بعد سبعة وثلاثين سنة من الغربة، آشور بيت سركيس في بغداد
لقاء ـ شليمون داود
عقب نحو ثلاثة عقود ونصف من الغربة، ولا سيما عن العاصمة الحبيبة بغداد.. حل الفنان الكبير آشور بيت سركيس أخيرا بين أهله ومحبيه في هذه المدينة الخالدة، حيث وصل في الثامن والعشرين من تشرين الثاني المنصرم، واقيم له استقبال جماهيري كبير في مقر الحركة الديمقراطية الآشورية في بغداد.
وبعد أن تركناه نحو يوم أو يومين للراحة من طريق السفر الطويل.. كان لا بد أن نضيفه في بهرا، وكان اللقاء الآتي:
- بماذا يشعر الفنان آشور بيت سركيس وهو يزور بغداد للمرة الأولى منذ 37 عاما، وكيف يرى العاصمة الحبيبة؟.
* في الحقيقة لم يحدث في حياتي أن شعرت بشعور أقوى وأكثر تأثيرا من هذا الشعور حيث وبعد 37 سنة أضع قدمي مرة أخرى على تراب الوطن المقدس، أرض العراق أرض بيت نهرين حيث ولدت. لقد كنت من خلال شاشات التلفاز أتابع الأوضاع في وطني خلال العامين الماضيين وعقب الحرب الأخيرة، لكن.. عندما يحضر المرء بنفسه فسيرى صورة أكثر وضوحا ودقة.
لقد سالت دموع الفرح من عيني عندما شاهدت أبناء الشعب العراقي بكل فئاته، إنما في بعض الأحيان كانت تتخلل دموع الفرح هذه نسبة من الحزن عندما نظرت إلى الحطام في هذه المدينة الجبارة.. مدينة بغداد، والتي عندما غادرتها عام 1969 كانت مدينة رائعة وجميلة جداً، ومن المؤلم أن أرى اليوم وبعد عدة سنين صورة معاكسة إذ وبدلا من أن أجدها معمرة وواسعة أراها مدمرة، وهو أمر مؤلم.. وكذلك الإنهيار الواضح الذي أشاهده على وجوه حيث أشعر معهم بمرارتهم وحزنهم إذ يرون وطنهم الحبيب الذي كان يوماً ما يعيش بسلام وبمشاركة مختلف الأطياف وكنا نعرف أنفسنا فقط بأننا أصدقاء وأبناء وطن واحد هو العراق وفيه الجيرة الطيبة والمدارس والذكريات الجميلة.
- ألا ترى أنها خطوة جريئة أقدمتم عليها في التواجد في بغداد في ظل الظرف الأمني الصعب لا سيما أنك ربما أول فنان كبير ومعروف من فنانينا المغتربين يخطون هذه الخطوة؟.
* عندما فكرت بالموضوع أول الأمر.. أن أزور وطني في وقت غير مستقر أمنيا ولا يدري المرء في أية لحظة يقع انفجار هنا أو هناك، تملكني بعض القلق، لكن قلقي هذا لم يوقفني عن المجيء والمشاركة معكم في حياتكم وظروفكم لأنني لستُ أفضل من مئات الآلاف من أبناء شعبي الآشوري الكلداني السرياني وملايين البشر من الشعب العراقي الذين يعيشون في هذه المدينة، فجميعهم إخوتي وأخواتي أحبهم وأقدرهم، وكانت عندي كما قلت جيرة طيبة وذكرياتنا في المدارس، لذلك فإن مجيئي هذا كان واجب عليَّ ولست قلقاً الآن بل العكس فأنا فرح جداً. لكنني أواجه موقفا صعبا واحد فقط وهو أن أستقل الطائرة عائدا إلى بلاد الاغتراب تاركا وطني، ولا أدري ماذا ستكون النتيجة، لكن.. ومع ذلك وأياً كانت النتيجة، فإن قلبي وفكري هما مع هذا الوطن على الدوام. وكلي أمل أن يسود الأمن الاستقرار هذا الوطن الطيب، وربما تطأ قدمَي آشور بيت سركيس هذه الأرض ويبقى هنا حتى الموت.
- وكيف تنظر إلى التغيير الحاصل في الوطن؟.
* هذا التغيير الحاصل في وطني كان تغييراً صعباً غير سهل بعض الشيء، وربما يستغرق الأمر بعض الوقت لعودة الأوضاع الى مكانها.. ويسود الأمن والسلام وأملنا كبير في تحقيق هذا.
الشيء الذي أريد أن أقوله لكل الشعب العراقي هو أنني أرى الناس وهم يتسلحون بمختلف أنواع الأسلحة النارية وهو أمر مؤلم، إذ أن السلاحين الوحيدين اللذان يُفترض بالجميع أن يتسلحا بهما هما المحبة والوحدة التي بهما يسود السلام، وبدونهما لا وجود للسلام في هذا الوطن العزيز، ومن واجبنا إعادة وطننا الى عظمته اللائقة به، وبمشيئة الرب نعيش مرة أخرى بالمودة والسلام الى الأبد.
- فيما يتعلق بالعملية السياسية القائمة في العراق الآن، هناك انتخابات مقبلة لاختيار مجلس نواب تنبثق عنه حكومة لأربع سنوات، فما تصوراتكم حول الموضوع بشكل عام، وبما يتعلق بشعبنا الكلداني السرياني الآشوري خصوصا؟.
* أولاً.. أتمنى لشعبنا الكلداني السرياني الآشوري الموفقية في الانتخابات المقبلة، ويُفترض أن ينظروا عند التصويت إلى الدقة والوضوح والعقلانية ولا يكون التصويت على أساس الانتماء القومي أو المذهبي فقط، بل يجب عليهم التفكير لكي لا تتكرر أخطاء الماضي، ونحن وبلا تفرقة يجب أن يكون صوتنا لهؤلاء الذين يستحقونه والذين نرى أنهم قادرون على تسيير أمور هذا الوطن.
وبالنسبة الى الشعب الآشوري الكلداني السرياني، فأنا أتمنى منهم مرة ثانية الحكم بعقلانية والنظر إلى ان مصير أمتنا وشعبنا في هذا الوطن، إذ يجب تكون النتائج جيدة ويتم إقرار حقوقنا، يجب علينا التسلح بسلاح الحب والوحدة ونعطي صوتنا للذين يستحقونه.
كل الإحترام لكافة أبناء شعبي وأعرف بأن لديهم أفكارا مختلفة وحرية في الاختيار، ولكن يجب عليهم أن ينظروا إلى الشخصيات الموجودة في القوائم، ممن لديهم تجربة أوسع وهم مستحقون اكثر من غيرهم وقادرون على قيادة مسيرة أمتنا الى الأمام والوصول الى حقوقنا. إحترامي لكل اللذين يشاركون في الانتخابات وهدفهم هو هدف سام بالتأكيد.. لكنني شخصيا أرى أن قائمة "740" تضم أشخاصا ذوي تجربة طويلة ولديهم مهارة واسعة وتضحيات كبيرة لعدة سنين في هذه المسيرة وأنا واثق بأنهم قادرون على تحمل المسؤولية، والشيء الأهم، وحيث أنني واثق من أرجحية قائمة الرافدين هو أنني أطالب الجميع بعد الانتخابات ان يبتعدوا عن الكراهية والانقسام، وتنتهي عندنا هذه الأمور ويحل بدلا عنها الحب والاحترام والاتحاد والمحبة، ففي مثل هذا الواقع لن يكون هناك من هو خاسر، فجميعنا فائزون، وحتى وإن شهدت فترة الانتخابات بعض الملابسات، لكن يجب وعقب انتهاء الانتخابات علينا أن نتسلح بالمودة والوحدة بهدف سمو امتنا وسمو أبنائنا وبناتنا لكي يعيشوا بسلام في هذا الوطن ولا يكونون مضطرين مثلنا لمغادرة الوطن والهجرة الى دول الغربة والانصهار هناك ونسيان لغتنا وتاريخنا العظيم.
- تحدثت في سياق كلامك قبل قليل عن إمكانية عودتك إلى الوطن بشكل نهائي، هل لك أن توضح الأمر أكثر؟.
* لقد ورد على ذهني هذا السؤال كثيرا وعلى مدى سنوات خلال المناسبات والحفلات واللقاءات ولا سيما خلال زيارتي للوطن "شمال العراق" عام 1997 إذ قلت حينها أنني سأعود في احد الأيام، ذلك لأنني كنت أفكر حينذاك ومع بداية حرب الخليج أن النظام الفاشي سيزول، لذلك قلت للمحبين أنني سأراكم إن شاء الله في ملعب الشعب ببغداد. لكن لسوء الحظ ذلك لم يتحقق، ولا ندري ماذا كانت سياسات الدول في العالم حول العراق، ولكن ومع كل هذا وبعد مرور ثمان سنوات ها أنا أجيء إلى الوطن.. رغمن أنني لست في ملعب الشعب وانما في مقر الحركة الديمقراطية الاشورية في زيونة الذي يبعد أمتارا قليلة عن الملعب.
فرحتي كبيرة جدا وأنا في مقر زيونة للحركة، إذ ومنذ يوم وصولي وحتى الآن أشعر أنني في نينوى مصغرة، وبالتأكيد فإن هدفنا السامي الذي هو نينوى الكبيرة.. سهل نينوى، وبعون الله وبجهودكم وعملكم الصالح شبابا وفتيات، وبالتضحيات والشهداء من أعضاء ومقاتلي الحركة الديمقراطية الآشورية يجب ان نصل الى هدفنا، وكلي أمل ان ارى ذلك اليوم، وإن لم أره أنا بنفسي فبالتأكيد أولادنا سوف يرون هذا اليوم.
- هل هناك من أمنية عزيزة للفنان آشور بيت سركيس؟.
* لقد تطرقت إلى جانب من أمنياتي في الحياة خلال السطور السابقة، ومنها أن أرى أبناء شعبي يعيشون بسلام وأمن في وطننا الحبيب وطن الأجداد الأوائل.. هذا هو وطننا الذي لا نستبدله بالعالم كله، ولكن، ومع الأسف الشديد، يترك بعض أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري وطنهم ويعيشون في المهجر، وإذا استمر ذلك أقول أن الأمور ستسير بنا ربما خلال خمسين عاما المقبلة، لا سمح الله، إلى الانقراض كبعض الأمم الاخرى المنقرضة التي فقدت شيئا فشيئا تاريخها ولغتها وتقاليدها, ولا سمح الله ان يأتي ذلك اليوم. لذلك يجب علينا التسلح، وكما ذكرت، بسلاحين قويين هما المحبةوالوحدة بيننا وهذا ما يصل بنا إى هدفنا السامي.
ويؤسفني أيضا أن أجد من بين أبناء شعبي من أستطيع أن أسميهم "قاتلي الأمل"، أبتهل من الرب الكريم ان يلقي الرحمة في قلوبهم ويجعلهم يفكرون بعمق ويستوعبوا بأنه لا مستقبل لنا إن لم نكن موحدين مع بعضنا لكي نستطيع العيش بكرامة وسلام في وطننا.[/b]