ظل الناس والنباتات والحيوانات والجراثيم الموجودة على كوكب الأرض يتمتعون على مدى 10,000 سنة بفترة طويلة غير اعتيادية من استقرار المناخ. لكن هذا الحال بدأ ينتهي في الوقت الذي يتسبب فيه الارتفاع المتصاعد في مستويات الغازات الناجمة عن الاحتباس الحراري، وخاصة ثاني أكسيد الكربون، في الإخلال بالترابط الوثيق الحساس الذي قام بين هذه الكائنات في ظل بيئات ماضية يعتمد عليها.
وقالت المجموعة الدولية التي أعدت تقرير التقييم الرابع للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لعام 2007 "إن ارتفاع درجة حرارة المنظومة المناخية مسالة واضحة لا لبس فيها."
ومن المرجح أن معظم ارتفاع درجة الحرارة خلال السنوات الخمسين الماضية يعود سببه إلى الزيادة في تجمعّات الغازات الناجمة عن الاحتباس الحراري، وهي زيادة من المحتمل أن يكون سببها النشاط البشري.
وردا على مشكلة ارتفاع درجة الحرارة، توفرت مجموعة متزايدة من الأدلة التي تبين حدوث تغيرات طبيعية فعلية متسقة ومميزة. وتشمل هذه التغيرات زيادات في درجة الحرارة الجوية العالمية المتوسطة ودرجات الحرارة الجوّية فوق السطح، وارتفاعا في درجة حرارة مياه المحيطات السطحية والحرارة الجوفية، وذوبان الثلوج بشكل واسع النطاق، والانخفاض في حجم الأنهر والكتل الجليدية والزيادة في متوسط المنسوب العالمي لسطح البحر.
* المناخ والإنفلونزا
كذلك يشكل هذا الجانب من تغير المناخ أخطارا على الصحة العامة الدولية – مثل وقوع الفيضانات والجفاف والموجات الحرارية التي يتسبب فيها ارتفاع الحرارة، والخلل الذي يحدث في العلاقات الحميمة بين الحشرات الحاملة للأمراض والبيئات التي تؤويها.
وأبلغ أستاذ علم الأوبئة في كلية ميلمان للصحة العامة التابعة لجامعة كولومبيا ستيفن مورس الحاضرين في الاجتماع "أن التغيرات في البيئة تعتبر قوة دافعة لظهور الأوبئة المعدية."
وأفاد مورس أن الأمراض المعدية الناشئة، وهو مبتكر هذا المصطلح في العام 1989، هي الإصابات التي تظهر حديثا بين السكان أو تكون موجودة ولكنها تزداد بوتيرة متسارعة من حيث الحدوث أو من حيث النطاق الجغرافي. ومن الأمثلة على ذلك فيروس نقص المناعة المكتسب المسبب للإيدز والتهاب الجهاز التنفسي الحاد.
وقال "إن الدافع المحرك يمكن أن يكون الشيء الذي يتسبب في خلق فرصة أكبر للاتصال أو تكرار الاتصال مع مضيف (حامل أو ناقل) طبيعي مما ينتج عن ذلك توفر فرصة أكبر لإنتاج عامل ممرض يستطيع الانتقال والدخول إلى البشر. ولحسن حظنا، فإن الكثير من هذه العوامل ليست لديها القدرة على ذلك."
القرية العالمية
تتمتع فيروسات الإنفلونزا، ومنها بعض فيروسات إنفلونزا الطيور، بقدرة كبيرة على إصابة البشر بعدواها. وعلى الرغم من تكرار ظهورها المعتاد بين البشر، فإنه لا يعرف سوى القليل عن بعض الجوانب الأساسية لكيفية عمل فيروسات الإنفلونزا الذي يسعى الباحثون جادين من أجل التنبؤ بالتأثيرات التي يخلفها تغير المناخ على الأمراض. وتشكل الموسمية أحد أسباب هذه الفجوات في المعرفة.
وقال مورس "إننا في المناطق المعتدلة، مثل الولايات المتحدة وأوروبا، نفكر في الإنفلونزا باعتبارها مرضا شتائيا ليس إلا. أما في المناطق شبه الاستوائية فإنها تبلغ ذروتها في فصلي الشتاء والصيف."
وأما في المنطقة الاستوائية، فالصورة أكثر تعقيدا - فالبعض يقول إن الإنفلونزا تحدث على مستويات متشابهة على مدار العام. لكنها في مناطق استوائية أخرى تبلغ ذروتين رئيسيين على الأقل من الانتشار وهما في الصيف والشتاء، أو في موسم الأمطار وموسم الجفاف.
وأكد مورس أن المرض الذي نعتبره من أمراض الشتاء يتعايش بشكل جيد في ظل الأحوال الجوية الحارة والرطبة، ولذا فإن انتشار المرض لا ينحصر في الأحوال الجوية الباردة والجافة التي نشير إليها دائما (على أنها المسبب الرئيس لعدوى الإنفلونزا البشرية)، بل وهناك أمور أخرى. ومن المحتمل أن يغير الاحترار المناخي طبيعة الإنفلونزا الموسمية وربما أثر في المستقبل على توزع الأمراض في العالم.
وأما بالنسبة لإنفلونزا الطيور، فيمكن أن يغير الاحترار المناخي المسارات التقليدية لطيران الطيور المهاجرة التي يشتبه في أنها تصيب الدواجن المحلية حول العالم بفيروس H5N1 المعدي المسبب للمرض الشديد. كما يمكن أن تؤثر مثل هذه التغيرات على التفاعلات بين الطيور البرمائية والطيور الداجنة واتصالها، وكذلك على تفاعلات المزارعين واتصالهم مع الدواجن وعلى تصدير واستيراد الدواجن في كافة أنحاء العالم.
وختم مورس قائلا إننا عبارة عن قرية عالمية ولذا فإن الجراثيم والميكروبات تستفيد من ذلك فائدة كاملة، "مثل ما شهدنا من فيروس نقص المناعة المكتسب المسبب للإيدز وفيروس مرض التهاب الجهاز التنفسي الحاد.