المشروعة معاً.
• والشعب الذي خدره شعار ((الشعب مصدر السلطات)) يرى ان من حقه تبعاً لذلك ان يفكر بصوت عال دون ان يطاله قانون ((منع الضوضاء)) وان يطالب بحقوقه المشروعة من ثرواته الوطنية في المأكل والملبس والسكن والوظائف العامة وحرية الفكر والتعبير والأنتماء وان ينتقد المسؤولين المقصرين ((على الرغم من عدم وجود اي مسؤول مقصر في الدول النائمة بالطبع )) وان يخضع الحكومة التي انتخبها الى المساءلة دون ان يفكر لفرط سذاجته بالمخالب والانياب الحكومية الامنية والمخابراتية المتربصة به لحمايته من مثل هذه الامراض والانحرافات الايدلوجية الخطيرة.
• وبذلك، بدل ان يمارس الشعب حقه في مساءلة الحكومة عن مصير برامجها ووعودها وعن ازمات البطالة والسكن وانعدام الامن وفوضى الجريمة والفساد المالي والاداري وغياب العدالة في تولي الوظائف العامة، والصلاحيات المطلقة لبعض المسؤولين والصفقات المشبوهة والاغذية الفاسدة والادوية التي تدخل البلاد محملة بفايروس الايدز وعن هدر ثروات البلاد وتعيين اقارب المسؤولين والسياسين من انصاف الاميين وعن الميزانيات السرية للمسؤولين الكبار، فأن هذا الشعب المسكين ربما يجد نفسه متهماً بعد ان كان يظن نفسه مدعياً بالحق العام لأنه ((مصدر السلطات)).
• وعليه ان هو حاول فعلاً ان يطرح بعض هذه التساؤلات المشروعة ((من وجهة نظره)) وغير المشروعة من وجهة نظر الحكومة لأنها تحاول اجتياز الخطوط الحمر وكشف اسرار الدولة الستراتيجية وتعريض امنها ومصالحها للخطر، عليه ان يستعد لمواجهة لائحة طويلة عريضة من الاتهامات حسب نظام كل دولة قد تبدأ بتهمة الخيانة العظمى والتجسس ولا تنتهي الا بمصيبة العصر الكبرى ((الارهاب)).
• بذلك فأن بعض الحكومات الحريصة على مصالح شعوبها الامينة على شرف المسؤوليات الوطنية الوفية للعهود التي قطعتها على انفسها ترى في ((الديمقراطية)) منهجية حماية الشعب ومكتسباته عبر ستراتيجية امنية شاملة لمكافحة الشغب والتصدي للانحرافات الاجتماعية الخطيرة التي تبدأ عادة بأنتقادات بسيطة للأداء الحكومي و ربما لا تنتهي ((ان لم يتم التصدي الحازم لها)) الا بالمطالبة بأسقاط الحكومة الشرعية والنزيهه، مما يستلزم ان يكون لكل مواطن شرطي امن او رجل مخابرات يحصي عليه انفاسه ويحصنه من السقوط في براثن القوى الرجعية والامبريالية والاستعمارية القذرة التي تحاول نسف كل الانجازات الوطنية الشامخة التي لم تتحقق بعد.
• كما ان ذلك يتطلب من الحكومات بناء المزيد من السجون والمعتقلات لزج معارضي الديمقراطية واعداء الشعب فيها اولئك ذوي الالسن الطويلة الذين يمسكون بأيديهم مكروسكوبات رقمية دقيقة بحثاً عن الاخطاء الحكومية بدل الهتاف والتصفيق والاشادة بالانجازات التاريخية التي من المقرر ان تحققها الحكومة خلال الالفية القادمة.
• في ضوء ذلك يصبح من حق الحكومات القانوني والشرعي والانساني والوطني وحرصاً منها على ((المصلحة العامة)) ان تبني السجون بدل المساكن الشعبية، وان تستورد خبراء التعذيب لأنتزاع الاعترافات بطرق شفافة جداً لاتخدش الحياء ولا تنتهك بنود الاعلان العالمي لحقوق الانسان من اعداء الشعب بدل ان تستورد خبراء لأقامة الصناعات الستراتيجية وحل ازمة البطالة ومعالجة ملوحة الاراضي الزراعية والتنقيب عن النفط والثروات الوطنية الاخرى.
• وهكذا تواصل الحياة دورتها، وتواصل الشعوب الطيبة والساذجة في الدول النائمة ممارستها للديمقراطية لتعيد في كل مرة انتخاب مسؤولين وسياسين اثبت بعضهم انهم لا يملكون الا وعوداً خيالية حول الامن والسلام والاستقرار والحياة الحرة الكريمة وتوزيع الثروات بشكل عادل، لكن ما ان يمسكوا بزمام السلطة حتى يحولوا شعار التوزيع العادل للثروات على الشعب الى شعار اجدى واهم ذلك هو التوزيع العادل للامتيازات على المسؤولين وهكذا يبقى الفقير فقيراً والمعدم معدماً والجائع جائعاً وتهوي اعداد كبيرة من ابناء الشعب يوميا الى تحت خط مستوى الفقر في حين يزداد اعداد المسؤولين الاثرياء!!
• ومع ذلك.. فأن تلك الشعوب المسكينة في بعض الدول النائمة ماتزال تصدق وعود بعض مسؤوليها الخيالية وتعيد انتخابهم في كل مره لعلهم يلتفتون ولو مرة واحدة لهم من بين كل الف سرقة قانونية او صفقة غير مشروعة.