إشارة عن الشعر والتاريخ


المحرر موضوع: إشارة عن الشعر والتاريخ  (زيارة 478 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Ahmed Alnassery

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 15
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
إشارة عن الشعر والتاريخ
« في: 16:14 12/06/2008 »
إشارة عن الشعر والتاريخ
أحمد الناصري
alnassery@hotmail.com


علاقة الشعر بالتاريخ علاقة مريبة ومعقدة إلى أبعد الحدود، فالشعر أمام مادة زمنية وخيالية ولغوية، جاهزة ومصنوعة وموصوفة بكافة عناصرها. فكيف تتحول هذه المادة المنجزة والجاهزة إلى شعر؟؟ الحل أن يبدأ الشعر عندما ينتهي التاريخ، والشعر يبدأ أيضاً عندما ينتهي الواقع، وتتوقف الوقائع العادية عن سردها لنفسها من خلال حدوثها، وخروجها عن مسيرتها وعاداتها اليومية الرتيبة. بمعنى إن الشعر لا يسجل ولا يعيد أحداث التاريخ، ولا يكرره ولا يغرق فيه، وهو ليس نسخة طبق الأصل عنه، باعتباره حدث منجز، عاشه الناس، فلماذا يكرره الشعر أو يعيده، بينما الصحيح هو إقامة العلاقة السليمة بين الشعر والتاريخ، عبر استيعابه برؤية جديدة تنتمي للغة والخيال والاكتشاف وللمستقبل، وتتجاوز الماضي بحدوده الضيقة والمعروفة والمعروضة علينا فوق شريط الزمن، لكنها تستفيد منه وتلامسه وتحاوره، وتعيد تصويره بطريقة آنية أنيقة ومختلفة، وليست كما كانت.
كذلك فالشعر لا يقوم بنقل الواقع الراهن كما هو ميكانيكياً، حيث سيهبط حتماً الى ما دون الواقع، ويفشل في تصويره، ولا يقدم شيء جديد، أو شيء غير مرئي ومختلف وضروري، كحاجة شعرية. لذلك يقوم الشعر باستخدام الخيال والحدس والعواطف الخارقة، لإنجاز عمل إبداعي آخر. هذا مقياس معين، ومقياس واحد، من مقاييس عديدة لا يمكن حصرها أو جمعها في قالب واحد أو خانة واحدة، ثابتة أو شبه ثابتة، إنما الشعر وعموم الإبداع، فضاء مفتوح على المجهول وعلى الجديد، وذاهب الى المجهول والى الخطوة الأخرى، وهذا سر التدفق والتحول والتجاوز الدائم في الشعر والإبداع، والذهاب إلى النقطة القادمة المجهولة.
ربما يقوم الشعر أحياناً وبشكل مؤقت باستعارة من التاريخ ويقوم باستنطاقه، ومد الجسور معه، من خلال أعادة صياغته صياغة مستقبلية جديدة، وليس أعادته وتكراره وتسجيله، بأي شكل من الأشكال، ولا بأي درجة من الدرجات السابقة المحققة، فهذه مهمة المؤرخ وليس الشاعر، كما ينبغي الحذر من الفوضى في التاريخ، أو التعامل بطريقة سطحية مع قسمه الأسطوري الغائم، أو قسمه المغلق وغير المدقق والواضح. رغم الحرية المطلقة التي يمنحها الشعر في الكتابة عن كل شيء.
التاريخ خزان هائل من خزانات الحياة السابقة وصفحاتها الطويلة، المفتوحة أو المطوية، ومصدر من مصادر الفكر والأدب والشعر والتجارب الفردية والجماعية والشواهد على ما مر وانقضى. فهو سجل المنجز من الأحداث والوقائع والكتابات السابقة وأشكالها، وهو ينتظر ما ينجز الآن، أو ما ينجز لاحقاً ليصبح تاريخاً فيما بعد. بينما يسعى المستقبل الى وضع إضافاته الجديدة والضرورية ( الحتمية)، كي يحقق ذاته المؤقتة باعتباره مستقبل مؤقت، مع تطور الوعي والاكتشاف وأدوات الإبداع وتراكم التجارب والمعرفة، قبل أن يتحول عاجلا أم آجلاً إلى ماض بعيد جرى إنجازه، وتجاوزه الزمن وضمه تحت جناحه الواسع والمفتوح، ذلك الجناح الذي نسميه التاريخ.
وبمعنى معين، فالتاريخ لا يقبع في الماضي المغادر فقط، إنما يتكون في المستقبل أيضاً، عندما تستمر الصيرورة والحركة والحياة ودورتها المتلاحقة، وما تأتي به. فلذلك لا يمكن حبس أي شيء، بما فيه التاريخ نفسه في تاريخه السابق فقط، وهذا ما يمكن إنجازه من خلال عملية النقد والمراجعة والتجاوز وفتح جميع الأبواب والممرات المتجاورة والمتداخلة، والأبواب المتناقضة والمتعارضة بين جميع الظواهر. عندها يتم الاستمرار والتجاوز وانسياب الضوء الباهر، على جسد التاريخ وأجزاءه المعتمة، وعلى جسد الشعر.
لم يكن التاريخ دائماً ( بالمعنى الحديث ) مصدراً من مصادر الشعر، على الأقل في بداية الكتابة، أو فيما قبل الكتابة، حيث كان الشعر يساهم في صنع ما نسميه تاريخاً، أو كانا يسيران سوية، ويصنعان الأحداث والذاكرة الزمنية والذوقية معاً.
 العلاقة الصحيحة والمفيدة مع التاريخ، لا تتأتى بعودتنا إليه، والجلوس في ممراته وكتبة ومصادره وأسانيده وكهوفه والتحول إلى جزء منه، أي من شيء كان ومضى، إنما بمجيئه إلينا، من خلال قراءته ونقده وتحريكه واستقدامه وإشراكه كأداة  صالحة تعمل مع الحاضر والمستقبل. هكذا يستفيد الشعر وباقي الفنون من التاريخ والتراث، ويتحولا إلى مادة حاضرة، طرية وخضراء.