أنهم يخافون من الكنيسة
لعل أغرب ما في العالم الذى نعيش فيه أنه يخاف من الكنيسة، بالرغم من أن الكنيسة جماعة صغيرة بالمقارنة ببقية العالم، وهى لا تملك قوة ذرية أو نووية ولا سلاحاً ولا عتاد، ولم يسمع أنها هددت أحد بالقتل والتفجير والتصفية الجسدية، ولم يسمع عن أعضاءها أنهم يكفرون غيرهم وليست في خططها أن تركب دبابة ولا طائرة وتسقط أبراجاً ولا تنسف قطارات، ومع ذلك فالحكومات والهيئات والمؤسسات ترتعب منها وتقاوم انتشارها بشتى الطرق. وفي البداية لابد من التركيز على نقطتين: أولهما: أن المقصود بكلمة الكنيسة في هذا المقام ليس هم المسيحيين عامة، فكم من يوحنا وبطرس ومرقس وعبد المسيح لكنهم لا ينتمون إلى الكنيسة (بتعريف الألف والام) والكنيسة منهم براء، وليست الكنيسة مبان ضخمة ومؤسسة منظمة، بل الكنيسة هى جماعة الذين آمنوا من كل قلوبهم إيماناً قلبياً بأن السيد المسيح (تبارك اسمه) هو المخلص والفادى الوحيد لكل مشكلاتهم وعلى رأسها غفران خطاياهم ورافع أوزارهم، أولئك الذين أدركوا أنهم خطاة وأنهم ذاهبون إلى جهنم النار وبئس المصير وانه ليس لهم شفيع يشفع فيهم يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا ذاك الذى صلب لأجل خطاياهم وأقيم لأجل تبريرهم، ففتحوا القلب والعقل والكيان له سبحانه ليفيدهم ويمحو آثامهم، ثم في الآخرة يتوفاهم مع الأبرار في نعيم أعده المولى للمتقين، وهؤلاء الأفراد المؤمنين موجودين في كل الخلفيات والمعتقدات. وليس ذلك فقط بل الكنيسة هى هذه الجماعة التى تلتصق بتعاليم المسيح وتعمل مرضاته وتهابه في الأرض وتستعد للسكنى معه في الأبدية.هذه هى الكنيسة التى تخافها الحكومات والرياسات في كافة أنحاء العالم. والنقطة الثانية التى أريد أن أنبه إليها أننى لا أقصد أن الحكومات الغير مسيحية فقط هى التى تخاف من الكنيسة بل كل الحكومات حتى تلك التى تدعى أنها حكومات مسيحية. ففى أمريكا على سبيل المثال يمكنك أن تحصل على ترخيص بفتح ملهى ليلى أو كباريه تمارس فيه الرذيلة والفجور في بضع ساعات من بلدية المدينة أما ترخيص افتتاح كنيسة جديدة فإن لم يأخذ سنين فشهور لكى ما تحصل عليه. وفي أمريكا التى يظن البعض وخاصة من إخواننا المسلمين في البلاد العربية أنها دولة مسيحية ويسقطون على مسيحيى الشرق الأوسط كل ما ترتكبه أمريكا من مبيقات ويرفضون قبول المسيحية والمسيحيين بسبب أمريكا، في أمريكا هذه، يُدرسون كل الأديان كالإسلام، والبوذية والهندوسية، وغيرها، للطلبة في مدارسهم الإعدادية. فالإسلام كعقيدة ودين يُدرس في مدارس كاليفورنيا لمدة ستة أسابيع كمادة تعليمية أساسية لابد للطالب أن ينجح أو يرسب فيها، ويتعلم فيها الطلبة الأمريكان التاريخ الإسلامى، كيفية الصلاة، تغيير أسماءهم في الدين إلى الأسماء الإسلامية وفي بعض المدارس يلبسون الجلباب الأبيض والطاقية البيضاء وذلك للتعرف على الدين الإسلامى، وفي نفس الوقت وفي نفس المدارس الأمريكية لا يُسمح بتدريس الدين المسيحى، ونجحت امرأة يهودية متطرفة أن تنتزع قراراً من المحكة العليا في أمريكا برفع الوصايا العشر وكل الرموز الدينية المسيحية من المدارس الأمريكية. وفي كافة أنحاء العالم وفي معظم بلدانه يسمحون بدخول المجلات الجنسية الهابطة التى تلهب شهوة الشباب وتدمر مستقبلهم لكن لا يسمحون بدخول الكتاب المقدس كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه وهو الذى يتحكم في شهوات الشباب ويوجهها إلى ما فيه صالحهم وصالح بلادهم. فدخول الكتاب المقدس في معظم بلادنا العربية جريمة يعاقب عليها القانون. ناهيك عن تلك الدول التى تعتبر الكنيسة جماعة نجسة لا يحل لها زيارة المدن الإسلامية المقدسة أو حتى المرور بها لئلا ينجسونها، الفكرة التى ألهبت جهاز بن لادن العصبى فأعلن الحرب على الأمريكان المسيحيين النجسيين الذين نجسوا الأراضى العربية وفتح الباب لحروب لا يعلم إلا الله (سبحانه وتعالى) نهايتها والتى نصلى أن تخمد نيرانها بأسرع ما يمكن. لكن السؤال لماذا تخاف الحكومات (على اختلاف أشكالها السياسية) من الكنيسة وكتابها المقدس مع أنه حيث تواجدت الكنيسة الحقيقية التى ذكرت أوصائها سابقاً عم السلام البلاد وقلة الجريمة وازدادت الإنتاجية وأغلقت محلات القمار والدعارة وقلت نسبة الطلاق وإنحراف الأولاد حتى أنه في بعض البلدان الأمريكية أغلقت بعض المدن السجون بها عندما انتشرت النهضة الروحية المسيحية الكنيسية فيها وتوجه البوليس بالشكر إلى القسوس ورجال الدين المسيحى بسبب تأثيرهم الرائع على هذه المدن (هذه الحقائق موثقة ومدونة في تاريخ بعض المدن الأمريكية) لقد زكى لنا الكتاب المقدس الإجابة على السؤال السابق: "لماذا تخاف الحكومات من الكنيسة" في سفر نشيد الأنشاد حين قال: "من هذه الطالعة من البرية مستندة على ذراع حبيبها... مرهبة كجيش بألوية". وهنا يقول الكتاب المقدس أن سبب الخوف من الكنيسة هو أنها: أولاً: طالعة من البرية. ثانياً: مستندة على ذراع حبيبها. ثالثاً: أنها مرهبة كجيش بألوية. فالكنيسة الحقيقية هى جماعة حية، جسد حى متحرك متجدد زاحف للأمام، نعم هى طالعة من البرية لكنها منفصلة عن البرية. هى في العالم لكنها ليست من العالم وقد بشر السيد المسيح أتباعها وأعضاءها بأن العالم سيبغضها، ويكرها وسيأتى وقت وهو الآن كما قال (بفمه الطاهر) يظن فيها كل من يقتل أعضاء الكنيسة الحية أنه يقدم خدمة لله. وبشرها أنه في العالم سيكون لهم ضيق، وإنهم سيساقون إلى محاكم ومجامع من أجل اسمه. فلو كانت الكنيسة من العالم لأحبها العالم لكن لأنها ليست من العالم ولا توافق على ما يقترفه العالم من ظلم وطغيان وتعذيب وإرهاب أبغضها العالم ولم ولن يتوافق معها على الإطلاق. ثانياً: تخاف الحكومات الكنيسة لأنها تستند على ذراع حبيبها، فالكنيسة الحقيقية تعلم أنه ليس بالقدرة ولا بالقوة الإنسانية البشرية بل بروح الله (سبحانه وتعالى)، والكنيسة الحية تعلم أهمية أن تستند على ذراع حبيبها، تلك الذراع المكتوب عنها في كتاب الله أنها ذراع رفيقة، ويد قوية فهو الذى يقول فيكون يأمر فيصر، ينصب ملوك ويعزل ملوك، يحيى الموتى ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة. والكنيسة جسد المسيح والمسيح هو رأس هذا الجسد فالكنيسة تستمد سلطانها وقوتها من مسيح حى لم يمسكه الموت، ومن نبى رفعه الله وأعطاه اسم فوق كل اسم واجلسه عن يمينه في السموات. وهذا يأتى بى للنقطة الثالثة أن الكنيسة مرهبة كجيش بألوية وقائدها هو القادر على كل شىء، العالم بكل شىء من لا تأخذه سنه ولا ينام، الحى إلى أبد الأبدين، الجالس على كرة الأرض والمتسلط في مملكة الناس، فلا عجب أن كان الوسواس الخناس يقف بالمرصاد للكنيسة لكى يضعفها فيهيج الحكومات والسلطات لكى لا تمنح التراخيص لفتح كنائس جديدة، وتغلق أن استطاعت الكنائس العامرة، تمنع دخول كتاب الله الكتاب المقدس إلى أراضيها وتزج بأتباعه في غياهب السجون وهم لا يعلمون أن الكنيسة نمت في ظل الاضطهاد وأن دماء شهداءها كانت هى المادة الحية التى روت حياة أولادها وأثمرت فيها وأنجبت ملايين من المؤمنين المسيحيين الحقيقيين الذين استطاعوا قلع الامبراطورية الرومانية بكل عظمتها وألقوا بها في غياهب التاريخ. قال الفيلسوف "ريشارد وورميراند" مؤلف كتاب "العذاب الأحمر": أن البوليس السرى في رومانيا قدم أعظم خدمة للكنيسة في العالم كله عندما ألقى به في السجن لمدة 14 سنة، فقبل دخوله السجن كان قساً بسيطاً مغموراً لا يسمع عنه أحد ولا يعرف أحد قصص الاضطهاد الدموى الذى كان يقع على الكنيسة في رومانيا، لكن بعد زجه في السجن سمع العالم كله عن الاضطهاد الدينى في البلاد الشيوعية فهربت ملايين الكتب المقدسة إلى هذه البلاد وصلى ملايين المؤمنين لكى ما تسقط الشيوعية واستجاب (المولى عز وجل) وأصبحت الشيوعية في خبر كان. كانت الكنيسة في الصين قبل بداية الشيوعية لا يزيد عن المليون مسيحى مؤمن واليوم ورغم الضغوط والاضطهادات بها أصبح أعضاءها 100 مليون. أخيراً أنصح سلطات العالم وحكوماته: اتركوا الكنيسة تنمو ولا تخافوا منها، أفسحوا لها المجال لتجتمع بحرية في مبانيها، وافتحوا مبانى الكنائس المغلقة فأن أردت أن تغلق إصلاحية لتهذيب المشردين أو سجن يأوى المجرمين في مدينة ما فافتح للكنيسة مكاناً في هذه المدينة. يا حكام العالم وقضاته ألا أدلكم على ما فيه خير نفوسكم وبلادكم وفيه سلامتكم وأمانكم وراحتكم، اتركوا المؤمنين المسيحيين الحقيقيين يعبدون إلههم الواحد ويصلون من أجلكم كما أوصاهم المسيح (تبارك اسمه) وستكونوا إنشاء الله من الفائزين. واعلموا أن كل آلة تصور ضد الكنيسة لن تنجح وكل لسان يقوم عليها هى تحكم عليه عند القضاء فهذا تنزيل الحكيم العليم الصادق من لا ينقد عهده ولا يغير ما خرج من شفتيه ولا يرجع في كلامه فاتقوا الله إذا كنتم من المخلصين. فأين هم القياصرة والأباطرة والحكام والقادة الذين وقفوا ضد الكنيسة على مر العصور، منهم من مات بسيف أحبائه، ومنهم من لايزال يجلس خلف القضبان في انتظار أمر الله في قضائه، ومنهم من لا يزالوا على العرش ويحتلون الكراسى ومن حولهم رجالهم ويظنون أنهم ينجون لكن المولى يقول "كل" والحكم على "الكل" بالقضاء. ومن له أذنان للسمع فليسمع للتواصل
nagiatia@aol.com